كليات الإعلام في مصر.. منابع جافة أمام واقع فياض

"ماتدرسه شيء وما تحتاجه وتعمل به في سوق العمل شيء مختلف تماماً".. تلك الجملة التي أخبرنيها أحد أساتذتي أثناء عامي الدراسي الأول، وظل صداها يتردد في أذني طيلة الأربع سنوات الدراسية، وتعاود زيارتي كلما صدمني موقف في واقع الممارسة يبتعد كثيرا عما درست، جملة تجلت حقيقتها في عيني يوم فوجئت بمحتوى مادة النقد الفني التي كنت أتخيل أنني سأدرس فيها أساليب نقد إعلامي، لأفوق على حقيقة أنني أدرس نقدا شعريا وأساليب بلاغية، وفيما عدا ذلك استمر الأساتذة في ترديد تلك العبارات التي تنذر بطريق وعر يستنفذ جهدك ووقتك ومالك، إن كنت تطمح في أن تصبح صحفيا بالمعنى الحقيقي للكلمة.

 هذا الطريق الذي يأتي غالبية السائرين فيه من غير دارسي الإعلام الذين شكَّل بعضهم رموزا للعمل الصحفي، ففي دراسة قمت بإعدادها في مرحلة الدراسات العليا طبقتها على الصحفيين بثلاث من كبرى المؤسسات الصحفية في مصر "الأهرام والوفد والمصري اليوم" - 2012، اتضح أن 60.3% من جملة الصحفيين عينة الدراسة لم يدرسوا الإعلام أو الصحافة في مرحلة الدراسة الجامعية، وعليه كان لا بد من البحث في أثر الدراسة الأكاديمية على الممارسة الإعلامية مع أولئك الذين عايشوا واقع العمل بالمجال.

فعلى اختلاف وتشعب مواقعهم وتخصصاتهم الفرعية في سوق العمل الصحفي، تشعبت أيضا أنواع التعليم الأكاديمي التي تلقوها في المرحلة الجامعية، وتعددت الإمكانيات المادية والبشرية التي أتيحت لهم خلال الدراسة، حسب المؤسسة المالكة للكلية أو المعهد الذي تخرجوا منه، فهناك التعليم الحكومي والأزهري والتعليم الخاص والأجنبي، وكذلك كان منهم المحرر والمخرج والمراسل الصحفي.. إلخ.

وعلى مستوى التجربة اختلفت استفادتهم من دراسة الإعلام، كما اختلف تطبيقها في الواقع العملي.

قشور العمل الصحفي

تبقى كلية الإعلام في جامعة القاهرة الصرح الأكاديمي الأكبر والأقدم في مصر، حيث تأسست عام 1974 بعد تحويل معهد الإعلام بالجامعة إلى أول كلية مستقلة للإعلام في العالم العربي ضمت أقسام: الصحافة والنشر، الإذاعة والتلفزيون، العلاقات العامة والإعلان.. ويقوم نظام الكلية على دراسة الأقسام الثلاث، قبل أن يختار تخصصه الذي يتحدد بناء على رغباته المقدمة ونتيجة المقابلة الشخصية للقبول بالقسم، والتي تتحدد في قسم الصحافة بثلاثة معايير: المعلومات العامة لدى الطالب ومستوى متابعة الطالب للأحداث الجارية وإلمام الطالب بالخريطة الإعلامية والصحفية في مصر (1)، وكذلك كانت هناك معايير قبول مماثلة لباقي الأقسام.

وعلى طول مشوارها خرَّجت الآلاف من المشتغلين بالإعلام داخل مصر وخارجها، كان من بينهم الصحفي محمد نبيل الألفي، المحرر بجريدة البوابة نيوز.. تحدث إلى مجلة الصحافة عن تجربته بين العمل والدراسة. 

