رصد وتفنيد التغطيات الصحفية المخالفة للمعايير المهنية في الحرب الحالية على غزة

في هذه الصفحة، سيعمد فريق تحرير مجلة الصحافة إلى جمع الأخبار التي تنشرها المؤسسات الصحفية حول الحرب الحالية على غزة التي تنطوي على تضليل أو تحيز أو مخالفة للقواعد المهنية للصحافة ومواثيق الشرف المهنية، وذلك بعد أن شهدت العديد من التغطيات الصحفية انتهاكات جمّة تضرب في قواعد العمل الصحفي من موضوعية واستقلالية ونزاهة في تغطيتها للأحداث الجارية في قطاع غزة. ستكون نافذة مفتوحة على الصحفيين والراغبين في المشاركة أو النقد أو التصحيح والتنقيح، انتصارا للحقيقة، والمهنة وممارساتها وأخلاقياتها. ستكون هذه المواد خاضعة لتقييم هيئة التحرير في مجلة الصحافة استنادا إلى معايير المهنة المتعارف عليها دوليا. كما أن النقاش المستمر سيتيح معالجة المواد لتحقيق التوازن والموضوعية والإنصاف.

يمكنكم تقديم مساهماتكم/مقترحاتكم عبر هذا الرابط 


الأربعاء 3 إبريل 2024

هل ساعدت وسائل إعلام غربيّة في ترويج رواية الاحتلال بعد استهداف طاقم "المطبخ المركزي العالمي"؟

أكّدت تحقيقات صحفية متعددة، من بينها تحقيق أجرته وكالة سند التابعة لشبكة الجزيرة، تعمّد استهداف طائرات جيش الاحتلال الإسرائيلي لمركبات تابعة لمنظمة "المطبخ المركزي العالمي"، كان من بينها سيارتان مصفحتان، ما أدى إلى مقتل سبعة أفراد من فريق المنظمة من جنسيات أجنبية مختلفة.

ورغم التنديد الواسع بالهجوم الذي اعتبره مراقبون إمعانًا في سياسة العقاب الجماعي على الفلسطينيين في قطاع غزّة المحاصر، وإصرارًا على القضاء على أي شكل من التضامن العالمي معهم، إلا أن وسائل إعلام غربيّة سائدة فضّلت تصدير الرواية الرسمية الإسرائيلية بشأن ما حصل، وتكرار ادعاءات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن الحادثة "غير متعمّدة".

برز ذلك في عناوين عدة صحف أمريكية، من بينها واشنطن بوست، التي نقلت في تحديثاتها حول الحرب على غزّة ما قاله الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي دانيال هاغاري، وكرره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأن الحادثة التي وقعت يوم الإثنين الماضي "غير متعمّدة" و"مأساوية".

SC

بيد أن الاستهداف المتعاقب لثلاث مركبات معًا تعمل ضمن مبادرة أعلنت أنّها تنسق عملياتها مع الطرف الإسرائيلي لا يترك مجالًا للتكهّن بشأن قصديّة الاستهداف وتعمّد جيش الاحتلال الحيلولة الفتك بمبادرة تطوعية كانت تقدم وجبات غذائية للفلسطينيين في ظل المجاعة التي تتفشّى في القطاع بفعل استمرار الحرب منذ أكتوبر الماضي.

إن تصدير وسائل إعلام غربية للرواية الإسرائيلية بشأن هذه الجريمة الجديدة ينطوي على عدة مخالفات مهنية وأخلاقية أساسية، من بينها:

  • إسقاط الاعتبار للحقيقة: وذلك عبر التلقّي غير النقدي للرواية الإسرائيلية التي حاولت تخفيف وطأة الجريمة عند الرأي العام العالمي نظرًا لجنسيات الضحايا المدنيين، والذين كان من بينهم أمريكي وأسترالي وكندي وبولندي وثلاثة بريطانيين
  • اللغة المضللة: ذلك أن المسارعة إلى تبنّي التوصيفات الواردة في الموقف الرسمي الإسرائيلي وتوصيفه للحادثة بأنها "مأساوية" و "غير متعمّدة" يخدم هدفًا مزدوجًا يتمثل في التدليل على "عقلانية" الطرف الإسرائيلي "ومسؤوليته"، وخلق الانطباع لدى القارئ الأجنبي عبر هذا التأطير اللغوي والشكليّ بأن عمليات جيش الاحتلال في الأغلب "دقيقة ومهنيّة"، وأن ما حصل مجرد استثناء شاذّ، وهو ما أثبتته عشرات التقارير الأممية نقيضه.
  • التوازن والحياد: بدا واضحًا محاباة الرواية الإسرائيلية في تغطية هذه الحادثة، على حساب التغطية الموضوعية لما يجب أن ينظر إليه باعتباره استهدافًا جديدًا للمدنيين، لا يفترق عن مجمل ما تسببت به الآلة العسكرية الإسرائيلية من جرائم خلال الأشهر الخمسة الماضية إلا بكون الضحايا هذه المرّة من جنسيات أجنبية غربية. إلا أن التقيّد مع ذلك بالرواية الإسرائيلية يخل بتوازن هذه التغطية ويبرهن من جديد على عدم حيادها.

SC

يدلّ هذا الشكل من التماهي مع موقف الاحتلال الإسرائيلي في وسائل إعلام غربية سائدة على رضوخ غير مهني وأخلاقي لحملته الدعائية، دون أي اعتبار للأدلة السياقية الوفيرة في حربٍ لم تتورّط فيها إسرائيل بمقتل عشرات الآلاف من المدنيين وحسب، وبل ولم تتورع خلالها عن استهداف مختلف المنشآت المدنيّة المحمية بالقانون الدولي، ولاسيما المستشفيات ودور العبادة والمدارس والجامعات وغيرها، وهو السياق الجليّ الذي لجأت هذه الصحف والشبكات إلى التعمية عليه في تغطيتها الخبريّة.

 


الثلاثاء 26 مارس 2024 

ثغرة جديدة في تقرير نيويورك تايمز بشأن ادعاءات العنف الجنسي في 7 أكتوبر

اعترفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بوجود ثغرة في تقريرها المثير للجدل بشأن ادعاءات العنف الجنسي الممنهَج في السابع من أكتوبر، وذلك بعد الاطلاع على مقطع فيديو يفنّد شهادة مسعف عسكري إسرائيلي كانت الصحيفة قد اعتمدت عليها لتشكيل روايتها عن الموضوع، ونشرَتْها في 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وكان المسعف العسكري، التابع لوحدة من القوات الجوية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، قد ادّعى معاينته لأدلة واضحة تشير إلى علامات هتك جنسي لفتاتين مراهقتين في كيبوتس بئيري في غلاف غزة، وأنهما كانتا شبه عاريتين حين وَجَدَ جثّتيهما. إلا أن نيويورك تايمز، التي تلقفت شهادته في التقرير من دون تحفّظ، اطلعت خلال الشهر الجاري على مقطع فيديو يقوّض تلك الشهادة، تظهر فيه الفتاتان بكامل لباسهنّ، وبلا أي علامات تدل على تعرّضهن لعنف جنسي.

وبما أنّ سجلّ الضحايا من ذلك الكيبوتس لا يتضمن أي حالات يتقاطع وصفها مع الوصف الوارد في الشهادة، فإن الصحيفة اعترفت بعدم دقّتها، وأقرت بأن الفتاتين لم تتعرضا على الأرجح لواقعة اغتصاب يمكن إثباتها، في تراجع واضح عن الادّعاء ذاته الذي أسهمت نيويورك تايمز في الترويج له رغم نفيه من شهود عيان آخرين، منهم أقارب بعض الضحايا ومسؤولون في الكيبوتس، كان آخرهم سيدة تدعى "نيلي بار سيناي"، نقلت التايمز شهادتها التي تقول فيها إن "القصة برمّتها مفبركة".

وتعدّ هذه هي المرّة الأولى التي تعترف بها نيويورك تايمز بوجود ثغرات تنزع المصداقية عن تقريرها الذي حمل عنوان "صرخات بلا كلمات"، الذي تصرّ الصحيفة على التمسّك به رغم جملة المخالفات الصريحة فيه التي أثارت جدلا وتوترا حتى داخل أروقة نيويورك تايمز نفسها؛ فقد كشفت تسريبات داخلية عن سحب حلقة من بودكاست "ذا ديلي" اشتملت على تحفّظات على التقرير، ولا سيما من ناحية التغاضي الواضح من قبل معدّيه عن التضارب البيّن في أقوال الشهود التي جرى جمعها، وأسلوب عرضها بلغة قطعية تعمدت الإثارة. وواجهت الصحيفة الأمريكية انتقادات واسعة بعد الكشف عن قبولها مساهمة صحفية إسرائيلية في التقرير تُدعى "آنات شوارتز"، تبيّن عدم امتلاكها لأي خبرة ذات صلة، عدا عن تأييدها لدعوات الإبادة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وإعجابها بتغريدات على منصة "إكس" تطالب بتحويل القطاع كلّه إلى "مسلخ"، وتغريدات عديدة أخرى ذات مضمون مشابه، عُرض بعضها شواهدَ في محكمة العدل الدولية، في القضية المرفوعة على إسرائيل.

إن إقرار نيويورك تايمز بهذه الثغرة في تقريرها لا يعفيها من اتخاذ الإجراء اللازم في مثل هذه الحالات، من الاعتذار العلني عن الإقدام على نشره، والاعتراف للقراء بنطاق التجاوزات المهنية والإشكالات الأخلاقية العديدة فيه، والتعهد باتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقيق في القضية وتحمل تبعاتها الأخلاقية والقانونية.

 


الأحد 24 مارس 2024 

لماذا يصمت الإعلام الغربي عن تقارير حول انتهاكات جنسية ضد فلسطينيّات في قطاع غزّة؟

تصدّرت الأخبار خلال الأيام الماضية شهاداتٌ صادمة لفلسطينيين حول صنوف الانتهاكات التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين في قطاع غزّة، ومن بينها جرائم الانتهاك الجنسي والاغتصاب. وقد جرى تداول الشهادات على نطاق واسع، واتّضح اتساقها مع ما ورد في شهادات عديدة سابقة خلال الأشهر الماضية من حرب الإبادة الجماعية على غزة، من بينها شهادات وثقها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، وتقارير أخرى تعاملت معها "بقلق بالغ" خبيرات أمميات لدى الأمم المتحدة تتحدث عن انتهاكات مماثلة ضد النساء الفلسطينيات في غزّة، توثّق تعرّضهنّ لأشكال مختلفة من الاعتداء الجنسي، من بينها الاغتصاب والتهديد به.

رغم ذلك، تتجاهل وسائل الإعلام الغربية السائدة هذه التقارير المدعّمة بشهادات متسقة من ضحايا وشهود، وتحجم غالبيتها عن مجرد التعامل الخبريّ معها ولو باعتبارها اتهامات يشيع تداولها على نطاق واسع، على غرار تعاطيها مع مزاعم العنف الجنسي في هجوم السابع من  أكتوبر، والاعتماد المفرط وغير المهني عليها للترويج لادعاءات مضللة، من قبيل وقوع اعتداءات جنسية "ممنهجة"، مثلما فعلت صحيفة نيويورك تايمز، في التقرير الذي جر عليها انتقادات واسعة، والذي ثبت اضطرابه وافتقاره للموضوعية في أكثر من تحليل.

إن اتخاذ هذا الموقف السلبي من تغطية تقارير حول الانتهاكات الجنسية الإسرائيلية في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، يشكّل دليلا جديدا يضاف إلى جملة الأدلة العديدة المرصودة على مدى الأشهر الماضية، من انتهاك العديد من وسائل الإعلام الغربية للقيم الصحفية الأساسية. ولعل من أبرزها في هذه الحالة: مبادئ الإنصاف والموضوعية والحياد، فضلًا عن التنازل عن مسؤولية العمل الصحفي في أداء دور الرقابة على السلطات ومساءلتها، ولاسيما فيما يمسّ اتهامات جسيمة صادمة تقع على النساء، وفي سياق حرب يجري النظر بها في محكمة العدل الدولية باعتبارها تخرق اتفاقية الإبادة الجماعية ويتورّط بها القائم بالاحتلال بجرائم كبرى موثّقة.


الإثنين 18 مارس 2024 

كيف تبنت نيويورك تايمز رواية الاحتلال حول استهداف مستشفى الشفاء؟

تشنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية اقتحام جديدة في مستشفى الشفاء، مستعينةً بالدبابات والطائرات المسيرة، في محاولة للقضاء بالكامل على القدرة التشغيلية المتبقية للمجمع الطبي الذي تعرضت أجزاء عديدة منه للتدمير في نوفمبر العام الماضي. وقد تبنّت نيويورك تايمز الأمريكية في تغطيتها رواية الاحتلال بشأن العملية، إذ كررت ادعاءاته بوصفها عملية "عالية الدقّة" في أجزاء من المستشفى، وأنه يتواجد فيه عناصر من قيادات حركة حماس "أعادوا تجميع صفوفهم" في المستشفى الأكبر في القطاع، بناء على "معلومات استخبارية جدّية".

كما أعادت الصحيفة سرد رواية الاحتلال بشأن حصول إطلاق نار باتجاه جنود إسرائيليين من داخل المستشفى، رغم نفي وزارة الصحة في غزة، وشهود عيان، لحدوث ذلك. من جهة أخرى، اكتفت الصحيفة بنقل ما أفادته الوزارة عن تعرض المجمع للقصف المدفعي، مع التأكيد على أن الوزارة "تابعة لحماس"، في محاولة لتأطير المعلومة ضمن الرواية التي يسعى الاحتلال لترويجها.

وكانت مدفعية الاحتلال، بحسب عدة صحفيين فلسطينيين من بينهم مراسل شبكة الجزيرة، قد قصفت مستشفى الشفاء وفرضت حصارًا على من فيه من الطواقم الطبية والصحفيين والنازحين والمرضى، قبل أن تبدأ أعداد من العائلات بالنزوح منه هربًا من نيران القوات الإسرائيلية بعد وقوع عدد من الضحايا بين المرضى والنازحين.

SC
خبر صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: "عودة حماس إلى أكبر مستشفى في غزة".

كما تناولت نيويورك تايمز هذه التطورات في خبر تفصيلي منفصل حمل عنوانًا يؤكّد الرواية الإسرائيلية بشأن "عودة حماس إلى أكبر مستشفى في غزة"، في اتساق مع الخط الذي تفرضه المؤسسة الرسمية الإسرائيلية في تناول هذا التطوّر، وتصدير الصوت العسكري الإسرائيلي في صياغته، وهو ما يشكل خرقًا متجددًا لمعايير الدقة والموضوعية الصحفية، وتنازلًا عن مسؤولية الإعلام في التحقق المستقل من المعلومات كلما أمكن، عدا عن إسقاط السياق الضروري بشأن عمليات الاحتلال في القطاع المحتل، ولاسيما استهدافه المباشر للمستشفيات وتدميره للقطاع الصحيّ، الذي  يعدّ جريمة حرب موصوفة.

من جهة أخرى، تجاهلت نيويورك تايمز خبر اعتقال جيش الاحتلال مراسلَ الجزيرة، إسماعيل الغول، من داخل مجمع الشفاء، بعد الاعتداء عليه بالضرب المبرّح، في تخلّ واضح عن الواجب المهني في تسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون، وتقويض الدور المفترض للصحافة في الدفاع عن الحريّات الصحفية ومساءلة السلطة، وبالأخص تلك القائمة بالاحتلال والمتهمة أمام محكمة العدل الدولية بارتكاب إبادة جماعية.

 


الأربعاء 6 مارس 2024 

هل تبنت "ليبيراسيون" رواية جيش الاحتلال حول مزاعم الاعتداءات الجنسية في 7 أكتوبر؟

في سياق محاولة إعادة الحياة إلى الرواية الأولى بشأن مزاعم حصول اعتداءات جنسية في هجوم السابع من أكتوبر، نشرت صحيفة ليبيراسيون، إحدى الصحف الفرنسية المؤثرة والمعروفة بتوجهها اليساري، مقابلة مع ميريت بن مايور، المتحدثة باسم الشرطة الإسرائيلية والمدعية السابقة.

تنطوي هذه المقابلة على مخالفات مهنية وأخلاقية يمكن إجمالها على النحو التالي:

أولا: رغم وجود تقارير موثقة وتحقيقات من منصات صحفية مختلفة تشكك -بل وتنسف- رواية الاعتداء أو الاغتصاب الجنسي التي روجها جيش الاحتلال في اليوم الأول للهجوم، فإن طريقة بناء المقابلة والمصطلحات الموظفة تعطي انطباعا بأن الصحفية التي أجرت الحوار موقنة بأن هذه الرواية دقيقة من دون أي دليل متين.

ثانيا: تعدّ النديّة من العناصر الأساسية للمقابلة الصحفية، لكن في ثنايا مقابلة ليبراسيون، كانت المتحدثة باسم الشرطة الإسرائيلية، تتحدث بأريحية وتستعرض المعلومات حول مسائل هي موضع شك وجدل، دون أن تكون الصحفية مستعدة للتشكيك في هذه الروايات، أو الاستدراك عليها بإعمال الحس النقدي وتذكير الطرف الذي تحاوره بوجود تقارير ومقالات عديدة تؤكّد عدم وجود أية أدلة جنائية على الادعاءات المتداولة، إضافة إلى شهادات أفراد من أسر الضحايا تنفي شبهة وقوع الاعتداء الجنسي.

ثالثا: ثمة شبهة قد تصل إلى التعمد في تبني رواية الجيش الإسرائيلي بشأن موضوع الاعتداءات الجنسية. تقول المتحدثة باسم الشرطة: "نتحدث عن الاغتصاب، وقطع الأعضاء الجنسية، الأنثوية والذكورية، ونتحدث كذلك عن إطلاق النار في اتجاه الأعضاء التناسلية، واللمس الممنهج. إننا نتحدث عن الضحايا من النساء، ولكن من الرجال أيضا... وثقنا شهادة امرأة أخبرتنا أنها شهدت حادثة اغتصاب خلال المهرجان...". هذه سلسلة تُهَم أطلقتها بينما الصحفية تنتقل إلى السؤال التالي، وكأن الأمر يتعلق بحقيقة ناجزة مسنودة بحقائق ووثائق وشهادات.

