زلزال هايتي.. صحفيون وشهود وضحايا

أحببتها أثناء زيارتي الأولى للعاصمة "بورت أو برنس" في ربيع العمر، رغم ظروف التمرد السلمي على الدكتاتور جان كلود دوفالييه الابن (1951-2014) في بداية ثمانينيات القرن الماضي. أسرني سحرها عند تلك الشواطئ المترامية وكأنها أيقونة على حوض الكاريبي، وعشقت ما يميز سكانها من وداعة فريدة وطباع هادئة ورقة في المشاعر.

ألهمني تزاوج المفارقات في تاريخها بين إصرار على الكفاح الدائم للتحرر من العبودية، حيث كانت هايتي أول بلد ينال استقلاله في أميركا اللاتينية قبل أكثر من 200 عام، وبين عجز شبه دائم عن مواجهة أزمات البلد التي باتت أشبه بقدر حتمي لا مفر منه.

زلزال تحته ركام

مسّتني مشيئة القدر هذه بذعر شديد أثناء زيارتي الثانية أواسط يناير/كانون الثاني 2010، إثر زلزال أودى بحياة أكثر من ربع مليون شخص، ثم موت عشرات الآلاف نتيجة الجوع والتشرد وانتشار الكوليرا وغيرها من الأوبئة في مخيمات اللجوء، وأحزمة الفقر التي خلفتها سنوات من دوامة عنف واضطرابات تبعت الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب جان بيرتران أريستيد (مواليد 1958)، فتحول البلد إلى ما يشبه الركام الناجم عن زلزال اجتماعي وآخر جيولوجي لا يقل عنه فتكا.

والأسوأ من ذلك، ما شهدناه كصحفيين ومراقبين من مماطلة وتقصير في إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة التي بقيت دون الحدود الدنيا من المستوى المطلوب، ليس في الأرياف والمناطق النائية فحسب، بل في وسط العاصمة نفسها، حيث بقيت جثث الضحايا منتشرة بين الأنقاض المحيطة بالقصر الرئاسي لبضعة أسابيع، وتحولت أطراف المخيمات العشوائية التي أقيمت هناك إلى ما يشبه مجمعات النفايات، تنبعث منها روائح جثث متحللة.

تأخر وصول الوفود الصحفية والمساعدات إلى مطار بورت أو برنس الذي لم يتعرض للدمار، وصار مقرا لبعض المرافق الحكومية والوزارات. مع هذا، فقد اضطرت الوفود للانضمام إلى أسطول مساعدات أرسلته فنزويلا بطائراتها العسكرية فور حدوث الكارثة، إذ تبين لاحقا أن الوحدات الأميركية سيطرت على المطار، وخصصته للطائرات العسكرية الرسمية.

كنا نشهد وصول الوحدات الأميركية على متن عشرات الطائرات العسكرية والمدنية، بما يشبه الاستعراض العسكري، في الوقت الذي أجبرنا فيه كصحفيين على نصب المعدات والخيام والإقامة عند أطراف مدرج المطار، قبل إجبارنا على مغادرته نهائيا.

أدركنا أن الوجود العسكري في المطار وراء إخراجنا منه نحو فنادق آيلة إلى السقوط نتيجة استمرار الهزات الأرضية وارتداداتها اليومية التي كانت تتكرر عند ساعات الفجر الأولى على وجه الخصوص، وهو ما يدفع النزلاء إلى التوجه نحو الباحات الأوسع القريبة من المكان تجنبا لسقوط جدران المباني القريبة التي تسبب انهيارها في ارتفاع أعداد ضحايا الزلزال.

فاقمت مغادرة المطار مشقات العمل لأسباب لوجستية وتقنية، ذلك أن سبل التواصل الفضائية وعبر شبكة الإنترنت كانت أقل صعوبة حول المدرج أو على مقربة من المبنى الرئيسي. بل إن قاعات هذا الميناء الجوي تحولت منذ اليوم الثاني لوقوع الكارثة إلى مقر لعمل الوزارات والمؤسسات الحكومية الرسمية الضرورية التي ظلت على تواصل مع بعض المصادر التي تقدم معلومات أولية حول أبعاد الكارثة الإنسانية التي حلت بالبلاد.