يرى الألفي أن كلية الإعلام وفرت له الكثير من الإمكانيات المادية والبشرية الغائبة في أي كلية أو معهد حكومي آخر في مصر، فكان تركيز الدراسة الكبير في العامين الأخيرين في تدريب الطالب على بيئة العمل الصحفي في التخصصات الدقيقة مثل: الإخراج الصحفي والتحرير الإخباري والديسك المركزي.. "كانت اللغتان العربية والإنجليزية جزئين أصيلين في تدريبي داخل الكلية، وكانت نقطة التميز لدي كخريج إعلام هي معرفة مصطلحات العمل الصحفي وبنيته الأساسية بما اكتسبته من تدريب عملي داخل الجامعة، في وقت تعج فيه الساحة الإعلامية بفوضى عارمة دون أسس سليمة، ورغم أن بعض النماذج التدريبية التي حصلنا عليها تتم عبر نماذج تواكب تجهيزات الصحف الحديثة، إلا أن الكثير من نماذج تدريبنا كان قد عفا عليها الزمن نظرا لأنها لم تتطور بالقدر الكافي لمواكبة العصر، كما كانت هذه التدريبات تفتقر إلى إدخال التقنيات الحديثة للمواقع الإخبارية الإلكترونية، كنظم التشغيل الخاصة بتلك المواقع على سبيل المثال.. وعليه قدمت لي الدراسة قشور العمل الصحفي رغم استفادتي الكبيرة من التدريبات الجامعية، إلا أن وقتها محدود والأعداد كثيفة.. ولهذا كنت أحتاج للانغماس في لب العمل لدى المؤسسات التي انتميت إليها لأستطيع أن أخطو أولى خطواتي العملية في المجال، فالفجوة كبيرة بين الدراسة والممارسة".

اضطر الألفي للحصول على الكثير من الدورات التدريبية المتخصصة رغم ارتفاع أسعارها في مراكز تدريب معتمدة وتابعة لمؤسسات ضخمة يقوم عليها خبراء مثل: مركز النيل لرواد الإعلام ورويترز.

تَمَيُزْ كارنية النقابة  

وبعيداً عن مركزية كلية الإعلام، يظهر دور أقسام ومعاهد الصحافة بالمحافظات في تخريج المشتغلين بمجال الصحافة والإعلام بصفة عامة، وأقدم هذه الأقسام هو قسم الإعلام بكلية الآداب بجامعة سوهاج، الذي أسس عام 1976 قسماً للصحافة، ثم تحول إلى قسم إعلام شاملاً شعب، الصحافة والعلاقات العامة والإعلام السياحي عام 1999، فهل مثلت الدراسة فيه فارقاً في سوق الممارسة لخرّيجيه؟

جاءت الإجابة عن هذا التساؤل من أحد خريجي القسم العاملين بمجال الإخراج الصحفي بالنفي الكلي، حيث يرى كرم بكر، المخرج الصحفي بجريدة الشروق المصرية أن "الإخراج الصحفي لا يدرّس في القسم بالشكل القوي الذي يؤهل أي شخص لأن يصبح ممارسا لهذه المهنة في الواقع العملي، فهو مادة واحدة تدرس مرة في السنة الثالثة للدراسة وأخرى في السنة الرابعة بشكل نظري كامل، انكشف حجم القصور فيه مع أول خطواتي العملية في المجال، فلم يزد حجم الإضافة التي أعطتني إياها الدراسة عن 10-15% مما تعلمته في الثلاثة شهور الأولى فقط ، تمثلت في المبادئ الأولية التي جعلتني أفهم وأطبق ما يقوله مديري ومعلمي في الجريدة التي أعمل بها بسرعة".

مكتب جريدة الشروق المصرية . القاهرة -2016. تصوير مروة علي.
مكتب جريدة الشروق المصرية . القاهرة -2016. تصوير مروة علي.

ويؤكد بكر أن المشكلة تمتد أيضاً للتحرير لكنها أكثر تعقيدا بالنسبة للإخراج والتصوير الفني كمجالين للإبداع.. "طوال فترة دراستي لمادة التصوير الصحفي، لم أر كامير ولم يسمح لي بممارسة التصوير.. وعليه لم أتعرف على أنواع الصورة بشكل عملي لأميز بينها، وحتى على مستوى الكتاب النظري الضخم الذي درسته في هذا المجال، لم يحتو الكتاب على نماذج مصورة من أنواع الصورة الصحفية التي يذكرها لي كأسماء نظرية، وعليه لا يكون هناك فارق بيني وبين المصور الذي لم يدرس الإعلام، على العكس قد يكون الممارسون للتصوير بحكم الهواية أكثر تميزا من دارسي الإعلام".