رابعا: يرأس تحرير صحيفة ليبيراسيون دوف ألفون Dov Alfon، العضو السابق في المخابرات الإسرائيلية، وقد نشر كتابا عن "الوحدة 8200" في الجيش الإسرائيلي، ما قد يؤثر على التغطية المهنية لحرب الإبادة الجماعية على غزة، أو على الأقل يوجِد شبهة للتحيز للرواية الإسرائيلية ربما ترقى إلى "التضارب في المصالح"، وبيان ذلك شكل المقابلة المنسجم تماما مع السردية الإسرائيلية بشأن ما وقع يوم 7 أكتوبر.

خطورة إحياء رواية الاعتداء الجنسي تكمن في أنها وُظِّفت من طرف جيش الاحتلال لتبرير حرب الإبادة الجماعية على فلسطين، وقد تُشكِّل غطاءً لمواصلة جرائم الحرب في غزة وتأبيد الاحتلال الذي تدينه الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.

 


الثلاثاء 5 مارس 2024 

أدلة متزايدة على تداعي تقرير نيويورك تايمز بشأن "العنف الجنسي" في 7 أكتوبر

تتكشف العديد من الأدلة التي تقوِّض رواية نيويورك تايمز بشأن ادعاءات "العنف الجنسي" في 7 أكتوبر 2023، بعنوان "صرخات بلا كلمات". كان آخر هذه الأدلة ما كشفه موقع "ذا إنترسيبت" الأمريكي من معلومات بشأن اثنتين من الضحايا الثلاث الواردة أسماؤهن في تقرير نيويورك تايمز، وتأكيد مسؤولين في "كيبوتس بئيري" حيث وقع الهجوم، أنهما ليستا ضحيتي عنف جنسي بحسب ما ادّعى التقرير.

وقد كان لمادة نيويورك تايمز المنشورة في ديسمبر/كانون أول الماضي دور في الترويج لادعاءات وشهادات متضاربة تناقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، وإضفاء مصداقية عليها باعتبار السمعة التي تتمتع بها الصحيفة الأمريكية، على الرغم من عدم توفر أي أدلة شرعية رسمية أو شبه رسمية تؤكدها، بل وعلى الرغم من تراكم الأدلة الظرفية جميعها على عدم صحتها، وكان آخرها تكذيب رواية الصحيفة بشأن اثنتين من الضحايا المفترضات.

فبحسب مسؤولة في مجتمع الكيبوتس الذي وقعت فيه اشتباكات مع مسلحين فلسطينيين يوم 7 أكتوبر، فإن الضحيتين اللتين شكلت قصتهما دعامة أساسية لتقرير نيويورك تايمز، لم تتعرضا في الأغلب لأي عنف جنسي. كما أكدت المسؤولة، واسمها ميشيل بايكِن، أن كثيرا من الشكوك تحوم حول ادعاءات قدّمها مسعفون إسرائيليون متطوعون مع منظمة "زاكا"، وهي منظمة يمينية متطرفة ومعروفة بافتقارها إلى المصداقية. كما سبق أن شكك أفراد في عائلة الضحية الثالثة، غال عبدوش، أيضا بالقصة التي وردت في تقرير الصحيفة عن تعرضها لاعتداء جنسي، وهو ما ينزع الصدقية عن القصص الثلاث التي استند إليها التقرير.

وكانت تقارير سابقة قد أثارت عدة تحفظات أساسية تطعن في صدقية التقرير وموضوعيته وتفنِّد الخلاصات التي توصل إليها؛ من ذلك تورط واحدة من معدي التقرير، وهي "آنات شوارتز"، بمخالفات مهنية وأخلاقية جسيمة، بعد جمع شواهد تدل على تحيزها المسبق ضد الفلسطينيين وتأييدها للأعمال الانتقامية بحقهم، إضافة إلى تحمسها لدعم الدعاية الرسمية الإسرائيلية والحشد لها، وهو ما دفع الصحيفة أخيرا إلى فتح تحقيق بشأن هذه المخالفة، من دون الإعلان عن أي توجه للتراجع عن التقرير الأصلي وبيان أوجه الخلل العديدة التي تضمنها.

 


الأربعاء 21 فبراير 2024 

كيف تجاهلت وسائل إعلام غربية تقريرا أمميا عن انتهاكات جنسية إسرائيلية في حق الفلسطينيات؟

حذر تقرير صادر عن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من مغبة التغاضي عن شهادات موثوقة تتعلق بانتهاكات صارخة تقع على النساء والفتيات الفلسطينيات في قطاع غزّة والضفة الغربية، في ظل الحرب والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة منذ زهاء خمسة أشهر.

وقد اشتمل التقرير على آراء سبع خبيرات في الأمم المتحدة بشأن ما تتعرض له الفلسطينيات من اعتداءات وانتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية والتهديد بالاغتصاب والعنف الجنسي. كما تضمّن التقرير إفادة من الخبيرات ترجّح حصول واقعتَي اغتصاب على الأقل في حق محتجزتين فلسطينيّتين خلال الفترة الماضية من قبل جنود في الجيش الإسرائيلي.

ورغم المصداقية العالية التي يتمتع بها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان والخبراء العاملين فيه، واعتماد التقرير على تقييم للحالة من أبرز الخبراء التابعين للأمم المتحدة، ومنهم ريم السالم المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات في المنظمة، وفرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة بالمعنية بحالة حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة، فإن العديد من وسائل الإعلام الغربية السائدة تعاملت مع الأمر بتجاهل تام.

والحال أن هذا التجاهل يأتي على الرغم من العناية الكبيرة لدى هذه الوسائل الإعلامية نفسها في الآونة الأخيرة، بالتغطية الحثيثة لادعاءات مشابهة غير موثقة وجرى الطعن بها، عن اعتداءات جنسية على فتيات إسرائيليات في هجوم السابع من أكتوبر. كان من أبرز تلك المحاولات تقرير مطول لنيويورك تايمز، أثارت ضروب التناقض فيه جدلا كبيرا حتى داخل المؤسسة نفسها؛ إذ استاء صحفيون فيها من نشر التقرير من دون خضوعه لمعايير التحقق الأساسية، واعتماده على ادعاءات لا تقوم عليها أي أدلة معتبرة، بل وتم تفنيدها حتى في وسائل إعلام إسرائيلية.

إن تجاهل العديد من وسائل الإعلام الغربية السائدة هذا التقرير الصادر عن هيئة أممية موثوقة، والتغاضي عن العديد من التقارير الصحفية المروّعة التي توثّق نمطا ممنهجا من مثل هذه الاعتداءات على الفلسطينيات، يدلّ على تواطؤ يتقصّد تغييب الرواية الفلسطينية، واتفاق على ضرورة الاستمرار في شيطنة الفلسطينيين ونزع الإنسانية عنهم، ما دام ذلك يخدم الرواية الإسرائيلية، وفي ذلك خرق لعدد من القيم الصحفية الأساسية، نذكر منها:

  1. الإنصاف والتوازن

فعلى وسيلة الإعلام التي تتمتع بالمهنية والمسؤولية أن تلتزم بتغطية متوازنة، ولا سيما في سياق حرب إبادة منظور فيها أمام محكمة العدل الدولية، راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين، وأدت إلى تدمير 70 بالمئة من مساكنهم، عدا عن تدمير البنى التحتية بأكملها، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجامعات وكل المنشآت الأساسية لسير الحياة المدنية بحدها الأدنى.   

  1. الموضوعية

يشكّل هذا السلوك في وسائل الإعلام الغربية في تخصيص المساحة للتغطية والتعاطف بناء على هوية الضحايا انتهاكا واضحا لمعيار الموضوعية وضرورة اتخاذ مسافة متساوية، على الأقل، بين أطراف أي قضية.

  1. الاستقلالية

تبدو وسائل الإعلام الغربية في إصرارها على التعمية عن الانتهاكات الإسرائيلية في حق الفلسطينيين وكأنها تفصح عن اصطفاف مبدئي لصالح طرف دون آخر، يتيح لها تجاوز القيم التي تدعي تمثيلها والدفاع عنها، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة عن استقلاليتها التحريرية فيما يخص تغطية هذه القضية وسواها.

  1. المسؤولية

تتخلى وسيلة الإعلام عن مسؤوليتها إزاء الجمهور حين تفرد تغطية لزاوية معينة في إحدى القضايا على حساب أخرى، وهو ما قد يرقى إلى مستوى التضليل المتعمّد، عدا عما يترتّب على هذا السلوك من إساءة للضحايا من كل الأطراف.

 


الإثنين 22 يناير 2024 

هل حاولت نيويورك تايمز تبييض صورة جيش الاحتلال بتوظيف ورقة "النسوية"؟

نشرت صحيفة نيويورك تايمز في غلاف عددها المطبوع ليوم 20 يناير/كانون الثاني تقريرا يحاول الإشادة بجهود "النساء" في الجيش الإسرائيلي الموجودات على جبهة غزة، تحت عنوان"نساء إسرائيل يقاتلن على الخطوط الأمامية". فما أبرز المخالفات المهنية التي ارتكبتها نيويورك تايمز في هذا التقرير؟

  • حاول التقرير تصوير مشاركة النساء في جيش الاحتلال الإسرائيلي ضمن حربه على قطاع غزة بوصفه انتصارا لحقوقهن ونضالهن في المساواة مع الرجل، وكأن هذا الانتصار جاء في سياق نيل حق التصويت أو المساواة في الحقوق، لا المشاركة في حصار الفلسطينيين في قطاع غزة وتجويعهم وقتلهم، حسب تقارير موثقة للمنظمات الحقوقية.
  • تجاهل تقرير نيويورك تايمز حقيقة أن أولئك النساء هُنّ في واقع الأمر جنديات وضابطات في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأنهن متهمات بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في حق الفلسطينيين في قطاع غزة، وقتل قرابة 25 ألفا في القطاع 70% منهم من النساء والأطفال.
  • على الرغم من أن التقرير ذاته يذكُر أن "24 ألف فلسطيني قتلوا منذ السابع من أكتوبر جلهم من النساء والأطفال"، فإنه ينسب القاتل للمجهول؛ إذ إن ذكر حقيقة أن هؤلاء الفلسطينيين قُتِلوا على يد الجيش الإسرائيلي قد يثير التساؤل عن دورهن في تقرير يحاول تمجيدهن.
  • سعت الصحيفة في تقريرها إلى تأطير قصص المجندات النساء والدور الذي يلعبنه في الحرب بوصفه إنجازا للحركة النسوية، وأن ما حققته هؤلاء المجندات من أجل قبول وجودهن على الخطوط الأمامية للقتال هو نضال يستحق الثناء، بعد أن كان هناك حالة من "الجدال الطويل بين المحافظين والنسويات" بشأن دور النساء في الجيش الإسرائيلي، مع نزع كامل لسياق هذه المشاركة وحجم الجرائم التي تتابَعُ عليها إسرائيل في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية.
  • عرضت نيويورك تايمز التقرير ضمن قالب تحريري بأسلوب عرض قصص نجاح النساء في العالم مِمّن نجحن في تحدي القوانين والقواعد المجتمعية المقيِّدة لحقوقهن، مثل نضال النساء لنيل حق التصويت، أو حق المساواة في الأجور، وغيرها، في محاولة ربما لاستثمار وقع هذا النوع من التقارير على النساء، ولا سيما ناشطات الحركة النسوية اللواتي يناضلن من أجل نيل حقوقهن المشروعة. وربما ينطوي الأمر على نوع من تبييض سمعة المجندات الإسرائيليات اللواتي "ناضلن" من أجل نيل المساواة في القتال على الخطوط الأمامية، ضمن جيش يُعَدّ قوة احتلال وفق القوانين الدولية، ومتهم بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في حق الفلسطينيين بغزة. 
  • في المقابل، فإن الصحيفة تجاهلت ظروف النساء في قطاع غزة اللواتي يعانين -منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي على الأقل- من القتل والحصار والتجويع والتهجير بسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. يشير تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أنه في كل ساعة تُقتَل اثنتان من الأمهات في قطاع غزة، وأن قرابة مليون سيدة وفتاة تم تهجيرهن، إلا أن نيويورك تايمز عمدت إلى تجاهل هذه المعاناة المستمرة للنساء الفلسطينيات، والتركيز على قصص مجندات إسرائيليات في جيش يخضع للمحاكمة في محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جريمة حرب، ضمن تقرير على غلاف الصحيفة باعتباره حدثا جللا.

يأتي تقرير نيويورك تايمز بعد أسابيع قليلة من نشر الصحيفة ما ادعت أنه تحقيق يثبِت تورط حماس بجرائم اغتصاب في حق نساء إسرائيليات يوم السابع من أكتوبر 2023، الذي تبين أنه ينطوي على مخالفات مهنية كبرى تشكك في كل الادعاءات التي خلُص إليها والشهادات التي ادعى أنه استند عليها، كما وضحنا في مجلة الصحافة قبل أسابيع.

2


الأحد 21 يناير 2024

"إن بي سي" وتغطية الحرب على غزة.. لماذا تتجاهل مسؤولية إسرائيل عن انهيار المنظومة الصحية؟

تعاني المنظومة الصحية في قطاع غزة المحاصر من حالة انهيار شبه كاملة، جراء تواصل الهجمات الإسرائيلية منذ نحو ثلاثة أشهر، راح خلالها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى. ورغم الاستهداف المباشر لجيش الاحتلال الإسرائيلي للمنشآت المدنية كافة في القطاع، بما فيها المستشفيات والمراكز الصحية ومراكز الإيواء، وتقييده دخول المساعدات العاجلة من غذاء ودواء، فإن وسائل إعلام غربية ما تزال تتجنب الإشارة إلى مسؤوليته المباشرة عن الكارثة الحاصلة، التي تهدد بمقتل الآلاف جراء الجوع وعدم توفر سبل العلاج الأساسية.

ففي تقريرها عن انهيار القطاع صحيا، وما يرافق ذلك من استمرار الموت البطيء والمؤلم بين الفلسطينيين في غزة، أخفقت شبكة "إن بي سي" الأمريكية في بيان الطرف الفاعل والمسؤول عن ذلك؛ وهو الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يرد ذكره إلا في فقرات متأخرة، وفي سياق التذكير بهجمات السابع من أكتوبر، وعدد القتلى الإسرائيليين الذين وقعوا في ذلك الهجوم. وتجدر هنا الإشارة إلى أن التقرير يشير إلى هذا العدد من دون تقييده بذكر المصدر، بخلاف ما حصل عندما أتى على ذكر عدد الضحايا الفلسطينيين؛ إذ حرص المحرر على التنويه بالمصدر، وهو وزارة الصحة في غزة [التي تسيطر عليها حماس]، في حين تخفق الشبكة في ذكر السياق الأساسي الذي تقع فيه هذه الحرب التي أودت بحياة أكثر من 25 ألف شهيد من الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال.

كما تتجنب الشبكة ذكر الطرف المسؤول حتى عند نشر المادة على حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يشير إلى سياسة عامة تتسق مع الخيارات التحريرية المعتمدة لدى عدة وسائل إعلام أمريكية وغربية سائدة، جرى رصدها خلال الأسابيع الماضية.

إن المسؤولية الإسرائيلية عن انهيار القطاع الصحي في غزة أمر موثّق، وهو وإن بات بحكم المعلوم بحسب ما نقلته التغطية الصحفية من داخل القطاع، فإنه كذلك موثّق في عدد من تقارير المنظمات الحقوقية العالمية، ومنها هيومان رايتس ووتش، كما يمكن العثور على أدلّة وافية على ذلك في المرافعة القانونية التي قُدّمت ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية في البند الرابع من ملف القضية.

إن الاتفاق على الحديث عن الكارثة دون ذكر الطرف المتهم بالتسبب بها، رغم وفرة الأدلة على ذلك، يمثّل جانبا من المخالفات المهنية في شكل التغطية للحرب على غزة في وسائل إعلام أجنبية عديدة؛ إذ يقع ذلك على حساب الموضوعية والدقة، على نحو يقوّض واجب الصحفي في تعزيز المساءلة ورصد الانتهاكات أثناء الحروب وفضح جرائم الحرب والسعي إلى توثيقها ووقفها.

 


الأحد 14 يناير 2024

"نيويورك تايمز" تتجنّب بيان مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن تجويع الفلسطينيين في غزة

1

تدخل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يومها المئة، وقد وصل عدد الشهداء إلى زهاء 24000، النسبة الأعلى منهم من الأطفال والنساء، بينما تجاوز عدد الإصابات المسجلة 60000 إصابة، بحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع.

وإلى جانب ضراوة الحرب التي تحمل -بحسب ما أوضح الصحفيون من الميدان والخبراء القانونيون- ملامح الإبادة منذ أسابيعها الأولى، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي متورط أيضا في استخدام الجوع سلاحا في مواجهة المدنيين بالقطاع. وهو بذلك يفرض واقعا من استحالة الحياة، بحسب ما أوضحت تقارير أممية، كتلك الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، التي اتفقت جميعها، رغم تقصيرها عن ذكر الطرف المسؤول، على أن المدنيين في غزة يواجهون "احتمالا مباشرًا بالموت جوعا"، ولا سيما مع دخول فصل الشتاء وتزايد تكدس النازحين في ملاجئ تنعدم فيها مقومات المعيشة الأساسية.

ورغم أن تصريحات كبار المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية قد أعربت عن هذه السياسة بجلاء منذ بداية الحرب، فإن  جزءا كبيرا من الصحافة الغربية السائدة ما تزال تصر على التعامل مع كارثة المجاعة في القطاع على نحو يجعلها تبدو أقرب إلى كارثة طبيعية أو ذاتية، وذلك عبر الإصرار على إسقاط ذكر الطرف الإسرائيلي في التقارير التي تتناول القضية في أحسن الأحوال، كما أوضحنا في مادة سابقة، أو التزام الحرص على تقديم وجهة النظر الرسمية الإسرائيلية، مع تشكيل انطباع بضبابية المسألة وتعقيدها ميدانيا وقانونيا.

