من "ساعة الصفر" إلى "حافة الهاوية" مستقبل الصحافة في التنّوع والتعاون والتعلّم!

من "ساعة الصفر" إلى "حافة الهاوية" مستقبل الصحافة في التنّوع والتعاون والتعلّم!

* المقال الفائز بجائزة أفضل مقال لمجلة الصحافة. 

لم نكن قد أنهينا بعدُ كتابة تصور فيلم وثائقي لصالح قناة "الجزيرة" عام 2010، حتى اضطررنا إلى مواجهة سيل من الانتقادات والشتائم من قبل الجمهور العربي واللبناني بسبب نشرنا صورة ترويجية للفيلم يظهر فيها علما حزب الله و"إسرائيل" يقابلان بعضيهما، على موقع "فيسبوك".

كانت فكرة الفيلم الذي قررنا تسميته "ساعة الصفر"، إجراء "محاكاة" افتراضية لما سيكون عليه شكل أي حرب مقبلة بين الطرفين. 

في العادة، تلجأ قيادات الجيوش الكبيرة إلى إجراء "المحاكاة" لرسم السيناريوهات ووضع الخطط العسكرية، لكن استخدامها في العمل الوثائقي كان أمرًا غير مسبوق.

غالبًا ما يلجأ الصحفيون الذين يتناولون الصراع في الشرق الأوسط إلى التغاضي عن معرفة رأي الطرف الآخر، مما يؤدي إلى نقص حاد في المعلومات وخلل في المعالجة الموضوعية للمنتوج الصحفي. فنجد أن الصحافة الإسرائيلية تبني معطياتها بناءً على ما تسربه المؤسستان العسكرية والأمنية في "تل أبيب"، وهو يخضع بشكل مباشر لمقص الرقابة العسكرية، في حين أن القلّة من الصحفيين العرب الذين يتناولون هذه المسألة؛ يعتمدون في الغالب على انطباعات شخصية، أو تحيّز مسبق يتداخل فيه الانتماء السياسي مع الالتزام العقائدي. ويضاف إلى كل ذلك وعي جماهيري ماسخ يفتقر في الأغلب إلى المنهج العلمي والمهنية.

ومن المعلوم أن موطني لبنان في حالة حرب مع إسرائيل التي تحتل جزءً من أراضيه، حيث شنّت في ثلاثة عقود من الزمن خمس حروب على هذا البلد الصغير. وبالتالي يُمنع على أي لبناني إجراء أي اتصال مع إسرائيلي لأي سبب، وينسحب هذا القانون على العمل الصحفي والإعلامي.

وهكذا وجد فريق العمل نفسه أمام معضلة حقيقية، إذ كيف يمكن إنتاج فيلم بهذه الحساسية دون الوصول إلى المعلومات من مصدرها المباشر. ولا تقتصر هذه المعضلة على إسرائيل، بل إن الطرف الآخر الرئيسي في الفيلم؛ أي حزب الله، لا يتحدث عادة عن تحضيراته وانتشاره العسكري لكونه منظمة سرية تعتمد أسلوبا غير كلاسيكي في القتال.

انطلقنا بداية من التوصيات العلنية التي أعلنت عنها لجنة تحقيق إسرائيلية بقيادة القاضي إلياهو فينوغراد الذي أوكل إليه تقييم نتائج الحرب بين "إسرائيل" وحزب الله عام 2006. 

فالتقرير المعروف باسم "تقرير فينوغراد" تضمّن معلومات هامة حول أبرز الثغرات التي تحتاج المؤسستان العسكرية والسياسية في إسرائيل إلى معالجتها في أي حرب مقبلة. 

اعتمد البحث عن المصادر الأولية أيضا على عشرات الدراسات العسكرية المتخصصة التي أجرتها مراكز دراسات أميركية وإسرائيلية، وهي عادة ما تكون مواد فائقة الأهمية ويجري إهمال أجزاء كبيرة منها في الإعلام العربي عمومًا، وليس هناك تحليل أو فهم دقيق لمنهجيتها وأهميتها.

