الصحفي أمام كذب الساسة

لا جديد تحت الشمس، يزيِّف السياسيون الحقائق.. يكذبون أثناء ترشحهم للانتخابات وبعد انتخابهم، ثم يحتاجون إلى كذبة أخرى للدفاع عن الكذبة السابقة، وبهذه الطريقة يتمكنون من تبرير وجودهم في المشهد السياسي، والقول للأصوات التي انتخبتهم ولخصومهم أيضا، إن الاستراتيجيات التي وضعوها هي الأفضل.
لكن هل يمكن للصحافة الوقوف في وجه العبث بالحقائق وتزييفها من قبل معظم الزعماء المحليين والعالميين رغم معرفتها بأنهم يخدعونها؟ 
لا توجد إجابة واحدة عن هذا التساؤل، إذ تتحمل المسؤولية أكثر من جهة، بدءا من صاحب القناة المهتم بتوجهات المعلِنين الفكرية وإعلاناتهم في وسيلته الإعلامية أكثر من اهتمامه بأحوال السلطة من حوله.
كما تقع المسؤولية على محرر الأخبار الذي يعصر غرفة الأخبار ليستخرج منتجا مثيرا للنشر على حساب الجودة. ويتحملها أيضا الصحفي داخل غرف الأخبار وفي المكاتب حين ينقطع عن التواصل مع الواقع والناس في تقريره، ويتحملها صحفي التغطيات الذي ما إن يدير آلة التسجيل حتى يفترض صدق كل تصريح يصدر عن أي مصدر سياسي أو اقتصادي أو ديني، ثم يتحمل المسؤولية القراءُ الذين لا ينظرون إلى المعلومات بعين الناقد، دون إغفال المسؤولية التي تقع على عاتق الأنظمة الاستبدادية.
لكن الحال في بعض البلدان قد تغير، وأصبحت الصحافة تسائل الخطاب الحكومي الناشئ عن دوائر السلطة، وباتت تُخضع كلماته لتحليل يعتمد على منهج شمولي يمكِّنها من تصنيف رسائل الخطاب الموجه إلى المجتمع أو الأمة، لمعرفة إن كانت تلك الرسائل تتضمن معلومات صحيحة أم كاذبة، أم تم العبث بها. 
مع هذا، فالتحقق من خطاب الحكومة والسلطة ليس بالأمر السهل، فتلك قوى لديها القدرة على خلق الأخبار ونشرها والعبث بالحقائق باستخدام الأرقام والبيانات والتقارير والتصريحات، وفي الوقت نفسه لديها القدرة على تقييد الوصول إلى المعلومات أو نقض العناصر التي تدعم خطابها.
لذا من المهم أن تفرض الصحافة رقابتها على ممثلي الشعب والأمة، هؤلاء الذين يحددون مصير بلد ما بل وحتى العالم، في سبيل إنتاج ثقافة منحازة إلى الحقيقة والتقليل من سلوكيات الفساد، وتحقيق المساواة الاجتماعية.

