لبنان.. الحرية ملاذ غير آمن

شهد لبنان خلال السنوات الماضية تحوّلا كبيرا في مشهده الصحفي، فبعد أن كان البلد العربي الأعلى سقفا في حرية الصحافة، بدأ هذا السقف ينخفض تدريجيا بسبب التضييق المستمر من قبل السلطات على الإعلام والصحفيين. أن يُسجَّل في لبنان ما لا يقل عن 260 انتهاكا إعلاميا وثقافيا منذ 31 أكتوبر/تشرين الأول 2016 لغاية اليوم (1)، إشارة يجب الوقوف عندها بتمّعن. والمقلق هنا أن يصبح خبر اعتقال صحفي خبرا متكررا، في بلد يطرح نفسه كبلد ديمقراطي مميز عن بقية الدول العربية.

رصدت مؤسسة "سمير قصير" خلال عامين، صدور أربعة أحكام سجن بحق الصحفيين حنين غدار، وفداء عيتاني، وآدم شمس الدين، وميشال قنبور. وعلى الرغم من أن الأحكام لم تنجح في استكمال مسارها القانوني لأسباب مختلفة، فإن فكرة إصدار تلك الأحكام بحق الصحفيين بحد ذاتها كفيلة بدق ناقوس الخطر. كما تراجع لبنان على الأقل ثلاث مرتبات في مؤشر الحرية الصادر عن تقرير (2) منظمة "مراسلون بلا حدود" الأخير، فبعدما احتل لبنان المرتبة 98/180، ها هو اليوم في المرتبة 101/180.

في نظرة سريعة على المشهد الإعلامي بلبنان، تستنتج أنه ليس هناك "إعلام معارض" بالشكل التقليدي للإعلام المعارض الذي يتخذ صف العامة في وجه السلطة، فأغلب وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة والمرئية مملوكة للعائلات السياسية والاقتصادية في البلاد، كما أن أغلب الأحزاب السياسية خلقت منظومتها الإعلامية، وبالتالي فإن التمويل السياسي هو الحاكم الأول والأخير للخط التحريري لكل مؤسسة إعلامية في لبنان، والمال السياسي هو مدير تحرير غرف الأخبار فيها.    

فمثلا، يتقاسم أسهم صحيفة "النهار" الوزير السابق مروان حمادة ورئيس الحكومة الحالي سعد الحريري، وطبعاً النائبة السابقة نايلة تويني. أما قناة "أن.بي.أن" (NBN) فتعود ملكيتها لمقربين من رئيس مجلس النواب الحالي نبيه بري ومسؤولين من حركة أمل، في حين أن جريدة "البناء" تتبع الحزب القومي السوري الاجتماعي، وقناة "المنار" لحزبَ الله، وقناة "أم.تي.في" (MTV) لرجل الأعمال والسياسي غابريال المر، و"إذاعة لبنان الحر" للقوات اللبنانية، وإذاعة "صوت الشعب" للحزب الشيوعي. أما صحيفة "الديلي ستار" فتعود ملكيتها لسعد الحريري مباشرة، بينما تتوزع أسهم صحيفة "لوريون لوجور" بين الوزير ميشال فرعون والوزير السابق ميشال اده. كما أن قناة "أل.بي.سي" (LBC) تعود أغلب أسهمها لبيار الضاهر وعائلة النائب السابق عصام فارس.

الأمثلة كثيرة ويمكن تصفحها على الخريطة التفاعلية التي أنتجتها مؤسسة "سمير قصير" ومنظمة "مراسلون بلا حدود" العام الماضي تحت عنوان "من يملك الإعلام اللبناني؟" (3).  

غالباً ما تحمل هذه الوسائل الإعلامية أخبار الطوائف والعائلات السياسية التي تمثلها، أما الخبر الموضوعي الذي يراعي معايير المهنية الصحفية فهو رفاهية يمكن اعتبارها غير متوفرة في لبنان. يكفيك مثلاً الاطلاع على بعض الجمل المستخدمة في بعض وسائل الإعلام، لتلاحظ ارتباطها بالطوائف. وكمثال على هذه المفردات أو المصطلحات، يبرز لدينا مصطلح "الثنائي الشيعي" الذي يستخدم في الإعلام للدلالة على تحالف حزب الله وحركة أمل! غير أن التمويل ليس وحده من يحكم المؤسسات الإعلامية في سعيها نحو الاستقلالية، وإنما افتقادها للمحتوى الغني.

وبحسب مركز "سكايز" للدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية، شهد لبنان ما لا يقل عن 80 انتهاكا إعلاميا وثقافيا في العام الواحد. وتتنوع تلك الانتهاكات بين اعتقال وحجز ناشطين وصحفيين وفنانين استنادا إلى محتوى نشروه أو أنتجوه، بالإضافة إلى منع أفلام ومسرحيات، وفي أغلب الأحيان تدخل إخراجي من خلال حذف مشاهد أو تعديل كلمات.