ثم عمدنا إلى تحديد أسماء شخصيات خبيرة على ارتباط بالجيش الإسرائيلي لإجراء مقابلات معها. 

لم يكن إقناع الضيوف الإسرائيليين بإجراء المقابلات أمرًا سهلا، خاصة أن العملية لم تكن تتم بيننا -كفريق باحثين ومعدّين وكُتّاب سيناريو- وبينهم مباشرة للاعتبارات القانونية، بل كانت تمرّ عبر فريق صحفي موجود في فلسطين. لكن في إنتاج الأعمال الوثائقية، يشكل الرفض بحد ذاته مادة يمكن الاستفادة منها.

يومها، أجاب رئيس الأركان السابق في الجيش الإسرائيلي دان حالوتس على طلبنا إجراء مقابلة برسالة إلكترونية حانقة وقاسية احتفظنا بها كمادة للاستخدام في الفيلم. كان سبب رفضه هو التشكيك في قدرة وسيلة إعلامية عربية على "التوازن" عند الحديث عن موضوع بهذه الحساسية.

وفي الجهة المقابلة، واجهنا رفضًا لطلب إجراء مقابلة مع مسؤول عسكري في حزب الله رغم اقتراحنا عدم إظهار وجهه الحقيقي على الكاميرا. قررنا اللجوء إلى إعداد مقابلة مع ضباط عسكريين في الجيش اللبناني لتعويض هذا الفراغ، خاصة أن الجيش في لبنان على تماس مباشر مع الحروب السابقة، وهو معني بطبيعة الحال بأي حرب مقبلة وبالإجراءات العسكرية من الجهة اللبنانية.

سرعان ما تبين أنّ الطرفين يشتركان في ممارسة الحرب النفسية ومخاطبة جمهوريهما بما يطمئنهما إزاء قدرتهما على هزيمة الخصم الآخر، وبالتالي فهما قد يهتمان بالحديث الإعلامي -رغم عدائهما الشديد وعدم ظهورهما سويا في أعمال إعلامية- إذا ما تم تقديم فكرة الفيلم كما هي، وشرح ضرورة إجراء مقابلة مع جميع الأطراف، وإلا فسيظهر أنهما لا يمتلكان حلولا لسيناريوهات "المحاكاة" العسكرية! 

وافق نعيم قاسم نائب زعيم حزب الله على إجراء مقابلة مطولة بعدما شرحنا أن الإسرائيليين سيدلون بآرائهم حول الموضوع. كما وافق ضابطان لبنانيان رفيعان متقاعدان حديثا على إجراء حوار مفصل بعدما أجرى كل منهما بحثه الخاص. وكذلك وافق ضابط عربي على الأمر نفسه.

في الجهة المقابلة، كان الضيف الإسرائيلي الذي خدم في الاستخبارات العسكرية، يضع كوب قهوة تظهر عليه صورة لزعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله على مكتبه أثناء التصوير. أخبر الضيف الإسرائيلي الصحفي الفلسطيني الذي كلفناه بإجراء المقابلة في إسرائيل، أن هذا الكوب كان هدية من أحد أصدقائه اللبنانيين! 

من بين الضيوف الإسرائيليين الذين وافقوا على إجراء المقابلات، كولونيل سابق في سلاح الجو الإسرائيلي ومدير برنامج معلوماتي عسكري بمعهد الأمن القومي في "تل أبيب"، والمراسل العسكري لإذاعة الجيش الإسرائيلي، ومسؤول أميركي سابق في وكالة الاستخبارات العسكرية.

