استقصائي سلفادوري.. الشرطة تقتل

تبدو السلفادور أقرب للمقبرة منها لبلد. إحصائيات عام 2015 تشير لوقوع 6670 جريمة قتل. حتى أن الصحيفة الأميركية "يو إي آي توداي" صنفت عاصمته سان سلفادور كـ"عاصمة عالمية لجرائم القتل". أما عام 2016 فلم يحمل أخبارا طيبة إذ تجاوز عدد القتلى الـ4000. هناك حرب بين الحكومة السلفادورية وعصابات إم إس-13 وباريو 18. تلك العصابات اغتالت جنودا ومسؤولين قضائيين وأقاربهم وسيطروا على أراض كاملة، وقتلوا من وقف في طريقهم. الأمر نفسه يجري مع الأشخاص القاطنين أحياء تسيطر عليها عصابات منافسة. وأصبح الأمر كأنما هو ابتزاز للحكومة التي بات من الواضح أنها عاجزة عن التعامل مع هذا الوضع. وقد طالب أفراد من الشعب وبعض السياسيين بفرض عقوبة الإعدام على أفراد العصابات التي أٌقرت المحكمة العليا بتسميتهم إرهابيين.

ولهذا فحين يقتل أحد أفراد العصابات، يحتفل الناس ويطالبون بالمزيد مؤيدين أعمال رجال الشرطة.  الأمر الذي استغله أفراد في هيئات أمن الدولة لارتكاب مجازر وجرائم خارج نطاق القضاء. التقارير الرسمية تؤكد أن الكثيرين يقضون خلال مواجهات مع الجيش والشرطة.

اكتشف الصحفيون أن هذه التقارير ليست صحيحة. ففجر يوم 26 مارس/آذار 2015، ارتكبت مجزرة في بلدة "لا ليبيرتاذ" أسفرت عن ثمانية قتلى. الشرطة الوطنية القومية (PNC) أكدت أنهم كانوا أعضاء ف"عصابة إجرامية"، لكن صحيفة "إلفارو" (El Faro)  الإلكترونية أعادت بناء الأحداث، فماذا كانت النتيجة؟

لقد قتلت الشرطة شخصا لا علاقة له بتلك المجموعات بدم بارد.

المتورطون بتلك المجزرة تم تحويلهم للمحاكمة. وسائل الإعلام الكبرى أعادت إنتاج كذبات الشرطة. وبدأت مواقع التواصل الاجتماعي بالسلفادور بنشر صور عن مسرح الجريمة واحتفاء الناس بالتخلص من أولئك.

لكن صحيفة إلفارو أكدت أن كل ما نشر ليس منطقيا. في نفس ذلك اليوم 26 مارس/آذار دعت حكومة السلفادور لمسيرة وطنية يتوحد فيها الناس بزي أبيض كدعوة للسلام في أراضيها وتوقف العنف. قررت تلك الصحيفة إجراء تحقيق في تلك القضية انطلاقا من افتراضها أن أحكام إعدام قد نفذت دون محاكمات بقرار من هيئات البلاد الأمنية.

فماذا كشفت تلك الصور التي نشرت عن القتلى ووضعيات أجسادهم؟

لقد كان معهم أسلحة نارية في أيديهم أو حول أجسادهم. وكانت المشاهد غير مترابطة وبلا أي معنى.

لكن المعضلة تمثلت في كيفية الحصول على معلومات من الشرطة التي ستقدم روايتها وستتلاعب بالحقائق وتغيرها.

كانت البداية بمراجعة المعلومات والتحقق منها بواسطة الصور العامة المنشورة عن الأحداث. إضافة لذلك، الصور المقدمة من قبل الشرطة نفسها، والخطوة الثانية بالعودة لمكان الجريمة. لكن في السلفادور هذا أمر خطر جدا، لأن الصحفي مكشوف أمام كل العصابات وأيضا من عناصر الأمن. وإذا قٌتل صحفي فلن تعترف أي جهة بمقتله.

روبيرتو بالينسيا، أحد الصحفيين الذين شاركو في تحقيق "الشرطة تقتل في سان بلاس" قال لمجلة الصحافة إن الأماكن الأكثر رعبا بالنسبة للصحفي هي الواقعة تحت سيطرة العصابات،  لكن العصابات نفسها كانت مهتمة بوصول الصحفيين لأماكنهم هذه المرة.. "وقبل الوصول لمسرح المجزرة زرنا وقابلنا أقارب الضحايا الثمانية، ستة منهم كانوا أفرادا نشطين في العصابات".