الفجوة كبيرة بين ما يتعلمه الصحفي في الكلية وما يمارسه في الميدان. القاهرة، 15 ديسمبر/كانون أول 2012 - تصوير دانيال بريهولاك، غيتي.
الفجوة كبيرة بين ما يتعلمه الصحفي في الكلية وما يمارسه في الميدان. القاهرة، 15 ديسمبر/كانون أول 2012 - تصوير دانيال بريهولاك، غيتي.

ويؤكد بكر أن المشكلة تمتد أيضاً للتحرير لكنها أكثر تعقيدا بالنسبة للإخراج والتصوير الفني كمجالين للإبداع.. "طوال فترة دراستي لمادة التصوير الصحفي، لم أر كامير ولم يسمح لي بممارسة التصوير.. وعليه لم أتعرف على أنواع الصورة بشكل عملي لأميز بينها، وحتى على مستوى الكتاب النظري الضخم الذي درسته في هذا المجال، لم يحتو الكتاب على نماذج مصورة من أنواع الصورة الصحفية التي يذكرها لي كأسماء نظرية، وعليه لا يكون هناك فارق بيني وبين المصور الذي لم يدرس الإعلام، على العكس قد يكون الممارسون للتصوير بحكم الهواية أكثر تميزا من دارسي الإعلام".

وبرأي بكر أن المشكلة تكمن في المنظومة، فبالإضافة إلى الحاجة إلى توفير الإمكانيات المادية ومعدات التدريب للطالب مثل الكاميرات والماكيتات وبرامج الحاسوب المتخصصة -وهي أشياء غير مكلفة- فالمطلوب توفير العنصر البشري المؤهل لتدريب الطالب.

ويرى بكر أن دارسة الإعلام لم تضف له في حقل العمل إلا سرعة حصوله على العضوية الثابتة في نقابة الصحفيين -أو ما يعرف لدى الصحفيين في مصر بكارنيه المشتغلين- حيث يحصل عليه دارس الإعلام بعد عام واحد فقط من القيد المبدئي، بينما يحصل عليه غير الدارسين للإعلام بعد عامين من القيد الأولي، وذلك طبقا لقانون النقابة.

بعض المهارات لا يمكن للصحفي تعلمها –بحسب بكر- لا من الجامعة ولا من مراكز التدريب كالإخراج الصحفي الذي يعدَ مهارة فنية تُكتسب من خلال الاحتكاك اليومي بإنتاج الصفحات المتنوعة من رياضة واقتصاد وفن وسياسية.. "والمشكلات اليومية التي نواجهها وبناء الصفحة وإعادة بنائها طبقا لظروف العمل والإنتاج والطبعات".

الإخراج الصحفي يعدَ مهارة فنية تُكتسب من خلال الاحتكاك اليومي بإنتاج الصفحات المتنوعة – جريدة المصري اليوم، القاهرة، غيتي.
الإخراج الصحفي يعدَ مهارة فنية تُكتسب من خلال الاحتكاك اليومي بإنتاج الصفحات المتنوعة – جريدة المصري اليوم، القاهرة، غيتي.

السلامة المهنية المحذوفة من المقرر

مع بداية الألفية الثالثة ظهرت الكليات الخاصة في مصر كمشروعات استثمارية في مجال التعليم، توفر للطلبة إمكانيات مادية كبيرة، وتستوعب أعدادا أقل من الطلبة بسبب اعتمادها على مصروفات دراسية مرتفعة.. وكان لكليات وأكاديميات الإعلام الخاصة السبق في الظهور وسط تلك المنظومة، ومن بينها كلية الإعلام في جامعة الأهرام الكندية التابعة لمؤسسة الأهرام للنشر والتوزيع، والتي تأسست عام 2005 ضمن خمس كليات تأسست بها الجامعة، وفرت الكلية بتبعيتها لأحد أكبر المؤسسات الصحفية في مصر مستوى تعليميا مختلفا، حيث تتمتع الكلية بقاعدة تكنولوجية متطورة، كما يدرِّس فيها مجموعة من كبار الصحفيين بمؤسسة الأهرام.

