التضليل.. إستراتيجية الحكومات البديلة

خلال العقد الأخير، وتحديداً مع بداية اعتماد البشر على مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة للاتصال والاطلاع على الأخبار، بات أمام أغلب المؤسسات الإعلامية مواجهة معادلة صعبة: محاولة الموازنة بين حصرية وسرعة نشر الخبر وبين التأكد من صحته. ولأن الخبر في حالته المجردة كمعلومة، يمكن أن يهدد بقاء حكومات، يشعل ثورات، ينهار بأسهم في البورصة ويرتفع بأخرى، فقد تحوّل الخبر ذاته من مجرد غاية للمؤسسات الإعلامية تحاول الوصول إليها بشتى الطرق، إلى وسيلة للحكومات والشركات الكبرى تتحكم من خلالها بالدول والأسواق والمجتمعات.

في السابق، كانت عملية تقييم الخبر أقل تعقيداً عما هي اليوم، إذ كانت العملية تحتاج فقط إلى التأكد من صحة الخبر، وكان يمكن الاكتفاء بالإجابة بأن الخبر صحيح. أما اليوم، ومع الكم الهائل من المعلومات وسرعة وسهولة الاتصال المباشر مع المصادر، فقد أضحت جودة الأخبار تقاس بالإجابة على سؤال "إلى أي مدى يمكن أن يكون الخبر صحيحا؟"، أي أن جودة الخبر أصبحت تتضمن نقاطاً كثيرة لا تتعلق بصحة المعلومات فحسب، وإنما ترتبط بسياقها وكيفية سردها ووقت نشرها، وهو ما يصعّب من عمل الجهات المسؤولة عن التحقق من الخبر.

وخلال عملية التحقق هذه، بإمكاننا تقييم خبرين مثلاً، لنقول إن هناك خبراً صحيحاً، وآخرَ أكثر دقة.  

وتعدّ هذه العملية مرحلة متقدمة من كتابة الأخبار، حيث تكون المرحلة الأولى للتأكد من صحة المعلومات، والمرحلة الثانية بدعم تلك المعلومات بمصادر أكثر وسياقات أوسع تصل بالقارئ إلى فهم أعمق لما يحدث.  

ولندرك حساسية الأمر بشكل أوضح، علينا الابتعاد قليلا عن مفهوم "الأخبار الصحيحة/الحقيقية" إلى الجهة المقابلة التي تتشعب فيها تصنيفات الأخبار كلّما مرّ الزمن وتطوّرت التكنولوجيا وصارت عملية نقل الأخبار أسرع وأكثر تعقيداً. فحتى الآن، نشهد في عالمنا هذا عشرة أنواع للأخبار غير الصحيحة، تم ذكرها بالتفصيل في تقرير (1) لمؤسسة "EAVI" المعنية بنشر الوعي الإعلامي بين الأفراد.  

وبالمرور على هذه الأنواع، نجد أن هناك نوعين أساسيين يتم استخدامهما سياسيًّا بشكل كبير من قبل الحكومات، سواء بشكل مباشر عبر السيطرة على المؤسسات الإعلامية التقليدية (التلفزيونية أو الإذاعية أو المطبوعة)، أو من خلال الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي. هذان النوعان هما الأخبار الزائفة/الكاذبة والأخبار المضللة.

ويشترك هذان النوعان في كونهما أدوات ووسائل لتوجيه وتضليل الرأي العام، لكنهما يختلفان في بعض الخصائص. فمثلا، تعني الأخبار الزائفة أنها غير صحيحة من الأساس، يهدف ناشرها إلى السيطرة وإحداث توجيهٍ للرأي العام أو حتى لإحداث الضوضاء (2) التي تؤثر سلباً على وصول المعلومة الصحيحة من المُرسل إلى المتلقي.

ويعتمد ناشر الأخبار الزائفة على نموذج تحويل القرّاء أنفسهم من مجرد مستهلكين للمعلومات إلى نقاط تماس أو اتصال (Touchpoint) مع هذه الأخبار.

ويُقصد بنقاط الاتصال أن يكون المستهلك لأي معلومة أو خدمة مروجاً لها لتصل إلى أشخاص آخرين في محيطه. هؤلاء الأشخاص يتلقون المعلومة بدورهم دون معرفة المصدر الأساسي الذي نشر الخبر المزيّف. وبالتالي، سنكون أمام مصدرٍ للخبر المزيف، وآخرين أخذوا الخبر من دون علاقة بمصدره، ومن دون الإشارة أصلا إليه.

