ماذا علمتني 2020 عن طريقة تغطيتنا للأخبار؟

ماذا علمتني 2020 عن طريقة تغطيتنا للأخبار؟

ترجمة: محمد زيدان 

تواصلت معي مؤخرًا صديقة عزيزة، فعمدتُ فورًا إلى قراءة رسالتها في بريد الرسائل الواردة، ذلك أني كنت قد طلبت منها بشكل مخصوص أن تطلعني على تطورات حالة زوجها منذ أن عرفتُ منها أنه أصيب بعدوى فيروس كورونا الجديد.

فقد تدهورت حالته الصحية وهو في فترة العزل الذاتي بالمنزل، رغم أنه في نهاية الثلاثينيات ولا يعاني من أمراض مزمنة. لكنْ، تلك هي معضلة هذا الفيروس وأخطر ما في سلوكه، إذ يفترض الأصحاء أنّهم أمام فيروس ضعيف لا يقوى على فعل شيء، ثم بمجرّد التعرّض للعدوى به، يتحوّل هذا الفيروس الضعيف إلى قوّة كاسرة تنهش الرئتين والعضلات والروح المعنوية للمريض الذي أصيب به على غفلة.

وصلتني تلك الرسالة التي تعبّر باختصار عن سنة 2020 باختصار شديد، وجاء فيها: "لقد تغيّرت حياتي من أقصى درجات الإيجابية إلى أقصى درجات التوتّر والجزع".

بحمد الله، تحسّنت حالة الرجل بعد عدّة أيام وزالت عنه الحمّى، ونجا من الفيروس بعد فترة من العزل التامّ في قبو منزله، لا يرافقه سوى الوحدة بوصفها ضريبة لازمة لهذا المرض، محرومًا من الرعاية المباشرة لزوجته وأنس حضورها وحضور ابنته التي اعتاد على ضحكتها الصباحية المنعشة. وقد بلغ به المرض حدًّا فقدَ معه مجرّد القدرة على الكلام معها، كما فقد الشهيّة للطعام والشراب.

كثيرون ممن أصيبوا بالعدوى لم يقدّر لهم أن يعانوا مثلما عانى هذا الرجل، إلا أن كثيرين غيره -أيضا- قاسوا ما هو أشدّ وأفظع. لكن، لو فكّرنا في المشترك الذي أصاب الجميع في هذا العام، لربّما قلنا إنه الاضطرار لمواجهة حقيقة العزلة، فجميعنا عانى بشكل أو بآخر من تجربة الانقطاع عن التواصل مع الآخرين. كلّنا عانينا من التباعد، معًا، وهذه من أقسى مفارقات العام 2020.

في ذروة تفشّي الجائحة، عمل فريقنا بجهد دؤوب لتغطية كافة التطورات لحظة بلحظة، في حين كانت الجائحة إزاءنا جميعًا، مما اضطرنا إلى الانتقال للعمل من المنازل لأجل غير معلوم، في خطوة غير مسبوقة ومليئة بالمفارقات هي الأخرى. وزعتُ وقتي في المنزل، ففي الصباح أضع أجندة الأخبار أثناء اجتماع الفريق التحريري، على نحو يضمن تغطية زوايا جديدة فيما يتعلق بأزمة "كوفيد-19"، ثم أنتقل فجأة خلال النهار إلى وضعية إدارة الأزمات وأنا أسمع تمتمات متزايدة من الفريق بشأن رصد أول حالة عدوى بالفيروس في قطر.

في الواقع لم يكن الوضع حينها ليمنعنا من الاستفادة من كافة الخبرات الصحفية التي تتوفر لدينا، إلا أنه ليس في وسعنا أن ننكر أننا -مثل غيرنا من البشر في تلك الفترة- لم نعِ تمامًا كنه ما يجري حولنا.

وهكذا رحنا نغطي هذا الموضوع المراوغ بأفضل ما أتاحته لنا الحيلة الصحفية، مع نشر آخر التحديثات والمعلومات على مدار أيام عديدة بلا انقطاع، وعمدنا إلى تعزيز روح المسؤولية فيما يتعلق بتزويد الجمهور بمعلومات دقيقة من مصادر موثوقة.

أذكر في بدايات التغطية أننا قررنا الامتناع عن نشر صور الناس الذين يرتدون الكمامات الواقية، إذ ظننا حينها أن في ذلك "تضليلا" محتملا للجمهور الذي قد يفترض أن الكمامات كافية للوقاية من العدوى، ثم سرعان ما تراجعنا عن هذا القرار حين أوضحت منظمة الصحة العالمية والمجتمع الطبي الموقف من الكمامات وأهميتها.