كان التحدي الثاني الذي واجهناه هو أن كاتب السيناريو لبناني عربي، بما يعني أني سأكون متهمًا بالتحيّز حتى قبل إنتاج الفيلم بشكل نهائي. ولحل هذه المعضلة، قررنا اعتماد الدراسات الإسرائيلية نفسها التي ترسم سيناريوهات الحرب المقبلة كمادة أساسية لعرضها على مختلف الأطراف، وطلبنا منهم التعليق عليها. كما تقصدنا إدخال المنهج العلمي المتبع في الأبحاث العلمية في سيناريو الفيلم. وهكذا بدأ الفيلم بطرح الفرضيات والإشكاليات، ثم انتقل إلى محاولة الإجابة عنها عبر الضيوف المتنوعين. طرح السيناريو النهائي شرحًا لمحاور المعارك البرية، ودور سلاح الجو الإسرائيلي، وقدرات حزب الله الصاروخية، والمنظومات الإسرائيلية الحديثة لمواجهة الصواريخ، فضلا عن الإجراءات التي تم اتخاذها لمعالجة نقاط الضعف التي ظهرت لدى الطرفين في حرب 2006.

حاز الفيلم على تغطية إعلامية ممتازة في مختلف وسائل الإعلام الإقليمية. وسرعان ما تحولت الشتائم على صفحتي على "فيسبوك" قبل عرض الفيلم بثلاثة أشهر إلى سيل من الإشادة، وهذا هو عمل الصحفي على كل حال.

لم يكن مألوفا في الشرق الأوسط إنتاج عمل تلفزيوني حول قضية حساسة كالحرب "المقبلة"، خاصة ضد دولة محط استنكار شعبي شامل.

في العام 2012، بعد أقل من عامين على عرض الفيلم، سُنحت لي الفرصة لتكرار التجربة، ولكن هذه المرة بشكل أضخم وأكبر وأهم. كنت قد تعلمت الكثير من التجربة السابقة، فأنتجت هذه المرة فيلما بإمكانات أضخم تحت عنوان "حافة الهاوية" في جزأين.

لم يكن الأميركيون والإيرانيون قد توصلوا إلى الاتفاق النووي آنذاك، وكان موضوع الفيلم الجديد إمكانية وقوع حرب إقليمية تشترك فيها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا ولبنان.. استطعنا تنفيذ مقابلات أكثر، والحصول على موافقة شخصيات نوعية في الولايات المتحدة وروسيا وإيران وإسرائيل.

في صباح اليوم التالي لعرض الجزء الأول من الفيلم، قال أحد المعلقين الإسرائيليين -وهو من كبار الصحفيين المشهورين- حرفيا عبر برنامج تلفزيوني على القناة الرسمية الأولى في إسرائيل "إن حافة الهاوية عمل موزون".

كانت هذه العبارة رغم صدورها من شخص يعيش في دولة تحتل جزءًا من بلدي ودمرت منزلي في القرية مرارا بفعل قصفها واعتداءاتها المتكررة، بمثابة شهادة على إتقان العمل.

في الشرق الأوسط، ليس سهلا على أي صحفي في العادة مقاربة المواضيع السياسية، أو تلك التي تتعلق بالشأن العام، دون توقع التعرض للنقد أو لمخاطر شخصية.

لقد واجهت تهديدات متنوعة بعد كل فيلم أنتجه.. قد أكتب عن ذلك يوما ما، ولكن الدرس الإعلامي الذي خرجت به من مسيرة 15 عاما في كتابة الأفلام والسيناريوهات والأبحاث، أن التعددية ليست شرطا للتميز فقط في الشرق الأوسط.. التعددية هي السبيل الوحيد للتميز والموضوعية في الصحافة!

لم تنته القصة هنا..

 

التعاون العابر للحدود

التعاون مع صحفيين في عدة بلدان كان أحد أسباب نجاح التجربة في "ساعة الصفر" و"حافة الهاوية".

في الواقع، لقد بات التعاون العابر للحدود ضمن أولوية المقاربات التي تعالج الكثير من الإشكاليات التي أفرزتها التحولات الحاصلة والمستمرة في عالم الإعلام والصحافة.

في الأشهر القليلة الماضية، أطلقت وسائل إعلام دولية مبادرات لتعزيز تعاونها مع الصحفيين المستقلين في بلدانهم. فمثلا، أنشأت صحيفة "واشنطن بوست" منصة تجمع فيها بيانات الصحفيين المهتمين بالتعاون معها في كافة أنحاء العالم، حيث يتواصل محررون في الصحيفة مع صحفيين من هذه المنصة وفقًا للمواضيع المطلوب تغطيتها. 

