الشنتويل وطريق التغيير الطويل

في صباح باكر من يوم خميس، وصلت إلى مكتبي في مدينة نابلس قادما من مدينة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة. وكالعادة، وجدت أحد زملائي يتفقد سترته الواقية من الرصاص وقبعته الفولاذية قبل الذهاب لتغطية اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لبعض البيوت وتخريبها في أطراف المدينة، وزميل آخر يهم بالخروج من المكتب لتغطية إنجاز طبي لمستشفى محلي.

تساءلت عمّا يمكن أن أغطي ما دام زملائي يعملون على أكمل وأسرع وجه في نقل الأحداث اليومية الآنية بكاميراتهم وأقلامهم. إن أسهل قرار بالنسبة لي هو مرافقة الزملاء في التغطية اليومية، وخاصة في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتوابعه.

جالسا وراء مكتبي في مقر وكالة وفا بنابلس، أُقلب بين أصابعي أربع رصاصات مطاطية أصيب بها مصور الوكالة خلال عام من جولاته اليومية وقرر الاحتفاظ بها للذكرى. هذه الرصاصات ستعيش أكثر من أسبابها، وخلال ساعات سينسى الناس كل التقارير والصور التي ننجزها في الأحداث التي تكرر نفسها يوميا.

عندي قناعة أن وجع رصاصة مطاطية قد يطلقها عليَّ جنود الاحتلال أهون من البحث عن موضوع جديد ومختلف وتقديمه للجمهور الذي صار من الصعب لفت نظره للتقارير التي يتعب عليها الصحفيون يوميا، ويمرُّ عليها الناس مرور الكرام.

تركت الرصاصات من يدي، وحملت الكاميرا على عجل، قاصدا إحدى البنايات قيد الإنشاء في المدينة لتصوير الحمير التي شاهدتها في الصباح قبل وصولي المكتب، وهي تنقل مواد البناء من الأرض إلى طوابق عالية صعودا على الدرج، وبمجرّد رؤيتها تملّكتني الدهشة.

كان بإمكاني تأجيل الموضوع للأيام والأشهر القادمة بما أنه ليس حدثا آنيا سريعا، لكنني خشيت من خطر التعود على المشهد لو صادفتها مرتين أو ثلاثة في الأيام القادمة، وبالتالي سيصير الأمر عاديا في مخيلتي، ثم تبرد دهشتي التي أعتقد أنها أول طرف الخيط الذي يقودني كصحفي لإنجاز قصص مدهشة للجمهور.

وبالفعل وصلت إلى بناية عند الطرف الغربي لمدينة نابلس الجبلية لتصوير الحمير، وفي هذه اللحظة وصل زميل لي إلى بنايات عند الطرف الشرقي للمدينة لتصوير جيش الاحتلال واقتحامه للمكان.. هذا توزيع أفضل بألف مرة من وجودنا معا في مكان واحد وتغطية واحدة.

بمجرد أن دلفتُ من باب البناية متتبعا حمارا رمادي اللون يحمل ثلاثة أكياس من الإسمنت على ظهره، ويصعد الدرج بمهارة تفوق مهارة السائرين على قدمين، بدأت المعلومات تهطل فوق رأسي من كل زاوية، وفهمت من صوت عامل ينادي من الطابق الخامس على شنتويل، ويقول "يلا اطلع يا شنتويل".. لوهلة ظننت أنه يقصدني، وكدت أرد "هيني طالع"، وعندما وصلته عرفت أن الحمار الرمادي صاحب الظهر الطويل الذي يتقافز أمامي على الدرج، اسمه شنتويل، نظرت إلى شنتويل وانفجرت ضاحكا دون أن يفوتني شعور بلذة الوقوف أمام قصة قد يكون لها صدى عند الجمهور. 
كان الأمر صعبا نوعا ما، لأنني أنا المصور والمراسل في الوقت ذاته، أخذت في البداية كل اللقطات التي أحتاجها في المونتاج، صعدت الدرج إلى الطابق الخامس ونزلته بالكاميرا أكثر من خمس مرات، وأنا ألاحق الحمير لتصوير حوافرها وملامحها وفنها في التعامل مع بعضها على الدرج، كانت تسير بنظام مدهش، درَّبها عليه صاحبها، ترى الحمار في الخلف يترك مسافة بينه وبين زميله ويتوقف عند اللزوم، وإذا التقى حماران في اتجاه معاكس، يفتح الحمار الأقرب إلى بسطة الدرج الطريق لزميله.

