ونستون تشرشل.. من غرف الأخبار إلى دهاليز السياسة

ونستون تشرشل.. من غرف الأخبار إلى دهاليز السياسة

يتحدث كتاب "حياة في الأخبار A Life in the News" عن السياسي البريطاني الأشهر ونستون تشرشل (نوفمبر/تشرين الثاني 1874 - يناير/كانون الثاني 1965)، متابعا رحلته في دروب الحياة الوعرة، منذ أن كان مراسلا حربيا مندفعا، إلى أن أصبح رئيسا لوزراء بريطانيا في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

الكتاب من تأليف ريتشارد توي، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة أكستر البريطانية، وصاحب عدد من الكتب الأخرى عن شخصية تشرشل الصحفي والسياسي المثير للجدل.

قصة تشرشل الموزعة بين الإعلام والسياسة هي حكاية طويلة من القلق والسباق مع الزمن للحاق بمواعيد المؤتمرات الصحفية، وأجواء المقابلات العاصفة مع الصحفيين، وخاصة في فترة الحرب العالمية الثانية. ووفق الكاتب فإن تشرشل بدأ الكتابة للصحافة قبل عام 1900، وقبل أن ينحت لنفسه اسما في عوالم السياسة. كان رمزا في عالم صناعة الأخبار، فساهمت الصحافة في صناعة السياسي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس فيما بعد.

وإن كانت جهوده الذاتية هي ما جعلت منه بطلا، فإن الصحافة هي التي جعلت من تشرشل شخصية مشهورة. فالصحافة كانت محطة هامة في تشكيل شخصيته السياسية، والأموال التي اكتسبها من العمل الصحفي دعمته في تحوله إلى عوالم السياسة. ويسعى الكاتب في فصول الكتاب إلى الكشف عن محطات وملامح هذا الترابط العجيب بين الحياة السياسية لتشرشل، وبين مشواره في عوالم الصحافة والإعلام. ولا ينسى أن يتطرق إلى المقارنة بين ثقافة صناعة الأخبار في عهد تشرشل، والتحولات الهائلة التي يشهدها عالم الإعلام اليوم.

 

ميلاد على الصفحة الأولى من "ذا تايمز"
 

يبدأ المؤلف الفصل الأول من كتابه بتسليط الضوء على لحظة ميلاد تشرشل التي تميزت كثيرا عن ميلاد نظرائه من الأطفال البريطانيين في ذلك الزمان، فقد ظهر خبر مولد الطفل الذي قدم إلى الحياة في 30 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1874 على الصفحة الأولى من صحيفة "ذا تايمز" البريطانية العريقة، ليس كخبر من أخبارها، وإنما كإعلان مدفوع في صفحة المواليد.

وكانت الصفحة الأولى من الصحيفة البريطانية الأشهر تخصص بكاملها لما يعرف باسم "الإعلانات المبوبة" الخاصة بأخبار الزواج، والمواليد، والوفيات، والحفلات والخدمات المختلفة، بل والرسائل السرية المشفرة على شاكلة: " إلى شجرة الجوافة.. ستجدينني في العنوان المعروف".

وظلت "ذا تايمز" ملتزمة في صفحتها الأولى بتلك السياسة التحريرية التي تهب الصفحة الأولى للإعلانات المدفوعة، وليس الأخبار، وللمفارقة كان الاستثناء الوحيد في تلك الصفحة هو خبر وفاة تشرشل الذي تربع على الصفحة الأولى عام 1965، قبل أن تتخلى الصفحة عن السياسة التحريرية بالنسبة للصفحة الأولى ابتداء من عام 1966.

 

 

بين البندقية والقلم
 

يسلط الكاتب الضوء في الفصل الأول على نشأة تشرشل ودراساته التي بدأت في عدد من المدارس المرموقة وصولا إلى كلية "ساندهيرست" العسكرية العريقة، والتي كان يرتادها أبناء الأسر الأرستقراطية من أمثاله. ويقف بنا الكتاب عند رغبة تشرشل في احتراف الكتابة، رغم توجهه نحو الدراسة العسكرية، وقد أتيحت له أتاحت له فرصة تحقيق رغبته أثناء التحاقه بالجيش البريطاني، الأمر الذي لم يكن يتعارض مع القوانين السائدة حينها.