كذلك الحال بالنسبة لقنوات تلفزيونية بريطانية وفرنسية وألمانية، حيث اتّبعت الآلية نفسها لإنتاج موادها بالاعتماد على صحفيين من خارج دائرة التوظيف الدائم. "تقنين" هذا النموذج في التعاون وتثبيت آلياته يوفر حلولا عملية عديدة؛ أهمها:

وبما أنني أرفض الوظيفة عمومًا، وأفضّل العمل بشكل حر لكون ذلك يتيح لي الكثير من الفرص للتطور في أكثر من بُعد في آن واحد، فإنّ الانخراط في مبادرات تحاكي قناعاتي إزاء مستقبل الصحافة صار أولوية في نشاطي خلال السنوات الثلاث الماضية.

لكن هذ ا الطموح اصطدم بواقع الاستقطاب السياسي الحاد الذي انسحب على الإعلام العربي، وطغى على المعايير المهنية مانعًا قيام منظمات جامعة للإعلاميين والصحفيين العرب، بغض النظر عن أماكن عملهم. وهكذا صار لزامًا البحثُ خارج المنطقة العربية.

تبيّن أنّ واقع الصحافة عالميًّا ليس بالسلبية السائدة في العالم العربي، فعمليات البحث والتطوير والمبادرات في أوروبا عمومًا، وألمانيا وبريطانيا تحديدًا، كما في الأميركيتين، تؤكد أن المشكلة الرئيسية في عالم الإعلام غير المستقر في طبيعته وجوهره؛ تكمن في عدم مواكبة البعض للتطور، وقصور الذهنيات الإدارية التقليدية في فهم واختبار آليات جديدة للنجاح في كسب أذواق الجمهور والاستثمار في سلوكه.

وقد انطلقت أبحاث أكاديمية في جامعات أوروبية بالاستناد إلى تجارب عملية تحاول تطوير نماذج أعمال مبتكرة بهدف تجاوز الأزمات التي تواجهها الصحافة في العالم.

 

أحد هذه النماذج ما بات يُعرف باسم "الصحافة العابرة للحدود"، غير أن أسباب التركيز على هذا النموذج لم يكن الموضوع المادي فقط، بل تبيّن أنه يضمن تعددية وتنوعًا أكبر في المواد الإعلامية كنتيجة طبيعية لتعاون المحترفين من عدة خلفيات وانتماءات، وبالتالي فهو يحاكي أكثر أذواق الجمهور الذي بات يبحث عن معالجة أوسع للقضايا العالمية، كما المحلية.

إحدى المنصات الرائدة عالميًّا في مجال الصحافة العابرة للحدود هي "هوست رايتر" (Hostwriter) التي تتخذ من برلين مقرا لها، لكنها باتت تنتشر في أكثر من 145 دولة في العالم. 

راسلتُ هذه المنظمة، وسرعان ما أثمر التواصل معهم عن تعييني سفيرًا لها في المشرق العربي.

في سبتمر/أيلول 2018، التقى سفراء المنظمة في العاصمة البولندية وارسو لصياغة برنامج عمل للمرحلة المقبلة، وبلورة عملنا كمنظمة صحفية عابرة للحدود الجغرافية والعرقية واللغوية. 

وعلى مدى أسبوع كامل، انصبّ اهتمام 30 سفيرًا على بحث أبرز معوقات العمل الصحفي والحلول الممكنة، مع الاتفاق على الآليات اللازمة لمتابعة المهام مع عودتنا جميعا إلى بلادنا.

خلال أشهر قليلة، باتت منظمتنا تضمّ أكثر من أربعة آلاف صحفي، واستطعنا إنشاء شبكة علاقات مع كبرى وسائل الإعلام في العالم. وفي العام الأول بعد اجتماعنا في بولندا، استطعنا تطوير منصة رقمية تُنشر فيها على مدار الساعة الفرص والورش والزمالات والمنح والوظائف والمشاريع التي تهم الأعضاء في كافة أنحاء العالم.