كلما قلت اكتفيت من التصوير أعود وأصوب الكاميرا لحركات مميزة تقوم بها الحمير بعفوية، كاللعب والوقوف عند الشبابيك، وفي المقابلة التي أجريتها مع صاحب الحمير التي تحمل أسماء مختلفة كالشنتويل والذكي وأبو سمرة، كنت مضطرا للتركيز في شاشة الكاميرا التي أعطيتها يدي اليسرى لتثبيتها، وحملت المايكروفون باليمنى، لتوجيه الأسئلة في آن واحد لشخص عبقري أمضى 46 عاما في تدريب الحمير على الصعود للأعلى باستخدام الدرج.

أنهيت التصوير، وارتجلت في طرح الأسئلة على صاحب الحمير، أسئلة عادية بسيطة تخطر على بال الناس العاديين. ثم أغلقت الكاميرا دون تسجيل النهاية بصوتي وصورتي من المكان. وقبل أن أغادر، تفقدت الحمير التي تجمعت في الطابق الأرضي خلال استراحة العمال لشرب الشاي، ولم يكن الشنتويل بينهم. ولأنني قررت أن يكون (الشنتويل) بطل القصة لأسباب كثيرة من بينها اسمه واللقطات الكثيرة التي أخذتها له، شغَّلت الكاميرا من جديد وبحثت عنه. وجدته في الطابق الخامس يقف عند الشباك متأملا، وتصرفت بسرعة في تثبيت الكاميرا وتبديل موقعي من خلفها إلى أمامها كي أظهر في لقطة واحدة مع الشنتويل، أردتها لقطة النهاية، لكنني ظهرت بصمت بدون تعليق صوتي، كل ما فعلته هو رد فعل طبيعي على سؤال خطر في بالي وهو "ترى بماذا يفكر الآن" ونظرت إلى المدينة من زاوية نظره ليكون للسؤال طعم عندما أطرحه في نص التعليق الصوتي الذي لم أغادر المكان إلا وكانت محاوره ليست فقط واضحة عندي، بل ومشوقة وربما مضحكة.. ما المشكلة لو قدمنا معلومات للناس وهي تضحك؟

انتهى يوم الخميس، عدت إلى البيت ومعي الشنتويل والذكي وأبو سمرة.. أقول معي وأقصد أنني أفكر بهم، فنهاية الدوام في المكتب لا تعني نهاية التفكير بالقصص التي نعمل عليها. كان أمامي يومان في عطلة نهاية الأسبوع لكنني لم أكتب أي حرف في هذين اليومين ولم أتوقف عن التفكير بالحمير والبحث عنها عبر الإنترنت، واكتشفت أن المعلومات حولها شحيحة جدا، قرأت عن الحمار في التاريخ وفي الأديان وفي الشعر العربي.

كتبت القصة صباح الأحد، وقمت بعمل المونتاج اللازم لها، وما أن نُشرت على موقع وكالتي، حتى بدأت الضجة في الشارع، الكثير من الناس أعجبتهم القصة، والكثير أيضا هاجموني واعتبروا أن التقرير إهانة لمدينة نابلس وأهلها، بل ووصفني آخرون بـ"حمار" يهتم بالحمير ويترك قصص الصراع مع الاحتلال والفقر والإعاقة وغيرها من المشاكل الكثيرة للشعب الفلسطيني.

إلا أن ما عزز قناعتي بأن بسلامة الطريق الذي أسلكه في البحث عن قصص تعيش لفترات طويلة بدل الأخبار والتقارير الآنية -التي مهما كانت وسائل الإعلام سريعة، لن تسبق مواقع التواصل الاجتماعي في نقلها للناس- هو انتشار القصة بشكل واسع على مستوى الوطن العربي.