وقد تناولت موضوع المجاعة المرجح أن تضرب القطاع صحيفةُ نيويورك تايمز، عبر تقرير للصحفية المختصة بشؤون الصحة العامة ستيفاني نولن، حمل عنوان "مجاعة قريبة في غزّة". وقد أتى التقرير على غرار معظم تقارير الصحيفة التي تتعلق بالمأساة الإنسانية في القطاع، مشتملا على عدد من المخالفات المهنية، ولا سيما في عمليات التحرير والعرض التي تحرص على تعقيم التقرير من أي إدانة واضحة للاحتلال الإسرائيلي أو بيان مسؤوليته عن الخطر الذي يحيق بالمدنيين في غزة جراء القطع المتعمد للغذاء عنهم.  

ومن المخالفات التي اشتمل عليها التقرير نذكر ما يلي:

إسقاط ذكر الاتهامات المتعلقة باستخدام التجويع سلاحا في مواجهة المدنيين

خلا تقرير نولن من إشارة للاتهامات الوافرة الآن والمدعّمة بالأدلة بشأن السياسات الإسرائيلية وحملتها المنهجية لتنفيذ ما يرقى إلى عمليات تطهير عرقي في قطاع غزة، عبر توظيف الأسلحة الممكنة كافة، ومنها سلاح التجويع، وهو ما أكّده تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش، وعدد من التقارير المستقلة الأخرى، التي توضح نطاق وحتمية الكارثة الإنسانية المترتبة على قطع إمدادات الغذاء والماء عن السكان في قطاع غزّة، ومسؤولية الاحتلال المباشرة عن ذلك. وحتى في المواضع التي اقتبس فيها التقرير رأيا يتحدث عن ارتباط المجاعة في حال حدوثها بقرار سياسي أو عسكري، فإن ذلك يظل مقترنا بالإشارة إلى مسؤولية المقاومة الفلسطينية عن الكارثة المتفاقمة، بما في ذلك الإشارة إلى اتهامات الفساد واستغلال المقاومة للمساعدات والاستحواذ عليها. كل ذلك يحيل المجاعة التي يتأثر بها زهاء مليوني إنسان إلى موضوع للجدل غير المحسوم، لا يتضح فيه "ما إذا كانت المجاعة نتيجة إستراتيجية متعمدة لاستهداف المدنيين أو نتيجة غير مقصودة وحتمية لهجوم إسرائيل على حماس"، وهو ما يجعل من الصعب بحسب التقرير التعامل العاجل مع القضية ومعالجتها وفق القانون الدولي.

تخصيص مساحة موسعة لرواية الاحتلال

رغم اشتمال تقرير نولن على ما قد يوحي بتوجيه أصابع الاتهام لطرف يقوم بفعل التجويع ويفترض أن يتحمل المسؤولية عنه، فإن التقرير سرعان ما يُتبِع ذلك بوجود سجلّ من النفي الإسرائيلي الرسمي القطعي فيما يخص هذه المسألة، كما يضمِّن تعقيب متحدث رسمي باسم جيش الاحتلال، ردّ فيه على الاتهامات التي تفيد بأن الجيش مسؤول عن نقص الغذاء في غزة؛ إذ يخصص التقرير ست فقرات كاملة لسرد الموقف الإسرائيلي الرسمي، اشتملت على ادعاءات يسهل دحضها، ومنها ادعاء وجود "كمية كافية من الغذاء في غزة". كما ينقل التقرير عنه قوله إن "إسرائيل لن تقف عائقا أمام تقديم المساعدات الإنسانية للناس في غزة، ما داموا غير متورطين في الإرهاب"، مع ترك المجال له لتكرار المخاوف الوجودية لدولة الاحتلال وتبريرها الحرب ونتائجها على هذا الأساس، عبر العودة إلى ما حصل في السابع من أكتوبر.

إن تقرير نيويورك تايمز بشأن المجاعة في غزة لا يخلو من عدد من المخالفات للمعايير المهنية الأساسية، ومنها الاتزان في عرض وجهات النظر، وضمان العدل في المساحة المخصصة لكل منها؛ إذ خلا التقرير من رأي الطرف الفلسطيني بمختلف أطيافه، وهو ما يعزز الشك بمستوى الحياد والموضوعية، ويبدد الثقة بالعمليات التحريرية المعتمدة في مجمل المواد التي تتناول القضية الفلسطينية. كما لم يمانع التقرير تصدير الرواية الإسرائيلية الرسمية على حساب الروايات الأخرى، رغم أن الطرف الإسرائيلي -باعتباره القوّة المحتلة لقطاع غزة- هو المسؤول وفق القانون الدولي عن سلامة الناس فيه، وهو القانون الذي يحظر على أي دولة احتلال فرض عقوبات جماعية على الشعب المحتل، كما ينفي حقّ دولة الاحتلال استخدام ذريعة الدفاع عن النفس أو القضاء على "الإرهاب" لارتكاب أعمال إبادة جماعية أو جرائم حرب، ومنها جريمة التجويع.

 


الثلاثاء 9 يناير 2024 

هل تخضع تغطية الشأن الفلسطيني في "سي أن أن" للرقابة الإسرائيلية؟

كشف تحقيق صحفي صادر عن موقع "ذا إنترسيبت" عن شكل من العلاقة التعاقدية بين شبكة "سي أن أن" الأمريكية -عبر مكتبها في القدس- وجيش الاحتلال الإسرائيلي؛ الذي فرض نفسه رقيبا عسكريا على كل ما تنشره الشبكة بشأن فلسطين وإسرائيل، بما يضمن تحكّمه بالرواية التي تعرضها إحدى أهم الشبكات الإخبارية وأكثرها تأثيرها في العالم.

فيما يلي خلاصات أساسية مستقاة من التحقيق:

  • تدير وسائل إعلامية كبرى تفاهمات مع جيش الاحتلال الإسرائيلي في حربه على غزة، ضمن ما يظهر أنه حملة إعلامية موجهة ومنضبطة بما يسمح بنشره "الرقيب العسكري"، وهو في هذه الحالة الجيش الإسرائيلي الذي يسعى عمليا إلى حظر الحديث عن أي انتهاكات في حق المدنيين، أو التطرق لأي جوانب قد تشكل إحراجا للقيادة السياسية والعسكرية لدولة الاحتلال، وتقديم رواية متماسكة عن مجريات العملية العسكرية التي ينفذها، وهو ما تلتزم به الشبكة الأمريكية، وعلى نحو رسمي من إدارتها العليا.
  • بحسب تقرير "الإنترسبت"، فإن شبكة "سي أن أن" -التي تشترط أن تمر كل الأخبار والتقارير التي يعدها الصحفيون عن فلسطين أو إسرائيل عبر  مكتبها في القدس، وتعين مجندين سابقين في "وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي" وتتعاون معهم- تحرص وفق هذه العلاقة على تحييد كل ما من شأنه ألا يخدم أهداف الحملة العسكرية الإسرائيلية وعناصر سرديتها؛ فتحظر مثلا استخدام قائمة من العبارات المحرمة، مثل "جرائم الحرب" أو "الإبادة"، أو نسبة ما يظهر أنه استهداف مباشر للمدنيين وإعدام لهم إلى الجيش الإسرائيلي وجنوده. وفق هذه السياسات التحريرية الصارمة، يتحول "القصف الإسرائيلي على غزة" إلى "انفجارات في غزة"، كما يجري التخلص في معظم العناوين ما أمكن من الجمل الخبرية، ومن الصيغة الفاعلية للمعلومة التي تُحوّل إلى صيغ مبنية للمجهول؛ فيصبح الفاعل غير مسمى حين يكون هو الطرف الإسرائيلي. هذه السياسات التحريرية نفسها متبعة من قبل عدة وسائل إعلام غربية كبرى مؤثرة، ملتزمة ضمنا بقيود الرقيب الإسرائيلي.
  • كما يكشف التقرير -نقلا عن موظفين في الشبكة الأمريكية- أن سياسة التحرير في مكتب "سي أن أن" في القدس تتعامل مع المصادر والمعلومات الإسرائيلية مع منحها أفضلية التصديق المبدئي، في مقابل تضييق شديد على أي اقتباسات أو معلومات واردة من مصادر فلسطينية؛ إذ تخضع لعمليات فلترة مفرطة بالنسبة إلى الطريقة التي يجري التعامل بها مع المصادر الإسرائيلية.
  • في حين تدعي "سي أن أن" الحرص على "الدقة والمضبوطية" في نقل الأخبار المتعلقة بالحرب على غزة، وأن أثر "الرقيب" الإسرائيلي محدود، إلا أن التقرير قد كشف على نحو واضح أن إدارة الشبكة قد صاغت توجيهات وسياسات تمنح الأفضلية بشكل واضح للرواية الإسرائيلية، دون أي اعتبار للتوازن الصحفي المفترض تطبيقه.
  • من المخالفات التي رصدها تحقيق "الإنترسبت" تواصُلُ إدارة الشبكة مع شبكة محرريها المعنيين عبر رسالة بالبريد الإلكتروني، مؤرخة في 26 أكتوبر 2023، توصي بوصف وزارة الصحة في غزة بـ"الخاضعة لحماس" أو "التي تسيطر عليها حماس"، وذلك في كل مرة يُعرَض فيها عدد الشهداء الفلسطينيين. وهذه الممارسة لا تقتصر على "سي أن أن" وحدها، بل تشترك فيها معظم وسائل الإعلام الغربية المهيمنة، التي أمعنت طوال الأشهر الماضية في تجاهل كل التقارير المستقلة وآراء الخبراء الذين أكدوا مرارا أن بيانات وزارة الصحة في القطاع تمتعت بمصداقية عالية طوال جولات الصراع الماضية، وأنه لم يسبق تسجيل أي حالة تدل على تلاعب بالأرقام بهدف تضخيمها.
  • ثم، وفي رسالة بريدية أخرى من المدير العام للمعايير والممارسات في شبكة "سي أن أن"، مؤرخة في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ورد إيعاز واضح بتجنب التعاطي مع تصريحات قادة المقاومة الفلسطينية إلا في حال ضمان إدراجها في سياق يوضح أنها "استفزازية وجزء من دعاية موجهة". وهو معيار ينطبق فقط على الطرف الفلسطيني دون الإسرائيلي.

إن المعلومات التي اشتمل عليها تقرير "الإنترسبت" تكشف عن مدى التأثير الإسرائيلي الرسمي في تغطية شبكات إعلامية كبرى مثل "سي أن أن"؛ التي ارتضت العمل تحت الرقابة الرسمية لدولة الاحتلال، دون أي تحرج من تبني الرواية التي تفرضها والالتزام بالقيود على الموضوعات والقضايا التي يُمنَع التعاطي معها؛ مثل المعلومات عن الرهائن أو الأدلة على ارتكاب المجازر، والالتزام بأن تخضع تغطيتها لمقص الرقيب وتوجيهاته، بعد عملية التحرير المنوطة بمكتب الشبكة في القدس المحتلة.

كما تمثل هذه المعلومات -التي تدل عليها طبيعة تغطية الشبكة للحرب في غزة- مؤشرات إضافية على تغاضي المؤسسات الإعلامية المهيمنة مثل "سي أن أن" عن معايير لطالما ادعت الدفاع عنها، وفي مقدمتها: حرية الصحافة، والاستقلالية، والموضوعية، والشفافية، وحق العامة في الوصول إلى المعلومة بلا قيود، إضافة إلى معايير المساءلة والنزاهة التحريرية وتضارب المصالح، وكلها جرى انتهاكاها على نحو صارخ في الأشهر القليلة الماضية منذ بدء الحرب على القطاع.

وسبق لمجلة الصحافة أن رصدت تمظهرات هذه الانتهاكات المهنية -سواء في تغطية "سي أن أن" أو وسائل إعلام غربية كبرى- التي اتسمت باتباع نهج، يبدو أنه موحد، في التعاطي مع الأخبار القادمة من غزة وفلسطين بالمجمل، وهو ما يفتح الباب أمام فرضية وجود تعليمات مماثلة داخل جزء من غرف الأخبار في تلك المؤسسات الصحفية.

 


الإثنين 8 يناير 2024

هل استخدمت ليبيراسيون "السرد المضلل" لاتهام حماس باستخدام المدنيين دروعا بشرية؟

ليبراسيون

 

أفردت صحيفة ليبيراسيون الفرنسية مقالا مطولا بعنوان: "حرب حماس وإسرائيل، يوم 7 أكتوبر أطلقت دبابة للجيش الإسرائيلي النار عمدا على منزل احتجز فيه 14 رهينة: عائلات الضحايا تطالب بالحقيقة".

تثير الصحيفة موضوعا يثير جدلا سياسيا كبيرا بإسرائيل ينتمي إلى باب الأسرار العسكرية الحساسة المشمولة بالتكتم يتعلق بقتل 14"محتجزا إسرائيليا بشكل متعمد بعد مواجهات مع مقاتلين من حماس".

في ثنايا السرد، تكتب الصحيفة: "في ظهر يوم 7 أكتوبر، وبينما كان القتال ما يزال محتدما في الكيبوتس، وجد الأمن والجيش الإسرائيليان أنفسهما في مواجهة ما يقارب 40 من رجال حماس متمترسين في أحد المنازل برفقة 14 رهينة استخدموا دروعا بشرية. وبعد تبادل إطلاق النار اتخذ الجيش قرار إطلاق النار على المنزل باستخدام دبابة".

أولا، لا يقدم المقال معطيات جديدة؛ فقد سبق لصحيفة هآرتس الإسرائيلية أن شككت في رواية الاحتلال بشأن ما حدث في "اليوم الأول"، بل ونشرت المعلومات والمعطيات نفسها مسنودة بمصادر في الجيش وفيديوهات مصورة من طائرة بثتها القناة 12. كما أنها اكتفت بتجميع قصاصات من مقالات منشورة سابقة خاصة في نيويورك تايمز.

لا تضيف الصحيفة الفرنسية المرموقة أي معلومات أخرى إلى الخبر السابق لهآرتس سوى بعض "الاستعراض السردي" ظاهره تشكيك في رواية إسرائيل عن قتل المدنيين لكن جوهره إدانة حماس وإفساح المجال لرواية واحدة لما جرى. يمكن أن نستنتج ذلك بوضوح من خلال هذه الفقرة: "من ذلك الوقت، استغلت هذه الحادثة الدرامية على نطاق واسع من قبل أنصار حماس، الذين يتوقون إلى استغلال أي قصة يمكن أن تساعد في إنكار مسؤولية الحركة عن مقتل المدنيين أو التقليل من ذلك، لكنه يثير أيضا أسئلة مزعجة في إسرائيل عن القرارات التي اتخذها الجيش في ذلك اليوم".

ثانيا، بنت الصحيفة مقالها على شهادة أساسية هي لياسمين بورات، ومصادر إسرائيلية أخرى دون أن تسعى إلى الوصول إلى شهادة حركة حماس بشأن ما جرى، لتخرق قاعدة أساسية في العمل الصحفي وهي التوازن. في كل فقرات المقال ثمة رواية واحدة ورؤية واحدة وزاوية معالجة ترقى لأن تكون متعسفة لتصل إلى الاستنتاج الأساسي: "الإرهابيون استخدموا المحتجزين دروعا بشرية".

ثالثا، لم يشكك كتاب المقال في رواية المصادر الإسرائيلية، ولا سيما الشهادات التي روت تفاصيل ما حدث يوم 7 أكتوبر، ولم تستعمل الصيغ "التشكيكية" في صياغة العبارات وبناء المنطق الحجاجي المطلوب في مثل هذه المقالات التي تعالج مواضيع معقدة، علما أن إسرائيل تمنع لحدود اليوم دخول الصحفيين إلى غزة.

رابعا: تتهم الصحيفة في أكثر من موضع في المقال حركة حماس باستخدام المدنيين دروعا بشرية في القتال مع الجيش الإسرائيلي دون أن تسند ذلك بدليل قاطع، ولا سيما أن هذه الرواية شكلت غطاء عسكريا لجرائم الحرب التي من المحتمل أن إسرائيل ارتكبتها في فلسطين خلال الشهور الماضية. ليست هناك لحدود اللحظة رواية متماسكة يمكن أن تعطي صورة واضحة لما جرى يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول في ظل روايات متضاربة من إسرائيل وحماس، يضاف إلى ذلك أن تحقيقات صحفية أثبتت زيف رواية قطع الرؤوس والاعتداءات الجنسية التي روجتها إسرائيل واتخذتها غطاء لقتل عشرات الآلاف.


الأحد 7 يناير 2024 

هل تعمّدت مجلة "نيويوركر" الأمريكية التعمية على مسؤولية الاحتلال عن تجويع الفلسطينيين؟

NewYorker

في الثالث من يناير/ كانون الثاني الجاري، نشرت مجلة ذا نيويوركر الأمريكية المرموقة حوارا مطولا مع عارف حسين، وهو خبير اقتصادي يعمل مع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فيه حديث عن أزمة الغذاء التي يعاني منها السكّان في قطاع غزة، واحتمالات تدهورها، إضافة إلى تأثيراتها الوشيكة على حياة الناس، ولا سيما الأطفال.

الحوار من إعداد "إسحاق شوتينر" الذي أجرى عدة حوارات مهمة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، كان من أبرزها حواره مع "حجاي إلعاد" المدير التنفيذي السابق لمنظمة بيتسليم الإسرائيلية، الذي كشف فيه النطاق الواسع والمرعب لانتهاكات الاحتلال في الضفّة الغربية، ضمن سياسات رسمية قارّة في دولة الاحتلال لتجريد الفلسطينيين من الحق في حياة كريمة وآمنة. إلا أنه كان أيضًا ممن أسهموا في إعادة إنعاش الادعاءات المتعلقة بعنف جنسي وعمليات اغتصاب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول تزعم وسائل إعلام غربية وإسرائيلية أنها وقعت على نطاق واسع وممنهج من قبل المقاومة الفلسطينية، وهو ما نفته الأخيرة، وأثبتت عدة تقارير مستقلة أنها في مجملها محض ادعاءات، لا تقوم عليها أدلة معتبرة.