استغرق تطوير المنصة أشهرًا قليلة، حتى باتت مرجعًا أيضًا لمن يبحث عن صحفيين مختصّين في مجالات محددة في معظم دول العالم.

في النصف الثاني من العام 2019، بدأنا العمل على إصدار كتاب فريد في فكرته، ساهم في تأليفه عشرات الصحفيين بالاستناد إلى تجاربهم، تحت عنوان "الحيادية في الأخبار.. لماذا التنوع هام للصحافة؟".
ضمّ الكتاب تجارب وخبرات في التغطية الصحفية للذكاء الصناعي، والحروب، والبيئة، والعنصرية، والفساد، والهجرة غير الشرعية، وغيرها من العناوين البارزة، فضلا عن تقديمٍ لرسالتنا في المنظمة ولنظرية "الصحافة التشاركية العابرة للحدود"، مما أدى إلى اهتمام إعلامي دولي بالكتاب، فصنّفه مدير معهد "رويترز" لدراسة الصحافة الأستاذ الجامعي في "أوكسفورد" راسموس نيلسون ضمن قائمة أفضل 100 كتاب مؤثر حول الصحافة في العالم. كما تحدّثت أبرز المنظمات والمؤسسات الصحفية والإعلامية عن الإصدار.

في الوقت نفسه، تابعنا تنظيم مسابقة أفضل عمل صحفي تعاوني عابر للحدود على مدار العام.

اليوم، تُعتبر منظمتنا واحدة من أبرز المنظمات التي تسهّل "التشبيك" في الوسط الصحفي عالميًّا، وتُعزز التعاون العابر للحدود بهدف "استنساخ" وتكرار تجربة "أوراق باناما" وغيرها من التجارب الرائدة.

 

الصحفي الصديق للذكاء الصناعي

استندت "أوراق باناما" ومثيلاتها من تجارب صحفية حديثة إلى إتقان الصحفيين المشاركين في المشروع العملَ على جمع البيانات واستخراجها وتحليلها وربطها.

أفقٌ آخر يستوجب منا -كصحفيين مواكبين لكل جديد- الاهتمام والتعلّم.

قد تكون مهنة الصحافة من أكثر المهن جلبًا للتوتر والقلق والمشاكل، ولكنها أيضًا من أهم المهن منحًا للمتعة والمكافأة المعنوية والحرية في الابتكار إذا ما خرجنا قليلا من الإطار الجغرافي الضيّق لعملنا، خاصة مع التحول الحاصل في نظرية الرسالة والمُرسِل والمرسَل إليه نتيجة صعود شبكات التواصل والتطوّر التقني.

تُشير بعض الإحصائيات إلى أن أكثر من 30% من العاملين في مهنة الصحافة حول العالم، سيعملون بشكل حر بحلول نهاية العام الجاري.

المقلق في هذا التطور هو عدم استعداد ومواكبة الكثيرين في العالم العربي لهذا التحول، خاصة أولئك الذين يعملون في غرف الأخبار، حيث يصعب عليهم عادة الاطلاع على تجارب جديدة بسبب طبيعة المهنة التي تستنزفهم في الوقت والجهد.

وبينما يعتقد البعض أنّ التمويل السياسي قادر على الاستمرار في ضخ المال عبر الآليات التقليدية لدعم الإعلام، بات الممولون أنفسهم مقتنعين بضرورة الانتقال إلى الاستثمار في نماذج اقتصادية جديدة تقوم على المرونة وتقليص النفقات الثابتة لصالح زيادة الإنتاج النوعي.

هذه إشكالية أخرى يواجهها الصحفيون، خاصة الجيل التقليدي منهم الذي لم يتسنّ له مواكبة الأدوات والتقنيات الحديثة بسبب انغماسه في وتيرة العمل اليومي.

ولكن مع كل مشكلة توجد فرصة حلّ!

قبل ثلاثة أعوام، طورت شركة "يونايتد روبوتس" السويدية روبوتًا صحفيًّا كتب حتى الساعة مليون مقال. إذا ما حاولت صحيفة "نيويورك تايمز" بكامل طاقتها إنتاج العدد نفسه من المقالات فإنها ستحتاج إلى 11 عاما من العمل!