الأمر الذي يفرض البحث وراء تأثير ذلك على الممارسة الصحفية لخريجيها في المجال العملي.. نادر باسم، أحد خرّيجي قسم الصحافة - الشعبة الإنجليزية بالكلية، كان قد عمل لعامين بجريدة المصري اليوم كصحفي ميداني تحت التمرين، يرى أن الدراسة لها جوانب إيجابية لمسها بنفسه في واقع الممارسة، وجوانب أخرى سلبية لا تتماشى مع الواقع العملي.. "أعلى استفادة دراسية تحققت لي من الدراسة عندما درَّسني صحفي يعمل في "الأهرام ويكلي"، وهو ذو خبرة كبيرة في العمل لدى وسائل الإعلام العالمية، فقام بتغذيتي بالقواعد والقيم الأصيلة في الإعلام من المنظور التطبيقي: ما ينشر وما لا ينشر، كيف أتعامل مع مصدري وأحترم خصوصيته وأجعله يثق بي ويحترمني، كيف تطبق القيم بدون تشدد الكتب ولا تسيُّب الممارسة العشوائية، عندما أقع في مشكلة ما هي أشكال المواءمات والحلول الوسط التي أتبعها حتى لا أخسر مهنيتي، ولا أفقد موضوعا مهما أو جانبا من جوانبه أو أخسر مصدري إن كانت المشكلة تتعلق به.. تعلمت أن دور الصحفي نشر الحقائق فقط وترك الحكم للجمهور فلسنا محامين أو قضاة، وقد ساعدني ذلك كثيرا في واقع الممارسة". أما عن الجوانب السلبية فيقول.. "أهملت الدراسة جوانب كبيرة اكتشفتها في سوق العمل، فقد تمتعت في إعلام الأهرام الكندية بقاعدة تكنولوجية لا توجد في أي مكان في مصر، أستوديو على أعلى مستوى تقني كلّف ملايين الجنيهات، وكذلك المعامل، إلا أنه ما من فائدة لهذه التكنولوجيا إن كان من يدرِّب فيها ليس خبيراً باستخدام هذه المعدات والأدوات، فكان المسؤول عن تدريس مادة مثل التصوير الصحفي هو مخرج صحفي من جريدة كبيرة -جاء وفقا لمعيار المجاملة- لم يمسك كاميرا في حياته، فأصبح يحكم على مستوى التصوير ومستوى تعلمنا له شخص لا يفقه شيئا فيه، وهنا مثِّل اختيار المورد البشري نقطة قصور كبيرة.. كذلك تعلمتُ التصوير الخارجي في أماكن هادئة أو في مكاتب مغلقة، ولم تهتم الجامعة بتدريسنا في أماكن الحركة والنزاع ووسط زخم الشارع، كما تعلمت كيف أجري لقاء مع وزير أو مسؤول داخل المكتب، ولم أتعلم في الكلية أن الشارع أهم من الوزير والمسؤول، أو كما يقول مصطفى أمين "الصحافة الحرة تقول للحاكم ما يريده الشعب، وليس أن تقول للشعب ما يريده الحاكم"، وذلك بسبب انتماء جامعتي لمدرسة صحفية رسمية أو محافظة".

بيد أن الفجوة الكبيرة التي اكتشفها باسم هي إغفال كليات الإعلام بصفة عامة تدريس ما يعرف بقواعد السلامة المهنية، مع أنها أهم ما يجب أن يتعلمه الصحفي، ولم يكن يعرف المكان الصحيح للوقوف عند تغطية أماكن الاشتباكات ومناطق النزاع والشغب، ولا كيف يتحرك في المكان، وكيف يستخدم خريطة المكان الذي يتواجد فيه، ولا كيفية تأمين وجوده مع قوات الأمن مثلاً وتجنب الدخول معها في مشاكل. كل هذا تغفله الجامعة بشكل يجعل الصحفي في بداية عمله عرضة لكل أشكال الإيذاء في الشارع، والمثال على ذلك: مقتل إحدى الصحفيات خريجة كلية الإعلام أثناء تغطيتها لإحدى المظاهرات التي حملت أحداث شغب.

اشتباكات بين الشرطة والمحتجين المصريين قرب ميدان التحرير، 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2011. وهي من التغطيات التي لا يحصل فيها طالب الإعلام المصري بشكل عام على معرفة بقواعد السلامة المهنية.. تصوير أسماء وجيه، رويترز.
اشتباكات بين الشرطة والمحتجين المصريين قرب ميدان التحرير، 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2011. وهي من التغطيات التي لا يحصل فيها طالب الإعلام المصري بشكل عام على معرفة بقواعد السلامة المهنية.. تصوير أسماء وجيه، رويترز.