وقد عاد شوتينر مطلع الشهر الجاري للحديث عن جانب من المأساة الإنسانية التي يعيشها الغزّيون في القطاع منذ بدء الحرب الإسرائيلية الشاملة عليهم والمستمرة منذ تسعين يومًا، التي كان من مقتضياتها الأولى والمباشرة فرض إغلاق كامل على الناس، ومنع دخول الماء والطعام والدواء والمساعدات الأساسية، عبر فرض سيطرة غير مباشرة مطلقة على ما يدخل إليه عبر المعابر، ومنها معبر رفح الحدودي مع مصر. وتشير مقدمة الحوار إلى وجود وضع كارثي في غزة بسبب ذلك؛ إذ يعاني 90% من السكان من انعدام الأمن الغذائي، و"لا أُسْرة في القطاع تتناول وجبات طعام كافية خلال اليوم"، ومعظم الناس سيكونون على شفير المجاعة إن استمرت الحرب بضعة أشهر أخرى.

ورغم أن تجويع الفلسطينيين في غزّة وتعطيشهم سياسة إسرائيلية معلنة، عبّر عنها بوضوح كبار المسؤولين الإسرائيليين بشكل مباشر؛ مثل وزير الدفاع الإسرائيلي ووزير الطاقة الإسرائيلي إضافة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية، فإن طرفَيْ الحوار المنشور في المجلّة أسقطا أي إشارة إلى إسرائيل والحكومة الإسرائيلية ومسؤوليتها القانونية عن حياة الناس في القطاع بوصفها قوّة محتلّة.

لقد خلا الحوار الذي أجراه شوتينر مع الخبير في برنامج الأغذية العالمي، ونُشِر تحت عنوان "غزّة تتضوّر جوعا" (رغم وجود بدائل أخرى ممكنة أكثر دقّة) من أي ذكر لكلمة "إسرائيل" عدا عن "الجيش الإسرائيلي" أو "الحكومة الإسرائيلية"، وهو ما يشكّل جملة مخالفات مهنيّة صريحة، يمكن إجمالها في النقاط الآتية:

1. التخلّي عن واجب المساءلة

في الإسقاط المطلق للفاعل المسؤول عن تجويع الفلسطينيين، وهو إسرائيل، وخلوّ الحوار من أدنى إشارة إليها أو ما يمثّلها من حكومة أو جيش، فإن المجلّة تخفق في أداء واجب المساءلة المفترض السعي من أجل تحقيقه في العمل الصحفي، والمتمثّل أساسًا في الحرص على الوضوح وعدم المراوغة والتقيّد بعرض مختلف الحقائق التي تتيح للجمهور معرفة الأطراف المسؤولة عن المسألة التي يجري تناولها.

2. التخلي عن توضيح السياق

لا سياق واضحا في الحوار الذي أجرته المجلّة الأمريكية بشأن المجاعة الحاصلة في غزّة، وهو ما يحرم القارئ الأجنبي البعيد عن الحدث من تشكيل فهم أعمق للحالة التي يتناولها الحوار أو الملابسات المحيطة بها، ولا سيما أنه مغمور -على الأغلب- بسيل من المعلومات المضللة عن الحرب الجارية في غزّة، بفعل آلة الدعاية الإسرائيلية والتواطؤ العام من قبل وسائل الإعلام المهيمنة مع سرديتها عن الأحداث؛ إذ تميل الكفّة إلى تحميل الفلسطينيين أنفسهم، أو المقاومة الفلسطينية، المسؤولية الكاملة عن الوضع الإنساني المتفاقم سوءًا.

3. التورّط بالتحيّز

إن إسقاط المجلّة أي ذكر لإسرائيل، فضلًا عن مسؤوليتها المباشرة في واقع تجويع الفلسطينيين في قطاع غزّة، واستخدام ذلك سلاحا في الحرب بحسب ما رصدته منظمات حقوقية عالمية - منها هيومان رايتس ووتش - يثير تساؤلا مشروعا عن تحيّز سياسة التحرير في المجلة لصالح الرواية الإسرائيلية، وهذه المرّة عن تعمّد التعمية على دورها في ما ينظر إليها على أنّها جرائم حرب ترقى إلى الإبادة، ومحاولة تجنيبها ردّة فعل من طرف القراء، في انتقادها أو الانضمام لحركات التضامن الشعبيّة مع الفلسطينيين والداعية لوقف الحرب ورفع الحصار عنهم.

إن الحوار الذي نشرته مجلة ذا نيويوركر الأمريكية، وإن كان منسجمًا مع سياسة بعض المنظمات الأممية التابعة للأمم المتحدة -ومنها برنامج الأغذية العالمي- في تجنّب ذكر "إسرائيل" عند التنويه بالكوارث الإنسانية التي يعانيها الفلسطينيون، فإنه يشكّل مثالًا جديدًا على التضحية بالمعايير الصحفية المهنيّة في سياق الحرب على قطاع غزّة من قبل وسائل إعلام غربيّة كبرى، والإخلال بواجب المساءلة والشفافية والتغطية الشاملة للعناصر الخبرية الأساسية، وما يعنيه ذلك من تقويض عنصرَي التوازن والموضوعية اللذين يفترض التقيّد بهما في مثل هذه السياقات شديدة الحساسية.


الخميس 4 يناير 2024 

المخالفات المهنية لتقرير "نيويورك تايمز" حول ادعاءات العنف الجنسي يوم 7 أكتوبر

مع إتمام الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة شهرها الثالث، وتفاقم الأوضاع الإنسانية الناجمة عن العدوان التي تفتك بأشكال الحياة كافة في القطاع، تواصل وسائل إعلام غربية كبرى ما يبدو للمتابع أنه محاولة مستمرة للتغطية المتعمّدة على الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في حق الفلسطينيين، والتي ترقى بحسب مراقبين إلى الإبادة والعقاب الجماعيين، وذلك بغطاء دبلوماسي واقتصادي من الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أساسي.

وقد تابعت مجلة الصحافة، في الأسبوعين الماضيين، عددا من التقارير التي نالت اهتماما كبيرا بشأن ما حصل في السابع من أكتوبر، ولا سيما التقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وهو تقرير مطوّل يسعى إلى إثبات وجود نمط من الاعتداءات ذات الطبيعة الجنسية نفذها مسلّحون و"فلسطينيون من غزّة" في حق مدنيين إسرائيليين ضمن العملية التي عرفت باسم "طوفان الأقصى"، وهي اتهامات نفتها فصائل المقاومة الفلسطينية، وأكّدت عدة تقارير صحفية مستقلة أوجُه الزيف فيها.

لقد تناولنا في تعليق سابق بعض ما ورد في التقرير الواقع في حوالي 3500 كلمة، الذي تدعي الصحيفة أنه استغرق شهرين من التحقيق؛ إذ ثبت اشتماله على عدد من المغالطات والمخالفات الصحفية المهنية، ولا سيما ما تعلق منها بمعايير أساسية في التحقيقات الصحفية المعتمدة على شهادات العيان، من ناحية التثبت من مصداقية الشاهد وخلفيته، والنظر في الأدلة المدعمة والقرائن على الشهادة، ومدى الاتساق بين نسخة الشهادة التي يحصل عليها الصحفي والنسخ الأخرى للشاهد نفسه إن كان قد أدلى بها في وقت سابق. يضاف إلى ذلك التحقق من متن الشهادة نفسها، وما إذا كانت تتضمن مبالغات واضحة، أو أنها صادرة بدافعٍ تحيزي محتمل ضمن السياق الذي قيلت فيه. وقد أوضحنا في المقال جزءا من هذه المخالفات، من ناحية اعتماد التحقيق في مجمله على تكرار شهادات سابقة وإعادة إنتاجها، وقد جرى تفنيدها جميعا. إضافة إلى التساهل في اعتماد شهادات أخرى رغم ما فيها من تناقض واضح في ذاتها وعند مقارنتها مع شهادات سابقة للشهود أنفسهم.

إضافة إلى ما سبق، فقد تبيّن في اليومين الماضيين، وبعد الجدل الذي أحدثه تقرير نيويورك تايمز حتى داخل إسرائيل، أن الصحفيين معدّي التقرير- ومنهم  الصحفي المرموق جيفري جيتلمان الذي اعتمدت عليه الصحيفة لإضفاء مزيد من الثقة - قد قاربوا المسألة  بهدف ترويجها وإعادة الزخم إليها، لا بهدف التحقيق فيها والتثبت منها عبر جمع الأدلة الصحفيّة المطلوبة، في مسألة بهذا القدر من الحساسية، وفي سياق حرب راح ضحيّتها عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، بذريعة الانتقام والردّ على هجوم المقاومة الفلسطينية، وما يتطلبه ذلك من نزع الأنسنة والحق في الحياة عن مجمل الحاضنة الشعبية لها، وبالتالي حرمانهم حتى من التعاطف والتضامن الإنسانيين.

فبحسب ما كشفت الصحافة الإسرائيلية، فإن عائلة إحدى أبرز الضحايا المفترضات التي اعتمد التقرير على استعراض قصّتها، وهي غال أبدوش، قد نفت علمها بأي انتهاكات جنسية وقعت على ابنتهم في السابع من أكتوبر، وأكدت أن العائلة لم تعرف عن ذلك إلا بعد انتشار تقرير نيويورك تايمز.

خصصت نيويورك تايمز مساحة معتبرة في التحقيق لعرض قصة غال، التي قتلت وزوجها في السابع من أكتوبر، مدّعية بالاعتماد على مقطع فيديو يتيم، أنها قد تعرّضت للاعتداء الجنسي العنيف. مقطع الفيديو الذي يشير التقرير إلى أنه قد انتشر "بشكل كبير" على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر فيه جثّة غال، بثوب أسود. لكن المقطع، رغم انتشاره الكبير كما تدعي الصحيفة، غير موجود حاليا على شبكة الإنترنت، رغم أن المقاطع التي تحقق قدرا "فيروسيا" من الانتشار يصعب أن تختفي تمامًا عن الشبكة عادة. ثم إن جزءا من ادعاءات نيويورك تايمز بتحول صورة غال وهي بثوبها الأسود إلى "أيقونة" في الصحافة الإسرائيلية للتضامن مع "الضحايا" النساء، هي ادعاءات بعيدة عن الصحّة، بحسب ما يؤكّد موقع "موندوايز"؛ إذ لم يرد وصف قريب من ذلك عن هذه المرأة قبل انتشار تحقيق نيويورك تايمز، التي بنت ثلث التحقيق تقريبا على صورة رديئة مقتطعة من الفيديو، لا يمكن الاستدلال عليها على وقوع اغتصاب، مع غياب أي أدلة شرطية أو من الطب الشرعي تدعم ذلك الافتراض.

تؤكد مقابلات أخرى مع أفراد من عائلة "الضحية" أن استدعاء شبهة الاغتصاب مصدره فريق نيويورك تايمز نفسه؛ ففي مقابلة إعلامية أجريت بعد أيام قليلة من نشر التحقيق، أكد "نسيم"، وهو أخو زوج غال، أن زوجة أخيه لم تتعرض للاغتصاب، وقد اضطر إلى نفي ذلك عدة مرات في المقابلة بحسب ما نقل "موندوايز". وكان من ضمن ما ذكره "نسيم" في المقابلة معه، أن أخاه قد اتصل به في الساعة السابعة صباحا يوم 7 أكتوبر، أخبره فيها أن زوجته قد قتلت. ورغم أن المكالمة بين الشقيقين استمرت 44 دقيقة، فإنه لم يتحدث فيها عن أي أمر يتعلق بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي. كما أوضح "نسيم" في المقابلة ذاتها أن جهة رسمية ما لم تتواصل مع العائلة لإبلاغها بوجود أي تكهنات أو افتراضات بتعرض غال لاعتداء من ذلك القبيل قبل مقتلها، وهو ما دفع الرجل إلى أن يتهم الإعلام في المقابلة بأنه "قد اخترع ذلك"، وهو ما أكده آخرون من أفراد العائلة وأصدقائها.

هذه الشهادات المتعددة تبين بوضوح مقدار التنصل الذي يصل إلى التقصد من طرف الصحيفة والقائمين على التحقيق من مسؤولياتهم المهنية الصحفية والأخلاقية الإنسانية، ولا سيما أن الفريق سقط بمخالفة مهنية صريحة بتجنب توضيح الهدف من التحقيق لعائلة "الضحية" عند التواصل الأولي معها؛ وهو النظر في قضية الاغتصاب ومحاولة البحث عما يدعم الاتهام القائل بأنه كان ممارسة حصلت على نطاق منهجي واسع في السابع من أكتوبر. فقد اكتفت نيويورك تايمز بإشعار أفراد من العائلة بأن التقرير يحاول تسليط الضوء على الفاجعة التي تعرضت لها بمقتل ابنتهم وتخليد ذكرها، وهذا هو السبب الذي دفعهم إلى الحديث مع الصحفيين، بحسب ما أوضحت شقيقتها في تعليق على منصة إنستغرام، أكدت فيه أن العائلة كانت سترفض التعاون والحديث لو علمت أن الموضوع يتعلق بالاغتصاب والاعتداءات الجنسية.


الأحد 31 ديسمبر 

هل تحاول رويترز خدمة ادعاءات "العنف الجنسي" معتمدةً على "مخاوف" أسيرة سابقة؟ وكيف يمكن فهم خطابها المُموَّه تجاه الضحايا المدنيين في غزة؟

 

ئ

نشرت وكالة أنباء رويترز يومَي السبت والأحد تقريرين يتعلقان بالحرب الحالية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، كان الأول عن أسيرة إسرائيلية/ فرنسية أُطلِق سراحها في صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، والآخر عن ارتفاع عدد "الأكفان" في غزة.

يتعامل التقرير الأول الذي جاء بعنوان "رهينة إسرائيلية سابقة تقول إنها خشيت من أن يتم اغتصابها من قبل محتجزها الغزاوي" مع شهادة الأسيرة السابقة –وهي مجرد مخاوف شخصية كانت لديها فترة وجودها بالأسر- على أنّها قيمة أساسية بارزة تستحق إفراد تقرير بأكمله حولها. لكن هذه التصريحات تفتقر إلى أي قيمة خبرية بالنظر إلى سياق الأحداث الجارية والمجازر اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في حق المدنيين بقطاع غزة، ولا سيّما أن الأسيرة السابقة لا تتحدث عن وقوع جُرم الاغتصاب ولا حتى عن محاولات لذلك، بل مجرد مخاوف شخصية.

كما أن استخدام مصطلح "محتجزها الغزاوي Gaza Captor" في العنوان يتنافى مع السطر الأول من متن الخبر؛ الذي يشير بوضوح إلى أن الأسيرة كانت محتجزة لدى حركة حماس. تجاهل ذكر هذا التفصيل بالعنوان واستبدال كلمة "غزاوي" به يمكن أن ينظر إليه بأنّه محاولة من الوكالة لاستخدام أطر تنزع الصفة المدنية عن سكان قطاع غزة كافّة وعدّهم متهمين. 

لا يورد التقرير أي معلومات تحمل قيمة خبرية؛ إذ إنه بُني بشكل كامل على تصريحات الأسيرة السابقة التي تمحورت حول ظروف أَسْرها وعلاقة الرجل الذي أسرها بزوجته وغيرتها منها، وغيرها من الادعاءات التي لا يوجد أي دليل يؤكد صحتها أو ينفيها سوى الأسيرة نفسها، لكن الوكالة تتعامل معها وكأنها حقائق دامغة، رغم عدم أهميتها بالمجمل.

في المقابل، فإن عنوان التقرير الآخر "في غزة .. صفوف من الأكفان البيضاء ترمز إلى تزايد الوفيات بين المدنيين" مُغرق في استخدام عبارات فضفاضة لا يفهم منها مغزى محدد؛ فـعبارة "صفوف الأكفان البيضاء" استُخدِمَت دون ذكر السبب الذي أدى لتزايدها، أي العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة والذي يقتل مئات المدنيين في غزة يوميا. ونية إخفاء هذه الحقيقة تتجلى في الجزء الثاني من العنوان الذي وظف مصطلح "وفيات" بدلا من "قتلى"، مع تجهيل مسبِّب تلك "الوفيات".

يستمر التقرير في استخدام الصياغات المُجهِّلة أو المموَّهة بنمط يهدف فقط إلى إخفاء اسم إسرائيل بوصفها مسبِّبا لقتل أكثر من 21 ألف مدني في غزة. فعند إيراد هذا الرقم، تستخدم الوكالة صياغة "21 ألف فلسطيني قتلوا في المواجهات بين حماس وإسرائيل" في محاولة لإدانة الطرفين بقتل المدنيين، رغم عدم وجود أي دليل على استهداف حماس للمدنيين في غزة. بينما، وعند ذكر عدد القتلى الإسرائيليين يوم 7 أكتوبر، فإن الوكالة تدين حماس بشكل مباشر على مقتلهم فتقول ".. بعد أن قتلت حماس 1200 وأخذت 240 رهينة يوم السابع من أكتوبر"، على الرغم من أن ثمّة تقارير عدة تشير إلى ضلوع الجيش الإسرائيلي بقتل عدد من الإسرائيليين يوم السابع من أكتوبر، كما أشارت صحيفة هآرتس وتقارير صحفية أخرى.

وتستمر الوكالة في استخدام الصياغات المموهة في جل التقرير، فتقول "القطاع الذي يواجه نقصا حادا في الطعام والغذاء والدواء" دون أي ذكر لحقيقة أن إسرائيل هي من قطعت الماء عن القطاع ومنعت دخول الغذاء والدواء إليه.

هذا الفرق الجلي في الصياغات بين التقريرين يثير تساؤلات وشكوكا بشأن موضوعية الوكالة في تناولها للأخبار المتعلقة بالطرفين؛ الفلسطيني والإسرائيلي، ولا سيما أنها تعد مصدرا إخباريا رئيسيا لمعظم وسائل الإعلام حول العالم.