حاليًّا يمكن اختصار مجالات الاستفادة من الذكاء الصناعي في غرف الأخبار بالعناوين التالية:

 

هذه الأنماط من دمج الذكاء الصناعي وتطبيقاته في الصحافة تُعَدّ حاجة ضرورية ستفرض إيقاعها على العمل الصحفي في العالم العربي في المستقبل القريب.

لذا قررتُ خوض هذا المجال، بالتوازي مع نشاطي مع "هوست رايتر".

تُعدّ "رابطة الأخبار الرقمية" الأميركية -ومقرها واشنطن- أكبر منظمة دولية غير حكومية تُعنى بتطوير الصحافة الرقمية في العالم بأسره، فهي تعمل منذ التسعينيات على دعم الابتكار في القطاع الإعلامي عمومًا، عبر توفير مساحة لالتقاء الصحفيين والكتّاب والمدراء التنفيذيين مع التقنيين والأكاديميين والطلاب والمستثمرين في المجالات الإعلامية.

في مطلع العام 2019، تواصلتُ مع الرابطة مبديًا اهتمامي بنقل تجربتها إلى بلدي. وعلى الرغم من أنها تموّل عادة النشاطات في الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، فإنها رحّبت بفكرة التوسع نحو بلدان خارج القارة الأميركية.

وهكذا صرتُ المسؤول عن المجتمع المحلي الخاص بالرابطة في أول بلد عربي.

وبما أنّ التكنولوجيا بكافة أشكالها محلُّ استهداف بالنسبة إلينا في الرابطة، فإننا لا نرحب فقط بالصحفيين في نشاطاتنا، وإنما يشمل اهتمامنا كلا من الخبراء التقنيين والمطوّرين وأصحاب الابتكار في أي مجال يمكن استخدامه في الصحافة والإعلام. 

وفي سعينا للتحضير لنشاطات الرابطة ولقاءاتها وورشها التي ندعو إليها عادة عبر مجموعة خاصة على تطبيق "ميت آب" (Meetup)، نجد أنفسنا في كل مرة أمام "بنك" واسع من المعلومات والأفكار والأدوات التي توفرها لي قاعدة بيانات "رابطة الأخبار الرقمية" في واشنطن، علمًا بأن الرابطة تتيح مشاركة المتعاونين معها أسبوعيا في تدريبات عن بُعد حول كيفية تنفيذ أفضل الورش واللقاءات لمساعدة الصحفيين المحليين ونقل المعرفة والخبرات إليهم.

لم أحلُم يومًا بأن أصبح صحفيًّا، ولا يزال التخصص في الفيزياء هو حلمي الأول، ولكني أستطيع القول -بلا أدنى شعور بندم أو حسرة- إنّ ما أتاحته وتتيحه لي مهنة الصحافة يجعلني أعيشها بفائض من السعادة، يتجاوز بخطوات شاسعة مزاعمَ ذلك الشخص الذي أطلق -سامحه الله- على هذه المهنة يومًا ما.. وصفَ "مهنة المتاعب".

 

 

More Articles

Common Mistakes Made by Television Correspondents

Television correspondents earn trust not by being first or omniscient, but by reporting what they can verify, using images responsibly, resisting performance and speculation, and putting accuracy before speed.

Linda Shalash
Linda Shalash Published on: 1 Oct, 2026
Priorities for Media Recovery in Gaza

Rebuilding Gaza’s media requires more than restoring equipment and newsrooms: it means protecting and supporting journalists, rebuilding institutions, strengthening professional standards, and preserving journalism’s role as a living witness to the truth.

Sufian al-Shorbagy Published on: 30 Sep, 2026
Will We Write A Falsified History In The Future?

The digital transition of journalism has exposed a growing archive reliability gap, where online news documents are often subject to fake news, content manipulation, and a lack of verification mechanisms, challenging their role as official historical records.