باسم اضطر أمام ذلك للجوء للدورات التدريبية الخارجية فحصل على أكثر من 15 منحة في مراكز تدريبية إعلامية وحقوقية، تنوعت بين التصوير الفوتوغرافي وصحافة الفيديو وتصوير البورتريه وأخلاقيات المهنة والتعامل مع الأقليات العرقية والتعامل مع ضحايا التعذيب والحوادث، وكان أهم هذه الدورات التدريبية هي دورة السلامة المهنية، وهو ما كان له عظيم الأثر في تشكيل شخصيته الصحفية.

يعتقد باسم أنه كخريج صحافة يتميز بأنه على دراية بأبجديات العمل الصحفي ويفهم ما ينبغي عليه فعله، مضيفا "أفادتني الدراسة في كسب احترام المصادر، فالمصادر تبدي احتراما وتقديرا لخريج الصحافة، وبالتالي يسهل تكوين العلاقات مع هذه المصادر وتكرار اللجوء إليها، وعلى جانب أخر كان تميزي الدراسي كطالب من أوائل كلية الإعلام الفضل في أن معظم الدورات التي حصلت عليها في مراكز كبيرة كانت مجانية كمكافآت تفوق، وجميع تلك المنح كان زملائي يدفعون تكاليف مرتفعة للغاية ليحصلوا عليها، حيث تصل تكلفة الدورة الواحدة إلى ما يزيد عن 2500 جنية".  

تهميش التخصص وثقافة الاقتباس

كلية الإعلام - جامعة الأزهر: هي إحدى الكليات حديثة التأسيس بالجامعة، فقد كانت في البداية قسما للإعلام والصحافة بكلية اللغة العربية، ثم تحولت لكلية مستقلة عام 2011، فهل اختلف حال خريجي إعلام الأزهرعن باقي الجامعات المصرية؟ تحدث في هذا الأمر محمد سيد فراج، وهو باحث وإعلامي حر في الصحافة الاقتصادية وأحد خريجي قسم إعلام الأزهر.. يقول "لما كانت الكلية في بداية الأمر قسما تابعا لكلية اللغة العربية، كان من الصعب أن تتوفر لها الإمكانيات المادية اللازمة للتدريب العملي مثل الاستوديوهات والمعامل. وكانت الجامعة تحاول تعويض ذلك عبر رحلات دورية للصحف والقنوات التلفزيونية، لتعرفنا على مراحل الإنتاج الإعلامي وكيفية العمل، وكان بعض الطلبة يستمرون في التدريب بهذه الصحف والمؤسسات ويكملون العمل بها.. ومع بداية عملي اخترت العمل بالصحافة الاقتصادية التي تمثل أصعب أنواع الصحافة، فلم يكن لعملي أي علاقة بالدراسة في أي من جوانبها.. كنت بحاجة لتعلم المصطلحات الاقتصادية وفهمها والتعرف إلى هذا المجال الجديد، وهذا ما اكتسبته بالخبرة، لأن عرف التدريس في كليات وأقسام الإعلام يقول إن الصحفي يجب أن يعرف شيئا عن كل شيء، والخطة الدراسية للأربع سنوات لا تسمح بالتعمق في فروع التخصص العام بشكل كبير، وعليه لم تكن دراستي للصحافة المتخصصة لتعلمني أساليب المعالجة والتناول للموضوعات الاقتصادية بشكل احترافي".

وبهذا، فقد كانت كفة الميزان متوازنة بين فراج وزملائه الذين لم يدرسوا الإعلام، بل التجارة أو الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث كانوا على دراية بالاقتصاد وجهل بقواعد الممارسة الإعلامية من كتابة وصياغة وتغطية وقيم، على العكس منهم كان فراج يفتقد الفهم الكامل للمادة الخام للمعلومات التي يقدمها في المجال الاقتصادي مع إدراكه أبجديات العمل الإعلامي.. التعاون بينهم كخريجي أقسام مختلفة في مناخ صحفي عملي واحد جعلهم يكملون نقص بعضهم للوصول إلى مستوى الاحتراف.

