المقادير لطبق إخباري مميز!

المقادير لطبق إخباري مميز!

اسأل أيَّ موظف في قسم الأخبار بأي محطة إخبارية في العالم -كقناة الجزيرة والقنوات العربية التي تنافسها- عن أهم ما يميِّز المحطة، فسيجيبك بأن التقارير الإخبارية التي يعدُّها المراسلون في الميدان هي أهم منتوج إخباري يميز المحطة، ولو أنها لا تتعدَّى دقيقتين أو ثلاثا حسب الحالات.

هناك أسباب موضوعية لذلك الرد، فالمحطة الإخبارية -كما يدل اسمها- تقوم على جمع الأخبار وتحريرها وانتقاء التعليقات وردود الفعل اليومية للأحداث التي تغطيها، وبذلك يكون التقرير التلفزيوني الإخباري اليومي هو القالب المهني والفني الأمثل لأداء مهمة بث الأخبار، وأنجع وسيلة لرواية القصة الإخبارية ضمن الشروط والمعايير المهنية المُتفق عليها لإنتاج ما يعرف بالتقرير الإخباري التلفزيوني.

ثمَّة حقيقة أولية يأخذها طاقم التحرير بعين الاعتبار أثناء عملية الإنتاج اليومية، وهي وجود جمهور تلفزيوني عالمي لاستهلاك الأخبار ومتابعة الأحداث الساخنة وغير الساخنة منها بشكل يومي. وعندما تصنِّف القنوات نفسَها بأنها قنوات إخبارية، فهي تسعى بذلك إلى تقديم خدمة إخبارية لجمهور يُفترض أنها تعرف حاجياته وتوجهاته وأذواقه، مما يفرض عليها -نتيجة لذلك- ضرورة اختيار نوعية مراسليها، وأسلوبا خاصا بها لإنتاج تقاريرها الإخبارية كي تتميَّز عن باقي الخدمات الإخبارية المنافسة، وتُشبع حاجيات مشاهديها.. إنها سوق حقيقية، لكن ذلك موضوع آخر.

تخضع تقارير الجزيرة الإخبارية المصوَّرة -على سبيل المثال- لشروط حدَّدتها القناة بالتعاون مع طاقمها التحريري الذي يدرك حاجيات مشاهديه الناطقين باللغة العربية أينما وُجدوا. ووضعت الجزيرة مقاييس فنية خاصة بها لتحديد شكل تقريرها الإخباري، كأسلوب التصوير وزوايا التقاط المَشاهد، وتركيب الصوت وإلقاء النص الإخباري من قبل المراسل، ضمن عملية معقدة ينجزها المراسل وفريقه على مراحل وبسرعة فائقة على الأرض، كي يكون التقرير الإخباري جاهزا.

يكفي هذا الوصف المقتضب هنا لإعطاء القارئ فكرة عن تعقيدات إنتاج تقرير إخباري تلفزيوني مهما بلغت بساطته.

التقرير الإخباري يتطلب طاهيا وبهارات

سأتذكر دائما العام 1988.. كنت أتدرَّب حينها في فرنسا على الصحافة التلفزيونية، وأنتبه إلى ما كان يردده أستاذي آنذاك.. كان يقول "عندما تبدأ إنجاز تقرير تلفزيوني إخباري، فأنت في الحقيقة كالطاهي الذي يُعدّ طبقا للأكل أو صحن بيتزا.. ستحتاج إلى المواد الأولية والبهارات المختلفة، ومكان إعداد الطبق بدرجة حرارة محددة".

إن مراسل التلفزيون والمصور والمونتير وقسم المهمات مجتمعين هم أشبه بذلك الطاهي الفرنسي، فهم يختارون كل يوم -بل كل لحظة- طبقا إخباريا، ويبذلون قصارى جهدهم كي يكون الطبق شهيا يقبله "الزبون" المشاهد، ويجده لذيذا فيسعى لطلبه مرة أخرى.. ذاك هو التقرير الإخباري الذي نصبو إليه في قناة الجزيرة التي -مثل باقي القنوات المنافسة- تريد من مشاهديها تناول طبقها الإخباري اليومي.

لكلِّ محطة أسلوب

بعد أن تقرِّر إدارة التحرير أن تغطي حدثاً ما في مكان ما، يكون أمام مراسلها في المكان وفريق عمله -في معظم الحالات- بضعُ ساعات فقط لإنتاج تقرير إخباري موضوعي، يلقي الضوء على الحدث بدل الرأي، ويلخّص في كلمات يسيرة أعقد القضايا.

ولعلي لا أبالغ إن قلت إن التقرير الإخباري الناجح يعتمد -إلى حد كبير- على مدى استعداد المراسل، بمعنى أن يكون في ذهنه خطَّة معينة وتصوّر أولي مبدئي عن شكل التقرير النهائي ومضمونه، حتى قبل بداية عملية الإنتاج.

ومن المهم أن يدرك المراسل التلفزيوني أنه سيكتب نصا مختلفا تماما عن القصاصة الإخبارية التي تنتجها وكالات الأنباء، فتلك الوكالات التي تبيع الأخبار لوسائل الإعلام تحرر نصوصا تقريرية تركز على الحدث وتفاصيله كما تحدث على أرض الواقع بلغة جافة، بينما المطلوب من هذا المراسل الذي يُفترض أن يطَّلع على رواية وكالة الأنباء قبل البدء في عمله، أن ينتج تقريرا تلفزيونيا يضيف قيمة إخبارية للصورة بكلمات أقل وأسلوب رشيق ومضمون واضح لجمهور المشاهدين.