أما الأخبار المضللة فهي في أساسها لا تعتمد على معلومات خاطئة، بل تعتمد على السياق الخاطئ ووضع الكلام في غير محله. والسياق هنا ليس فقط سياق وقوع الحدوث (الخبر)، بل حتى سياق نشره أيضاً.

موقع الأخبار الكاذبة والمضللة في نظرية البروباغندا

إذاً، يعتبر توجيه الرأي العام الهدفَ الأول من بث الأخبار المفبركة أو المضللة، فالحكومات تحاول السيطرة على كل ما يصل إلى الجماهير، إما بمحاربة الصحافة الحرّة مصدر الأخبار الصحيحة، أو بنشر أخبار كاذبة أو مضللة. وكل ذلك يندرج تحت إطار صناعة البروباغندا أو الدعاية السياسية كما وصفها نعوم تشومسكي في كتابه "صناعة الإذعان".

ويذكر تشومسكي -إلى جانب إدوارد هيرمن- خمس (3) إستراتيجيات تستخدمها الدول من أجل صناعة الإذعان بين الشعوب، وذلك في نظرية البروباغندا والدعاية السياسية. وهذه الإستراتيجيات هي التملك، والإعلان، والنخبة الإعلامية، والنقد الشديد، وأخيراً صناعة العدو المشترك. كل واحدة من هذه الإستراتيجيات الخمس لها أساليبها في التطبيق، وكلها تهدف إلى السيطرة على الرأي العام وتوجيهه.

بإمكاننا أن نضع عملية إنتاج وتداول الأخبار الكاذبة والمضللة في ثلاث من أصل خمس إستراتيجيات تستخدم لإتمام عملية الدعاية السياسية، أولها "الامتلاك"، ولا نعني هنا امتلاك المؤسسات كما هو المقصود بالأساس في النظرية، ولكن امتلاك المساحة في الفضاء الرقمي التي لم تعد المؤسسات وحدها مسيطرة عليها كما كان الحال في الوقت الذي وضع فيه تشومسكي نظريته. فالحكومات -وحتى بدون أن تشتري مؤسسات إعلامية بشكل رسمي- تقوم الآن (4) عبر توظيف مئات بل وآلاف الحسابات الآلية على مواقع التواصل الاجتماعي، بالسيطرة على جزء لا بأس به من المحتوى الذي يعرض أمام المستخدمين. وبذلك، تتملك الدول المحتوى دون أن تتملّك المؤسسات.

ليس التملك فقط هو ما يمكن أن يتحقق بالأخبار الزائفة والمضللة، فكما شرح تشومسكي في الإستراتيجية الرابعة في نظريته وهي "النقد الشديد" FLAK))، يمكن لهذه الأخبار أن تعمل على هجمات مضادة للروايات الصحيحة عبر نقدها والتشكيك في مصداقيتها، أو نشر روايات مضادة بشكل أكثر كثافة، أو حتى الانحراف بالرأي العام عن موضوع الحدث نفسه ونشر أخبار تتعلق بأمور مختلفة تماماً، فيضيع الخبر الرئيسي دون أن يهتم به أحد. 

أما في الإستراتيجية الخامسة من نظرية الدعاية السياسية، فإن الحكومات تعتمد صناعة أعداء وهميين للشعوب من أجل إحكام السيطرة عليها والترويج لسياساتها القمعية والدكتاتورية. ولا نجد أنسب من الأخبار الزائفة كوسيلة لهذا الهدف، فمهاجمة اللاجئين وخلق الكراهية ضدهم، ووصف جماعات أو مؤسسات بالإرهاب، أو حتى شيطنة دول بأكملها، كل هذا يأتي في إطار صناعة العدو الذي لا يتم أبداً دون اللجوء إلى الأخبار الزائفة والمضللة.

إن أزمة الأخبار الكاذبة وصلت إلى مرحلة من التعقيد لا تسمح بالتعامل معها من قبل الحكومات والمؤسسات الإعلامية فقط، فالمسؤولية الآن أصبحت مشتركة بين الأفراد المستهلكين للمعلومة وبين المؤسسات والحكومات التي يجب أن تسعى للحد من انتشار هذه الأخبار، مع الوعي الكامل بأبعاد ونتائج استهلاكها.  