ويتابع بالينسيا أن تعاون الحكومة والشرطة معهم كان نادرا، لكن الجهة التي قدمت لهم العون كانت مؤسسة الطب الشرعي. أما مكتب المدعي العام فقد امتنتع عن المساعدة. فما العمل؟

طلبت الصحيفة من مراسليها إجراء تقارير مع عائلات القتلى وجيرانهم. وتوجهوا لأقرب الأحياء التي منها يُمكن سماع الرصاص. وحصلوا على العديد من المعلومات المتعلقة بتحديد توقيت بدء إطلاق الرصاص ووقفه. بعد ذلك بحث فريق التحقيق عن الأطباء الشرعيين وسألوهم عن الجراح الناتجة عن تلك الرصاصات الموجودة في الأجساد. مختصون وخبراء أسلحة أكدوا أن الرصاصات كانت قد أطلقت من مسافة قريبة بمعنى أن الأسلحة المستخدمة في القتل كانت على مسافة قريبة جدا من الأجساد، وهذا يعني أن القتلى لم يموتوا خلال اشتباكات مع الشرطة، بل تم إعدامهم.

كما أكد هؤلاء الخبراء بعد أن عرض عليهم فريق التحقيق صور المجزرة أن مواقع الجثث مع الأسلحة ليست منطقية.

كان من الواضح أن الشرطة تلاعبت بمسرح الجريمة وأنها قد وصلت لمسرح الأحداث فقبضت على رجال العصابات وأجبرتهم على الركوع ثم قتلتهم.

وتوصل فريق التحقيق لشهادات جيران عن أحد الضحايا الذي لم يكن له أي علاقة بتلك المجموعات بل كان معروفا بتدينه، كما استطاع الاستدلال على مكان والدته التي قالت إن الشرطة منعتها من الحديث.

ما العمل إذا لحماية الشهود وأقارب القتلى الذين سمعوا صوت إطلاق الرصاص من جانب الشرطة؟ يقول بالينسيا:

"سألنا مستشارين من مؤسسات تعنى بحقوق الإنسان قبل أن يتم نشر التحقيق. تحدثنا مع تسعة من الناجين، أربعة شباب كانوا في تلك الليلة مرتبطين بعصابة ام-13 ولكن هوياتهم ظلت مجهولة. خمسة أعضاء من عائلة واحدة من بينهم ثلاثة أطفال، سمعوا على الأقل حالتين من الإعدام. ولأنها كانت عائلة معروفة من قبل الحكومة فقد قدرنا أن وضع أسمائهم هو ضمانة لهم وهو أفضل من عدم وضعها واختيار أسماء مستعارة.. هذه الاستراتيجية أقرها مدافعون عن حقوق الإنسان من المنظمات التي تعاملنا معها.. "تجربتي في هذه الأحداث تقول إن ذهبت للأماكن التي تقع بها أحداث كهذه وسألت وتحققت واستغليت الوقت جيدا مع مصادرك فإنك بالتأكيد ستحصل على معلومات". ويعطي بالينسيا مثالا على ذلك: "وثيقة النائب العام عند عرض المشهد الذي ذكرناه، وفرتها لنا عائلة من عائلات القتلى. فهم كمتضررين لهم الحق في الحصول على وثائق رسمية".

هناك تحقيقات صحفية أخرى أثبتت أن قوى الدولة الأمنية نفذت أحكام إعدام أخرى أيضا. قامت الصحيفة بتسليم جميع البيانات التي تمتلكها والنتائج التي توصلت إليها لمنظمات حقوق الإنسان التي تقيم حاليا دعاوى ضد الشرطة والجيش في السلفادور.

المزيد من المقالات

الصحافة في الصومال.. "موسم الهجرة" إلى وسائل التواصل الاجتماعي

من تمجيد العسكر والمليشيات إلى التحوّل إلى سلطة حقيقية، عاشت الصحافة الصومالية تغيرات جوهرية انتهت بانتصار الإعلام الرقمي الذي يواجه اليوم معركة التضليل والإشاعة، والاستقلالية عن أمراء الحرب والسياسة.