من أين نبدأ؟

تصل الأسماك إلى موتها من خلال أفواهها، وهذا ينطبق على الساسة، ولا نعني هنا الموت الجسدي، بل موت صدقيتهم إذا ما تفوهوا بكلام كاذب.
سجلت كثير من بلدان أميركا اللاتينية أرقاما مرتفعة في الفساد، حسب تقرير لمعهد "حوكمة الموارد الطبيعية" (أن.آر.جي.آي) نشرته الصحافة العالمية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015. 
ومنذ العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين بدأت مبادرات باللغة الإسبانية تهدف إلى التحقق من خطاب السلطة، مثل صحيفة "تشيكيادو" الإلكترونية التابعة لمؤسسة "صوت الشعب في الأرجنتين". وعلى شاكلتها ظهرت أقسام في صحف أخرى مثل: "محقق كلب الصيد" التابع لصحيفة "حيوان سياسي من المكسيك"، و"كاشف الكذب" التابع لصحيفة "المقعد الفارغ في كولومبيا"، و"خدعة" التابع "للوكالة العامة في البرازيل"، و"بوليتيغرافو" التابع لصحيفة "منارة السلفادور".
تبدأ مراقبة الخطاب السياسي بمراقبة جملة صدرت عن سياسي إثر حدث ما، أو من المنصات الاجتماعية أو خلال تظاهرة ما، ويفترض أن تلامس هذه الجملة موضوعات الأمة الحساسة. 
في السلفادور، تعتبر كلمات مثل الأمن والصحة والاقتصاد والتعليم كلمات حساسة بالنسبة للمجتمع. 
"الجملة" هي الخطوة الأولى، وانطلاقا منها يمارس الصحفي دوره في إظهار تناقضات التصريحات، وحينها فمن واجب الصحفي أن يشرح السياق.. فيحدد من هو قائل التصريحات وأين صرَّح بها ولماذا، وما هي صفة القائل، وعليه أن يحدد المكان الجغرافي الذي قيلت فيه التصريحات لمعرفة دلالاتها ومعانيها، فكل هذه المعلومات نسبية للقارئ.
بعد ذلك، يعود الصحفي إلى المصدر الرئيسي، بمعنى أن يعود إلى السياسي أو صاحب السلطة وأن يسأله عن تصريحاته. وهنا تدخل في اللعبة قطع أخرى من الخطاب، ففي مناسبات عدة لا يُعِدّ السياسي الخطاب، بل فريق التواصل ومساعدوه. لذا، ينبغي على الصحفي أن يراجع جميع الأطراف وأن يطرح عليهم أسئلة تتعلق بالكيفية التي وصلوا بها إلى نتائج معينة لقضية ما.
وفي هذا الخصوص، يقول الصحفي غابرييل لابرادور من صحيفة "منارة السلفادور" (الفارو)، إن الأكثر صعوبة -مع إمكانية تجاوز الصعوبة- هو أن يستقبلك الفريق والمساعدون وأن يخبروك بماذا قصد المسؤول بتصريحاته ومن أين استخرج معلوماته وكيف تأكد منها. 
فعلى سبيل المثال: إذا أكدت الشرطة أن القتل انخفض في بلد عنيف كالسلفادور، فعلى الصحفي أن يقوم بعملية مسح، ليس فقط من مصادر حكومية، بل من مصادر أخرى موثوقة كبعض المنظمات غير الحكومية لعقد مقارنات بين الخطاب الرسمي والواقع، حسب لابرادور.

الكذب على العالم

واحد من الخطابات التي تم التلاعب بها في السنوات الأخيرة كان الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة أو "عملية الرصاص المصبوب"، فقد أكدت إسرائيل أن الهجوم الأرضي والجوي والبحري كان موجها إلى حركة حماس، كما منعت الصحفيين من الوصول إلى المنطقة بهدف تأكيد روايتها.
كذّبت منظمات كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش التصريحات الإسرائيلية عندما وجدت أدلة واضحة على وجود جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فالأرقام الأكثر تحفظا تتحدث عن 1300 قتيل فلسطيني.
وحينما كان الهجوم الإسرائيلي على أشده، قرر صحفي إسباني هو "ألبيرتو آرسي" التوجه إلى منطقة القتال. صعد إحدى سيارات الإسعاف، وكان شاهدا على منع إسرائيل لهذه المنظمة الإنسانية من جمع الجثث، ثم وضع شهادته في الفيلم الوثائقي الذي أنجزه بعنوان "كي تطلق النار على فيل".
يقول خلال مقابلة أجراها معه التلفزيون الإسباني "سيكوم" إن "الحديث عن فلسطين يؤكد أن التحدث كثيرا لا يعني التحدث جيدا، بمعنى أنّ توفر المعلومات الكثيرة ليس دليلاً على جودتها. وبالنسبة للفلسطينيين، من الأفضل أن يتحدثوا قليلا، لكن بطريقة صحيحة، إذ إنَّ جميعنا يكرر العبارة الشرعية العفوية "الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي" في حين أننا نتحدث في واقع الأمر عن احتلال إسرائيل لفلسطين". آرسي يعمل حاليا مراسلا لأسوشيتد برس في المكسيك.
لذلك، على المؤسسات الصحفية أن تعمم ممارسة التحليل الشمولي للخطاب السياسي، فالصحافة عمل متعدد التخصصات يقوم على التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والرياضيات، لكن اللامبالاة والسطحية وغياب الصحفي المتخصص عند إعداد المواد الصحفية يسمح للأكاذيب أن تتحول إلى حقائق، أما النتيجة فيدفع ثمنها آخرون.