 

مراجع:  

 

1- https://eavi.eu/beyond-fake-news-10-types-misleading-info  

2- تؤثر الضوضاء سلبًا على عملية التواصل بين المُرسل والمتلقي للمعلومة. المصدر:   https://bit.ly/2U32Tos 

3- https://www.youtube.com/watch?v=34LGPIXvU5M 

4- http://www.noonpost.com/content/23904    

5- https://www.bbc.co.uk/academy/ar/articles/art20181113103406143 

 

 

 

المزيد من المقالات

الصحفيون أخطر من المسلحين.. حال الصحافة في ليبيا

لا يبدو أن آثار الحرب الليبية انحصرت على المواطنين فقط، إذ يبدو أنها طالت الصحفيين أيضاً، لتخلق حالة من الفوضى، ولينعكس ذلك على شكل التغطية الصحفية.

عماد المدولي نشرت في: 22 أكتوبر, 2019
حظر الإنترنت كوسيلة للتضليل الإعلامي.. العالم العربي نموذجًا

عمدت الدول العربية إلى استخدام حظر الإنترنت كوسيلة قمعت من خلالها شعوبها الثائرة ضدها، وللتعتيم على ممارساتها بحق المتظاهرين، غير أن هذه السياسة لم تطل المواطنين وحدهم، إنما استخدمت كأداة أساسية لقمع الصحافة وحجب المواقع الإخبارية.

أسامة حمامة نشرت في: 20 أكتوبر, 2019
البودكاست الاستقصائي العربي.. بانتظار الخطوة الأولى

يمتاز البودكاست -الوسيط الرقمي الصوتي- بتحرّره من قيود النشر، وسرعة الوصول إليه، وسهولة تلقي محتواه، إذ ما تحتاجه فقط هو حاسة السمع في أي مكان وزمان، بما يشكل بيئة تبدو مناسبة للصحافة الاستقصائية العربية لتدشين توثيق استقصائي صوتي بتكلفة مادية ومدة زمنية أقل مما يستدعيه التوثيق الاستقصائي المرئي.

فدوى حلمي نشرت في: 15 أكتوبر, 2019
العراق.. الصحف الملونة مع ساستها

تعاني الصحف العراقية اليوم من أزمة حقيقية، يلقي هذا التقرير الضوء عليها، مفسّراً أسبابها المختلفة والمرتبطة بالقراء والصحفيين على حد سواء.

سلام زيدان نشرت في: 8 أكتوبر, 2019
حال طلبة الإعلام في فلسطين: مشكلة فرص أم قوانين؟

الإحصاءات الفلسطينية تشير إلى معدلات عالية من البطالة في تخصص الصحافة والإعلام، فما هو السبب؟

هيثم الشريف نشرت في: 22 سبتمبر, 2019
قصص الحرب على صفحات الإعلام الاجتماعي: أخلاقيات الاستخدام والتفاعل مع الجمهور

أصبحت مناطق الحروب أخطر الأماكن في العالم لعمل الصحافيين. ولكن لديها واجب مواصلة نقل القصص الصحافية لجماهيرنا. امتدت المأساة في سوريا لتصبح مقبرة للصحافيين، ولكنّ لا يجب أن نسمح بأن تتحوّل إلى مقبرة للصحافة. 

صخر الماخذي نشرت في: 8 سبتمبر, 2019
الأخبار الكاذبة ومواقع التواصل.. حرب حقيقية أم وهم دعائي؟

نجح البعض عربياً في تأسيس مجموعة من المبادرات الساعية إلى الحد من انتشار الأخبار الكاذبة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن تأثيرها لم يكن واسعا، ربما لأنها لم تنسق جهودها بما يكفي.

أحمد مدحت نشرت في: 3 سبتمبر, 2019
عن علاقة البودكاست بالمدونات الإلكترونية.. عدوّ أم صديق؟

مع بروز أشكالٍ جديدة مثل التدوين الصوتي والبودكاست والكتب الصوتية، استطاعت الأخيرة أن تكون محط اهتمام كثيرين بعدما ارتفعت مبيعاتها في العالم مقابل انخفاض مبيعات الكتب الإلكترونية.

آلاء أحمد نشرت في: 1 سبتمبر, 2019
انتصار الإذاعات المجتمعية.. حظاً أوفر للوسائل الأخرى

جدل كبير حول العالم بشأن مفهوم الإعلام المجتمعي، إلا أن الواضح والمتفق عليه هو أن هدفه الأول سد الفجوة التي تحدثها وسائل الإعلام التقليدية.

عمار الشقيري نشرت في: 27 أغسطس, 2019
كيف تكون صحفيًّا متخصصًا بشؤون البيئة العربية؟

يتناول التقرير المفهوم التطبيقي للصحافة البيئية، وأهم الأسس والمبادئ الواجب توفرها بالصحفي الذي يرغب في تناول القضايا البيئية من منطلق بيئي متخصص.

