عندما تندلع الحروب والأزمات، وتتصاعد الأحداث تعمل الأطراف المختلفة على بناء رواية تركز على مصلحتها الخاصة؛ لكسب المؤيدين ورفع رصيدها لدى الجماهير. هكذا تنتشر كميات ضخمة من المعلومات والبيانات التي قد تكون مضللة أو خاطئة. وفي البيئة الحالية، يمكن للمعلومة أن "تتفشى" بسرعة هائلة، لكن من دون ضمان صحتها؛ مما قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام، وزيادة الفوضى، والاضطراب على المستويين الاجتماعي والسياسي.
تدقيق الحقائق ليس مجرد عمل تقني للبحث عن دقة المعلومة، بل هو ممارسة أخلاقية تضمن للصحافة مصداقيتها وثقة الجمهور بها. في الحروب، تشكل المعلومات أداة إستراتيجية، وأي تلاعب أو تضليل يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة ليصبح دور الصحفيين والمحررين في هذا السياق أكثر أهمية، فهم يتحملون مسؤولية الحفاظ على النزاهة الإعلامية وتقديم صورة واقعية وموثوقة عن الأحداث.
خلال عام ساخن من الأحداث المتصاعدة في فلسطين ولبنان وسوريا والسودان وأوكرانيا وغيرها، كانت الأخبار المفبركة ومحاولات تضليل الرأي العام هي "البطل الرئيسي" في كل هذه النطاقات. فالتلاعب بالمعلومات يعدُّ جزءًا من الإستراتيجية الإعلامية التي يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي في حربه على غزة. ومع اشتداد وطأة حرب الإبادة، يتضاعف نشر الأخبار الزائفة التي تهدف إلى تسويغ العمليات العسكرية أو تحوير الرأي العام الدولي لصالح السياسات الإسرائيلية، وبعض هذه الأخبار تشمل صورًا أو مقاطع فيديو تُحرّف أو تُستخدَم خارج سياقها، أو تُنقل تقارير كاذبة عن الهجمات على المدنيين أو الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في غزة.
تدقيق الحقائق ليس مجرد عمل تقني للبحث عن دقة المعلومة، بل هو ممارسة أخلاقية تضمن للصحافة مصداقيتها وثقة الجمهور بها.
إسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي تستخدم هذه الأساليب، ولكنها واحدة من أبرز الأطراف التي تعتمد على حملة إعلامية مكثفة للتأثير على الرأي العام العالمي. إن هذه الحملة لا تقتصر على الأخبار المفبركة فقط، بل تتضمن أيضًا تغييرات في المواقع الجغرافية للصواريخ، واستخدام الصور القديمة أو غير المتعلقة بالأحداث الحالية وفي بعض الأحيان، تنشر تقارير مغلوطة حول الأحداث الجارية في غزة كجزء من الجهود لتحسين صورة الدولة في وسائل الإعلام الدولية.
أظهرت حرب الإبادة الجماعية على غزة أن المحتل لم يتورع عن استخدام كل الأدوات المتاحة من أجل شرعنة ممارسات ميدانية تعد من جرائم الحروب. فاستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لنشر روايات تخدم خططه الإستراتيجية، سواء عبر تضخيم الانتصارات، أو تزييف الانتهاكات. كما استخدمت مؤسسات إسرائيلية أدوات تحليل محتوى مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحليل اتجاهات الرأي العام، ومن ثم توجيه مضامين إعلامية مضادة تعتمد على نفس اللغة والمفردات الشائعة لجمهور معين. ولا يخفى دور الوحدة 8200، وهي وحدة إسرائيلية متخصصة في الاستخبارات الإلكترونية، ويُعتقد أنها طورت أو تدير منصات تحليل بيانات ضخمة تشمل وسائل التواصل الاجتماعي.
في مواجهة الأخبار المفبركة، تؤدي المؤسسات الإعلامية الكبرى مثل الجزيرة دورًا مهمًا في توفير منصة إعلامية موثوقة تعتمد على تدقيق الحقائق. وكالة "سند" التابعة لشبكة الجزيرة هي إحدى أبرز المبادرات التي تركز على محاربة الأخبار المفبركة، خاصة فيما يتعلق بالأحداث التي تجري في منطقة الشرق الأوسط.
لقد تأسست وكالة "سند" بهدف مواجهة تدفق الأخبار الزائفة على الإنترنت وتقديم محتوى إعلامي دقيق وموثوق بالاعتماد على مجموعة من الصحفيين والخبراء في تقنيات التحقق من الأخبار، الذين يطبقون أساليب علمية للتحقق من المصادر وتدقيق البيانات قبل نشر أي مادة إعلامية.