ويتقفى الكاتب بدايات مشوار تشرشل في تغطية الحروب والمعارك، حيث سافر عقب تخرجه من ساندهيرست عندما كان في العشرين من عمره إلى كوبا لتغطية معارك الجيش الإسباني مع الثوار الكوبيين عام 1895. ويشير، أيضا، إلى سفره إلى الهند بعد العودة من كوبا عام 1896، وهذه المرة مع الكتيبة العسكرية التي التحق بها بعد تخرجه. وكان يعمل على تغطية أخبار معارك وتحركات الجيش البريطاني في شبه القارة الهندية لصالح صحيفتي " تلغراف" البريطانية و"بايونير" الهندية.

 

 

مهمة في وادي النيل
 

ويذهب المؤلف مع تشرشل بعد عودته من الهند في رحلة ستنقله إلى مغامرة أخرى وهذه المرة في قارة أفريقيا، مرافقا الجيش البريطاني في مهمة عسكرية في السودان عام 1898.

جاء تشرشل إلى السودان عام 1898 ضمن حملة القائد البريطاني الجنرال هربرت كتشنر الذي كان وقتها سردار( قائد) الجيش المصري، وكان هدف الحملة القضاء على الثورة والدولة المهدية التي ألحقت الهزائم بالجيش البريطاني قبل 13 عاما.

واجهت تشرشل في البداية صعوبات كادت أن تحرمه من رحلة السودان، أبرزها أن قائد الحملة الجنرال كتشنر كان يرفض مرافقة المراسلين الحربيين لقواته، لكن تشرشل تمكن بعلاقاته الواسعة من إقناعه.

 

 

أسلوب جديد في السرد
 

يقول المؤلف إن تشرشل فكر في اجتراح أسلوبٍ جديد في كتابة تقاريره من السودان مغايرٍ لما كان سائدا في الصحافة البريطانية في ذلك الوقت. لقد سعى في البداية لأن تنشر مقالاته دون توقيع باعتبارها رسائل أرسلت إلى صديق، ليقوم هذا الصديق بنشرها دون علم الكاتب.

 ويشرح تشرشل في رسالة لصديقه الصحفي أوليفر بورثويك المبررات التي دعته لانتهاج ذلك الأسلوب بقوله: "هذا أسلوب أدبي، سيخلق شيئا من الاهتمام والمتعة، سأواصل فيه لمدة، وبعدها سأعاتب الصديق الذي نشر الرسائل بشدة، وسأرتب مع والدتي لتكشف السر تدريجيا عبر الحديث عنه في صحف أخرى".

بيد أن الرسائل التي كتبها تشرشل من السودان لم تنشر وفق ما تمناه، إذ عمدت إدارة التحرير في صحيفة "مورنينغ بوست" إلى تحريرها ونشرها كتقارير صحفية.

وحسب مؤلف الكتاب فإن ذلك لم يرق للمراسل الحربي الطموح الذي كان يطمح إلى الإتيان بأسلوب صحفي جديد يختلف عما كان سائدا في أيامه، وقد عبر عن عدم رضاه عما جرى في عدد من الرسائل إلى والدته وإلى أصدقائه.

 

 

أشجع من مشى على الأرض
 

كتب تشرشل تقارير عديدة عن الحملة، وخاصة معركة أم درمان الشهيرة، "كرري" التي وقعت في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 1898، وهي المعركة التي قال عنها إن المقاتلين السودانيين واجهوا فيها الجيش الغازي ببسالة، بيد أن الغلبة فيها كانت للقوة النارية الحديثة.

وكتب تشرشل واصفا المعركة: "لو كانت مقومات النصر في ذلك اليوم في معركة كرري ترتكز على الشجاعة والإقدام والثبات والإيمان بالمبدأ والتضحية والفداء، لكانوا هم المنتصرين … ولكن لحسن حظنا، لم يكن النصر في ذلك اليوم الرهيب لهذه المقومات بل كان لمن يمتلك السلاح الأقوى ومدفع المكسيم، أي نحن. لذا فنحن لم نقهرهم في كرري، ولكننا دمرناهم بقوة الحديد والنار.. إنهم أشجع من مشى على وجه الأرض".

 

 

الدخول إلى نادي السياسة من بوابة الأسر
 

عاد تشرشل إلى بريطانيا في ربيع عام 1899 بعد تغطيته لحملة غزو السودان، بيد أنه لم يضع عصا الترحال، فبعد أيام قلائل سيذهب لتغطية حرب أخرى من حروب الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، وستقوده هذه المرة إلى جنوب أفريقيا.

وقبل سفره إلى جنوب أفريقيا لتغطية ما عرف باسم حرب البوير الثانية التي دارت رحاها بين الإمبراطورية البريطانية وبين جمهورية البوير، سنحت الفرصة لتشرشل أن يستكشف عالم السياسة الذي سيلج إلى دهاليزه في وقت لاحق. ففي صيف عام ذلك العام، دعي للمنافسة في انتخابات فرعية في منطقة "أولدهام". ورغم أن الحظ لم يحالفه للفوز بمقعد البرلمان، إلى أنه استطاع أن يقدم نفسه إلى النادي السياسي، حيث أشادت صحيفة "ذا ميل" بأفكاره السياسية وبالطريقة التي عرضها بها.