محمد أبو دون نشرت في: 30 يوليو, 2019
الأخبار الكاذبة في عصر موجات الهجرة.. نظرية الذعر الأخلاقي

يستطيع المتأمل لأوضاع المهاجرين الحالية في الغرب أن يضع يده على جوهر الخطاب الأيدولوجي الذي يستخدمه الشعبويون حول العالم، ويتم من خلاله تمهيد مساحات واسعة لقبول الأخبار الكاذبة المتعلقة بالمهاجرين.

مهى عمر نشرت في: 24 يوليو, 2019
قوانين تجرّم الصحفيين من بوابة الأخبار الكاذبة

شرَعت دول عربية عديدة خلال السنوات القليلة الماضية في سنّ قوانين تحاصر الصحفيين، وتقضي بسجنهم إذا ما نشروا أخباراً قد تكون "كاذبة" برأي النظام.

ملاك خليل نشرت في: 30 يونيو, 2019
كيف يوظف إعلام الاحتلال الصحافة الفلسطينية لخدمته؟   

باتت الصحافة العبرية أهم المصادر الصحفية لوسائل الإعلام الفلسطينية في ما يخص الصراع مع الاحتلال. ولعل أوضح الأمثلة على أنماط النقل عن الإعلام العبري، الذي يخدم الدعاية الإسرائيلية.

محمد النعامي نشرت في: 23 يونيو, 2019
الملكة والصحافة.. الدرس البريطاني في علاقة الحاكم بالإعلام

يخفي الصراع بين مؤسسة الصحافة والمؤسسة الملكية في طياته، حربا على الرمزية والمكانة داخل المجتمع.

أيوب الريمي نشرت في: 19 يونيو, 2019
قراءة في تقرير معهد رويترز حول الأخبار على المنصات الرقمية

نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجماعة أوكسفورد البريطانية؛ تقريره السنوي عن الأخبار في المنصات الرقمية الذي يعده مجموعة من الباحثين في جامعة أكسفورد وصحفيين مختصين في الإعلام الرقمي. في هذه المادة نلخص أبرز النتائج التي جاءت في هذا التقرير.

محمد خمايسة نشرت في: 17 يونيو, 2019
الخصوصية في العصر الرقمي .. ثقب أسود في حياة الصحفيين

نسبة كبيرة من الصحفيين لازالوا حتّى اليوم يعتقدون أن حفظ أمنهم الرقمي يندرج في إطار "الكماليات والرفاهية"، إذ أن ثقافة الحماية الأمنية حتى الآن غائبة عن حسابات عدد لا بأس به من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأفراد، ويرجع ذلك إلى عدّة اعتبارات

أحمد حاج حمدو نشرت في: 13 يونيو, 2019
التمويل التشاركي في الإعلام... العامة كرئيس تحرير

مشاريع التمويل التشاركي أو الصحافة المستقلة لم تكتفِ فقط بالتحرر من عقد الممول، وإنما بدأت أيضا إعادة طرح أسئلة جوهرية في شكل الصحافة السائد، وكيفية تقديم نوع جديد من الصحافة المعمّقة يستطيع طرح مقاربات جديدة حول الأحداث.

محمد خمايسة نشرت في: 11 يونيو, 2019
اغتيال خاشقجي.. فرصة لقيام تحالف إعلامي عالمي للحقيقة

إن الساحة الإعلامية العالمية أصبحت مهيأة الآن وأكثر من أي وقت مضى لقيام مثل هذا التحالف الإعلامي، خاصة أن حادث اغتيال خاشقجي أثبت أن هناك وسائل إعلام عديدة في العالم وصحفيين كثيرين ينحازون إلى الحقيقة ولا يخضعون للابتزاز المادي والمعنوي لتغيير قناعاتهم وإبعادهم عن نصرة الحقيقة.

حسني محمد نشرت في: 27 مايو, 2019
جزاءات "الأعلى للإعلام" في مصر.. مساحة الحرية الناقصة

في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 في مصر، تعرضت الممارسة الإعلامية لتغيّرات كبيرة، بين الانفتاح الشديد الذي بلغ حد الفوضى أحيانًا، والقيود الكبيرة التي قلصت حجم الممارسة في أحيان أخرى.

مروة علي نشرت في: 26 مايو, 2019
القصة الصحفية في غزة.. من يهتم؟

أثناء سرده لتفاصيل القصّة، حرص عباس على ذكر كلّ ما من شأنه أن يحرك مشاعر القراء إزاء قضية الأطفال -ضحايا رصاص الاحتلال- في قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من 12 عاما.

محمد أبو دون نشرت في: 19 مايو, 2019