كان الأمر يتطلب من فراج تكثيف القراءة في المجال الاقتصادي، التي أكسبته فهما نظريا لمجال عمله بنسبة "قد تصل إلى 60%"، وعليه كانت الممارسة هي داعمه الأول.

ويحيل فراج تلك الفجوة بين الممارسة والدراسة الأكاديمية بمرحلة الدراسات العليا إلى عدة أسباب.. "يأتي في مقدمتها الأدبيات الصحفية القديمة جدا التي يتم الاعتماد عليها في التدريس، فجميع هذه الكتابات عن كيفية كتابة الخبر وإجراء المقابلة الصحفية وعمل التحقيق، كتبت في حقبة تاريخية قديمة جدا، كانت فيها صناعة الصحافة وظروفها مختلفة عن الوضع الحالي ولم يتم الاهتمام بتحديثها بالشكل الذي يناسب متطلبات العصر، لأن جميع الباحثين والكتاب في هذا المجال يعيشون ثقافة الاقتباس، بل وتأتي الاقتباسات كأحد الاشتراطات الرئيسية للبحث العلمي وإلا وصف الطرح المقدم بالضعف والهشاشة. كما أن الدراسات الإنسانية ليس بها ثوابت مما يجعلها تقبل التطوير والتحديث والإضافة والابتكار، ورغم ذلك تعاني الطروحات النظرية في الصحافة من الجمود الكبير. أما السبب الثاني فهو عدم مواكبة الطروحات الأكاديمية للتقدم التقني الكبير الموجود في واقع الممارسة والذي يتم تحديثه كل يوم، فتجد تلك الكتابات التي تتناول البعد التقني للمجال مثل مادة "نشأة وسائل الإعلام"، يدرس فيها الطلاب موضوعات بدائية جدا مثل: الطباعة الورقية بالحفر البارز والغائر، والتلفزيون الكابلي والأرضي.. إلخ، وهي أشياء لم تعد موجودة بحكم التطور التقني الكبير في مجال الإنتاج الإعلامي".

كيف تقترن الدراسة بالممارسة؟

كانت الجامعة الأميركية بالقاهرة (AUC) الأكثر اقترابا للإجابة على هذا التساؤل، فجعلت أحد أهم شروط قبول المتقدمين في مرحلة التعليم الجامعي لدراسة الصحافة والاتصال الجماهيري وكذلك التلفزيون والصحافة الإلكترونية، أن يكون المتقدم قد درس ما لا يقل عن ثلاث مواد مؤهلة لتلك الدراسة في مرحلة ما قبل الجامعة. كذلك الأمر في مرحلة الدراسات العليا، حيث يشترط أن يكون لدى المتقدم خبرة سابقة في العمل في هذا المجال، وأن يرفق نماذج من أعماله المنشورة أو المذاعة، كما ينبغي أن يدرج ضمن استمارة التقدم مكان عمله الحالي والذي يشترط ارتباطه بمجال الدراسة.

 أما كلية الإعلام جامعة القاهرة، فقد أطلقت في يناير/كانون الثاني من العام الجاري إذاعتها الشبابية عبر الإنترنت باسم "إعلام أونلاين"، ليقوم فيها طلاب قسم الإذاعة والتلفزيون بخوض تجربة العمل الإذاعي عبر مجموعة من البرامج الإذاعية، تحت شعار "صوتك حدوده السما"، وكذلك أطلقت قناة على موقع "يوتيوب" ضمن المبادرة ذاتها (2).

 

هوامش

http://masscomm.cu.edu.eg, موقع كلية الإعلام جامعة القاهرة (1)  

(2)  http://www.e3lamonline.com/

المزيد من المقالات

في غرف الأخبار.. الأخطاء ستقع دائمًا

كانت الأسئلة التي تثار حول الجزيرة كثيرة، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة: كيف تصلها أشرطة الفيديو لزعيم تنظ

منتصر مرعي نشرت في: 28 يوليو, 2019
صناعة وثائقي بتقنية الواقع الافتراضي مع مجتمع محلي: سرد قصة كفاح دلتا النيجر

يأخذ الفيلم المصور بتنقية الواقع الافتراضي مشاهده إلى قلب دلتا النيجر، ويسلط الضوء على نضال شابة، تدعى ليسي، في عاصمة النفط في نيجيري

كونتراست الجزيرة نشرت في: 17 يوليو, 2019
دروس من مراسلة حربية.. مقابلة مع زينة خضر

كان هدفنا بسيطاً وهو تسليط الضوء على أهوال الحرب وقتامة الألم الذي يتسبب به الإنسان. وقد تحوّل العمل داخل سوريا إلى كابوس لجميع الصحافيين لما كان يشكّله من خطر على سلامتهم.

