الأخبار الكاذبة ومواقع التواصل.. حرب حقيقية أم وهم دعائي؟

لا يمكنك غالباً أن تعرف من أين بدأ الأمر. يكفي فقط أن ينشر أحدهم خبراً عبر إحدى منصات التواصل، يحمل معلومة كاذبةً حول إحدى القضايا التي تشغل الناس، أو حول شخصية مثيرة للجدل، لتبدأ الشائعة بالانتشار كالنار في الهشيم، ويُقبل كثيرون على تداولها، دون البحث عن مصدرها في معظم الأحيان، فالأخبار الكاذبة تكتسب مع الوقت قوة تتماسك حتى أمام حملات التكذيب التي تنطلق فيما بعد ضدها، ربما لأن الكذب دوماً يحمل من الإثارة أضعاف ما تحمله الحقيقة. 

استطاعت منصات التواصل الاجتماعي إتاحة المعلومات والأخبار للجميع، بعيداً عن سيطرة الحكومات ومنصّاتها الإعلامية، فكانت -على سبيل المثال- دافعاً أساسياً في تحريك ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر. آنذاك انطلقت شرارة فكرة المظاهرات الاحتجاجية ضد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك من خلال صفحة كلنا خالد سعيد، وكانت وغيرها من الصفحات والمنصات الإعلامية الشعبية سلاحاً جماهيرياً يجابه الآلة الإعلامية النظامية التي شيطنت المتظاهرين واتهمتهم بالعمالة. يومها ذهب الإعلام الرسمي إلى إنكار الحراك من أساسه، وراح يعرض مشاهد النيل الهادئ والمراكب الشراعية، التي كان التلفزيون المصري يبثّها للجمهور، بينما عربات الشرطة تدهس المتظاهرين على بعد كيلومترات من هذا المشهد الخلّاب.

وبالعودة إلى ما أتاحته منصات التواصل الاجتماعي، فإن دورها الإيجابي لا يحجب حقيقة أنها أصبحت -عربيًّا وعالميًّا- مصدرًا رئيسيًّا للشائعات والأخبار الكاذبة أو قل المُلفَّقة، مما حتّم تأسيس مبادرات للحد منها. 

مكافحة الأخبار الزائفة.. صفحات مستقلة على مواقع التواصل.. مصر نموذجا

عربياً، بادرت بعض الجهات إلى تأسيس صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي هدفها التحقق من الأخبار، وتصحيحها إذا ما تطلب الأمر، إلا أن المشكلة تكمن في أن جهود هذه الصفحات غير موحد، ففي مصر على سبيل المثال، توجد بعض المنصات الفردية التي يشرف عليها صحفيون مستقلون، يحاولون تصحيح مسارات بعض التصريحات الصحفية الرسمية ذات الأغراض الدعائية، أو التي تحاول ممارسة "ليّ الحقائق" في بعض الأحيان، منها على سبيل المثال منصة "صحيح مصر"، وهدفها تصحيح بعض تصريحات المسؤولين للوصول بها إلى دقةٍ تسمح بتكوين رأي عام على أساس حقائق مدققة. 

صفحة مستقلة أخرى هي أخبار ميتر، إذ ترصد الأخبار في وسائل الإعلام المصرية وتبحث في مدى دقتها ومهنيتها بناءً على منهجية علمية تم تطويرها بمساعدة خبراء دوليين ومحليين في مجال الإعلام والتحقق من البيانات، تتجسد خلاصتها في مجموعة من الأسئلة التي تحدد مدى التزام الخبر بالمهنية وابتعاده عن التضليل والبروباغندا.

تأتي هذه الجهود في ظل تفشي ظاهرة انتشار الأخبار الكاذبة عبر وسائل التواصل التي باتت منبعاً يستقي منه المواطنون أخبارهم اليومية، في عصر "المواطن الصحفي".

لكن يبقى السؤال مُعلَّقًا: متى يمكن لهذه الجهود ذات الطابع المستقل في الوطن العربي أن تعمل بالتنسيق فيما بينها، لتشكل ملاذاً آمنا للتحقق من الخبر أو التصريح، أم أن مصدر قوتها في تركيزها على محليتها وشأنها الداخلي دون أن تتخذ شكلا أكبر؟

 

غوغل ويوتيوب.. محاولات للحد من نشر الكذب
بعيداً عن مصر والعالم العربي عموماً، كانت المبادرات أكثر اتساعاً وتوحدت الجهود، ففي مارس/آذار 2018 أعلنت شركة "غوغل" العالمية التي تمتلك موقع "يوتيوب"، عن مبادرة أسمتها "مبادرة أخبار غوغل"، بحسب ما أورده موقع صحيفة "نيويورك تايمز" في تقريرها، حيث صرّح كبير مسؤولي الأعمال في "غوغل" فيليب شندلر بأن الأخيرة تعتزم إنفاق 300 مليون دولار على مدار السنوات الثلاث المقبلة، في مبادرة منها لدعم الصحافة الموثوقة، كخطوة لمكافحة وباء انتشار المعلومات الخاطئة وغير الموثوق بها عبر الإنترنت. كل هذا يأتي بينما تشتد وتيرة الحملات التي تتهم القائمين على منصات التواصل الاجتماعي بترك الباب مفتوحاً أمام تداول الأخبار الكاذبة.