ففي الثقافة التلفزيونية الفرنسية، يشبِّهون تقرير وكالات الأنباء الشهيرة بتقارير الشرطة التي يحررها الضباط من حيث الدقة والأسلوب التقريري الجاف.

لذا، فالمطلوب هو تقرير تلفزيوني سلس عكس رواية وكالة الأنباء، يروي القصة في تسلسلها الزمني بدقة، في جمل قصيرة تستخدم تجربة الأشخاص نموذجا لإيضاح الخبر وبناء التقرير بلغة سهلة.

وخير الأمثلة على ما طرحناه سابقا، تقارير مناطق التوتر والحروب، فالمذيع يقرأ من الأستوديوهات خبرا عن قرار إسرائيل استخدام الأسلحة الفتاكة لمواجهة المتظاهرين الفلسطينيين كما أوردته وكالات الأنباء العالمية، مع تطوير بسيط للغة المستخدمة من طرف المحررين في غرفة الأخبار. أما المراسل فسيروي للمشاهد الخبر ذاته، لكن عبر نماذج حية من فلسطينيين يواجهون الرصاص الإسرائيلي، وأسباب تلك المواجهة، دون إغفال تصريح إسرائيلي يشرح وجهة النظر الأخرى.

وفي النهاية، يعطي المراسل فكرة عن سياق الخبر والظروف التي أدت إلى تلك الأحداث، أي الاحتلال في هذه الحالة.

ومثل الطاهي، يجمع المراسل في بناء تقريره ما لديه من بهارات وأدوات، كالكاميرا والمصوِّر ومشاهد أرشيفية للاحتلال وضحاياه الفلسطينيين، وفيديو عن خبر اليوم (أي اجتماع الحكومة الإسرائيلية لقرار استخدام الأسلحة النارية).

مع هذا، تبقى تلك العناصر غير كافية لبناء تقرير تلفزيوني دقيق متابع للحدث كما تسعى إليه قناة إخبارية مثل الجزيرة، فيكون القرار التحريري بإنجاز تقرير متكامل يبدأ بإجراء مقابلات مع متظاهرين فلسطينيين على الأرض، باعتبارهم الطرف الآخر في الصراع.

ثم تكتمل عناصر التقرير بتصوير مشاهد من حياة متظاهر فلسطيني في بيته وفي الشارع، كيف يبدأ يومه؟ وكيف يستعد للتظاهر؟ ولماذا لا يخاف رصاص الاحتلال؟

هذا إلى جانب تصوير حديث تلفزيوني قصير بمقاييس فنية محددة، واقتطاف جزء مُعبر منه لاستخدامه في التقرير.

تلك فكرة رواية أيّ قصة إخبارية عبر تجربة الأشخاص ونظرتهم للأمور، بدل الاعتماد فقط على تصريحات مسؤولين رسميين.

ولن يكتمل التقرير التلفزيوني الإخباري إلا باستعادة قرار حكومة إسرائيل عبر ما يعرف باسم "المقطع الصوتي (Soundbite) بهدف التوازن والموضوعية، ثم "وقفة المراسل (Stand up) وسط أو نهاية التقرير لإضافة معلومات حول السياق (The context)، أي سياق قرار حكومة إسرائيل والانتفاضة الفلسطينية لإضفاء المصداقية على التقرير.

وفي عملية البناء هذه، على المراسل أن يراعي أولا عملية التصوير وأسلوب محطته، وغالبا ما يكون المراسل هو مَن يحدد نوعية المَشاهد وكيفية تصويرها، باعتباره الشخص الذي سيكتب للصورة أثناء عملية الإنتاج.

وقد اختارت قناة الجزيرة اتباع هدوء الصورة وثباتها أسلوبًا، كما قررت استخدام المشاهد العامة والواسعة ((Wide shots لمواقع الأحداث، واللجوء إلى اللقطات المكبرة (Close up) حين يستدعي الأمر إظهار الأحاسيس كالخوف أو الفرح، وليس الإثارة والاستغلال الرخيص لمشاعر الأشخاص في تجاربهم، علما بأن المراسل وفريق العمل سيسعون لاستخدام الصوت الطبيعي (Natural sound) للمتظاهرين، وأصوات الرصاص وحركة الشارع، وتوظيفها في الإنتاج النهائي للتقرير. ومن شأن الصوت الطبيعي في الكثير من الحالات أن يكون معبرا وكافيا لإعطاء فكرة واضحة للمشاهدين عن الحدث، دون الحاجة إلى كلمات من المراسل.

التقرير الإخباري التلفزيوني في مجالنا يعتبر علامة القناة وبصمَتها الحقيقية، فبقوة التقرير تتميز القناة وتقترب من مشاهديها، وبضعفه تفشل القنوات في جلب المزيد من المشاهدين.

هذا التقرير الإخباري هو رأس القاطرة وقوة الدفع للمحطات الإخبارية، وقد أصبح على مر السنين يخضع لمعايير ومقاييس أثبتت التجربة -والتجربة فقط- نجاعتها، فهو يستفيد من أساليب تصوير السينما والأفلام الوثائقية، ويحاكي أسلوب الإذاعة في الإلقاء والإيقاع، وتطوَّر حاليا ليصبح أسلوبا متكاملا مستقلا بذاته.