كما لم يقتصر موضوع الاستدعاءات للصحفيين على الشكل الروتيني للحجز، فكانت هناك تجاوزات قانونية أهمها إجبار الصحفي (4) أو الناشط أو الفنان المحتجز على تسليم بيانات حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يرد في قانون العقوبات اللبناني (5)، وبالتالي فإن مثل هذه الإجراءات تقع أيضا في خانة الانتهاكات بحق الصحفيين، إضافة إلى ما يمارس من إجبار للمحتجز على توقيع (6) تعهد بعدم التعرض للجهة التي انتقدها! وهو ما لم يرد كذلك في القانون.

أضف إلى ذلك طبيعة الأحكام القانونية ضد الصحفيين، إذ إن محكمة المطبوعات محكمة جزائية، بينما يجب أن تكون المحاكم التي تنظر في قضايا الصحافة محكمة مدنية، فالصحفي ليس مجرمًا وإن ارتكب خطأ مهنيًّا.        

في فبراير/شباط 2017، أصدر وزير العدل آنذاك سليم جريصاتي المحسوب على رئيس الجمهورية الحالي ميشال عون، قرارًا -بالاتفاق مع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة- يقضي بعدم التعرض لأي كان على مواقع التواصل الاجتماعي، منعًا للاعتقال الاستنسابي، إلا أنه من الواضح أن القرار كان شكليًّا. 

من القصص المثيرة التي أثارت ضجة في لبنان، اضطرار الصحفي اللبناني فداء عيتاني لمغادرة البلاد بسبب التهديد الذي تعرض له من الأحزاب، وأحكام السجن ضده، فقط لأنه كشف أكثر من سياسي فاسد في الدولة.

مشهد آخر لا يحتمل في لبنان، وهو طريقة تطبيق قانون الاستدعاء، وذلك يرجع إلى كون بعض الأجهزة الأمنية محسوبة على أحزاب معينة، وبالتالي يسهل اعتقال الصحفي الذي تعرض لحزب معين من خلال الجهاز الأمني التابع للأخير.

يبدو أن المرحلة الحالية التي يعيشها لبنان خاضعة لمبدأ التماهي مع السلطة، على قاعدة "إن لم تشبهنا، التحقيق الأمني بانتظارك". لن تكون معادلة الاستقرار مقابل الحرية، معادلة مطروحة للنقاش حاليا. فالاستقرار الأمني لا يمكن أن يكون بدون ديمقراطية وحرية يتمتع بها جميع الفرقاء في لبنان.

المراجع: 

 

 

 * الصورة: محمد عزاقير - رويترز. 

 

 

 

 

 

المزيد من المقالات

الصحافة الجيدة.. مكلفة جدا

الصحافة الرصينة تنتمي إلى الصناعات الثقيلة التي تحتاج إلى موارد مالية كبيرة. لقد عرت أزمة كورونا عن جزء من الأزمة التي تغرق فيها بينما تتعاظم انتظارات القارئ الذي أدرك أن الصحافة الجيدة هي الملجأ الأخير..

أليخاندرو لوكي دييغو نشرت في: 30 يونيو, 2020
التكوين الرقمي في الصحافة.. طوق النجاة

التطور الرقمي لا يرحم ولا ينتظر أحدًا، لكن كليات ومعاهد الصحافة العربية اطمأنت إلى توجهها التقليدي، والنتيجة في الأخير: طالب تائه في غرف التحرير. التشبث بالهرم المقلوب، والانشداد إلى التكوين التقليدي، وغياب الوسائل، كل ذلك يعيق عملية التحصيل الدراسي.

سناء حرمة الله نشرت في: 29 يونيو, 2020
كورونا وفيروس الأخبار الكاذبة.. أعراض مضاعفة!

تفشت الأخبار الزائفة على نحو كبير مع انتشار فيروس كورونا، لكن الخطورة تأتي هذه المرة من تحول وسائل إعلام ومنصات اجتماعية إلى حوامل لأخبار مضللة قاتلة.

أسامة الرشيدي نشرت في: 28 يونيو, 2020
في زمن كورونا الصوت الأعلى للتلفزيون... قراءة في تقرير معهد رويترز

أشار تقرير معهد رويترز هذا العام إلى تغيرات كبيرة في سلوك جمهور الإعلام بسبب جائحة فيروس كورونا، كان أبرزها عودة ثقة الجمهور بالقنوات التلفزيونية كمصدر رئيسي للأخبار، إضافة لتغير سلوكيات جمهور الإعلام الرقمي وتفضيلاته.