 


السبت 30 ديسمبر 

نيويورك تايمز تعيد إنتاج ادعاءات "العنف الجنسي" في ذروة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة

 

1A

نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرًا مطولًا من زهاء 3500 كلمة تفصّل فيه ما ادّعى معدّو التقرير أنّه شهادات مروّعة لإسرائيليين حول اعتداءات ذات طبيعة جنسيّة، قام بها مسلحون فلسطينيون في السابع من أكتوبر الماضي، في العملية التي عرفت باسم "طوفان الأقصى".

هذه المزاعم والروايات حول العنف الجنسي والجندري ليست جديدة، بل انتشرت وتطوّرت بصور وروايات متعدّدة ولا تخلو من التضارب فيما بينها، منذ الأيام القليلة الأولى بعد العملية، والتي شنّت إسرائيل على إثرها، وما تزال، حربًا شاملة على قطاع غزّة، راح ضحيّتها أكثر من 22 ألف شهيدة وشهيد، نصفهم تقريبًا من الأطفال، إضافة إلى عشرات آلاف الجرحى والمصابين في القطاع الذي يخضع لإغلاق كامل منذ قرابة ثلاثة أشهر، ويتعرّض سكانه لحملة وصفتها منظمات أممية بأنها عمليات "عقاب جماعي" ترقى إلى الإبادة.

العنوان: ("صرخات بلا كلمات": كيف استخدمت حماس العنف الجنسي سلاحًا في 7 أكتوبر؟)

نشرت نيويورك تايمز هذا التحقيق المطوّل بالتزامن مع استمرار العمليات العسكريّة الإسرائيلية في القطاع وتصاعد الضغوط الدولية عليها من أجل وقفها. وقد اعتمد التحقيق في مختلف أجزائه على الإثارة والتماهي التامّ مع مكوّنات السرديّة الإسرائيلية، ابتداء من العنوان الذي يقفز إلى النتيجة وكأنها تحصيل حاصل، بالاعتماد على صياغة ترفع الموضوع من مستوى الاتهام والشكّ والروايات الشفوية من شخوص بعضهم واضح الصلة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إلى مستوى القطع والتأكيد. لذا جاء السؤال في العنوان وهو يعدِ القارئ بالإجابة عن سؤال "الكيفية" وحسب، واعتبار أن النقاش حول حقيقة ما حصل فعلًا والأدلّة المتوفّرة حوله ومدى صدقيّتها وتماسكها نقاشٌ منتهٍ لا داعي للبدء منه. هذا هو المستوى الأول المباشر من التضليل في مدلول العنوان. أما المخالفة الثانية فيه، فتتعلق بذكر المتّهم/المدان صراحة، وهو حركة "حماس". ووجه المخالفة هنا أنّ نيويورك تايمز كانت قد طوّرت منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزّة أسلوبًا في العناوين يتكتّم على الفاعل في معظم موادّها، إن كانت تتعلق باتهامات ضدّ إسرائيل، وهي مخالفة تناولناها في إدراجات سابقة هنا.

يتبع العنوان تأكيد في الفقرات الاستهلالية الأولى على النتيجة العامة للتحقيق، والتي تتهم حركة حماس (التي يصفها التقرير بـ "الإرهابية") بارتكاب أعمال عنف جنسي على نطاق واسع في السابع من أكتوبر، مع التنويه إلى أن التحقيق قد استغرق شهرين- وكأن ذلك يزيد من قيمته الموضوعية- وأنه يكشف "تفاصيل جديدة مؤلمة"، وأن مثل هذا النمط من الاعتداءات الجنسيّة يدلّ على عنف جندري أوسع ترتكبه فصائل المقاومة الفلسطينية. ويمكن قراءة كل ذلك، ضمن المعطيات التي استعرضها التحقيق، وكأنه محاولة مبكّرة عبر هذا المستوى من الإنشاء إلى إنعاش ما يظهر أنّه حملة منظّمة واسعة جديدة لغسيل الجرائم الإسرائيلية الموصوفة في القطاع عبر استدعاء التضامن النسوي والدفاع عن المرأة وحقوقها، مع متابعة لحملات الابتزاز والضغط ضدّ الحراك المناهض للحرب والمتضامن مع الفلسطينيين في الشارع الأمريكي والغربي، مع الإفراط في أنسنة الضحايا الإسرائيليين وتسميتهم، على نحوٍ يُحرم منه الضحايا الفلسطينيون في تقارير الصحيفة عبر تاريخها الطويل لتغطية القضية الفلسطينية.

إحدى الشهادات التي يعتمد عليها التحقيق قدمها ضابط إسرائيلي خدم سابقًا في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو أحد أبرز الشهود التي ارتبطت أسماؤهم بهذه العمليات منذ الأيام الأولى بعد السابع من أكتوبر، إذ قدّم عدة نسخ من شهاداته، التي لا تخلو من تضارب فيما بينها. ففي شهادة مبكّرة له في التاسع من أكتوبر، لم يأت كوهين على ذكر أي شيء عن هجمات ذات طبيعة جنسية، قبل أن يغيّر شهادته في اليوم التالي، ليضمّن في حديثه مع وسيلة إعلام أخرى، تلميحًا غامضًا إلى احتمال حدوث مثل هذا النوع من الهجمات، دون ادّعاء أنّه قد شهد أيًا منها. من تلك الشهادات شهادة قدّمها إلى شبكة "سي بي سي" الكندية في العاشر من أكتوبر، ولم يرد فيها ذكرٌ لمثل الهجمات التي تضمّنها تحقيق نيويورك تايمز الأخير.

المحقق في شبكة "غري زون" المستقلة، ماكس بلامنتال، يشير في إدراج له على منصة "أكس" إلى أن انقلابًا مريبًا في شهادات كوهين قد طرأ في يوم العاشر من أكتوبر، وبعد ساعات وحسب من التعليق الذي نشرته "سي بي سي". ففي حوار مع شبكة "بي بي أس" الأمريكية، بدأ يتحدث كوهين عن ادعاءات بوقوع انتهاكات مروّعة في السابع من أكتوبر، من بينها "ذبح الناس واغتصابهن"، وبل وأضاف إلى ذلك اتهامًا بانتهاك أجساد النساء جنسيًا حتى بعد قتلهن، ناسبًا تلك الاتهامات إلى المقاومة الفلسطينية وإلى "الناس من غزّة"، وذلك بالتزامن مع تصاعد في حالة الاضطراب الهائج في الخطاب الرسمي الإسرائيلي والمساند له في الولايات المتحدة وأوروبا، وإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي نيّة الإبادة الشاملة بحق الفلسطينيين في غزّة باعتبارهم "حيوانات بشريّة"، وتأكيد فرض الإغلاق الكامل على القطاع.

أتت شهادة كوهين مع "بي بي أس" الأمريكية، متسقة تمامًا في مضمونها وتوقيتها مع تلك التصريحات الرسمية الإسرائيلية، ومنها تصريح الرئيس الإسرائيلي الذي اعتبر فيه أن "المدنيين في غزّة ضالعون في الحرب" وأنهم هدف شرعيّ لآلة الحرب الإسرائيلية، حيث أدرج فيها على نحو مفاجئ تلك الاتهامات الصادمة، التي أصرّت حماس على نفيها رسميًا، واعتبرتها محاولة جديدة هدفها "شيطنة المقاومة". كما عبّر كوهين في تلك الشهادة وبعبارات واضحة عن "الحاجة إلى الانتقام"، وبقوالب لا تختلف كثيرًا عمّا تردّد على ألسنة العديد من السياسيين والإعلاميين الإسرائيليين في الأسابيع الماضية. فقد قال كوهين في حديثه مع مذيع شبكة "بي بي أس"، نيك شيفرين، "أنا بحاجة إلى الانتقام كي أتمكّن من العيش مع نفسي.. لو فعلوا شيئًا مثل هذا، فإن عليّ الانتقام". كما قال كوهين، معبّرًا بوضوح عن النهج الإسرائيلي تجاه غزّة، إن "الحكومة الإسرائيلية قطعت عهدًا بأن هذا الانتقام ستتحدث عنه الأجيال".

يتجنّب تحقيق نيويورك تايمز الإشارة إلى كل هذه التفاصيل الخلفية حول شاهد أساسي في التحقيق، الذي اعتمدت فيه أيضًا على شهادات أخرى من جنود إسرائيليين ومستشارين متخصصين بالاعتداءات الجنسية إضافة إلى أعوان ومتطوعين في الخدمات الطبية ومنظمات مدنية، جرى تأطير التفاصيل التي رووها ضمن إطار سردي غير موضوعي نسبيًا. فقد تخلل التحقيق عديد التعليقات التحريرية التي تحاول استدرار تعاطف القارئ في موضوع بالغ الحساسية. من ذلك مثلًا تأكيد التقرير غير مرّة، ولاسيما في الجزء التمهيدي منه، على أن "الشهادات يصعب احتمال قراءتها"، وأن الأدلة التي عرضها فريق التحقيق "صادمة"، رغم أن المصدر الأساسي لها هو جيش الاحتلال الإسرائيلي، المتّهم حاليًا وبشكل رسمي أمام محكمة العدل الدولية، بارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزّة، وانتهاكات ممنهجة بحق السكان، تشتمل على الاغتصاب والاعتداء الجنسي. والنسبيّة هنا تتعلّق بغياب كاملٍ وفجّ لمثل هذه التعليقات في التقارير التي يكون الضحايا فيها فلسطينيين، إذ تلتزم الصحيفة بشكل متزمّت بالتحفّظ على أرقام الشهداء كما ترد من القطاع (باعتبار مصدرها)، كما لا تمنح هؤلاء الضحايا، حتى لو كانوا نساء، هذه المساحة من التصديق المطلق، الذي يبلغ حدّ التماهي مع الضحيّة والحديث بلسانها.

كما يتفادى التحقيق تقديم أي تحفّظ على الشهادات، مهما بلغ مستوى غرابتها وهجنتها ضمن سياق ما حصل في السابع من أكتوبر، وأيًا كان مقدار التناقضات التي تضمّنتها أو التحوّلات الدراماتيكية التي طرأت عليها بين نسخة وأخرى. كما لا يقف التحقيق للتحفّظ الموضوعي على أيّة رواية مهما اشتملت عليه من تهويل واضح) كادعاء قطع أثداء إحدى الضحايا واللعب بها أثناء اغتصابها!) وهي ادعاءات ليست بعيدة عن تلك التي نسجتها حملات تضليل إسرائيلية سابقة، كادعاءات قطع رؤوس الأطفال، أو بقر بطون الحوامل، أو شيّ الرضّع في الأفران، أو التمثيل بالجثث، وهي جميعًا ادعاءات لم يثبت صحّة أي منها في أي تقرير مستقل. بل لقد بيّنت تحقيقات صحفيّة أن مجمل تلك الادعاءات مفبركة، وأن مصدرها الأساسي كان المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أو أفرادًا مرتبطين بها، أو جمعيّات ومنظّمات ذات أجندات متطرّفة- ومن بينها منظمة "زاكا" التي تبيّن أنها كانت وراء نسج العديد من الروايات التي ثبت لاحقًا عدم صحّتها.

إن المخالفات المهنية الصحفية الصريحة في مثل هذه التقارير تتمثّل أساسًا في إسقاط مبدأ أولوية التحقق حتى في سياق الثقة بالمصدر، وهي أولوية تتضاعف في سياق الحروب وما ينشأ فيها من صراع على السرديّات وتفشٍّ للتضليل والفبركة والتنافس في توظيف اللغة المعلنة والضمنيّة من أجل إسباغ التأثير والصدقية على شهاداتٍ وروايات لا تقوم عليها أدلّة معتبرة في النظر الصحفي والقانوني، وهو ما يحصل في الحالة الإسرائيلية ضمن نشاط ممنهج من الدعاية والدبلوماسية العامة، في محاولة لإضفاء التجانس على تشكيلة من الفبركات الصادمة، للتغطية على جريمة مستمرّة موثّقة وصارخة الوضوح على الأرض، مثلما هو حاصل في قطاع غزّة.

 


الإثنين 25 ديسمبر

هل استخدمت DW  عبارة "إرهاب إسلاموي" للتحريض ضد المسلمين؟

 

نشرت قناة DW الألمانية تقريرا على صفحتها العربية في إنستغرام بعنوان: "بسبب تهديد "هجوم إرهابي إسلاموي"... إجراءات أمنية مشددة قبيل أعياد الميلاد حول كاتدرائية كولونيا الشهيرة".

نقلت القناة تقريرها عن خبر نشرته وكالة الأنباء الألمانية ووكالات أخرى عن تصريحات للمتحدث باسم الشرطة الألمانية، لم يذكر فيها أي إشارة لجهة معينة قامت بذلك التهديد، كما أنه لم يشر إلى أن التهديد جاء من جماعة "إسلاموية" كما ادعت القناة.

في الأصل، عندما تصدر مثل هذه التحذيرات فإنها تكون مبنية على معلومات استخباراتية لا يُفصح عنها، هذا في حال وجّهت السلطة أصابع الاتهام لجماعة محددة. لكن في هذه الحالة اكتفت الشرطة الألمانية بفرض إجراءات أمنية مشددة وقائية "ردا على بلاغ خطير" دون أن تحدد الجهة التي تقف وراء ذلك التهديد حسب تصريح أحد المتحدثين باسم الشرطة الألمانية الذي ورد في تقرير DW.

هذا الخبر سبقه تصريح من وزيرة الداخلية الألمانية حذرت فيه من تصاعد "الإرهاب الإسلاموي" دون أن توضح السياقات أو المعلومات التي دفعتها للإدلاء بهذا النوع من التصريحات التي تتضمن تحريضا تجاه جماعة بأكملها بناء على المعتقد الديني، وهو ما يعد خطابا تمييزيا يحض على الكراهية.

استخدام قناة DW هذا العنوان والجزم بأن هذا التهديد يأتي من جماعة "إسلاموية" على وجه الحصر دون تقديم أي دليل على ذلك، واكتفاؤها بما يبدو أنه تبنٍ ضمني لتصريح وزيرة الداخلية الألمانية دون ممارسة دورها في مساءلة السلطة والتشكيك بادعاءات لا يوجد أدلة عليها، يمكن اعتباره تبنيا لخطاب تمييزي يحض على الكراهية تجاه المسلمين في ألمانيا.

ويأتي خبر DW بعد أيام قليلة من مقتل الطالب الأردني "محمد بركات" في مدينة هامبورغ الألمانية؛ حيث نقلت صحيفة الغد الأردنية عن مصادر- قالت إنها مطلعة على التحقيقات الأولية - وجود شبهة "جريمة كراهية" إثر منشورات "بركات" المتضامنة مع فلسطين على منصات التواصل الاجتماعي.

DW


الأربعاء 6 ديسبمر 

هل تجاهلت "سي أن أن" اتهام إسرائيل باستهداف فلسطيني مصاب بإعاقة ذهنية؟

 

هل تجاهلت "سي أن أن" اتهام إسرائيل باستهداف فلسطيني مصاب بإعاقة ذهنية؟

نشرت "سي أن أن" قصة خبرية بعنوان: "فيديو يظهر رجلا بلباس عسكري يطلق النار على فلسطيني مصاب بإعاقة ذهنية في الضفة الغربية".

توظف المؤسسة الإعلامية الأمريكية صيغة مبنية للمجهول في العنوان وفي متن الخبر، دون أن تحدد الهوية الحقيقية للمتورط في عملية إطلاق النار على المدني الفلسطيني.

في متن الخبر، تشرح القصة على لسان شقيق طارق أبو عابد - اسم المدني المستهدف - الوقائع، مع التذكير أن المستوطنين يلبسون في بعض الأحيان الزي العسكري.

بغض النظر عن توظيف مصطلح "اشتباكات" في الخبر للإشارة إلى مئات الفلسطينيين - الذين قتلوا إما بهجمات المستوطنين كما تعترف بذلك الأمم المتحدة، أو باستهداف من الجيش الإسرائيلي - فإن القصة تثير ثلاث ملاحظات مهنية أساسية:

الملاحظة الأولى: أن العنوان لا يشير بشكل واضح إلى هوية من استهدف المدني الفلسطيني رغم أن الفيديو والصور توضح ذلك. والظاهر من طريقة صياغة المادة أن سي أن أن ليست متأكدة من صور "الرجل صاحب الزي العسكري": هل هو من الجيش أم من المستوطنين. لكنها تطرح هذه الفرضية بأسلوب يترك انطباعا لدى المتلقي بأن هوية الفاعل مجهولة.

الملاحظة الثانية: ليست هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها بعض وسائل الإعلام الغربية إلى عدم الإشارة بدقة ووضوح إلى إسرائيل في استهدافها للمدنيين؛ فقد سبق مثلا لوكالة رويترز أن استعملت عبارة "صحفي رويترز قتل في لبنان" قبل أن تنشر في وقت لاحق أنه استهدف بغارة إسرائيلية مباشرة، بل إن وسائل إعلام عالمية – وحتى بعدما ظهرت أدلة قاطعة من المصادر المفتوحة والميدانية – أصرت على عدم "اتهام" إسرائيل بقصف المستشفيات والمؤسسات التابعة للأمم المتحدة.

الملاحظة الثالثة تتعلق بالتفاوت الكبير بين عنوان المادة ومتنها؛ ففي العنوان ثمة رجل بزي عسكري يستهدف فلسطينيا مصابا بإعاقة ذهنية، لكن في تفاصيل القصة الخبرية يحضر التوازن في حده الأدنى، ليطرح السؤال: لماذا لا ينعكس هذا التوازن في عنوان المادة.

الملاحظة الرابعة ترتبط بعدم بذل أدنى جهد للتحقق من الفيديو ومن "الرجال" الذين ظهروا فيه والموقع الذي قد يكون معروفا أنه مكان لسد أمني للجيش الإسرائيلي، أو مقابلة الشهود المحتملين لرواية الحقيقة الكاملة لهجوم يظهر القمع الذي يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية.