كما أنني تعلمت درسا لن أنساه من الحمير.. التحمل والاستمرار في عمل أشياء مختلفة عن البقية، والنظر أيضا إلى الأشياء من زوايا جديدة، تماما كما فعل الشنتويل عندما نظر من شباك الطابق الخامس وكان مدهشا بحق

لمشاهدة التقرير، انقر على الرابط

المزيد من المقالات

معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
في غرف الأخبار.. الأخطاء ستقع دائمًا

كانت الأسئلة التي تثار حول الجزيرة كثيرة، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة: كيف تصلها أشرطة الفيديو لزعيم تنظ

منتصر مرعي نشرت في: 28 يوليو, 2019
صناعة وثائقي بتقنية الواقع الافتراضي مع مجتمع محلي: سرد قصة كفاح دلتا النيجر

يأخذ الفيلم المصور بتنقية الواقع الافتراضي مشاهده إلى قلب دلتا النيجر، ويسلط الضوء على نضال شابة، تدعى ليسي، في عاصمة النفط في نيجيري

كونتراست الجزيرة نشرت في: 17 يوليو, 2019
دروس من مراسلة حربية.. مقابلة مع زينة خضر

كان هدفنا بسيطاً وهو تسليط الضوء على أهوال الحرب وقتامة الألم الذي يتسبب به الإنسان. وقد تحوّل العمل داخل سوريا إلى كابوس لجميع الصحافيين لما كان يشكّله من خطر على سلامتهم.

عواد جمعة نشرت في: 10 يوليو, 2019
تجارب صحافي محلي مستقل في اليمن

لعلّ أحد أصعب المواقف التي نواجهها في اليمن هو الانتقال من محافظة إلى أخرى. وللوصول إلى قصتك الصحافية، غالباً ما تضطر لتعريض نفسك للخطر.

معتصم الهتاري نشرت في: 16 يونيو, 2019
الخصوصية في العصر الرقمي .. ثقب أسود في حياة الصحفيين

نسبة كبيرة من الصحفيين لازالوا حتّى اليوم يعتقدون أن حفظ أمنهم الرقمي يندرج في إطار "الكماليات والرفاهية"، إذ أن ثقافة الحماية الأمنية حتى الآن غائبة عن حسابات عدد لا بأس به من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأفراد، ويرجع ذلك إلى عدّة اعتبارات

أحمد حاج حمدو نشرت في: 13 يونيو, 2019
التمويل التشاركي في الإعلام... العامة كرئيس تحرير

مشاريع التمويل التشاركي أو الصحافة المستقلة لم تكتفِ فقط بالتحرر من عقد الممول، وإنما بدأت أيضا إعادة طرح أسئلة جوهرية في شكل الصحافة السائد، وكيفية تقديم نوع جديد من الصحافة المعمّقة يستطيع طرح مقاربات جديدة حول الأحداث.

محمد خمايسة نشرت في: 11 يونيو, 2019
أكثر من شهود: صحافة المواطن خلال الثورة المصرية

في الفترة التي سبقت ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كان لأحداث رئيسية دور في تحديد ما قاد إلى الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس المصري في العام 2011.

خالد فهيم نشرت في: 4 يونيو, 2019
تغطية الإعلام الليبي للحرب حول طرابلس.. إشكالية التدقيق والانحياز

عيش وسائل الإعلام فوضى عارمة في انتقاء ونحت المصطلحات التي تهدف من ورائها إلى شيطنة الطرف المقابل للطرف الذي تؤيده.

إسماعيل القريتلي نشرت في: 30 أبريل, 2019
إعلام ما بعد الربيع.. ما يُمكن أن تقترحه "الهوامش" المأزومة

ماذا نفعل بالإرث؟ وأين نذهب بمُمكنات الحاضر؟ الإرث هنا ما راكمناه إعلامياً خلال قرابة قرن وعقدين، ومُمكنات الحاضر تُشير إلى القواعد والقوالب الصحفية والتقنيات المتاحة اليوم.