محمد خمايسة نشرت في: 22 يونيو, 2020
الإعلام في باكستان.. حين يغيب التعاطف

سقطت الطائرة الباكستانية على حي سكني، وسقطت معها الكثير من أخلاقيات مهنة الصحافة التي تعرضت للانتهاك في تغطية مأساة إنسانية حساسة. هكذا ظهرت الأشلاء والدماء دون احترام للمشاهد ولا لعائلات الضحايا، في مشاهد تسائل المهنة في مبادئها الأساسية.

لبنى ناقفي نشرت في: 21 يونيو, 2020
الفيديوهات المزيفة.. كابوس الصحافة

باراك أوباما يتحدث في فيديو ملفق عن أشياء ملفقة، لكن المقطع يبدو كأنه حقيقي. رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي تظهر ثملة تتلعثم في فيديو "مفبرك" حصد 8 ملايين مشاهدة.. مقاطع تختصر المأزق الحقيقي لظاهرة تزوير مقاطع الفيديو الرقمية. شركة "ديبتريس" (Deeptrace) الهولندية تدق ناقوس الخطر نتيجة تزايد عمليات التزييف والأضرار التي تسببها للحكومات وللأفراد على السواء.

محمد موسى نشرت في: 16 يونيو, 2020
التقرير الصحفي في زمن كورونا.. بين الحقيقة والتصنع

في القصص الإخبارية التي تبثها الفضائيات، تحس بأن الكثير منها متصنعة وغير حقيقية. أزمة كورونا أضافت الكثير من البهارات لتغطيات كانت إلى وقت قريب عادية، في حين غيبت قضايا حقيقية من صميم اهتمام الممارسة الصحفية.

الشافعي أبتدون نشرت في: 14 يونيو, 2020
الإشاعة.. قراءة في التفاعلات الإعلامية والسياسية للأخبار الزائفة

الإشاعة وباء العصر، وحتى في زمن التحقق والصرامة الصحفية في التعامل مع الأخبار، فرخت على وسائل التواصل الاجتماعي. فما هي دلالاتها؟ وكيف تطورت؟ والأهم، كيف تؤثر على الصحافة وقرائها؟

يوسف يعكوبي نشرت في: 10 يونيو, 2020
لا تصدقوا الحياد في الصحافة..

"خطيئة الولادة" ما تزال تطارد الصحافة، ولا يبدو أنها قادرة على الحسم في هويتها: هل تحافظ على صرامة المهنة، أم تميل إلى نبض المجتمع؟

محمد البقالي نشرت في: 8 يونيو, 2020
هل "أصابت" كورونا الإعلام البديل في لبنان؟

قبل انتشار فيروس كورونا، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تقود ثورة الشباب في لبنان ضد الطائفية والأوضاع الاقتصادية السيئة، لكن سرعان ما استعاد الإعلام التقليدي سطوته لتحرر السلطة ما ضاع منها في الحراك.

جنى الدهيبي نشرت في: 3 يونيو, 2020
العمل الصحفي الحرّ في زيمبابوي.. صراع البقاء

مهنة الصحافة في زيمبابوي عالية المخاطر، وتزداد خطورة إذا كنت صحفيا حرا في مواجهة دائمة مع مضايقات السلطة وشح الأجور.

هاجفيني موانكا نشرت في: 31 مايو, 2020
أزمة كورونا.. الصحافة تنسى أدوارها

هل لجمت كورونا "كلب الحراسة" الصحفي في بلدان العالم العربي؟ هل ضاعت الصحافة في نقل أخبار الموتى والمصابين متناغمة مع الرواية الرسمية وناسية دورها الحيوي: مراقبة السلطة.

أنس بنضريف نشرت في: 17 مايو, 2020
صحفيون تونسيون في فخ الأخبار الزائفة

دراسة تونسية تدق ناقوس الخطر: فئة كبيرة من الصحفيين المحترفين يعترفون بأنهم كانوا عرضة للأخبار الزائفة على وسائل التواصل الاجتماعي. تجربة "فالصو" للتحقق، تغرد وحيدة في سرب لا يؤمن إلا بالتضليل.

عائشة غربي نشرت في: 12 مايو, 2020
الطائفية.. حتى في كليات الإعلام

لا يكفي أن تتوفر على كفاءة عالية كي تصير أستاذا للإعلام، ففي لبنان تتحكم الطائفية السياسية في تعيين أطر التدريس، وتفرض الأحزاب القوية رأيها بعيدا عن معايير الاستحقاق، ليصبح مشروع تخرّج صحفي مرهونًا للحسابات السياسية.