 

المزيد من المقالات

الصحافة في الصومال.. "موسم الهجرة" إلى وسائل التواصل الاجتماعي

من تمجيد العسكر والمليشيات إلى التحوّل إلى سلطة حقيقية، عاشت الصحافة الصومالية تغيرات جوهرية انتهت بانتصار الإعلام الرقمي الذي يواجه اليوم معركة التضليل والإشاعة، والاستقلالية عن أمراء الحرب والسياسة.

الشافعي أبتدون نشرت في: 23 فبراير, 2020
هل طبّع "الصحفيون المواطنون" مع الموت؟

الموت كان يداهم الناس، لكن المصورين كانوا مهووسين بالتوثيق بدل الإنقاذ. لقد أعاد مشهد احتراق طفلة في شقتها أمام عدسات المصورين دون أن يبادر أحد إلى إنقاذ حياتها، نقاش أدوار" المواطن الصحفي" إلى الواجهة: هل يقتصر دورهم على التوثيق ونقل الوقائع للرأي العام، أم ينخرطون في إنقاذ أرواح تقترب من الموت؟

محمد أكينو نشرت في: 2 فبراير, 2020
يوميات صحفي رياضي في كابل (1)

الطريق إلى كابل ولو في مهمة رياضية، ليست مفروشة بالنوايا الحسنة. صحفي سابق لدى قناة "بي إن سبورتس" الرياضية، زار أفغانستان لتغطية مباراة دولية في كرة القدم، لكنه وجد نفسه في دوامة من الأحداث السياسية.. من المطار إلى الفندق إلى شوارع كابل وأزقتها، التقى قناصي الجيش الأميركي، وكتب هذه المشاهدات التي تختصر قصة بلد مزقته الحرب.

سمير بلفاطمي نشرت في: 26 يناير, 2020
معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
في غرف الأخبار.. الأخطاء ستقع دائمًا

كانت الأسئلة التي تثار حول الجزيرة كثيرة، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة: كيف تصلها أشرطة الفيديو لزعيم تنظ

منتصر مرعي نشرت في: 28 يوليو, 2019
صناعة وثائقي بتقنية الواقع الافتراضي مع مجتمع محلي: سرد قصة كفاح دلتا النيجر

يأخذ الفيلم المصور بتنقية الواقع الافتراضي مشاهده إلى قلب دلتا النيجر، ويسلط الضوء على نضال شابة، تدعى ليسي، في عاصمة النفط في نيجيري

كونتراست الجزيرة نشرت في: 17 يوليو, 2019
دروس من مراسلة حربية.. مقابلة مع زينة خضر

كان هدفنا بسيطاً وهو تسليط الضوء على أهوال الحرب وقتامة الألم الذي يتسبب به الإنسان. وقد تحوّل العمل داخل سوريا إلى كابوس لجميع الصحافيين لما كان يشكّله من خطر على سلامتهم.

عواد جمعة نشرت في: 10 يوليو, 2019
تجارب صحافي محلي مستقل في اليمن

لعلّ أحد أصعب المواقف التي نواجهها في اليمن هو الانتقال من محافظة إلى أخرى. وللوصول إلى قصتك الصحافية، غالباً ما تضطر لتعريض نفسك للخطر.

معتصم الهتاري نشرت في: 16 يونيو, 2019
الخصوصية في العصر الرقمي .. ثقب أسود في حياة الصحفيين

نسبة كبيرة من الصحفيين لازالوا حتّى اليوم يعتقدون أن حفظ أمنهم الرقمي يندرج في إطار "الكماليات والرفاهية"، إذ أن ثقافة الحماية الأمنية حتى الآن غائبة عن حسابات عدد لا بأس به من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأفراد، ويرجع ذلك إلى عدّة اعتبارات

أحمد حاج حمدو نشرت في: 13 يونيو, 2019
التمويل التشاركي في الإعلام... العامة كرئيس تحرير

مشاريع التمويل التشاركي أو الصحافة المستقلة لم تكتفِ فقط بالتحرر من عقد الممول، وإنما بدأت أيضا إعادة طرح أسئلة جوهرية في شكل الصحافة السائد، وكيفية تقديم نوع جديد من الصحافة المعمّقة يستطيع طرح مقاربات جديدة حول الأحداث.

محمد خمايسة نشرت في: 11 يونيو, 2019
أكثر من شهود: صحافة المواطن خلال الثورة المصرية

في الفترة التي سبقت ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كان لأحداث رئيسية دور في تحديد ما قاد إلى الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس المصري في العام 2011.