ذكّرني ذلك بمشهد في الفيلم الكوميدي "ذا بيغ سيك" (The Big Sick) -وهو فيلم ربما يبالغ البعض في تقييمه- حين يقول بطل الفيلم لأمّ صديقته التي ترقد في غيبوبة بالمستشفى: "أعتقد أن هؤلاء الأطباء يقومون بما يرون أنه الأنسب"، لكن السيدة تردّ عليه وتقول: "لا، هذا غير صحيح، إنهم يتخبّطون، كبقيّة الناس".

نحن أيضًا كنّا نتحرّك في البداية وفق ما تمليه عليه البداهة الصحفيّة، لا وفق خطّة واضحة المعالم، واضعين الجمهور في اعتبارنا في كل خطوة نقدم عليها، وهو ما جعل تغطيتنا الشاملة للجائحة في مارس/آذار الماضي تحقق أعلى المتابعات على الإطلاق، حتى تجاوزنا الأرقام القياسية التي حققتها الجزيرة عام 2011 إبان تغطيتها لأحداث الربيع العربي، بل حتى تغطيتُنا للانتخابات الأميركية في الشهر الماضي ظلت في المرتبة الثانية بعد أزمة كورونا. ولا شكّ أن تحقيق مثل هذه الإنجازات على يد فريق متناثر حول العالم ومن غرفة أخبار بعيدة، لهو أوضح دليل على عزيمة وتفاني فريقنا من الصحفيين، وهو ما أعتزّ به على الدوام.

أنا أؤمن بالقوّة الكامنة في المعاناة المشتركة، رغم ما يعتري ذلك من آلام. لقد كنا قريبين من قرائنا بشكل لم نختبره من قبل، إذ كنا نقدّر تمامًا ما يعنيه فقدان الحريّة في الحركة والتواصل والتضحية بذلك من أجل تجنّب عدوى فيروس غير مرئي، ومحاولة كبح طبيعتنا البشرية المجبولة على التواصل الاجتماعي. ولم يكن أحدٌ في منجًى من هذه التحولات العميقة على نمط حياتنا، حتى أشدّ الناس ثراء وحظوة. لقد أدركت شخصيًّا هذه التغيّرات حين فتحت نافذة سيارتي في أحد الأيام، فجاءني فورًا صوت ابني من المقعد الخلفي يقول بنبرة عاتبة: "ماما، لا تدعي الفيروس يدخل علينا".

لقد سرقت منّا هذه الجائحة أيضًا أحباء لنا، فاختلط وعيُنا بالأرقام القياسية التي نحققها مع حقيقة أنها إنجازاتٌ ترتبط بظروف بائسة تؤثر على ملايين البشر حول العالم. لقد كان ذلك بمثابة تذكير بتلك الغرزة "الساديّة" التي لا يملك الصحفي إلا أن يحيكها في غمرة عمله، في سعيه للنجاح في أن يكون أول من يحصد الخبر المؤلم، وأن يفعل ذلك على النحو السليم. هذه الورطة في عملنا كثيرًا ما تتحول إلى موضوع تندّرٍ بين الزملاء، تمامًا كما صرنا نتندّر على عبارة "ما يحصل في غرفة الأخبار يبقى في غرفة الأخبار".. أحيانًا نلجأ إلى الضحك هربًا من البكاء.

لكن ما نمتاز به في الجزيرة هو قدرتنا على تجاوز ما يعرض لنا من تقارير وأرقام وتوريات حكومية وإحصاءات للوفيات، والتي يحفظها الصحفي ويراجعها عن ظهر قلب، كأرقام تكتب على اللوح وتمسح ليحلّ مكانها أرقام أخرى في اليوم التالي. وفي خضمّ ذلك كلّه، لا نغفل اللمسة الإنسانية في تقاريرنا، بحيث تكون قصص الناس هي المحور التي يدور عليها معظم عملنا.

فنحن نحرص على أن نكون صوتًا مسموعًا للمنسيين، مثل عمال النظافة الذين يخاطرون بحياتهم في ظل أزمة كورونا، أو فتيات الكاميرون اللواتي يخشين ميلادهنّ العاشر لأن ذلك هو العام الذي سيخضعن فيه لكيّ صدورهنّ كما تقضي التقاليد الثقافية هناك، أو تسليط الضوء على أسماء ووجوه من قضوا من الأميركيين السود على يد الشرطة في الولايات المتحدة. وليس ذلك عبر التركيز على الإحصاءات وحسب، بل بالبحث عن القصّة حتى لو كان ذلك يعني أن نتبع خيوطها لأيام عديدة، مثلما فعلنا مع قصّة العاملة المنزلية الغانيّة التي عانت في أيامها الأخيرة بلبنان، وكان اسمها فاوستينا تاي، ولم تتجاوز من العمر 23 عامًا.