لقد تأسست وكالة "سند" بهدف مواجهة تدفق الأخبار الزائفة على الإنترنت وتقديم محتوى إعلامي دقيق وموثوق بالاعتماد على مجموعة من الصحفيين والخبراء في تقنيات التحقق من الأخبار، الذين يطبقون أساليب علمية للتحقق من المصادر وتدقيق البيانات قبل نشر أي مادة إعلامية.
وتعمل الوكالة بشكل مركزي داخلي في شبكة الجزيرة لتقدم تدفقا إخباريا متحققا منه من المصادر المفتوحة. ويتنوع التدفق ما بين الأخبار والتنبيهات من الأخبار الكاذبة والمفبركة وتحليل ودراسة الحسابات على مواقع التواصل. كما تقدم الوكالة تقارير دورية حول كيفية التعرف على الأخبار الزائفة وأدوات الكشف عن الصور والفيديوهات المعدلة. ولعل هذه الإستراتيجيات لا تقتصر فقط على الأخبار المتعلقة بالحروب، بل تمتد إلى كافة أنواع الأخبار التي قد تؤثر على الاستقرارين الاجتماعي والسياسي ما يساهم في حماية الصحفيين داخل الجزيرة من فخاخ التضليل عبر المصادر المفتوحة.
خلال عام 2024 تلقت وكالة سند 6660 طلبا للتحقق من غرف الأخبار المختلفة داخل الشبكة فيما أنتجت في نفس العام ما يربو عن 760 تنبيها حول مواد تم تداولها على أنها صحيحة وبعد التحقق منها تبين أنها مضللة. كما عمد فريق العمل إلى التصدي للروايات الإسرائيلية التي هدفت لشرعنة حربها على المدنيين في غزة، فأنتجت الوكالة 22 تحقيقا من المصادر المفتوحة ضد الروايات الإسرائيلية أبرزها إثبات جرائم الاحتلال في استهداف المستشفى الأهلي المعمداني واستهداف فريق المطبخ المركزي العالمي وكذلك إثبات جريمة قتل الطفلة هند رجب فضلا عن جرائم التمثيل بجثث الفلسطينيين وغيرها من الجرائم في غزة والضفة ولبنان.
ويمكن القول إن أخطر إستراتيجية لفبركة الأخبار ونشرها هي التلاعب في السياق الخبري أو المعلوماتي. فالتحقق من السياق الخبري يعد أمرًا بالغ الأهمية لضمان دقة المعلومات وعدم التلاعب بها؛ ذلك أنه قد تكون الأخبار صحيحة من حيث المعلومات، لكنها تصبح مضللة إذا نقلت خارج سياقها الصحيح، وبالتالي فإن التحقق من السياق يعني التأكد من أن الخبر يُعرض في الإطار المناسب، دون تحريف أو تشويه للحقائق.
إن أخطر إستراتيجية لفبركة الأخبار ونشرها هي التلاعب في السياق الخبري أو المعلوماتي. فالتحقق من السياق الخبري يعد أمرًا بالغ الأهمية لضمان دقة المعلومات وعدم التلاعب بها.
في شهر مايو/ أيار 2024 نشر الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين صورة عبر حسابه على منصة إكس زعم أنها لبدء تحرك حشد دبابات إسرائيلية تجاه مدينة رفح معلقا عليها: "باتجاه رفح". نشرت تغريدته قبيل اقتحام الاحتلال لمدينة رفح بأيام قليلة؛ وبالتحقق من الصورة يتضح أن الصورة صحيحة لكن وظفت في سياق مضلل حيث التقطت يوم 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أي قبل اقتحام رفح بـ 7 أشهر.
في الحروب والأزمات، تصبح الأخبار - عادة - مشحونة بالعواطف والأحداث المتسارعة؛ مما يجعلها عرضة للتفسير الخاطئ. فمثلاً، إذا نشرت صورة معينة أو تصريحا لشخصية عامة في وقت حساس، قد يتسبب تقديمها دون سياق كامل في إحداث تأثيرات سلبية على الرأي العام. لذلك، من الضروري أن يتحقق الزملاء الصحفيون من السياقين الزمني والمكاني للأخبار، وأن يتأكدوا من أن جميع التفاصيل مرتبطة بالأحداث الجارية بشكل صحيح.
في اليوم العالمي لتدقيق المعلومات، ينبغي أن نحرص دائمًا على التحقق من المصادر والمعلومات قبل نشرها واستخدم أدوات التحقق المتاحة، والتأكد من دقة الأرقام والحقائق قبل أن تصل للجمهور.