غادة حداد نشرت في: 11 مايو, 2020
الصحفي الخبير.. لقاح نادر في زمن كورونا

بمبضع المتخصصة، تطل الصحفية التونسية عواطف الصغروني كل مساء على مشاهديها بمعطيات دقيقة عن الوضع الوبائي. في زمن انتشار كورونا، لا يبدو خيار الصحفي الشامل الذي يفهم في كل شيء خيارا فعالا.

محمد اليوسفي نشرت في: 10 مايو, 2020
منصة "قصّة".. عامان في الرحلة

"رحلة الألف ميل تبدأ بقصة".. هكذا كان حلمنا في البداية؛ أن نحكي عن الإنسان أينما كان.. كبر الحلم، وبدأنا نختبر سرديات جديدة، جربنا، نجحنا وأخفقنا، لكننا استطعنا طيلة عامين أن نقترب من مآسي وأفراح البشر، بأسلوب مكثف.. ومازلنا نختبر.

فاتن جباعي ومحمد خمايسة نشرت في: 7 مايو, 2020
من "ساعة الصفر" إلى "حافة الهاوية" مستقبل الصحافة في التنّوع والتعاون والتعلّم!

هل يمكن للصحافي اليوم أن يعمل لوحده دون شبكة من الصحافيين. هل يطمئن إلى قدراته فقط، كي ينجز قصة صحافية، ما الذي يحتاجه ليتعلم؟ تجربة مكثفة، تسرد كيف يوسع الصحافي من أفقه في البحث والتقصي..

علي شهاب نشرت في: 6 مايو, 2020
الإعلام في صربيا.. لا تسأل "أكثر من اللازم"

رغم أن صربيا تنتمي إلى الفضاء الأوروبي فإن جائحة كورونا بينت أن صدر السلطة ما يزال ضيقا أمام أسئلة الصحفيين، خاصة الذين يحققون في قصور النظام الصحي عن مواجهة الوباء.

ناتاليا يوفانوفيتش نشرت في: 30 أبريل, 2020
ماذا يعني أن تكون صحفيا في تشاد؟

الصحافة ما تزال في يد السلطة، ورجال السياسة يتحكمون في توجهاتها العامة. وكل من يقرر أن يغرد "خارج السرب" يجد نفسه إما في السجن، أو ملاحقا بتهم ثقيلة، كما حدث مع الصحفييْن فرانك كودباي ومارتن إينو. في مساحة الحرية الضئيلة، يعمل الصحفيون التشاديون في ظروف صعبة.

محمد طاهر زين نشرت في: 29 أبريل, 2020
كيف أثّرت وسائل التواصل على التلفزيون في اليمن؟

"من القاعدة إلى القمة"، شعار أطّر معظم القنوات التلفزيونية اليمنية، وهي تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي التي غيرت من طريقة معالجتها للأخبار. مشهد تلفزيوني متنوع، غير أن قنوات قليلة فقط هي التي استطاعت أن تجعل من رواد شبكات التواصل شريكا في صناعة المحتوى.

محمد الرجوي نشرت في: 28 أبريل, 2020
كيف أصبحت الصحافة تحت رحمة الشبكات الاجتماعية؟

وسائل التواصل الاجتماعي أحكمت قبضتها على الصحافة. ولا شيء قادر اليوم على الحد من تأثيرها على المحتوى الإخباري ولا على النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية..

إسماعيل عزام نشرت في: 27 أبريل, 2020
صحافة الهجرة التي ولدت من رحم كورونا

في مواجهة سردية اليمين المتطرف، كان لابد من صوت إعلامي مختلف ينتشل المهاجرين العرب من الأخبار المزيفة وشح المعلومات حول انتشار فيروس كورونا رغم الدعم المالي المعدوم.

أحمد أبو حمد نشرت في: 23 أبريل, 2020
الشركات الناشئة للصحافيين.. "الدواء الأخير".

في ظرفية موسومة بإفلاس وسائل الإعلام إما بسبب كساد المال السياسي أو فشل النموذج الاقتصادي، تظهر "الشركات الناشئة" كبديل للصحافيين الباحثين عن مزيد من الحرية والابتكار.

غادة حداد نشرت في: 19 أبريل, 2020
الصورة كجواز سفر

حينما تعجز عن الحديث بلغة أهل البلد، تحتمي بالصورة. هذه قصة الفرجي الذي وصل إلى إيطاليا بعدما أمضى عقدا كاملا من العمل الصحفي في المغرب. متنقلا بين منصات إيطالية وأخرى عربية، كان عبد المجيد يقتحم "العالم الصحفي الجديد" بالصورة مستعيضا عن اللغة.

عبد المجيد الفرجي نشرت في: 15 أبريل, 2020