ثمّة أيام أخرى أسوأ، حيث لا يكون في وسعنا سوى محاولة الكشف عن زاوية أخرى لما يحصل من أحداث، وأن نساعد المتابعين -كلّ بحسب موقعه وظروفه- على تطوير نظرة أكثر تعقيدًا ودقّة للمشهد.

ولكي أكون صادقة مع نفسي، فلا بدّ أن أعترف بأن العام 2020 أخذ المهمة المنوطة بنا إلى أقصى حدودها، وكانت النتيجة أحيانًا تماهي الحدود الفاصلة بين تقديم الأخبار بدقة وموضوعية، مع التجرّد عن القصص التي نرويها في الأخبار والتجارب التي يعيشها أولئك الذين نحاول أن نوصل صوتهم عبر عملنا الصحفي.

ولقد كنّا نحن أيضًا جزعين من تلك القوّة غير المرئية بالعين المجرّدة لفيروس جديد فرض سطوته على العالم وغيّر طريقة حياتنا وإدارة شؤوننا. نحن كذلك منا الآباء والأمهات، وكان علينا أن نرعى أطفالنا عبر تجربة التعليم المنزلي التي نخوضها لأول مرّة، وصرنا مشتّتين بين اجتماعات على الزوم للعمل وبين التحقق من واجبات الأولاد وسير دروسهم، دون أن ننسى معالجة فضولهم وقلقهم إزاء ما يجري في العالم خارج نافذة المنزل.

لقد مرّ علينا هذا العام الذي شارف على نهايته ونحن معكم ومثلكم، خائفين من الآثار التي خلفتها الجائحة على الاقتصاد العالمي، وما فرضه ذلك من ضرورة خفض الميزانيات والضغط على الموارد والكوادر. كثيرون منا ظلوا محرومين من عيادة أفراد أسرهم ممن أصابهم المرض، أو غير قادرين على السفر لرؤيتهم وهم في أشدّ الحاجة إليهم.

كما حصل خلال الأشهر الماضية أن تلقّيتُ العديد من المكالمات الهاتفية من زملاء نال منهم الاكتئاب والإحباط، وراحوا يبحثون عن أي فرصة ليسمعوا من أحدهم بأن الأمور ستكون على ما يرام. وقد تبين أننا نحتاج بالفعل إلى البكاء أحيانًا، ثم لم يعد الأمر سرًّا حين بدأنا نشر مقالات عن الصحة الذهنية في ظل الوباء.

لعل البعض سيتنفس الصعداء مع حلول العام 2021، ليس ظنًّا منهم بأن حسنات العام الجديد ستمحو سيئات العام الفارط، ولا إنكارًا لحتمية استمرار المآسي في العالم، وإنما هي الحكمة التي اكتسبناها خلال العام 2020 بعد أن تجاوزنا أخيرًا كل ما فيه من تحدّيات.

وهنا أود أن أعبر عن شكري لكافة من تابعونا ولجؤوا إلينا لفهم ما جرى في 2020، حتى في تلك اللحظات التي لم نكن فيها مدركين تمامًا لحقيقة ما حصل. شكرًا لكم، لأنكم بقيتم معنا وتعاطيتم المحتوى الذي صنعناه بمستويات غير مسبوقة، ونعدكم بأننا سنواصل السعي لتحقيق التوازن المنشود بين أجندة الأخبار العالمية واحتياجات متابعينا.

الدرس المستفاد هو أن جوهر عملنا يرتبط بأمر بسيط: أن نقدّم للمتابعين ما يهتمّون بمعرفته والاطّلاع عليه، وأن نؤدّي ذلك على أتمّ وجه.

لكن، لعل الأهمّ من ذلك هو أنه لا يجدر بنا أن نشعر بالإنجاز لمجرّد أننا نقلنا قصّة صحفية ما بتجرّدٍ عن موضوعها وأشخاصها، فهذه الجائحة علّمتنا أن المقاربة الأفضل هي أن ننطلق في العمل الصحفي من ذلك الحسّ بالتجربة الإنسانية المشتركة.

 

* مقال مترجم عن موقع الجزيرة الإنجليزية. 

 

المزيد من المقالات

Why language matters when we report refugee stories

As tragedy strikes in the English Channel and the refugee crisis mounts at the Polish border, we examine why it is so important to use the correct language when covering refugee stories. Part two of our series.

Kareem
Kareem Shaheen Published on: 25 Nov, 2021
How to cover refugee stories ethically 

As Poland grapples with a migrant and refugee crisis at its borders, we examine best practice for journalists covering refugee stories. Part one of our series.