عواد جمعة نشرت في: 10 يوليو, 2019
قراءة في تقرير معهد رويترز حول الأخبار على المنصات الرقمية

نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجماعة أوكسفورد البريطانية؛ تقريره السنوي عن الأخبار في المنصات الرقمية الذي يعده مجموعة من الباحثين في جامعة أكسفورد وصحفيين مختصين في الإعلام الرقمي. في هذه المادة نلخص أبرز النتائج التي جاءت في هذا التقرير.

محمد خمايسة نشرت في: 17 يونيو, 2019
تجارب صحافي محلي مستقل في اليمن

لعلّ أحد أصعب المواقف التي نواجهها في اليمن هو الانتقال من محافظة إلى أخرى. وللوصول إلى قصتك الصحافية، غالباً ما تضطر لتعريض نفسك للخطر.

معتصم الهتاري نشرت في: 16 يونيو, 2019
الخصوصية في العصر الرقمي .. ثقب أسود في حياة الصحفيين

نسبة كبيرة من الصحفيين لازالوا حتّى اليوم يعتقدون أن حفظ أمنهم الرقمي يندرج في إطار "الكماليات والرفاهية"، إذ أن ثقافة الحماية الأمنية حتى الآن غائبة عن حسابات عدد لا بأس به من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأفراد، ويرجع ذلك إلى عدّة اعتبارات

أحمد حاج حمدو نشرت في: 13 يونيو, 2019
التمويل التشاركي في الإعلام... العامة كرئيس تحرير

مشاريع التمويل التشاركي أو الصحافة المستقلة لم تكتفِ فقط بالتحرر من عقد الممول، وإنما بدأت أيضا إعادة طرح أسئلة جوهرية في شكل الصحافة السائد، وكيفية تقديم نوع جديد من الصحافة المعمّقة يستطيع طرح مقاربات جديدة حول الأحداث.

محمد خمايسة نشرت في: 11 يونيو, 2019
أكثر من شهود: صحافة المواطن خلال الثورة المصرية

في الفترة التي سبقت ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كان لأحداث رئيسية دور في تحديد ما قاد إلى الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس المصري في العام 2011.

خالد فهيم نشرت في: 4 يونيو, 2019
تغطية الإعلام الليبي للحرب حول طرابلس.. إشكالية التدقيق والانحياز

عيش وسائل الإعلام فوضى عارمة في انتقاء ونحت المصطلحات التي تهدف من ورائها إلى شيطنة الطرف المقابل للطرف الذي تؤيده.

إسماعيل القريتلي نشرت في: 30 أبريل, 2019
إعلام ما بعد الربيع.. ما يُمكن أن تقترحه "الهوامش" المأزومة

ماذا نفعل بالإرث؟ وأين نذهب بمُمكنات الحاضر؟ الإرث هنا ما راكمناه إعلامياً خلال قرابة قرن وعقدين، ومُمكنات الحاضر تُشير إلى القواعد والقوالب الصحفية والتقنيات المتاحة اليوم.

معاد بادري نشرت في: 1 أبريل, 2019
شاهد| فيلم منال الأمل .. صحفيات في قلب الحرب اليمنية

مع دخول اليمن عامها الخامس من الحرب، تقوم صحفيتان محليتان، منال وأمل ، برواية قصص الأطفال والأمهات اليمنيات الذين يعيشون في قلب أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

كونتراست الجزيرة نشرت في: 26 مارس, 2019
مقدم البرامج الإذاعية.. صمام أمان الراديو

مع مرور الوقت وفي ظل تزايد الأبحاث والدراسات التي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على الراديو؟ ما مستقبل الراديو في العالم الرقمي؟

لمياء المقدم نشرت في: 26 فبراير, 2019
صحافة عزلاء في الفوضى الليبية

الصحفي الليبي اليوم جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي المعقد شديد الانقسام الذي أدى بالضرورة إلى معركة عنيفة حول رواية الخبر الواحد، مما عرض الصحفي إلى الاغتيال والخطف والاعتداء على مقار المؤسسات الإع

خلود الفلاح نشرت في: 24 فبراير, 2019
وفاة كاسترو.. أكثر من مسودة

في مكتبة صغيرة في زاوية غرفة الأخبار، وُضع على الرف شريط عن سيرة حياة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للبث في حالة وفاته مباشرة.