وأمام هذه الحملات الشرسة، تواصل "غوغل" محاولاتها في إبداء حُسن النيّة والصدق في محاربة تداول الأخبار الكاذبة عبر منصاتها، إذ تساعد الشركة العالمية في إنشاء مختبر باسم " مختبر ديزينفو" (Disinfo Lab) بالشراكة مع مدرسة "هارفارد كينيدي" (Harvard Kennedy School)، على أن يعمل المختبر على بلورة آلية جديدة تقوم بتنقية الأخبار المتداولة على منصات "غوغل" المختلفة للقضاء تدريجياً على تداول الأخبار الكاذبة، لكن هذا لم يضع حداً لانتشار هذه الأخبار ولم يحل دون تزايد المخاوف من تأثيرها. 

 

مخاوف الاتحاد الأوروبي ولعبة الانتخابات

خاطبت المفوضية الأوروبية مسؤولي "فيسبوك" و"غوغل" و"تويتر" لاتخاذ إجراءات حاسمة ضد ظاهرة انتشار الأخبار المزيفة، كما يورد تقرير نشره موقع "فوربس" الأميركي. وبالفعل تلقت المفوضية الأوروبية تقارير أولية من الشركات الثلاث عن جهودها، وقد جاءتْ أولى خطوات الحل عبر مذكرة تفاهم وقعتها الشركات الثلاث مع الشركة المسؤولة عن المتصفح "موزيلا فايرفاكس" لمكافحة الأخبار الكاذبة على منصاتها.

وقد تَولَّد عن توقيع هذه الاتفاقية بعض التأثير الإيجابي بالفعل، خصوصاً في إزالة بعض الحسابات المزيفة، والحد من ظهور المواقع التي تعزز بث المعلومات المضللة. ومع ذلك، لا تزال المفوضية الأوروبية تسعى لإلزام الشركات الثلاث باتخاذ إجراءات إضافية لضمان الشفافية الكاملة، خصوصًا في الإعلانات السياسية. يأتي هذا بينما يقترب موعد انعقاد الانتخابات في عدد كبير من الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، في حين لا تزال فضيحة التلاعب وتوجيه الناخبين خلال الانتخابات الأميركية الأخيرة عالقة في الأذهان.

 

شكوك مبررة

في مطلع العام 2018، خرج مؤسس "فيسبوك" مارك زوكربيرغ بتصريحات يؤكد فيها عمله وفريقه على خلق بيئة صحية للتواصل بين الناس بعدما انحرف الموقع عن مساره الأصلي بسبب ما تبثه الصفحات العامة من أخبار كاذبة ومنشورات تؤثر سلباً على ثقة المستخدمين، مؤكداً أنه سيستخدم الخوارزميات لتصحيح هذه الأخطاء.

بدا الموضوع حينها غامضاً للعامة، إلى أن بدأت الصورة تتضح تدريجيًّا، على لسان بعض المتخصصين في هذا المجال، إذ الغرض من استخدام الخوارزميات لم يكن تحويل فيسبوك إلى بيئة صحية للمستخدمين كما ذكر مؤسسه، إنما كان الهدف تحليل شخصيات المستخدمين من خلال ما يُعجَبون به وما يتابعونه، وحتى من خلال محادثاتهم، واستخدامها في ما بعد لتوجيه الإعلانات.

إذاً، فالحملة التي تم إطلاقها تحت شعار "جعل فيسبوك موقعاً أكثر إنسانية"، اتضح فيما بعد أنها تولي أهمية كبرى لغرضها التجاري، وهنا يبرز التساؤل حول جدية وصدق الحملات التي تقودها منصات التواصل المختلفة تحت شعار "محاربة انتشار الأخبار الزائفة"، خاصة أن الوقائع تشير إلى أن هذه الجهود المُعلنة قد تتعارض مع مصالح سياسية وتجارية من المؤكد أن لها الأولوية في الغرف المغلقة، بينما الشعارات البرّاقة تُحاك في العلن.