Said El Hajji
Said El Hajji Published on: 24 Sep, 2026
Editorial Workflow in Television Journalism: From Oversight to Quality

Quality television journalism relies on cohesive teamwork rather than individual multitasking. A functional hierarchy is key, restoring the "gatekeeper" role by verifying facts and shielding the public from fake news and propaganda, especially in complex, high-tension environments.

Ali Najeeb Published on: 20 Sep, 2026
Nepal’s Deadly Floods Expose a Newsroom Safety Gap

Nepal’s deadly floods exposed a wider South Asian newsroom safety gap, where many journalists are often sent into dangerous assignments without formal risk assessments, adequate training, protective equipment, evacuation plans or mental-health support.

Hanan Zaffa
Hanan Zaffar Published on: 10 Sep, 2026
The migrant issue in Libya: did the media pass the test of professionalism?

Libya’s migration debate has become a test of whether the media can report legitimate public concerns without laundering rumours, fuelling hate, or turning vulnerable migrants into scapegoats.

Imad al-Madouli Published on: 2 Sep, 2026
The economics of truth: How Lack of Funding is Compromising Quality Journalism in Africa

Reporting and newsgathering cost money; they require time, patience and experienced personnel. However, globally limited funding is leading to a generally compromised journalism output.

Derick Matsengarwodzi
Derick Matsengarwodzi Published on: 30 Aug, 2026
We survived… and stayed alive!

A Palestinian journalist and mother recounts surviving Gaza’s genocide, where the press vest became a target, motherhood became terror, and staying alive did not feel like salvation.

Yumna al-Sayyid Published on: 19 Aug, 2026
A Continuing Crisis, an Intermittent Story: What Makes Famine Newsworthy?

An analysis of 180 articles from the BBC, The Guardian, The New York Times and CNN found that coverage of hunger in Gaza frequently linked the crisis to political decisions and identified responsibility rather than treating it only as a humanitarian emergency. Tracking the same outlets through early August 2026 also shows that this coverage came in sharp waves, with periods of intense reporting separated by months of limited attention even as severe food insecurity persisted.

Djamil Kerrouche Published on: 16 Aug, 2026
Who Decides the News? Inside India's Algorithm-Driven Newsrooms 

Editors once decided which stories mattered based on evidence, public interest and ethics. Today, recommendation algorithms and engagement metrics increasingly shape editorial decisions, prioritising what keeps audiences scrolling.

Seerat-Un-Nisa Published on: 11 Aug, 2026
As in Rwanda: Can the Israeli Press Be Prosecuted for Participation in Genocide?

Israeli media incitement has helped frame Palestinian journalists as security threats, weakening their legal and professional protection and legitimising attacks against them. Legal accountability is possible through the ICC, universal jurisdiction, and professional pressure against journalists and outlets that incite violence.

Nasser Adnan Thabet Published on: 8 Aug, 2026
A Soldier with the Rank of Correspondent in the Israeli Army

Israeli military journalism developed through a deep fusion of media, censorship, and the army, turning correspondents into carriers of the official security narrative. This embedded model later influenced Western war reporting, where access to the battlefield often came at the cost of independence and critical distance.

Sujood Awais Published on: 4 Aug, 2026
The Phenomenon of “News Avoidance”: Have We Come to Know More Than We Should?

Audiences are increasingly avoiding the news as the constant flow of crises, violence, and tragic human stories creates psychological exhaustion and anxiety. Media outlets need to respond with more responsible editorial choices, stronger media literacy, and coverage that balances urgent events with constructive, humane, and less harmful storytelling.

Wessam Kamal Published on: 17 Jul, 2026
From Srulik to Handala: Caricature as a Media Symbol

From the pro-occupation Israeli character 'Srulik' to the resilient and satirical Palestinian 'Handala', caricature emerges as another battleground for memory and the future. How did these characters come to be, what is their media symbolism, and why does caricature remain so influential?

Sujood Awais Published on: 14 Jul, 2026
“Sometimes You Work for Years Without Pay” – Cameroonian Journalists Demand Safety Nets

While many journalists demonstrate admirable resilience in producing quality journalism under precarious conditions, resilience should not be the only safety net. Journalism deserves protection, because democracy depends on it.