سافر تشرشل إلى جنوب أفريقيا في أكتوبر/تشرين الأول 1899 مع مجموعة من الصحفيين، بإيفاد من صحيفته "مورنينغ بوست". وقد وصف في مقالاته الأولى رحلته إلى جبهة القتال، التي لم يمكث فيها كثيرا، حيث تعرض للاعتقال مع مجموعة من الجنود البريطانيين على أيدي البوير.

وقد نشرت صحيفة "ناتال ديلي" الجنوب أفريقية بعد سنوات من تلك الحرب مقابلة مع فرانز شانغوين الذي كان ضمن المجموعة التي اعتقلت تشرشل، وقد وصف لحظات الاعتقال واحتجاج تشرشل بأنه مراسل صحفي، وبالتالي فإن القوانين تحرم اعتقاله، وكيف أنه رد عليه بأن المراسلين الحربين من أمثاله هم من يتسببون في الحروب.

 

 

عندما يصبح ناقل الأخبار خبرا
 

حول ذلك الاعتقال تشرشل إلى قصة إخبارية بعد أن كان هو من يروي الأخبار وينقل فظاعات الحرب، فبفضل التلغراف الذي كان ثورة في مجال الاتصال آنذاك، وصلت حكاية اعتقال تشرشل إلى العديد من الصحف البريطانية التي نشرتها يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1899، والتي وصفت الرجل بأنه بطل من أبطال بريطانيا لأنه ساهم مع الجيش في وقف تقدم البوير.

ويبدو أن اتساع دائرة الحديث عن بطولات تشرشل لم يكن في صالحه، خاصة مع انتشار شائعات تقول إنه عندما أسر كان يحمل مسدسا، وهو ما حدا بآسريه أن يعتبروه أسير حرب، وليس صحفيا، رغم أنهم سمحوا له بإرسال تقارير عن الأحداث، كما سمحوا لمندوب من وكالة رويترز بإجراء مقابلة صحفية معه.

ويورد المؤلف أن تشرشل لم يمكث كثيرا في الأسر، فقد تمكن بعد أيام قلائل من الهروب، ووصل بفضل مساعدة بعض المتعاطفين مع البريطانيين إلى إحدى المستعمرات البرتغالية ومنها إلى مستعمرة بريطانية.

ويرى مؤلف الكتاب أن الذي جرى لتشرشل في جنوب أفريقيا ساهم بشكل كبير في أن يجعل منه أحد نجوم الصحافة البارزين، وسيساهم فيما بعد في أن يعطيه مكانا بارزا في النادي السياسي البريطاني.

وبعد عودته من رحلة جنوب أفريقيا دشن تشرشل مشواره السياسي الذي وصل فيه إلى الجلوس على سدة "دواننغ ستريت" مقر الحكومة البريطانية، حيث جرى انتخابه عضوا في البرلمان عن دائرة "أولدهام".

ويعتقد تشرشل أن الصحافة وفرت له السلم الذي أوصله إلى قمة المجد السياسي رئيسا لوزراء بريطانيا.

 

More Articles

Can you spot the fake news? Steering clear of conspiracies in science journalism

The world is full of fake news, nowhere more so than when it comes to scientific issues, so science journalists must develop a keen sense of scepticism. We look at why it’s so important to keep a clear head and search out the facts.

Ali
Ali Shehab Published on: 12 Jan, 2022
How to do science journalism - and do it right

THE LONG READ: With a new variant of COVID-19 sweeping the world, putting healthcare systems under strain, good science journalism has never been more important. This is our guide to how to report responsibly, accurately and ethically on scientific issues.

Ali
Ali Shehab Published on: 9 Jan, 2022
‘Kill the rented journalists’ - the reality of life for local journalists and fixers left behind in Afghanistan

THE LONG READ: The recent takeover of Afghanistan by the Taliban shines a light on the often exploitative relationship between Western foreign correspondents and the Afghan ‘fixers’ they leave behind.

Sayed Jalal
Sayed Jalal Shajjan Published on: 4 Jan, 2022
Investigative journalism in the digital age

Data-driven journalism is an increasingly integral part of investigative reporting. We look at the ways to put it to best use. 