الشافعي أبتدون نشرت في: 23 فبراير, 2020
هل طبّع "الصحفيون المواطنون" مع الموت؟

الموت كان يداهم الناس، لكن المصورين كانوا مهووسين بالتوثيق بدل الإنقاذ. لقد أعاد مشهد احتراق طفلة في شقتها أمام عدسات المصورين دون أن يبادر أحد إلى إنقاذ حياتها، نقاش أدوار" المواطن الصحفي" إلى الواجهة: هل يقتصر دورهم على التوثيق ونقل الوقائع للرأي العام، أم ينخرطون في إنقاذ أرواح تقترب من الموت؟

محمد أكينو نشرت في: 2 فبراير, 2020
يوميات صحفي رياضي في كابل (1)

الطريق إلى كابل ولو في مهمة رياضية، ليست مفروشة بالنوايا الحسنة. صحفي سابق لدى قناة "بي إن سبورتس" الرياضية، زار أفغانستان لتغطية مباراة دولية في كرة القدم، لكنه وجد نفسه في دوامة من الأحداث السياسية.. من المطار إلى الفندق إلى شوارع كابل وأزقتها، التقى قناصي الجيش الأميركي، وكتب هذه المشاهدات التي تختصر قصة بلد مزقته الحرب.

سمير بلفاطمي نشرت في: 26 يناير, 2020
معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
في غرف الأخبار.. الأخطاء ستقع دائمًا

كانت الأسئلة التي تثار حول الجزيرة كثيرة، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة: كيف تصلها أشرطة الفيديو لزعيم تنظ

منتصر مرعي نشرت في: 28 يوليو, 2019
صناعة وثائقي بتقنية الواقع الافتراضي مع مجتمع محلي: سرد قصة كفاح دلتا النيجر

يأخذ الفيلم المصور بتنقية الواقع الافتراضي مشاهده إلى قلب دلتا النيجر، ويسلط الضوء على نضال شابة، تدعى ليسي، في عاصمة النفط في نيجيري

كونتراست الجزيرة نشرت في: 17 يوليو, 2019
دروس من مراسلة حربية.. مقابلة مع زينة خضر

كان هدفنا بسيطاً وهو تسليط الضوء على أهوال الحرب وقتامة الألم الذي يتسبب به الإنسان. وقد تحوّل العمل داخل سوريا إلى كابوس لجميع الصحافيين لما كان يشكّله من خطر على سلامتهم.

عواد جمعة نشرت في: 10 يوليو, 2019
تجارب صحافي محلي مستقل في اليمن

لعلّ أحد أصعب المواقف التي نواجهها في اليمن هو الانتقال من محافظة إلى أخرى. وللوصول إلى قصتك الصحافية، غالباً ما تضطر لتعريض نفسك للخطر.

معتصم الهتاري نشرت في: 16 يونيو, 2019
الخصوصية في العصر الرقمي .. ثقب أسود في حياة الصحفيين

نسبة كبيرة من الصحفيين لازالوا حتّى اليوم يعتقدون أن حفظ أمنهم الرقمي يندرج في إطار "الكماليات والرفاهية"، إذ أن ثقافة الحماية الأمنية حتى الآن غائبة عن حسابات عدد لا بأس به من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأفراد، ويرجع ذلك إلى عدّة اعتبارات

أحمد حاج حمدو نشرت في: 13 يونيو, 2019
التمويل التشاركي في الإعلام... العامة كرئيس تحرير

مشاريع التمويل التشاركي أو الصحافة المستقلة لم تكتفِ فقط بالتحرر من عقد الممول، وإنما بدأت أيضا إعادة طرح أسئلة جوهرية في شكل الصحافة السائد، وكيفية تقديم نوع جديد من الصحافة المعمّقة يستطيع طرح مقاربات جديدة حول الأحداث.

محمد خمايسة نشرت في: 11 يونيو, 2019
أكثر من شهود: صحافة المواطن خلال الثورة المصرية

في الفترة التي سبقت ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كان لأحداث رئيسية دور في تحديد ما قاد إلى الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس المصري في العام 2011.