Akem
Akem Nkwain Published on: 11 Jul, 2026
When Modi’s Managed Media Met Europe’s Press

A brief, viral exchange in Oslo between Prime Minister Narendra Modi and a Norwegian journalist has exposed the widening gap between India's tightly controlled media environment and traditional adversarial press culture. Over the past decade, open, unscripted scrutiny has increasingly been replaced by carefully managed public relations, image-driven interviews, and direct digital reach. This systemic shift has reshaped the broader landscape of Indian news media, creating a culture of forced deference that prioritises political showmanship over holding power accountable.

Arsalan Bukhari, an independent journalist based in India
Arsalan Bukhari, Mehrunnisa Maryam Published on: 5 Jul, 2026
How Sources Shaped the Story of Gaza’s Aid-Site Killings

In conflict reporting, the question is rarely only about what happened. It is also who gets to explain what happened. The findings here suggest that the answer to that question often shapes the story that audiences ultimately receive.

Djamil Kerrouche Published on: 1 Jul, 2026
The Stringers Behind India’s Breaking News: No Contracts, Credit or Safety

Thousands of rural Indian freelance reporters, called "stringers," face low pay, police harassment, and total abandonment by the big TV networks that rely on them. These local journalists risk their lives to film breaking news like riots and rallies, but they work without contracts, insurance, or legal help when they get into trouble. This unfair system forces poor, small-town reporters to take on all the danger alone just to keep the national 24-hour news channels running.

Hanan Zaffa
Hanan Zaffar, Majid Alam Published on: 27 Jun, 2026
Why Have Print Newspapers Disappeared in Gaza?

The genocidal war has systematically devastated the media sector in the Gaza Strip. With the occupation destroying over 150 media organizations, printing presses have completely shut down, forcing all newspapers to shift entirely to digital coverage.

Mohamed Abu Shahma Published on: 24 Jun, 2026
Mohamed al-Khalidi and Marwa Muslim: Forgotten in Life, Vindicated in Death

The occupation killed journalists Mohamed al-Khalidi and Marwa Muslim as part of a systematic pattern of targeting the press, but throughout their careers they also faced neglect, marginalisation, and a lack of recognition. Colleague Maysoun Kahil tells their story, and asks why Palestinian journalists are so often honoured only after death, rather than supported in life.

Maysoun Kahil Published on: 17 Jun, 2026
The Double Ordeal of Freelance Journalists in Gaza

Independent journalists in Gaza face a dangerous double battle. Working without institutional protection or financial safety nets, they risk their lives to report the reality of war, overcoming severe resource shortages and systemic neglect to ensure the world hears the truth.

Noor Abu Rokba Published on: 14 Jun, 2026
The Left and the Right in One Front Against Journalism in South America

Journalism in Latin America is facing a crisis of hostility. In the age of political polarization, governments from both the left and the right are not merely managing states; they are actively harassing critical voices, imposing institutional censorship, and enforcing official narratives that attack independent media to silence disagreement and fake democracy across the region.

Noe Zavaleta
Noe Zavaleta Published on: 8 Jun, 2026
How Journalists are Combating Cybertroopers 

The brutal state crackdown in Đồng Tâm highlights a intensifying withdrawal from free expression in Vietnam, heavily driven by the regime's deployment of state-backed cyberarmies like Force 47. As these digital actors systematically intimidate and mass-report critics, tech giants like Meta further compound the issue by increasingly acquiescing to government censorship requests to protect market share. This coordinated digital assault leaves a dangerous gap in the global conversation, forcing independent journalists to navigate severe online hostility and risk arbitrary imprisonment just to expose state overreach.

AJR Contributor Published on: 25 May, 2026
Vases and Baby Diapers: War as Told by People, Not Politicians!

The analysis of field reporting during the war reveals a deep divide between distant geopolitical news and the actual human reality on the ground. This conflict between official media assignments and the lived experience will continue as journalists find themselves abandoning institutional scripts to focus instead on the raw details of daily survival and the preservation of personal memory.

Maram
Maram Humaid Published on: 21 May, 2026