Malak Khalil Published on: 21 Dec, 2021
How to avoid stirring up hate through your reporting

In part two of our series on how the media can propagate hate speech, we look at ways that journalists can ensure their work is balanced and objective, to avoid this.

Muhammad Khamaiseh Published on: 16 Dec, 2021
The problem with hate speech: How the media has fuelled its rise

Across the world, media organisations are guilty of misrepresenting the stories of refugees and other vulnerable minorities, stirring up panic and outrage within their respective countries. We look at some examples.

Muhammad Khamaiseh Published on: 9 Dec, 2021
Why language matters when we report refugee stories

As tragedy strikes in the English Channel and the refugee crisis mounts at the Polish border, we examine why it is so important to use the correct language when covering refugee stories. Part two of our series.

Kareem
Kareem Shaheen Published on: 25 Nov, 2021
How to cover refugee stories ethically 

As Poland grapples with a migrant and refugee crisis at its borders, we examine best practice for journalists covering refugee stories. Part one of our series.

Kareem
Kareem Shaheen Published on: 23 Nov, 2021
Verifying video - how to spot the fakes

It's often seemingly impossible to tell what's fake and what's not on social media. We look at the tools journalists can use to verify video sourced online. How can you spot fake videos from hate groups to terrorist organisations on social media? Is it even possible? What tools can you use to verify the authenticity of these videos?

Mahmoud
Mahmoud Ghazayel Published on: 15 Nov, 2021
Is slow journalism the cure for fast-food thinking?

ANALYSIS: Journalists require time and space to provide the depth readers need to make sense of an endless stream of instant news.

Muhammad Khamaiseh Published on: 10 Nov, 2021
Digital Sherlocks: Open-source investigation and news verification during wartime

THE LONG READ: From proving the existence of a seven-year-old girl in Syria to fact-checking locations of aerial bombings, how do you verify ‘open-source’ information in a war zone?

Christiaan Triebert
Christiaan Triebert Published on: 1 Nov, 2021
Coronavirus conversations - revealing a world of difference 

Who or what are driving news and discussions about COVID-19 on social media? It all depends on where you are in the world.

Randy Covington
Randy Covington Published on: 7 Oct, 2021
How to use social media for newsgathering

Social media platforms are too easily dismissed as ‘not serious’ when it comes to newsgathering. But you can use them as you would the news wires - here’s how.

Majd
Majd Khalifeh Published on: 28 Sep, 2021
Leaks - a badly behaved guest in the newsroom

The recent 'Facebook Files' - revelations about the inner workings of the tech giant published by the Wall Street Journal - were based on leaked internal information. But while leaks can be a valuable source of information for journalists, they can also be used to manipulate them.

A picture of the author, Ayuob Errimi.
Ayoub Errimi Published on: 21 Sep, 2021
Have you been hacked? - What Pegasus spyware revelations mean for journalists

How to protect yourself following the news that sophisticated spyware has been used to hack the smartphones of journalists, activists and politicians around the world.

Mei Shigenobu
Mei Shigenobu Published on: 19 Sep, 2021
Protecting Newsgathering through the Sustainable Use of Social Media

All journalists old enough to have worked in a pre-social media world, will have had that moment.

Sam Dubberley Published on: 16 Aug, 2021
War Stories on Social Media: Audience Engagement and Ethical Hiring Practices

The horrific scenes became more accessible than ever before.

Sakhr2
Sakhr Al-Makhadhi Published on: 23 Jun, 2021
Antixenophobic media: An impossible goal?

Current media coverage in Jordan and Lebanon tend to demonize refugees and migrants. How can newsrooms prevent this sort of generalization and demonization?

A picture of the author, Muhammad Shamma
Muhammad Shamma Published on: 2 Jun, 2021
How to bring more balance to western media coverage of Israel and Palestine

How can journalists accurately cover Palestine without becoming unbalanced or biased? Here are some concrete tools and techniques for reporters to keep in mind.

A picture of the author, Megan O'Toole
Megan O'Toole Published on: 17 May, 2021
Arab Investigative Journalism: Good Intentions Are Not Enough

What should young journalists in the Middle East know about investigative journalism before they jump into the field? Veteran reporter Yasser al-Zayyat clarifies misconceptions and gives advice in his latest piece.

A picture of the author, Yasser.
Yasser al-Zayyat Published on: 12 Apr, 2021
Beyond objectivity: The rise of reformist news

The core mission of the news industry is telling viewers the day's events. But another core mission of journalism is to make the world a better place, which means going beyond the facts to change what’s wrong and defend what’s right. Those two missions are in conflict today.

A picture of the author, Mark Lee Hunter.
Mark Lee Hunter Published on: 23 Mar, 2021