صار لزاما علينا اللجوء إلى التحرك المباشر في أحياء المدينة والمناطق المجاورة للتعرف إلى حقيقة ما يجري، رغم العوائق والصعاب التي تراكمت لتعذر التواصل اليومي مع المصادر الرسمية المستقرة في المطار، وإتلاف محطات الهواتف الجوالة، وما تعرضت له شبكاتها من أعطال، بالإضافة إلى ما أصاب الطرقات الداخلية من دمار حال في كثير من الأحيان دون وصولنا إلى الأماكن المنشودة إلا بشق الأنفس.

اضطرت بعض الطواقم الصحفية للجوء إلى سفارات بلدانها للاستعانة بوسائل الاتصالات الداخلية والخارجية الخاصة والمتوفرة لديها، حتى أن بعضها فضل النوم في باحات المقرات الدبلوماسية تجنبا لمخاطر التعرض للسطو وأعمال العنف التي انتشرت في بعض الأماكن إثر حالة الفوضى التي عمت البلاد بُعيْد وقوع الكارثة، وتفاقم الظروف الإنسانية واختفاء الاحتياجات الأساسية كالأطعمة والمياه التي انقطعت في أحياء كاملة، وتعرضت للتلوث في مناطق أخرى بسبب تسرب مياه الصرف الصحي إلى آبار المياه الجوفية المخصصة للشرب.

أجبرتنا الشوارع المدمرة على التحرك فيها مشيا على الأقدام، مما أدى إلى استغراق أعمال التصوير أوقاتا طويلة. وقد تعرضنا جميعا لوقائع وظروف تصعب إزالتها من الذاكرة، فقد بلغ هول الكارثة مستوى جعل تجنب الارتطام بجثث الضحايا من التحديات الشخصية لكل منا أثناء التجول في الأزقة والشوارع الفرعية التي اتخذها الأحياء مبيتا لهم تفاديا للانهيارات، فتراهم يستلقون على جنبات الطريق دون أن تميز الميت منهم من الحي.

توحدت الفرق الإعلامية العاملة بهايتي في المصاعب والمشقات أثناء إعداد المواد الصحفية اللازمة للعمل، فبات على كل منا ابتداع السبل الخاصة والكفيلة باستفراده بالصورة والقصة والخبر.

توجه البعض نحو الضحايا الذين كانوا لا يزالون تحت الأنقاض، واهتم البعض الآخر بحجم المساعدات المتدفقة ومستوى التقصير الدولي الحاصل، في حين ذهب البعض لتغطية أعمال تهريب الأطفال على أيدي مجموعات مريبة قيل إنها تعمل في تجارة الأعضاء.

كانت الأجواء تعكس المنافسة المهنية الحية التي تنبض في شرايين الإعلامي، دون أن تتركه فريسة لمشاعره الإنسانية الصادقة، بل تدفعه للتغلب على الصعاب والتعالي على الجراح، لنقل الصورة الحية والخبر الصادق بأسرع ما يمكن، إلى حشود من متابعين لا يلتفتون إلا إلى الوسيلة الإعلامية الأسرع، والسبق الصحفي الأبرز، والطاقم الإعلامي الأشد قدرة على الإنجاز وسط أشد ظروف العمل الصحفي قسوة وصعوبة.