محمد زيدان نشرت في: 22 فبراير, 2019
التحقيق الاستقصائي.. الجو ماطر أم مشمس؟

إذا كنت ترغب في تغيير العالم، فكل ما تحتاج إليه هو قلم ودفتر وذهنية سليمة. وبواسطة هذه الأمور، يمكنك أن تساهم في سقوط القادة الفاسدين، وفضح تجاوزات الشركات، وإرسال شِرار القوم إلى السجون.

ريتشارد كوكسون نشرت في: 18 فبراير, 2019
من هم منتحلو صفة صحفيّ في الأردن؟

لغايات هذا التقرير، أجريتُ مقابلةً مع نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، الذي يُخوّل القانون نقابته تصنيف العاملين بالصحافة إلى: منتحلي صفة صحفيّ، أو صحفيّ.

عمار الشقيري نشرت في: 6 يناير, 2019
الصحافة والسترات الصفراء في فرنسا.. سوء الفهم الكبير

إذا كنت صحفيا تغطي احتجاجات "السترات الصفراء" في شارع الشانزليزيه في باريس، فستواجه سؤالا متكررا من قبل عدد من المحتجين: لصالح أية وسيلة إعلامية تعمل؟

محمد البقالي نشرت في: 25 ديسمبر, 2018
صحافة ”القطعة“ بغزة.. فرصٌ محدودة وحقوق مهدورة

 ينتظر الصحفي الغزّي هاني ياسين (22 عامًا) بفارغ الصبر نشر المادة الصحفية التي أعدّها مؤخرًا لصالح موقع إلكتروني عربي يعمل معه بنظام القطعة "الاستكتاب"، حتّى يصبح المبلغ المالي الخاص به مستحق الدفع

محمد أبو دون نشرت في: 23 ديسمبر, 2018
الصحف الأوروبية والبريكست.. حياد سلبي ومواقف المعادية

 مع بدء العد العكسي، للوصول إلى التاريخ النهائي، الذي سيحدد مصير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، حان الوقت لإجراء تقييم شامل، لتغطية وسائل الإعلام الأوروبية لهذا الحديث المصيري في تاريخ

أيوب الريمي نشرت في: 20 ديسمبر, 2018
غزّة.. السترات الواقية للصحفيين الأجانب فقط

 "عين على الميدان وعين على الصحفيين الأجانب الموسومين بالسترة الواقية ذات اللون البني! يبدو أن وزنها أخف من المتوفر بغزة قبل سنوات الحصار..

مرح الوادية نشرت في: 11 ديسمبر, 2018
دع الآخرين يتحدَّثون

 أربعة أعوام تقريبا، وأنا أجلس في غرفة لأكتب وأحرّر الأخبار والتقارير، لم أشاهد خلالها شيئًا على الأرض إلا بعد ترك المكاتب والتوجه مضطرا للعمل كصحفي حرّ (فري لانسر) لا يجتمعُ صباحا

عمار الشقيري نشرت في: 8 ديسمبر, 2018
نضال الصحفي ”غير الأبيض“ لتغيير ثقافة غرفة الأخبار الأميركية

ترجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس - جامعة هارفارد  

مارتنا غوزمان نشرت في: 6 ديسمبر, 2018
من الرباط إلى كابل.. قصة مراسل

لأسباب قد يطول شرح تفاصيلها، رفضت السلطات المغربية منحي رخصة العمل كمراسل لقناة الجزيرة في المغرب.. واقع جعلني لما يقارب السنتين مراسلا صحفيا مع وقف التنفيذ، قضيت معظم هذا الوقت في غرفة الأخبار بال

يونس آيت ياسين نشرت في: 2 ديسمبر, 2018