وإذا كانت غالبية وسائل الإعلام العالمية الكبرى تنشر مواثيق تحريرها لضمان الشفافية مع القارئ مثل نيويورك تايمز وباز فيد ووكالة الأنباء الفرنسية، فإن سي أن أن لا تتيح ذلك للقراء لتقييم الطريقة التي عالجت بها المادة. ومع ذلك، ينص ميثاق ميونيخ الصادر سنة 1971، والذي يشكل مرجعا أساسيا لغرف الأخبار العالمية على "احترام الحقيقة، مهما كانت عواقبها بالنسبة للصحفي، وذلك استجابة لحق الجمهور في معرفة الحقيقة".

 


الأحد 3 ديسمبر 

هل يخدم "التوازن المصطنع" لبعض وسائل الإعلام الغربية السردية الإسرائيلية؟

في الأحداث المفصلية في الحرب على غزة، اختارت الكثير من وسائل الإعلام الغربية الانحياز إلى السردية الإسرائيلية، كما هو الحال في اللحظة الأولى حينما تبنت رواية قطع رؤوس الأطفال والنساء لتتحول إلى "حقيقة" سياسية استعملها الرئيس الأمريكي جو بايدن وزعماء الدول الأوروبية لتبرير انحيازهم.

روجت "سي أن أن" ومعها وسائل إعلام أمريكية هذه الرواية دون تحقق، قبل أن تعتذر محررة الخبر سارة سيدنر Sara sidner بعبارة واحدة: "I am Sorry" تماما كما اعتذرت "الغارديان" من دفاعها عن وعد بلفور.

Sara

ستضطر المؤسسة الإعلامية الأمريكية إلى تعديل تغطيتها بمحاولة إظهار نوع من التوازن عبر التركيز على موضوع إدخال المساعدات والإغاثة إلى غزة دون إشارة إلى أن الاحتلال هو المتسبب في حصار غزة ومنع وصول الغذاء والماء إلى السكان، ودون تركيز على نقطة جوهرية تتمثل في منع إسرائيل للصحفيين من الوصول إلى غزة لتغطية الأحداث من الميدان.

هذا التوازن يختل مرة أخرى في اللحظات المفصلية، خاصة حين شرع الاحتلال في استهداف المستشفيات والمنشآت التابعة للأمم المتحدة وفي عملية تبادل الأسرى؛ إذ جُرّد الفلسطينيون من صفاتهم الإنسانية وصاروا مجرد أرقام "معقمة" من أي قصة إنسانية.

أظهرت تغطية عملية تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل إلى أي مدى يختل التوازن المهني في اللحظة الأولى التي تكون محددة لدى الرأي العام؛ فها هي صحيفة "ليبيراسيون" المعروفة بتوجهاتها اليسارية تخصص غلافا رئيسيا للعملية تظهر عائلة إسرائيلية متأثرة مع عنوان يكاد مجهريا أسفل الصفحة يتحدث عن الفلسطينيين.

2

وعلى نفس نهج "سي أن أن"، وتحت ضغط كبير من القراء واتهامها بـ "الانحياز للرواية الإسرائيلية"، أنجزت "ليبيراسيون" روبورطاجا عن الأسرى الفلسطينيين الذين أطلق سراحهم ضمن عملية التبادل بدوافع قد تكون اقتصادية وليست مهنية.

2

مثل هذا "التوازن" المهني المتأخر و"المصطنع"، الذي يأتي عادة مرفقا إما باعتذار صريح كما في حالة "سي أن أن" و"بي بي سي" أو باعتذار مبطن (محو المقالات أو تعديل شكل التغطية...( ينطوي على نوع من التحايل المهني.

تعديل شكل التغطية من طرف وسائل الإعلام الغربية متأثر بسياقين:

  • أولا: تبرير الانحياز إلى الرواية الإسرائيلية، وإيجاد مسوغات لتبني "الرواية الأولى" المؤثرة في توجهات الرأي العام والبروز بمظهر وسيلة الإعلام "المحايدة".
  • ثانيا: ضغوط شديدة من المتابعين -خاصة المشتركين- على شكل التغطية، لتكون الاستجابة ذات دوافع اقتصادية وليست مهنية تهدف إلى تحقيق الإنصاف والتوازن.

ورغم أن نظرية الرصاصة الأولى تبدو متجاوزة في علم الاجتماع الجماهيري، فإن وسائل الإعلام الغربية، وهي تغطي الحرب على غزة، تطبق هذه النظرية ربما لتغيير توجهات الرأي العام، مدفوعة بانحيازات سياسية واقتصادية وعقائدية متشابكة.


الإثنين 27 نوفمبر 

محاولات "بيلد" تأطير الأسرى الأطفال الفلسطينيين كـ "داعمين للإرهاب"

نشرت صحيفة بيلد الألمانية تقريرا حول الأسرى الذين أطلق سراحهم ضمن اتفاق الهدنة الأخير بين حركة حماس وإسرائيل، لكن الصحيفة في تناولها لصور الأسرى من الجانبين، صورت الأطفال الفلسطينيين كمتضامنين مع الإرهاب مقارنة ذلك مع الأسرى الإسرائيليين الذين أظهرتهم وهم في حالة حميمية من التعاطف الأسري.

لقد قررت الصحيفة نشر صورة تظهر أحد الأطفال الفلسطينيين المفرج عنه من سجون الاحتلال في لحظة وصوله واستقباله من الأهالي الذين احتفوا به كأسير محرر، كعادة الفلسطينيين عند استقبال أي أسير محرر، قبل أن يذهب لبيته ويلتقي بأسرته. في المقابل أخذت صورة الأسرى الإسرائيليين تحديدا عن لحظة التقائهم بأسرهم، دونا عن غيرها من مراحل إطلاق سراحهم.

اختيار الصورتين ضمن هذه الظروف المختلفة قد ينطوي على تحيز مسبق في القرار التحريري، فالأطفال الفلسطينيون المحررون التقوا أيضا بأهاليهم، وضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالصور والفيديوهات التي تظهر حميمية اللقاء بشكل لا يقل عن حميمية لقاء أهالي الأسرى الإسرائيليين بذويهم، لكن الصحيفة تجاهلت الجانب الفلسطيني مع التركيز فقط على الصور التي تظهر الأسرى بصورة تخدم التأطير السلبي المستخدم في الصياغة، والذي ينطوي على تحيز مسبق لإدانة الأطفال الفلسطينيين.

كما أن اعتبار الصحيفة رفع الأسرى المحررين لرايات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مؤشرا بأن تجمعات استقبال الأسرى المحررين في الضفة الغربية هي "مظاهرات داعمة للإرهاب"، هو ربط غير منطقي  تسقطه الصحيفة على سياق محلي وتنتظر من الفلسطينيين تبني معاييرها ووجهة نظرها تجاه حركة حماس، بينما لا يعد الفلسطينيون - كما معظم دول العالم - حركة حماس منظمة إرهابية، بل يعدونها جزءا من المشهد السياسي الفلسطيني.

ومثلما أنه لا يمكن لصحيفة فلسطينية أن تتهم الأسرى الإسرائيليين بأنهم داعمون للإرهاب فقط لأنهم رفعوا العلم الإسرائيلي الذي يراه كثير من الفلسطينيين رمزا للاحتلال والاضطهاد والظلم، لا يجب على الصحف أن تحاول إسقاط نظرة دولها تجاه حركة سياسية ما، وربط كل من يرفع علمها بأنه متورط في دعم "الإرهاب".

صحيفة بيلد

ولم تكتفِ الصحيفة باستخدام هذه الصياغة المتحيزة في عنوانها واختيار الصور بشكل انتقائي يخدم سردية تؤطر الفلسطيني بشكل سلبي، بل إن مادة التقرير ذاتها تنطوي على تضليل ومعلومات خاطئة؛ إذ تقول إن معظم الأسرى الفلسطينيين الذين أطلق سراحهم ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة "مجرمون مدانون"، وهذه معلومة خاطئة، إذ أوضحت اللوائح أن معظم هؤلاء الأسرى كانوا موقوفين دون محاكمة ولم يوجه إليهم أي اتهام حتى لحظة إطلاق سراحهم.

الصحيفة ذاتها لم تستطع أن تورد أي تفاصيل عن الأحكام التي تدعي أن الأطفال المحررين مدانون بها، بل لجأت لاستخدام التهم الموجهة لـ 3 أسيرات محررات فقط تم الحكم عليهنّ بأحكام مختلفة، وهي أحكام تشكك الكثير من المنظمات الحقوقية الدولية في نزاهة إجراءات التقاضي فيها بالمجمل.


الأحد 26 نوفمبر 

تجاهل وتجريد الأسرى الفلسطينيين من صفاتهم الإنسانية

أظهرت التغطية الإعلامية لجزء من وسائل الإعلام الغربية لصفقة إطلاق الأسرى بين حماس والاحتلال الإسرائيلي، ممارسات يمكن تصنيفها على النحو التالي:

  • تغطيات صحفية اكتفت بذكر الخبر مع وصف حماس بالمنظمة الإرهابية وإظهار إسرائيل بأنها تسعى نحو السلام تماما كما فعلت قناة سي نيوز الفرنسية المدافعة عن فكرة اليمين المتطرف.
  • تغطيات صحفية أبرزت بشكل واضح صور الأسرى الإسرائيليين ومهنهم، بل وتواصلت مع عائلاتهم، مع تجاهل تام لصور الأسرى الفلسطينيين ومحو هوياتهم مقتصرة على التعامل معهم كرقم مجرد من أي قيمة إنسانية كما فعلت قناة سي أن أن وصحيفة إلموندو الإسبانية على سبيل المثال.
  • صناعة أجندة أخبار متماهية مع الرواية الإسرائيلية بتخصيص تغطية مفتوحة للأسرى الإسرائيليين يحضر فيها الأسرى الفلسطينيون كرقم مرتبط بصفقة الأسرى، كما في تغطية سي نيوز وسي أن أن.

elmundo.es

هذا الاتجاه نحو نزع الصفة الإنسانية عن الأسرى الفلسطينيين وتجهيل أسمائهم غرضه الأساسي هو:

  • تجاهل وطمس قصصهم التي تدين الاحتلال الإسرائيلي، وتبين كيف يعتقل الأطفال والنساء منذ عقود وتقديمهم دون محاكمة وسوء معاملتهم. في هذا السياق، تؤكد منظمة هيومان رايتس ووتش أن السلطات الإسرائيلية احتجزت حتى 12 ديسمبر/كانون الأول من السنة الماضية 150 طفلا فلسطينيا، العديد من الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية المحتلة تحتجزهم السلطات الإسرائيلية داخل إسرائيل، ما يعقّد الزيارات العائلية وينتهك الحظر الذي يفرضه القانون الإنساني الدولي على نقلهم خارج الأرض المحتلة".
  • إخفاء السياق الأوسع المتمثل في وجود احتلال تعترف به الأمم المتحدة يعتقل بشكل يومي أطفالا ونساء وشيوخا منذ عقود دون أن يكون القانون الدولي قادرا على ردعه؛ فوراء كل أسير وأسيرة قصة تكشف عن المعاملة القاسية التي يتلقاها الفلسطينيون في السجون وعن انعدام أمل في إيجاد حل لإنهاء الاحتلال.
  • تجريد الفلسطينيين من الصفات البشرية، وهو خطاب سياسي تبنته الحكومة الإسرائيلية منذ بداية الحرب كغطاء من أجل تبرير ما يمكن أن يرقى إلى جرائم حرب ارتكبتها في غزة عبر قصف المستشفيات ودور العبادة والمدارس والمنشآت المدنية.

BBC


السبت ٢٥ نوفمبر

لماذا تجنبت بعض وسائل الإعلام استخدام مصطلح أطفال لوصف الأسرى الفلسطينيين؟

بعد إعلان وزارة الخارجية القطرية التوصل لاتفاق هدنة إنسانية مؤقتة، والاتفاق على إطلاق سراح 50 أسيرا إسرائيليا من النساء والأطفال محتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، مقابل إطلاق سراح إسرائيل لـ 150 أسيرا فلسطينيا من النساء والأطفال، بدأت وسائل الإعلام الغربية بتداول تفاصيل الصفقة ونقلها لجمهورها من المتابعين والقراء.

لكن اللافت وجود محاولات من بعض وسائل الإعلام لتجنب ذكر مصطلح "أطفال فلسطينيين" عند الحديث عن الأسرى الذين ستفرج عنهم إسرائيل. مراسلة البي بي سي في القدس، ذكرت أن الأسرى الإسرائيليين الذين سيطلق سراحهم وفق صفقة التبادل هم من النساء والأطفال، بينما الأسرى الفلسطينيين الذين سيطلق سراحهم هم من النساء و"الذكور المراهقين"، لتجنب استخدام وصف طفل الذي ينطبق على كل من يقل عمره عن 18 عاما. ومصطلح "مراهق" لا يعتبر مصطلحا قانونيا ولا يرد بالاتفاقيات لأنه مصطلح فضفاض يصف مرحلة عمرية واسعة مرتبطة بعوامل نفسية لا علاقة لها بالصفة القانونية للأفراد.

بينما استخدمت نيويورك تايمز تعبير "قُصّر minors" لوصف الأطفال الفلسطينيين الذين أطلق سراحهم في الصفقة في مقابل "الأطفال" الإسرائيليين. فيما استخدمت واشنطن بوست مصطلح "مراهقين" لتوصيف الأطفال الفلسطينين المطلق سراحهم، مقابل استخدام مصطلح "أطفال" أيضا في توصيف الإسرائيليين. 

واشنطن بوست
من موقع صحيفة واشنطن بوست، حيث استخدمت مصطلح "أطفال" لوصف الأسرى الإسرائيليين دون الثامنة عشرة،  وفي ذات الفقرة استخدمت مصطلح "مراهقين" للأسرى الفلسطينيين من ذات الفئة العمرية. 
نيويويرك تايمز
من موقع صحيفة نيويورك تايمز حيث وصف الأسرى الفلسطيينين ممن تقل أعمارهم عن ثمانية عشرة عاما بالـ "مراهقين" وهو ليس مصطلحا قانونيا ولا يرد في الاتفاقيات وفضفاض.

حسب اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة فإن تعريف الطفل هو "كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة". وحسب اتفاق تبادل الأسرى فإن إسرائيل ستفرج عن الأسرى النساء والأسرى الذين دون 18 عاما، أي الأطفال. فلماذا تتجنب وسائل إعلام استخدام مصطلح أطفال في توصيف الأسرى الفلسطينيين وتنكر عليهم حقوقهم كأطفال وفق القوانين الدولية مقابل استخدامه في توصيف الأسرى الإسرائيليين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما؟

يمكن فهم هذه المحاولات لتجنب استخدام مصطلح طفل في سياق وصف الفلسطينيين ضمن عدة سيناريوهات:

1. تجنب إظهار إسرائيل كدولة تعتقل الأطفال، لا سيما أن هناك سردية كاملة استنكرت أسر فصائل المقاومة للأطفال يوم السابع من أكتوبر؛ لذا فإن "اكتشاف" أن إسرائيل تعتقل في سجونها عشرات الأسرى الأطفال من الفلسطينيين منذ فترة طويلة قبل السابع من أكتوبر، سيشكل صدمة للذين تابعوا المشهد من وجهة نظر السردية الإسرائيلية.

2. هناك محاولة لتأطير الأسرى الأطفال الفلسطينيين بإطار ينزع صفة الطفولة عنهم، فعلى الرغم من أن مصطلح "قُصَّر" على سبيل المثال ينطبق أيضا على الأطفال، لكن استخدامه في وصف الأطفال الفلسطينيين واستخدام مصطلح “طفل” لوصف الإسرائيليين في نفس الفقرة من الخبر، هو إطار ينزع حالة "الطفولة" عن الفلسطينيين، واستخدامه قد يقلل من حالة التعاطف معهم باعتبار أنهم ليسوا "أطفال" كالأسرى الإسرائيليين.

3. استخدام صياغات تنزع صفة الطفولة عن الفلسطينيين يمكن أن يفهم كمحاولة لتبرير عمليات الاعتقال الإسرائيلية للأطفال الفلسطينيين، وتصويرهم مجرمين مدانين لا يستحقون التعاطف، على الرغم من أن اللوائح المنشورة للأطفال الفلسطينيين الأسرى الذين من المحتمل إطلاق سراحهم، تظهر أن جلهم موقوفون دون أي أحكام قضائية، وهو تجاهل للتقارير الدولية المعنية بحقوق الأطفال التي تشير بوضوح إلى المخالفات والانتهاكات المرتكبة بحقهم باعتبارهم أطفال.


الأربعاء 22 نوفمبر

هل تشرعن الإيكونومست اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لمستشفى الشفاء؟

في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وبعد يوم من اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لمستشفى الشفاء، نشر موقع الإيكونومست تقريرا يتحدث عن ضرورة أن "تفي إسرائيل بمتطلبات قوانين الحرب". للوهلة الأولى يعتقد القارئ أن التقرير يقدم أدلة تثبت أنّ الاقتحام منافٍ لكل القوانين الدولية ويمكن اعتباره جريمة حرب مكتملة الأركان. لكن اللافت أن الإيكونومست - ومن الفقرة الأولى للتقرير- تأخذ موقفا متحيزا بشكل واضح بقولها: "في الواقع، يبدو من المحتمل أن حماس قد استخدمت المستشفى منشأةً عسكرية، لذا فهناك احتمال بأنها حولته إلى هدف عسكري مشروع". هذه الصياغة المباشرة لا تُستخدم في الصياغات الصحفية إلا إذا كان الصحفي يملك أدلة قطعية (مثل الأحكام القضائية النهائية)، وفوق ذلك، لم تنسبه الصحيفة حتى لمصدر إسرائيلي أو لخبير في القانون الدولي، بل هي من تبنت هذا الادعاء الذي يلمح بشكل واضح إلى أن مستشفى الشفاء يعد هدفا عسكريا مشروعا.

SC

وكلما تعمقت في المادة، ستجد أن الإيكونومست لم تقصد بعنوانها احترام حرمة المستشفيات في وقت الحرب، بل تطالب إسرائيل فقط بضرورة السعي لحماية المدنين قدر الإمكان. وتمعن في تبني الرواية الإسرائيلية حول وجود المقر العسكري الرئيسي لحماس تحت مستشفى الشفاء، إلى حد أنها عندما تورد إنكار حماس لهذه الادعاءات، تعود لأخذ موقف منحاز بشكل مباشر بالقول إن حماس "لديها تاريخ من الخداع"،  وهو ما يضرب قواعد الموضوعية الصحفية.