المزيد من المقالات

معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
في غرف الأخبار.. الأخطاء ستقع دائمًا

كانت الأسئلة التي تثار حول الجزيرة كثيرة، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة: كيف تصلها أشرطة الفيديو لزعيم تنظ

منتصر مرعي نشرت في: 28 يوليو, 2019
صناعة وثائقي بتقنية الواقع الافتراضي مع مجتمع محلي: سرد قصة كفاح دلتا النيجر

يأخذ الفيلم المصور بتنقية الواقع الافتراضي مشاهده إلى قلب دلتا النيجر، ويسلط الضوء على نضال شابة، تدعى ليسي، في عاصمة النفط في نيجيري

كونتراست الجزيرة نشرت في: 17 يوليو, 2019
دروس من مراسلة حربية.. مقابلة مع زينة خضر

كان هدفنا بسيطاً وهو تسليط الضوء على أهوال الحرب وقتامة الألم الذي يتسبب به الإنسان. وقد تحوّل العمل داخل سوريا إلى كابوس لجميع الصحافيين لما كان يشكّله من خطر على سلامتهم.

عواد جمعة نشرت في: 10 يوليو, 2019
تجارب صحافي محلي مستقل في اليمن

لعلّ أحد أصعب المواقف التي نواجهها في اليمن هو الانتقال من محافظة إلى أخرى. وللوصول إلى قصتك الصحافية، غالباً ما تضطر لتعريض نفسك للخطر.

معتصم الهتاري نشرت في: 16 يونيو, 2019
الخصوصية في العصر الرقمي .. ثقب أسود في حياة الصحفيين

نسبة كبيرة من الصحفيين لازالوا حتّى اليوم يعتقدون أن حفظ أمنهم الرقمي يندرج في إطار "الكماليات والرفاهية"، إذ أن ثقافة الحماية الأمنية حتى الآن غائبة عن حسابات عدد لا بأس به من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأفراد، ويرجع ذلك إلى عدّة اعتبارات

أحمد حاج حمدو نشرت في: 13 يونيو, 2019
التمويل التشاركي في الإعلام... العامة كرئيس تحرير

مشاريع التمويل التشاركي أو الصحافة المستقلة لم تكتفِ فقط بالتحرر من عقد الممول، وإنما بدأت أيضا إعادة طرح أسئلة جوهرية في شكل الصحافة السائد، وكيفية تقديم نوع جديد من الصحافة المعمّقة يستطيع طرح مقاربات جديدة حول الأحداث.

محمد خمايسة نشرت في: 11 يونيو, 2019
أكثر من شهود: صحافة المواطن خلال الثورة المصرية

في الفترة التي سبقت ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كان لأحداث رئيسية دور في تحديد ما قاد إلى الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس المصري في العام 2011.

خالد فهيم نشرت في: 4 يونيو, 2019
تغطية الإعلام الليبي للحرب حول طرابلس.. إشكالية التدقيق والانحياز

عيش وسائل الإعلام فوضى عارمة في انتقاء ونحت المصطلحات التي تهدف من ورائها إلى شيطنة الطرف المقابل للطرف الذي تؤيده.

إسماعيل القريتلي نشرت في: 30 أبريل, 2019
إعلام ما بعد الربيع.. ما يُمكن أن تقترحه "الهوامش" المأزومة

ماذا نفعل بالإرث؟ وأين نذهب بمُمكنات الحاضر؟ الإرث هنا ما راكمناه إعلامياً خلال قرابة قرن وعقدين، ومُمكنات الحاضر تُشير إلى القواعد والقوالب الصحفية والتقنيات المتاحة اليوم.

معاد بادري نشرت في: 1 أبريل, 2019
شاهد| فيلم منال الأمل .. صحفيات في قلب الحرب اليمنية

مع دخول اليمن عامها الخامس من الحرب، تقوم صحفيتان محليتان، منال وأمل ، برواية قصص الأطفال والأمهات اليمنيات الذين يعيشون في قلب أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

كونتراست الجزيرة نشرت في: 26 مارس, 2019
مقدم البرامج الإذاعية.. صمام أمان الراديو

مع مرور الوقت وفي ظل تزايد الأبحاث والدراسات التي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على الراديو؟ ما مستقبل الراديو في العالم الرقمي؟