معاد بادري نشرت في: 1 أبريل, 2019
شاهد| فيلم منال الأمل .. صحفيات في قلب الحرب اليمنية

مع دخول اليمن عامها الخامس من الحرب، تقوم صحفيتان محليتان، منال وأمل ، برواية قصص الأطفال والأمهات اليمنيات الذين يعيشون في قلب أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

كونتراست الجزيرة نشرت في: 26 مارس, 2019
مقدم البرامج الإذاعية.. صمام أمان الراديو

مع مرور الوقت وفي ظل تزايد الأبحاث والدراسات التي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على الراديو؟ ما مستقبل الراديو في العالم الرقمي؟

لمياء المقدم نشرت في: 26 فبراير, 2019
صحافة عزلاء في الفوضى الليبية

الصحفي الليبي اليوم جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي المعقد شديد الانقسام الذي أدى بالضرورة إلى معركة عنيفة حول رواية الخبر الواحد، مما عرض الصحفي إلى الاغتيال والخطف والاعتداء على مقار المؤسسات الإع

خلود الفلاح نشرت في: 24 فبراير, 2019
وفاة كاسترو.. أكثر من مسودة

في مكتبة صغيرة في زاوية غرفة الأخبار، وُضع على الرف شريط عن سيرة حياة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للبث في حالة وفاته مباشرة.

محمد زيدان نشرت في: 22 فبراير, 2019
التحقيق الاستقصائي.. الجو ماطر أم مشمس؟

إذا كنت ترغب في تغيير العالم، فكل ما تحتاج إليه هو قلم ودفتر وذهنية سليمة. وبواسطة هذه الأمور، يمكنك أن تساهم في سقوط القادة الفاسدين، وفضح تجاوزات الشركات، وإرسال شِرار القوم إلى السجون.

ريتشارد كوكسون نشرت في: 18 فبراير, 2019
من هم منتحلو صفة صحفيّ في الأردن؟

لغايات هذا التقرير، أجريتُ مقابلةً مع نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، الذي يُخوّل القانون نقابته تصنيف العاملين بالصحافة إلى: منتحلي صفة صحفيّ، أو صحفيّ.

عمار الشقيري نشرت في: 6 يناير, 2019
الصحافة والسترات الصفراء في فرنسا.. سوء الفهم الكبير

إذا كنت صحفيا تغطي احتجاجات "السترات الصفراء" في شارع الشانزليزيه في باريس، فستواجه سؤالا متكررا من قبل عدد من المحتجين: لصالح أية وسيلة إعلامية تعمل؟

محمد البقالي نشرت في: 25 ديسمبر, 2018
صحافة ”القطعة“ بغزة.. فرصٌ محدودة وحقوق مهدورة

 ينتظر الصحفي الغزّي هاني ياسين (22 عامًا) بفارغ الصبر نشر المادة الصحفية التي أعدّها مؤخرًا لصالح موقع إلكتروني عربي يعمل معه بنظام القطعة "الاستكتاب"، حتّى يصبح المبلغ المالي الخاص به مستحق الدفع

محمد أبو دون نشرت في: 23 ديسمبر, 2018
الصحف الأوروبية والبريكست.. حياد سلبي ومواقف المعادية

 مع بدء العد العكسي، للوصول إلى التاريخ النهائي، الذي سيحدد مصير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، حان الوقت لإجراء تقييم شامل، لتغطية وسائل الإعلام الأوروبية لهذا الحديث المصيري في تاريخ

أيوب الريمي نشرت في: 20 ديسمبر, 2018
غزّة.. السترات الواقية للصحفيين الأجانب فقط

 "عين على الميدان وعين على الصحفيين الأجانب الموسومين بالسترة الواقية ذات اللون البني! يبدو أن وزنها أخف من المتوفر بغزة قبل سنوات الحصار..

مرح الوادية نشرت في: 11 ديسمبر, 2018
دع الآخرين يتحدَّثون

 أربعة أعوام تقريبا، وأنا أجلس في غرفة لأكتب وأحرّر الأخبار والتقارير، لم أشاهد خلالها شيئًا على الأرض إلا بعد ترك المكاتب والتوجه مضطرا للعمل كصحفي حرّ (فري لانسر) لا يجتمعُ صباحا

عمار الشقيري نشرت في: 8 ديسمبر, 2018
نضال الصحفي ”غير الأبيض“ لتغيير ثقافة غرفة الأخبار الأميركية

ترجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس - جامعة هارفارد  

مارتنا غوزمان نشرت في: 6 ديسمبر, 2018