Kareem
Kareem Shaheen Published on: 23 Nov, 2021
Verifying video - how to spot the fakes

It's often seemingly impossible to tell what's fake and what's not on social media. We look at the tools journalists can use to verify video sourced online. How can you spot fake videos from hate groups to terrorist organisations on social media? Is it even possible? What tools can you use to verify the authenticity of these videos?

Mahmoud
Mahmoud Ghazayel Published on: 15 Nov, 2021
Is slow journalism the cure for fast-food thinking?

ANALYSIS: Journalists require time and space to provide the depth readers need to make sense of an endless stream of instant news.

Muhammad Khamaiseh Published on: 10 Nov, 2021
Digital Sherlocks: Open-source investigation and news verification during wartime

THE LONG READ: From proving the existence of a seven-year-old girl in Syria to fact-checking locations of aerial bombings, how do you verify ‘open-source’ information in a war zone?

Christiaan Triebert
Christiaan Triebert Published on: 1 Nov, 2021
Coronavirus conversations - revealing a world of difference 

Who or what are driving news and discussions about COVID-19 on social media? It all depends on where you are in the world.

Randy Covington
Randy Covington Published on: 7 Oct, 2021
How to use social media for newsgathering

Social media platforms are too easily dismissed as ‘not serious’ when it comes to newsgathering. But you can use them as you would the news wires - here’s how.

Majd
Majd Khalifeh Published on: 28 Sep, 2021
Leaks - a badly behaved guest in the newsroom

The recent 'Facebook Files' - revelations about the inner workings of the tech giant published by the Wall Street Journal - were based on leaked internal information. But while leaks can be a valuable source of information for journalists, they can also be used to manipulate them.

A picture of the author, Ayuob Errimi.
Ayoub Errimi Published on: 21 Sep, 2021
Have you been hacked? - What Pegasus spyware revelations mean for journalists

How to protect yourself following the news that sophisticated spyware has been used to hack the smartphones of journalists, activists and politicians around the world.

Mei Shigenobu
Mei Shigenobu Published on: 19 Sep, 2021
Protecting Newsgathering through the Sustainable Use of Social Media

All journalists old enough to have worked in a pre-social media world, will have had that moment.

Sam Dubberley Published on: 16 Aug, 2021
War Stories on Social Media: Audience Engagement and Ethical Hiring Practices

The horrific scenes became more accessible than ever before.

Sakhr Al-Makhadhi Published on: 23 Jun, 2021
Antixenophobic media: An impossible goal?

Current media coverage in Jordan and Lebanon tend to demonize refugees and migrants. How can newsrooms prevent this sort of generalization and demonization?

A picture of the author, Muhammad Shamma
Muhammad Shamma Published on: 2 Jun, 2021
How to bring more balance to western media coverage of Israel and Palestine

How can journalists accurately cover Palestine without becoming unbalanced or biased? Here are some concrete tools and techniques for reporters to keep in mind.

A picture of the author, Megan O'Toole
Megan O'Toole Published on: 17 May, 2021
Arab Investigative Journalism: Good Intentions Are Not Enough

What should young journalists in the Middle East know about investigative journalism before they jump into the field? Veteran reporter Yasser al-Zayyat clarifies misconceptions and gives advice in his latest piece.

A picture of the author, Yasser.
Yasser al-Zayyat Published on: 12 Apr, 2021
Beyond objectivity: The rise of reformist news

The core mission of the news industry is telling viewers the day's events. But another core mission of journalism is to make the world a better place, which means going beyond the facts to change what’s wrong and defend what’s right. Those two missions are in conflict today.

A picture of the author, Mark Lee Hunter.
Mark Lee Hunter Published on: 23 Mar, 2021
Female journalists struggle for representation in the Arab Gulf

The “glass ceiling” that prevents women journalists from progressing in the Gulf is not due to a lack of competence, but rather a product social norms that encourage the press to favour men over women when filling posts.

A picture of the author, Saadia Mufarreh.
Saadia Mufarreh Published on: 8 Mar, 2021
Importing credibility: Why does foreign private media invest in the Arab media market?

Why are western media companies all of a sudden interested in opening channels in the Arab World?

A picture of the author, Ahmad Abu Hamad
Ahmad Abu Hamad Published on: 1 Mar, 2021
Reporting under occupation in Palestine

As a Palestinian, you live and sometimes die covering the story of your own people.

A picture of the author, Awad Joumaa
Awad Joumaa Published on: 28 Feb, 2021
Close up and personal

Can Arabs accurately report their own affairs? Can Muslims be reliable sources of objective information about their daily lives and historic changes? We from the Arab and Muslim world are rethinking the news.

Hamid Dabashi Published on: 15 Feb, 2021