لمياء المقدم نشرت في: 26 فبراير, 2019
صحافة عزلاء في الفوضى الليبية

الصحفي الليبي اليوم جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي المعقد شديد الانقسام الذي أدى بالضرورة إلى معركة عنيفة حول رواية الخبر الواحد، مما عرض الصحفي إلى الاغتيال والخطف والاعتداء على مقار المؤسسات الإع

خلود الفلاح نشرت في: 24 فبراير, 2019
وفاة كاسترو.. أكثر من مسودة

في مكتبة صغيرة في زاوية غرفة الأخبار، وُضع على الرف شريط عن سيرة حياة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للبث في حالة وفاته مباشرة.

محمد زيدان نشرت في: 22 فبراير, 2019
التحقيق الاستقصائي.. الجو ماطر أم مشمس؟

إذا كنت ترغب في تغيير العالم، فكل ما تحتاج إليه هو قلم ودفتر وذهنية سليمة. وبواسطة هذه الأمور، يمكنك أن تساهم في سقوط القادة الفاسدين، وفضح تجاوزات الشركات، وإرسال شِرار القوم إلى السجون.

ريتشارد كوكسون نشرت في: 18 فبراير, 2019
من هم منتحلو صفة صحفيّ في الأردن؟

لغايات هذا التقرير، أجريتُ مقابلةً مع نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، الذي يُخوّل القانون نقابته تصنيف العاملين بالصحافة إلى: منتحلي صفة صحفيّ، أو صحفيّ.

عمار الشقيري نشرت في: 6 يناير, 2019
الصحافة والسترات الصفراء في فرنسا.. سوء الفهم الكبير

إذا كنت صحفيا تغطي احتجاجات "السترات الصفراء" في شارع الشانزليزيه في باريس، فستواجه سؤالا متكررا من قبل عدد من المحتجين: لصالح أية وسيلة إعلامية تعمل؟

محمد البقالي نشرت في: 25 ديسمبر, 2018
صحافة ”القطعة“ بغزة.. فرصٌ محدودة وحقوق مهدورة

 ينتظر الصحفي الغزّي هاني ياسين (22 عامًا) بفارغ الصبر نشر المادة الصحفية التي أعدّها مؤخرًا لصالح موقع إلكتروني عربي يعمل معه بنظام القطعة "الاستكتاب"، حتّى يصبح المبلغ المالي الخاص به مستحق الدفع

محمد أبو دون نشرت في: 23 ديسمبر, 2018
الصحف الأوروبية والبريكست.. حياد سلبي ومواقف المعادية

 مع بدء العد العكسي، للوصول إلى التاريخ النهائي، الذي سيحدد مصير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، حان الوقت لإجراء تقييم شامل، لتغطية وسائل الإعلام الأوروبية لهذا الحديث المصيري في تاريخ

أيوب الريمي نشرت في: 20 ديسمبر, 2018
غزّة.. السترات الواقية للصحفيين الأجانب فقط

 "عين على الميدان وعين على الصحفيين الأجانب الموسومين بالسترة الواقية ذات اللون البني! يبدو أن وزنها أخف من المتوفر بغزة قبل سنوات الحصار..

مرح الوادية نشرت في: 11 ديسمبر, 2018
دع الآخرين يتحدَّثون

 أربعة أعوام تقريبا، وأنا أجلس في غرفة لأكتب وأحرّر الأخبار والتقارير، لم أشاهد خلالها شيئًا على الأرض إلا بعد ترك المكاتب والتوجه مضطرا للعمل كصحفي حرّ (فري لانسر) لا يجتمعُ صباحا

عمار الشقيري نشرت في: 8 ديسمبر, 2018
نضال الصحفي ”غير الأبيض“ لتغيير ثقافة غرفة الأخبار الأميركية

ترجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس - جامعة هارفارد  

مارتنا غوزمان نشرت في: 6 ديسمبر, 2018