ثُمّ يُمعن التقرير في الادعاءات المتحيزة غير المستندة إلى أي دليل بالقول: "إن استخدام المستشفى قاعدةً عسكرية -وهو ما يبدو أن حماس تفعله- هو جريمة حرب"، والأكثر من ذلك أنها تشرعن الهجوم على المستشفى بالقول: "إن قوانين الحرب تقرّ أنه بمجرد أن يتم استخدام المستشفى منشأةً عسكرية فإن ذلك يُفقدها الحماية الخاصة" في شرعنة واضحة للهجوم الإسرائيلي على المستشفى، لتصل لخلاصة تقريرها بأن "كل ما سبق يرجح أن مستشفى الشفاء يُعد هدفا عسكريا مشروعا للجيش الإسرائيلي".

لكن وبعد يومين من نشرها هذا التقرير المتحيز والمحرض، نشرت الإيكونومست تقريرا آخر بعنوان: "هل كان الهجوم على مستشفى الشفاء مبررا؟" تكتب في بدايته إن "إسرائيل قدّمت أدلة قليلة" لتبرر الهجوم، وأن "الأيام القادمة ستثبت ما إذا كانت إسرائيل قد استهدفت مقرا لحماس".

SC

مر على اقتحام المستشفى أسبوع كامل، ولم تقدّم إسرائيل أي أدلة جديدة تثبت أن حماس تتخذ من مستشفى الشفاء مقرا عسكريا لها، أو حتى بوجود مقاتليها داخله، سوى بعض الفيديوهات التي لاقت موجة من السخرية والتشكيك، حتى من وسائل الإعلام الغربية نفسها؛ كهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي التي شككت في الفيديو الذي نشره جيش الاحتلال الإسرائيلي من إحدى غرف التصوير بالرنين المغناطيسي وادعى أنه دليل على وجود عناصر من المقاومة الفلسطينية في المستشفى.

وبعد مرور أسبوع، لم تنشر الإيكونومست اعتذارا على ادعاءاتها التي حاولت فيها تقديم مسوغات لارتكاب جيش الاحتلال الإسرائيلي جريمة يمكن أن ترقى إلى جريمة حرب باقتحامه مستشفى الشفاء، ولم تحاول حتى تقديم توضيح لقرائها حول سبب قيامها بتلك الانتهاكات المهنية الجسيمة.


الأحد 19 نوفمبر 

هآرتس والإعلام الغربي وتهافت رواية الاحتلال حول "الحفلة الموسيقية".

لحدود اللحظة، تتجاهل وسائل الإعلام الغربية لخبر صحيفة هآرتس إثبات تحقيق إسرائيلي أن طائرة عمودية عسكرية إسرائيلية هي من أطلقت النار على الحفل الموسيقي قرب مستوطنة رعيم يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وقتلت عدداً من المشاركين بالحفل.

ورغم أن رواية استهداف حاضرين في الحفلة الموسيقية كانت من أسس الرواية الإعلامية الإسرائيلية، وشكلت غطاء سياسيا للهجوم على غزة، فمتى سيبدأ الإعلام الغربي بإعادة النظر في تبنيه الأعمى للرواية الإسرائيلية؟

بعد قرابة 24 ساعة من نشر خبر هآرتس الذي انتشر بشكل كبير على منصات التواصل الاجتماعي، تصفحنا مجموعة واسعة من وسائل الإعلام الغربية لمعرفة كيفية تناولها للخبر الذي يحمل قيمة تجعله عنوانا بارزا في برامج الأخبار، إلا أننا لم نعثر أي شكل من أشكال التغطية، وكأن الخبر لم ينشر من الأساس.

معنى ذلك أن التحيّز للرواية الإسرائيلية في الإعلام الغربي تطور لحد تجاهل أي خبر قد يشكك فيها، حتى لو كان الإسرائيليون هم من دحضوها. فهل تحولت هذه المؤسسات إلى شركات للعلاقات العامة لتلميع سمعة إسرائيل؟

يبدو أن الإعلام الغربي في تغطيته للحرب على غزة ينتهج سياسة تزييف الحقائق لكل ما يُظهر إسرائيل كضحية (مثل ترويج قصة العثور على 40 طفلا مقطوعي الرؤوس دون أي دليل)، أو يبرئها من الجرائم التي ترتكبها في غزة (كادعاءات عدم مسؤولية إسرائيل عن قصف المستشفى المعمداني، والتراجع عنها لاحقا).

كما أن وسائل الإعلام الغربية تبدو غير معنية بنشر أي حقائق تشكك في سردية الاحتلال الإسرائيلي حول كل ما يجري منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، حتى لو نُشر في الإعلام الإسرائيلي نفسه، كتقرير هآرتس. وحتى عندما تتأكد من مسؤولية قوات الاحتلال عن قتل المدنيين، تنشر عدد الضحايا وتنسب القاتل للمجهول تماما كما فعلت عدد من وسائل الإعلام بعد مجزرة مدرسة الفاخورة يوم السبت، التي اكتفت بصياغات من قبيل "هجوم مزعوم" أو النسب للمجهول، دون أي إشارة لمسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن القصف، أو تبني سردية جيش الاحتلال الإسرائيلي المعتادة بعد كل مجزرة يرتكبها، بأنه "يتحقق من الحادثة".

قد تنشر الكثير من مؤسسات الإعلام لاحقا اعتذارا عن تبني رواية إسرائيل باستهداف مدنيين كانوا يقيمون حفلة، لكن فيم سينفع الاعتذار بعدما قدمت غطاء سياسيا لقتل الآلاف وضرب المستشفيات والمدارس ودور العبادة؟

police investigation found that a military helicopter that fired at Hamas on the Nova festival apparently also hit some participants of the festiva


الإثنين 14 نوفمبر 

مراسل سي أن أن والدعاية لجيش الاحتلال الإسرائيلي 

عرضت قناة CNN تقريرا لمراسلها الميداني نيك روبرتسون وهو يرافق الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي دانيال هجاري في غزة. يظهر التقرير الناطق باسم الجيش وهو ينقل المراسل لأماكن معينة ليظهر له ما يدعي أنه غرفة في مستشفى الرنتيسي اتخذتها المقاومة مكانا للعمليات وما يزعم أنه احتجاز للرهائن، كما يَظهر في الغرفة عدد من قطع السلاح يدعي الناطق باسم الجيش أنها كانت لمسلحي حماس. 
يناقض التقرير بديهيات العمل الصحفي؛ فالمراسل وصل إلى المكان برفقة القوات الإسرائيلية، التي كانت قد سيطرت على الموقع قبل ذلك بمدة، ما يدفع أيَّ صحفي لطرح السؤال البديهي هنا: ما الذي يؤكّد أن جيش الاحتلال لم يقم بوضع هذه الأسلحة والأدلة الأخرى في المكان وتجهيزها قبل وصول الصحفيين؟ كيف يمكن التأكد بأي شكل من الأشكال أن هناك عناصر من المقاومة كانوا يتحصنون في المستشفى -كما يدعي جيش الاحتلال- في ظل عدم وجود أي شيء يثبت وقوع اشتباكات في ذلك الموقع؟ 
المراسل نيك روبرتسون لم يطرح سؤالا واحدا ليشكك في السردية التي قّدمها له الناطق باسم جيش الاحتلال، ولهذا كان من الأسهل لو قام الجيش الإسرائيليّ بتصوير كل شيء وإرساله لـ CNN بدلا من إرسال مراسل لموقع العمليات العسكرية والمخاطرة بحياته ليكتفي فقط بهز رأسه تجاه كل ما يقوله الناطق باسم الجيش. الأدهى أن المراسل ذهب أبعد من ذلك ليرجح احتمالية وجود مثل هذا السيناريو في مستشفيات أخرى، وهذا أمر قد يُفهم منه أنه تبرير مسبق لأي عملية يقوم بها جيش الاحتلال ضد المستشفيات في غزة.

CNN report


الأحد 13 نوفمبر 

تعويم العنوان وإغفال الحقائق لتبرئة الاحتلال من قصف المستشفيات

مثل كل وسائل الإعلام التي تدافع عن أطروحة اليمين في أوروبا، تبنت صحيفة "لوفيغارو"  اليمينية-إحدى وسائل الإعلام الأكثر تأثيرا في فرنسا -الروايةَ الإسرائيليةَ بشكل كامل.

نشرت لوفيغارو يوم أمس خبراً بعنوان "الحرب بين إسرائيل وحماس: مستشفيات غزة محاصرة في القتال".

بغض النظر عن التقابل المتعمد بين "إسرائيل"(تصف الأمم المتحدة إسرائيل بأنها قوة محتلة) و"حماس" ، فإن اللجوء إلى التعويم في استخدام كلمة "قتال" يطمس الهوية الحقيقية للمسؤول عن قصف المستشفيات واستهداف المنشآت المدنية المشمولة بحماية قواعد القانون الدولي.

في متن المقال، تجد روايات جيش الاحتلال وحماس حول قصف المستشفيات لكن ثمة فقرة أخيرة تشغل حيزا مهماً من المقال تحيل إلى موقف الاتحاد الأوروبي من إدانة حركة حماس بشأن "استعمالها المستشفيات دروعا بشرية مخالفة بذلك قواعد القانون الدولي" بيد أنه لا يشير إلى موقف المنظمة نفسها من المستوطنات؛ حيث تعتبرها احتلالا لفلسطين.

هكذا يصبح التوازن المهني معتلا مع إغفالٍ – يكاد يكون مقصودا – لمواقف منظمات حقوقية دولية معروفة تفند رواية إسرائيل باستخدام حماس للمستشفيات، مثلما قالت هيومان رايتس ووتش التي أكدت بوضوح أنها لم تجد ما يؤكد مزاعم إسرائيل "أن لدى حماس مقرا تحت مستشفى الشفاء، وأنّ مسؤولين عسكريين بالحركة يتواجدون داخل المستشفى".

الأكثر من ذلك تجاهل المقال دعوة حركة حماس للمنظمات الدولية ومن بينها الأمم المتحدة ووسائل الإعلام العالمية للتحقيق في مزاعم إسرائيل باختباء مقاتلي الحركة في المستشفيات، بل وتجاهلت منع إسرائيل الصحفيين من دخول غزة لنقل الحقائق كما هي على الأرض.

اللجوء إلى التعويم و"إغفال" ذكر المسؤولين الحقيقيين عن الجرائم المرتكبة في حق المدنيين في غزة بشكل واضح وصريح، أصبح "حيلة" مهنية تحت يافطة "الحياد" لكن جوهره انحياز لإسرائيل وتخلٍ عن روح المهنة في مساءلة الجناة أينما كانوا.

نشرت لوفيغارو يوم أمس خبراً بعنوان "الحرب بين إسرائيل وحماس: مستشفيات غزة محاصرة في القتال".


​السبت 12 نوفمبر 

نزع السياق لتلميع صورة الاحتلال الإسرائيلي

"الجيش الإسرائيلي يتجهز لإنقاذ الأطفال الخدّج المحاصرين في مستشفى بغزة"، هكذا عنونت التلغراف خبرا يتعلق بوضع الأطفال الخدج المهددين بالوفاة في مستشفى الشفاء في غزة بسبب انقطاع الكهرباء عن المستشفى، في تبنٍّ مباشر للرواية الإسرائيلية دون أدنى جهد مهني لتقديم الصورة كاملة حول ما يحدث في مستشفى الشفاء منذ أسابيع.

لم تحاول الصحيفة تقديم أي سياق للخبر، واكتفت بنقل تصريح الناطق باسم الجيش الإسرائيلي دون ممارسة دورها الأساسي في مساءلة السلطة أو على الأقل تقديم سياق للحدث؛ فلم تشر المادة لحقيقة أن المستشفى محاصر من جيش الاحتلال الإسرائيلي أو ذكر حقيقة أن حياة الأطفال مهددة بالخطر بسبب قطع إسرائيل للكهرباء عن غزة منذ بداية حربها على القطاع، ولا حقيقة أن المستشفى يتعرض لقصف مستمر من جيش الاحتلال الإسرائيلي طوال الأيام الماضية وأدى ذلك القصف لقتل عشرات المدنيين وتدمير أقسام طبية كاملة في المستشفى وإخراجها عن الخدمة.

كما تجاهل الخبر التحريض المستمر من جيش الاحتلال الإسرائيلي تجاه مستشفى الشفاء بالادعاء بأنه مركز قيادة لحماس، لتقديم مسوّغ لقصفه، واكتفت بمحاولة لتمجيد جيش الاحتلال الإسرائيلي وإظهاره بصورة الجيش الأخلاقي منقذ الأطفال، متجاهلة لحقيقة أن ضحايا القصف الإسرائيلي من الأطفال قد تجاوز 4 آلاف طفل خلال الأسابيع القليلة الماضية.

صحيفة تلغراف

 


​السبت 12 نوفمبر 

واشنطن بوست تعتذر عن كاريكاتير يبرر قتل الأطفال في غزة 

نشرت صحيفة واشنطن بوست في صفحة الرأي في عددها المطبوع ليوم الثلاثاء ٧ نوفمبر/ تشرين الثاني، رسم كاريكاتير يُظهر ما يبدو أنه أحد قيادات حماس يربط عددا من الأطفال بجسده من الأمام وسيدة فلسطينية من الخلف، ويقول: "كيف تجرؤ إسرائيل على مهاجمة المدنيين؟"
 الرسم ببساطة يحاول تدعيم السردية الإسرائيلية بأن حصيلة الضحايا المدنيين مرتفعة في غزة بسبب اتخاذهم من قبل فصائل المقاومة كدروع بشرية. ولا يكتفي الرسم بتسويغ عدد الضحايا المدنيين المرتفع في غزة، بل يتعدى ذلك إلى الدعوة لقتلهم بشكل صريح؛ ذلك أن الرسم يظهر أنه من الضروري قتل الأطفال والنساء لكي تستطيع إسرائيل الوصول لجسد قادة المقاومة وقتلهم.

 نشرت الصحيفة هذا الرسم في صفحة الرأي، التي تعلوها ترويسة باسم الصحيفة وأسفلها جملة "An Independent Newspaper صحيفة مستقلة"، وهي "استقلالية تسمح بانحياز فج لتسويغ قتل الأطفال والنساء والانحياز المستمر للراوية الإسرائيلية دون غيرها منذ بدء التصعيد الأخير. 

ولا يمكن إغفال حقيقة أن مالك صحيفة الواشنطن بوست هو الملياردير الأمريكي جيف بيزوس الذي يملك أيضا شركة أمازون التي أعلنت في أب/ أغسطس الماضي أنها ستستثمر في إسرائيل أكثر من ٧ مليارات دولار خلال الأعوام القادمة. 

قدمت الصحيفة اعتذارها عن الكاريكاتير في عددها ليوم الخميس ٩ نوفمبر/ تشرين الثاني بعد أن تعرضت لهجوم حاد من القراء.

صفحة الكاريكاتير من واشنطن بوست

 


الخميس 9 نوفمبر 2023   

استخدام مصطلح "إرهاب" في التغطية الإعلامية لحرب غزة.. اختيار سياسي أم تحريري؟

أعادت قناة  Investigations et Enquêtes (تحقيقات واستقصاءات) التي تبث على يوتيوب نشر تحقيق عن عمل القوات الخاصة الإسرائيلية بُث سنة 2003 بعنوان: "القوات الخاصة الإسرائيلية: في قلب الحرب ضد الإرهاب". حققت الحلقة معدل مشاهدات عاليا جدا تجاوز نصف مليون في أقل من ثلاثة أسابيع.

وظفت القناة كلمة "إرهاب" لوصف الفصائل والحركات التي تواجه إسرائيل، ومن الواضح أن عدم وضعها بين مزدوجتين يصدر عن موقف تحريري.

 Investigations et Enquêtes

 

تُعرِّف الأمم المتحدة الإرهاب (بعبارات عامة وفضافة) بأنه "أعمال إجرامية يُقصد أو يراد بها إشاعة حالة من الرعب بين عامة الناس أو جماعة من الأشخاص أو أشخاص معينين لأغراض سياسية"، لكن هذا المفهوم تعرض للكثير من التعسف السياسي، فعادة ما تستخدمه الدول لوصف معارضيها أو مناوئي سياساتها".

حينما بدأت المناقشات الأولى حول مفهوم الإرهاب داخل أروقة الأمم المتحدة، انقسمت الدول بشأن تحديد تعريف دقيق متأثرةً بالصراعات السياسية والأيديولوجية، وكان النقاش حادا حول "إرهاب الدول" والحالات التي ينطبق عليها.

لم ينتصر تيار بعينه، ولم تتوصل الأمم المتحدة إلى صيغة متوافق عليها بشأن تعريف المصطلح، لكن خلاصة النقاش أن "الإرهاب" كلمة تنطوي على حمولة سياسية وقد ترتقي لمرتبة البروباغندا لمهاجمة الخصوم.

نستدل هنا بتغير موقف الولايات المتحدة الأمريكية من طالبان، وكيف كانوا في نظرها محررين وأبطال يستحقون الاحتفاء داخل البيت الأبيض من طرف الرئيس رونالد ريغان أيام الغزو السوفياتي لأفغانستان، ثم تحولوا - بعد سنوات فقط - إلى "رعاة للإرهاب العالمي".

ثمة أمثلة كثيرة تدل أن كلمة "الإرهاب" توظف أحيانا للتحريض ضد المعارضين، كما حدث مع أيقونة مناهضة العنصرية نيلسون مانديلا الذي ظل لسنوات "مجرد إرهابي" في تصنيف دولة الأبارتايد.

 

هل وسائل الإعلام معنية بتبني تصنيف الدول لمفهوم الإرهاب؟

وجدت وكالة الأنباء الفرنسية نفسها في قلب جدل سياسي لا ينتهي حول عدم توظيفها لصفة "إرهاب" و"إرهابيين" في وصف حركة حماس، وبناء على قرار تحريري عمم أثناء الحرب الدائرة، فإنها توصف بالصيغة التالية: "منظمة حماس الإرهابية كما تصفها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والاتحاد الأوروبي"، مع تقيّد صارم بتأطير كلمة "إرهاب" بين مزدوجتين.