خالد فهيم نشرت في: 4 يونيو, 2019
تغطية الإعلام الليبي للحرب حول طرابلس.. إشكالية التدقيق والانحياز

عيش وسائل الإعلام فوضى عارمة في انتقاء ونحت المصطلحات التي تهدف من ورائها إلى شيطنة الطرف المقابل للطرف الذي تؤيده.

إسماعيل القريتلي نشرت في: 30 أبريل, 2019
إعلام ما بعد الربيع.. ما يُمكن أن تقترحه "الهوامش" المأزومة

ماذا نفعل بالإرث؟ وأين نذهب بمُمكنات الحاضر؟ الإرث هنا ما راكمناه إعلامياً خلال قرابة قرن وعقدين، ومُمكنات الحاضر تُشير إلى القواعد والقوالب الصحفية والتقنيات المتاحة اليوم.

معاد بادري نشرت في: 1 أبريل, 2019
شاهد| فيلم منال الأمل .. صحفيات في قلب الحرب اليمنية

مع دخول اليمن عامها الخامس من الحرب، تقوم صحفيتان محليتان، منال وأمل ، برواية قصص الأطفال والأمهات اليمنيات الذين يعيشون في قلب أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

كونتراست الجزيرة نشرت في: 26 مارس, 2019
مقدم البرامج الإذاعية.. صمام أمان الراديو

مع مرور الوقت وفي ظل تزايد الأبحاث والدراسات التي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على الراديو؟ ما مستقبل الراديو في العالم الرقمي؟

لمياء المقدم نشرت في: 26 فبراير, 2019
صحافة عزلاء في الفوضى الليبية

الصحفي الليبي اليوم جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي المعقد شديد الانقسام الذي أدى بالضرورة إلى معركة عنيفة حول رواية الخبر الواحد، مما عرض الصحفي إلى الاغتيال والخطف والاعتداء على مقار المؤسسات الإع

خلود الفلاح نشرت في: 24 فبراير, 2019
وفاة كاسترو.. أكثر من مسودة

في مكتبة صغيرة في زاوية غرفة الأخبار، وُضع على الرف شريط عن سيرة حياة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للبث في حالة وفاته مباشرة.

محمد زيدان نشرت في: 22 فبراير, 2019
التحقيق الاستقصائي.. الجو ماطر أم مشمس؟

إذا كنت ترغب في تغيير العالم، فكل ما تحتاج إليه هو قلم ودفتر وذهنية سليمة. وبواسطة هذه الأمور، يمكنك أن تساهم في سقوط القادة الفاسدين، وفضح تجاوزات الشركات، وإرسال شِرار القوم إلى السجون.

ريتشارد كوكسون نشرت في: 18 فبراير, 2019
من هم منتحلو صفة صحفيّ في الأردن؟

لغايات هذا التقرير، أجريتُ مقابلةً مع نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، الذي يُخوّل القانون نقابته تصنيف العاملين بالصحافة إلى: منتحلي صفة صحفيّ، أو صحفيّ.

عمار الشقيري نشرت في: 6 يناير, 2019
الصحافة والسترات الصفراء في فرنسا.. سوء الفهم الكبير

إذا كنت صحفيا تغطي احتجاجات "السترات الصفراء" في شارع الشانزليزيه في باريس، فستواجه سؤالا متكررا من قبل عدد من المحتجين: لصالح أية وسيلة إعلامية تعمل؟

محمد البقالي نشرت في: 25 ديسمبر, 2018
صحافة ”القطعة“ بغزة.. فرصٌ محدودة وحقوق مهدورة

 ينتظر الصحفي الغزّي هاني ياسين (22 عامًا) بفارغ الصبر نشر المادة الصحفية التي أعدّها مؤخرًا لصالح موقع إلكتروني عربي يعمل معه بنظام القطعة "الاستكتاب"، حتّى يصبح المبلغ المالي الخاص به مستحق الدفع

محمد أبو دون نشرت في: 23 ديسمبر, 2018
الصحف الأوروبية والبريكست.. حياد سلبي ومواقف المعادية

 مع بدء العد العكسي، للوصول إلى التاريخ النهائي، الذي سيحدد مصير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، حان الوقت لإجراء تقييم شامل، لتغطية وسائل الإعلام الأوروبية لهذا الحديث المصيري في تاريخ

أيوب الريمي نشرت في: 20 ديسمبر, 2018