خالد فهيم نشرت في: 4 يونيو, 2019
تغطية الإعلام الليبي للحرب حول طرابلس.. إشكالية التدقيق والانحياز

عيش وسائل الإعلام فوضى عارمة في انتقاء ونحت المصطلحات التي تهدف من ورائها إلى شيطنة الطرف المقابل للطرف الذي تؤيده.

إسماعيل القريتلي نشرت في: 30 أبريل, 2019
إعلام ما بعد الربيع.. ما يُمكن أن تقترحه "الهوامش" المأزومة

ماذا نفعل بالإرث؟ وأين نذهب بمُمكنات الحاضر؟ الإرث هنا ما راكمناه إعلامياً خلال قرابة قرن وعقدين، ومُمكنات الحاضر تُشير إلى القواعد والقوالب الصحفية والتقنيات المتاحة اليوم.

معاد بادري نشرت في: 1 أبريل, 2019
شاهد| فيلم منال الأمل .. صحفيات في قلب الحرب اليمنية

مع دخول اليمن عامها الخامس من الحرب، تقوم صحفيتان محليتان، منال وأمل ، برواية قصص الأطفال والأمهات اليمنيات الذين يعيشون في قلب أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

كونتراست الجزيرة نشرت في: 26 مارس, 2019
مقدم البرامج الإذاعية.. صمام أمان الراديو

مع مرور الوقت وفي ظل تزايد الأبحاث والدراسات التي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على الراديو؟ ما مستقبل الراديو في العالم الرقمي؟

لمياء المقدم نشرت في: 26 فبراير, 2019
صحافة عزلاء في الفوضى الليبية

الصحفي الليبي اليوم جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي المعقد شديد الانقسام الذي أدى بالضرورة إلى معركة عنيفة حول رواية الخبر الواحد، مما عرض الصحفي إلى الاغتيال والخطف والاعتداء على مقار المؤسسات الإع

خلود الفلاح نشرت في: 24 فبراير, 2019
وفاة كاسترو.. أكثر من مسودة

في مكتبة صغيرة في زاوية غرفة الأخبار، وُضع على الرف شريط عن سيرة حياة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للبث في حالة وفاته مباشرة.

محمد زيدان نشرت في: 22 فبراير, 2019
التحقيق الاستقصائي.. الجو ماطر أم مشمس؟

إذا كنت ترغب في تغيير العالم، فكل ما تحتاج إليه هو قلم ودفتر وذهنية سليمة. وبواسطة هذه الأمور، يمكنك أن تساهم في سقوط القادة الفاسدين، وفضح تجاوزات الشركات، وإرسال شِرار القوم إلى السجون.

ريتشارد كوكسون نشرت في: 18 فبراير, 2019
من هم منتحلو صفة صحفيّ في الأردن؟

لغايات هذا التقرير، أجريتُ مقابلةً مع نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، الذي يُخوّل القانون نقابته تصنيف العاملين بالصحافة إلى: منتحلي صفة صحفيّ، أو صحفيّ.

عمار الشقيري نشرت في: 6 يناير, 2019
الصحافة والسترات الصفراء في فرنسا.. سوء الفهم الكبير

إذا كنت صحفيا تغطي احتجاجات "السترات الصفراء" في شارع الشانزليزيه في باريس، فستواجه سؤالا متكررا من قبل عدد من المحتجين: لصالح أية وسيلة إعلامية تعمل؟

محمد البقالي نشرت في: 25 ديسمبر, 2018
صحافة ”القطعة“ بغزة.. فرصٌ محدودة وحقوق مهدورة

 ينتظر الصحفي الغزّي هاني ياسين (22 عامًا) بفارغ الصبر نشر المادة الصحفية التي أعدّها مؤخرًا لصالح موقع إلكتروني عربي يعمل معه بنظام القطعة "الاستكتاب"، حتّى يصبح المبلغ المالي الخاص به مستحق الدفع

محمد أبو دون نشرت في: 23 ديسمبر, 2018
الصحف الأوروبية والبريكست.. حياد سلبي ومواقف المعادية

 مع بدء العد العكسي، للوصول إلى التاريخ النهائي، الذي سيحدد مصير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، حان الوقت لإجراء تقييم شامل، لتغطية وسائل الإعلام الأوروبية لهذا الحديث المصيري في تاريخ

أيوب الريمي نشرت في: 20 ديسمبر, 2018