وحتى عندما هوجمت الطائرة الإسرائيلية بداغستان، كتبت الوكالة الفرنسية "هجوم من قبل حشد معاد لإسرائيل" عكْسَ الكثير من عناوين الصحافة الغربية التي وصفت محاصرة مسافرين إسرائيليين بـ "الإرهاب" و"معاداة السامية".

الاختيار التحريري لوكالة الأنباء الفرنسية حول استخدام كلمات "إرهاب" و"إرهابيين" ليس جديدا، بل إنها لم توظفه في وصف الهجوم على أمريكا سنة 2001 وهجمات باريس 2015، ونشاطات منظمة إيتا الباسكية والحزب الجمهوري الإيرلندي…

ترفض شبكة بي بي سي كذلك استعمال كلمة "إرهاب" لوصف حركة حماس، حيث يقول جون سيمبسون، محرر الشؤون العالمية في شبكة بي بي سي إن "الإرهاب كلمة مشحونة توظف لوصف جماعة لا يتفقون معها على المستوى الأخلاقي. ليست من مهمة بي بي سي أن تحدد للناس من ينبغي أن يدعموا أو من ينبغي أن يدينوا، من هم الأخيار، ومن هم الأشرار. أن تصف الحكومات حماس بأنها حركة إرهابية، فهذا شأنهم، ومن حق الذين نستضيفهم قول ذلك، لكن ليس بصوتنا. عملنا هو تقديم الحقائق لجمهورنا وندعهم يتخذون القرار بأنفسهم".

 

Abc

"الإرهاب" كلمة حساسة للغاية، وأصبحت أداة في يد الكثير من الدول من أجل تصفية معارضيها باستخدام القانون الدولي والمؤسسات الساهرة على تنفيذه. يفرض ذلك على غرف الأخبار التعامل مع المصطلح بكثير من الحذر، فشبكة الجزيرة على سبيل المثال - وبعد أن أصبح "الإرهاب" من أكثر الكلمات تداولا في العالم - تبنت قرارا تحريريا باعتماد صيغة "ما يسمى بالإرهاب" للإحالة إلى الدول والكيانات التي توظفه دون أن تتبناه.


الإثنين 6 نوفمبر 2023 
 

الرقابة العسكرية تتحكم في السردية 

نشرت قناة CNN تقريرا ميدانيا لمراسلها الذي رافق قوات الاحتلال الإسرائيلي في جولة داخل مناطق في قطاع غزة، ونوهت قبل عرضه إلى أن الجيش اشترط تسليمه كافة المحتويات والمواد المصورة لمراجعتها واعتمادها قبل السماح بنشرها، وقد وافقت CNN على هذا الشرط مبررة قرارها بأنه سيمكن القناة من تزويد مشاهديها بـ "نافذة محدودة للاطلاع على العمليات الإسرائيلية في غزة".

في هذا الإقرار بعملية التحكم المسبق بالمحتوى من قبل الجيش الإسرائيلي وتحديد ما يمكن وما لا يمكن نشره، إخلال واضح بمبدأ الاستقلالية في العمل الصحفي، وتحويل عمل المراسل الصحفي من ناقل للحقيقة بموضوعية إلى موظف علاقات عامة لدى الجيش الإسرائيلي. كما أن الدافع الذي جعل القناة تتخذ قرار التخلي عن استقلالية تغطيتها لا يعتبر مبررا مهنيا، فوظيفة التقرير الصحفي الأساسية هي نقل الحقائق بموضوعية واستقلالية، بينما نشر فيديوهات للجنود الإسرائيليين داخل القطاع ضمن رقابة مسبقة بما يخدم فقط السردية الإسرائيلية للأحداث لا يمكن اعتباره ممارسة صحفية، بل "بروباغندا عسكرية".

يشرح الصحفي والكاتب الأميركي ديفيد إغناتيوس، الذي سبق له أن شغل منصب محرر الشؤون الخارجية في صحيفة واشنطن بوست، في مقال له في ذات الصحيفة عام 2010، الإشكاليات المهنية الناتجة عن مرافقة الصحفيين للجنود أثناء تغطية الحروب (Embedded Journalism)، قائلا: "مرافقة الصحفيين للجنود في التغطية  لها ثمن، نحن نراقب الحروب من منظور واحد فقط ولا نراها كاملة"، مضيفا أن الصحفيين بمرافقتهم للجنود أو حتى السياسيين في رحلاتهم، يتبنون تحيزاتهم ورواياتهم للأحداث.

إذا كان الأمر على هذا النحو، كيف يمكن أن تكون التغطية نزيهة ومستقلة، والجيش لا يكتفي فقط باصطحاب الصحفيين للأماكن التي يريد لهم أن يروها، بل يتحكم كذلك بما سيعرضونه في قصصهم الصحفية كما في حالة CNN.

CNN
(صورة ملتقطة من موقع CNN على الإنترنت)

 

 

تابعوا حساباتنا على منصات التواصل الاجتماعي: فيسبوك | تويتر | إنستغرام | لينكدإن | تيكتوك  | بودكاست 

المزيد من المقالات

في تغطية الحرب على غزة.. صحفية وأُمًّا ونازحة

كيف يمكن أن تكوني أما وصحفية ونازحة وزوجة لصحفي في نفس الوقت؟ ما الذي يهم أكثر: توفير الغذاء للولد الجائع أم توفير تغطية مهنية عن حرب الإبادة الجماعية؟ الصحفية مرح الوادية تروي قصتها مع الطفل، النزوح، الهواجس النفسية، والصراع المستمر لإيجاد مكان آمن في قطاع غير آمن.

مرح الوادية نشرت في: 20 مايو, 2024
كيف أصبحت "خبرا" في سجون الاحتلال؟

عادة ما يحذر الصحفيون الذين يغطون الحروب والصراعات من أن يصبحوا هم "الخبر"، لكن في فلسطين انهارت كل إجراءات السلامة، ليجد الصحفي ضياء كحلوت نفسه معتقلا في سجون الاحتلال يواجه التعذيب بتهمة واضحة: ممارسة الصحافة.

ضياء الكحلوت نشرت في: 15 مايو, 2024
"ما زلنا على قيد التغطية"

أصبحت فكرة استهداف الصحفيين من طرف الاحتلال متجاوزة، لينتقل إلى مرحلة قتل عائلاتهم وتخويفها. هشام زقوت، مراسل الجزيرة بغزة، يحكي عن تجربته في تغطية حرب الإبادة الجماعية والبحث عن التوازن الصعب بين حق العائلة وواجب المهنة.

هشام زقوت نشرت في: 12 مايو, 2024
آليات الإعلام البريطاني السائد في تأطير الحرب الإسرائيلية على غزّة

كيف استخدم الإعلام البريطاني السائد إستراتيجيات التأطير لتكوين الرأي العام بشأن مجريات الحرب على غزّة وما الذي يكشفه تقرير مركز الرقابة على الإعلام عن تبعات ذلك وتأثيره على شكل الرواية؟

مجلة الصحافة نشرت في: 19 مارس, 2024
دعم الحقيقة أو محاباة الإدارة.. الصحفيون العرب في الغرب والحرب على غزة

يعيش الصحفيون العرب الذين يعملون في غرف الأخبار الغربية "تناقضات" فرضتها حرب الاحتلال على غزة. اختار جزء منهم الانحياز إلى الحقيقة مهما كانت الضريبة ولو وصلت إلى الطرد، بينما اختار آخرون الانصهار مع "السردية الإسرائيلية" خوفا من الإدارة.

مجلة الصحافة نشرت في: 29 فبراير, 2024
يوميات صحفي فلسطيني تحت النار

فيم يفكر صحفي فلسطيني ينجو يوميا من غارات الاحتلال: في إيصال الصورة إلى العالم أم في مصير عائلته؟ وماذا حين يفقد أفراد عائلته: هل يواصل التغطية أم يتوقف؟ وكيف يشتغل في ظل انقطاع وسائل الاتصال واستحالة الوصول إلى المصادر؟

محمد أبو قمر  نشرت في: 3 ديسمبر, 2023
كيف يمكن لتدقيق المعلومات أن يكون سلاحًا ضد الرواية الإسرائيلية؟

في السابق كان من السهل على الاحتلال الإسرائيلي "اختطاف الرواية الأولى" وتصديرها إلى وسائل الإعلام العالمية المنحازة، لكن حرب غزة بينت أهمية عمل مدققي المعلومات الذين كشفوا زيف سردية قتل الأطفال وذبح المدنيين. في عصر مدققي المعلومات، هل انتهت صلاحية "الأكاذيب السياسية الكبرى"؟

حسام الوكيل نشرت في: 17 نوفمبر, 2023
انحياز صارخ لإسرائيل.. إعلام ألمانيا يسقط في امتحان المهنية مجدداً

بينما تعيش وسائل الإعلام الألمانية الداعمة تقليدياً لإسرائيل حالة من الهستيريا، ومنها صحيفة "بيلد" التي بلغت بها درجة التضليل على المتظاهرين الداعمين لفلسطين، واتهامهم برفع شعار "اقصفوا إسرائيل"، بينما كان الشعار الأصلي هو "ألمانيا تمول.. وإسرائيل تقصف". وتصف الصحيفة شعارات عادية كـ "فلسطين حرة" بشعارات الكراهية.

مجلة الصحافة نشرت في: 15 نوفمبر, 2023
استخدام الأرقام في تغطية الحروب.. الإنسان أولاً

كيف نستعرض أرقام الذين قتلهم الاحتلال الإسرائيلي دون طمس هوياتهم وقصصهم؟ هل إحصاء الضحايا في التغطية الإعلامية يمكن أن يؤدي إلى "السأم من التعاطف"؟ وكيف نستخدم الأرقام والبيانات لإبقاء الجمهور مرتبطا بالتغطية الإعلامية لجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في غزة؟

أروى الكعلي نشرت في: 14 نوفمبر, 2023
الصحافة ومعركة القانون الدولي لمواجهة انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي

من وظائف الصحافة رصد الانتهاكات أثناء الأزمات والحروب، والمساهمة في فضح المتورطين في جرائم الحرب والإبادات الجماعية، ولأن الجرائم في القانون الدولي لا تتقادم، فإن وسائل الإعلام، وهي تغطي حرب إسرائيل على فلسطين، ينبغي أن توظف أدوات القانون الدولي لتقويض الرواية الإسرائيلية القائمة على "الدفاع عن النفس".

نهلا المومني نشرت في: 8 نوفمبر, 2023
هل يحمي القانون الدولي الصحفيين الفلسطينيين؟

لم يقتصر الاحتلال الإسرائيلي على استهداف الصحفيين، بل تجاوزه إلى استهداف عائلاتهم كما فعل مع أبناء وزوجة الزميل وائل الدحدوح، مراسل الجزيرة بفلسطين. كيف ينتهك الاحتلال قواعد القانون الدولي؟ وهل ترتقي هذه الانتهاكات إلى مرتبة "جريمة حرب"؟

بديعة الصوان نشرت في: 26 أكتوبر, 2023
منصات التواصل الاجتماعي.. مساحة فلسطين المصادرة

لم تكتف منصات التواصل الاجتماعي بمحاصرة المحتوى الفلسطيني بل إنها طورت برمجيات ترسخ الانحياز للرواية الإسرائيلية. منذ بداية الحرب على غزة، حجبت صفحات وحسابات، وتعاملت بازدواجية معايير مع خطابات الكراهية الصادرة عن الاحتلال.

إياد الرفاعي نشرت في: 21 أكتوبر, 2023
كيف يساعد التحقق من الأخبار في نسف رواية "الاحتلال" الإسرائيلي؟

كشفت عملية التحقق من الصور والفيديوهات زيف رواية الاحتلال الإسرائيلي الذي حاول أن يسوق للعالم أن حركة حماس أعدمت وذبحت أطفالا وأسرى. في هذا المقال تبرز شيماء العيسائي أهمية التحقق من الأخبار لوسائل الإعلام وللمواطنين الصحفيين وأثرها في الحفاظ على قيمة الحقيقة.

شيماء العيسائي نشرت في: 18 أكتوبر, 2023
"لسعات الصيف".. حينما يهدد عنوان صحفي حياة القرّاء

انتشر "خبر" تخدير نساء والاعتداء عليهن جنسيا في إسبانيا بشكل كبير، على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تتلقفه وسائل الإعلام، ليتبين أن الخبر مجرد إشاعة. تورطت الصحافة من باب الدفاع عن حقوق النساء في إثارة الذعر في المجتمع دون التأكد من الحقائق والشهادات.

Ilya U. Topper
إيليا توبر Ilya U. Topper نشرت في: 30 يوليو, 2023
كيف نستخدم البيانات في رواية قصص الحرائق؟

كلما اشتد فصل الصيف تشتعل الحرائق في أماكن مختلفة من العالم مخلفة كلفة بشرية ومادية كبيرة. يحتاج الصحفيون، بالإضافة إلى المعرفة المرتبطة بالتغير المناخي، إلى توظيف البيانات لإنتاج قصص شريطة أن يكون محورها الإنسان.

أروى الكعلي نشرت في: 25 يوليو, 2023
انتفاضة الهامش على الشاشات: كيف تغطي وسائل الإعلام الفرنسية أزمة الضواحي؟

اندلعت احتجاجات واسعة في فرنسا بعد مقتل الشاب نائل مرزوق من أصول مغاربية على يدي الشرطة. اختارت الكثير من وسائل الإعلام أن تروج لأطروحة اليمين المتشدد وتبني رواية الشرطة دون التمحيص فيها مستخدمة الإثارة والتلاعب بالمصادر.

أحمد نظيف نشرت في: 16 يوليو, 2023
كيف حققت في قصة اغتيال والدي؟ 

لكل قصة صحفية منظورها الخاص، ولكل منها موضوعها الذي يقتفيه الصحفي ثم يرويه بعد البحث والتقصّي فيه، لكن كيف يكون الحال حين يصبح الصحفي نفسه ضحية لحادثة فظيعة كاغتيال والده مثلا؟ هل بإمكانه البحث والتقصّي ثم رواية قصته وتقديمها كمادة صحفية؟ وأي معايير تفرضها أخلاقيات الصحافة في ذلك كله؟ الصحفية الكولومبية ديانا لوبيز زويلتا تسرد قصة تحقيقها في مقتل والدها.

ديانا لوبيز زويلتا نشرت في: 11 يونيو, 2023
عن أخلاقيات استخدام صور الأطفال مرة أخرى

في زمن الكوارث والأزمات، ماهي المعايير الأخلاقية التي تؤطر نشر صور الأطفال واستعمالها في غرف الأخبار؟ هل ثمة مرجعية تحريرية ثابتة يمكن الاحتكام عليها أم أن الأمر يخضع للنقاش التحريري؟

مجلة الصحافة نشرت في: 9 فبراير, 2023
حذار من الصحفيين الناشطين!

تقود الحماسة الصحفية في بعض الأحيان أثناء الحروب والأزمات إلى تبني ثنائية: الأشرار والأخيار رغم ما تنطوي عليه من مخاطر مهنية. إرضاء المتابعين لم يكن يوما معيارا لصحافة جيدة.

Ilya U. Topper
إيليا توبر Ilya U. Topper نشرت في: 7 أغسطس, 2022
الحياة مقابل الحقيقة.. ضريبة الصحافة في فلسطين

يشبه الصحفيون الفلسطينيون المشتغلون بالميدان أبطال رواية "رجال في الشمس" لغسان كنفاني، فهم معرضون لـ "الاختناق" و"القتل البطيء والسريع" والملاحقات والتهديد المعنوي، فقط لأنهم ينقلون للعالم حقيقة محتل عنصري يحاول أن يبني شرعيته بالقوة والسلاح. هذه قصة صحفيين فلسطينيين دفعوا حياتهم دفاعا عن الحقيقة.

هدى أبو هاشم نشرت في: 5 يونيو, 2022
الحسابات الإخبارية على المنصات الرقمية بعمان.. هل هي مهنية؟

القضايا الحقيقية للمواطنين في عمان لا تناقشها وسائل الإعلام التقليدية، بل الحسابات الإخبارية على وسائل التواصل الاجتماعي. في ظرف سنوات قليلة، بنت هذه الحسابات جمهورها، وامتلكت القدرة على التأثير وسط انتقادات حادة توجه إليها بانتهاك المعايير الأخلاقية والمهنية.

سمية اليعقوبي نشرت في: 6 مارس, 2022
يوميات الصحفي الفلسطيني على خط النار

بعضهم قصفت مقراتهم، والبعض الآخر تركوا عائلاتهم ليدحضوا السردية الإسرائيلية، أما البعض الآخر فقد اختاروا أن يشتغلوا على القصص الإنسانية كي لا يتحول الضحايا إلى مجرد أرقام.... هي قصص صحفيين فلسطينيين يشتغلون تحت النار.

ميرفت عوف نشرت في: 20 مايو, 2021
الرواية الفلسطينية في بث حي على إنستغرام

بينما كانت بعض القنوات التلفزيونية تساوي بين الضحية والجلاد في أحداث القدس، كان مؤثرون ونشطاء صحفيون يقدمون الرواية الفلسطينية للعالم. لقد تحولت المنصات الرقمية، رغم كل التضييق، إلى موجه للقرارات التحريرية، وإلى مصدر رئيسي للتحقق مما يجري على الأرض.

مجلة الصحافة نشرت في: 9 مايو, 2021
حينما تتعالى الصِّحافةُ السودانية على آلام المستضعَفين

بينما الشّارعُ السّودانيُّ يغلي بسبب انتشار الفقر، وبينما تتّسعُ دائرةُ التّهميش، تُصِرُّ الصِّحافةُ السّودانيّةُ على التَّشاغُل بتغطية شؤون "النُّخبة"؛ بعيدًا عن قصص الفقر في المدن والأرياف.

سيف الدين البشير أحمد نشرت في: 31 مارس, 2021