 

المزيد من المقالات

حرية الإنترنت في تقرير فريدوم هاوس.. الرقابة على كل شيء

صدر العالم يضيق أكثر أمام حرية الإنترنت.. تقرير حديث لمنظمة "فريدوم هاوس"، يفضح كيف تتحكم الدول في الشبكة العنكبوتية لتجعلها أداة لقمع الحريات وتقويض حق الشعوب في الديمقراطية. والتزييف، والاعتقال، والتدخل في الانتخابات عبر محتوى مزيف، وسائل في يد "الرقيب" الذي يرى في هامش الحرية الذي حررته وسائل التواصل الاجتماعي على الخصوص، هدما لمشروعه القائم على قتل الاختلاف. 

عثمان كباشي نشرت في: 17 نوفمبر, 2019
تغطية الحرب اليمنية.. صحفيون مغامرون ومؤسسات غير مسؤولة

ضغوط كثيرة يتعرض لها الصحفيون في اليمن.. قتل واعتقال وإصابات أثناء تغطية الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من أربعة أعوام.

بشير الضرعي نشرت في: 12 نوفمبر, 2019
عندما يتماهى الإعلام مع خطاب اليمين المتطرف ضد المهاجرين

تساهم وسائل الإعلام الإسبانية في توجيه الرأي العام بشكل يجعله يتخذ موقفا معاديا ضد المهاجرين؛ عبر استخدامه لغة خالية من المهنية وتركيزه على إبراز انتهاكات المهاجرين دونا عن غيرهم، وتأمينه مساحة شاسعة للتيارات اليمينية للتعبير عن مواقفها المناهضة للمهاجرين.

أيمن الزبير نشرت في: 9 نوفمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
سياسة تويتر في حظر التغريدات .. ازدواجية معايير؟

أثبت موقع تويتر في السنوات الأخيرة أن لديه القدرة الكافية على محاربة التغريدات المسيئة بشكل فعّال، إلا أن الموقع بقي متهما بالتقصير في محاربة التغريدات المسيئة لا سيما تلك التي تحمل خطابا معاديا للاجئين والأقليات، فهل يمارس تويتر ازدواجية في تطبيق معاييره؟

مجد يوسف نشرت في: 4 نوفمبر, 2019
بين الفصحى والعامية.. كيف نصيغ اللغة الأقرب إلى الجمهور؟

فرضت المنصات الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي الحاجة لنوع جديد من الكتابة، يتميز بالسهولة والاختصار، وهذا الأمر تطلب جهداً كبيراً، خاصة وأن الهدف الأساسي هو التقرّب من الجمهور واستخدام لغة يمكنه التعامل معها بسهولة.

محمد ولد إمام نشرت في: 29 أكتوبر, 2019
لماذا يعتمد الإعلام الفلسطيني على المصادر العبرية؟

يمارس الإعلام العبري الانتقائية في تناول الأخبار، فهو يركز على الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة 1948، فيما يحول الضحية التي يُسفك دمها وتستباح منازلها ليلًا نهارًا في الضفة الغربية والقدس إلى جانٍ.

إسراء لافي نشرت في: 27 أكتوبر, 2019
الصحفيون أخطر من المسلحين.. حال الصحافة في ليبيا

لا يبدو أن آثار الحرب الليبية انحصرت على المواطنين فقط، إذ يبدو أنها طالت الصحفيين أيضاً، لتخلق حالة من الفوضى، ولينعكس ذلك على شكل التغطية الصحفية.

عماد المدولي نشرت في: 22 أكتوبر, 2019
حظر الإنترنت كوسيلة للتضليل الإعلامي.. العالم العربي نموذجًا

عمدت الدول العربية إلى استخدام حظر الإنترنت كوسيلة قمعت من خلالها شعوبها الثائرة ضدها، وللتعتيم على ممارساتها بحق المتظاهرين، غير أن هذه السياسة لم تطل المواطنين وحدهم، إنما استخدمت كأداة أساسية لقمع الصحافة وحجب المواقع الإخبارية.

أسامة حمامة نشرت في: 20 أكتوبر, 2019
البودكاست الاستقصائي العربي.. بانتظار الخطوة الأولى

يمتاز البودكاست -الوسيط الرقمي الصوتي- بتحرّره من قيود النشر، وسرعة الوصول إليه، وسهولة تلقي محتواه، إذ ما تحتاجه فقط هو حاسة السمع في أي مكان وزمان، بما يشكل بيئة تبدو مناسبة للصحافة الاستقصائية العربية لتدشين توثيق استقصائي صوتي بتكلفة مادية ومدة زمنية أقل مما يستدعيه التوثيق الاستقصائي المرئي.

فدوى حلمي نشرت في: 15 أكتوبر, 2019
العراق.. الصحف الملونة مع ساستها

تعاني الصحف العراقية اليوم من أزمة حقيقية، يلقي هذا التقرير الضوء عليها، مفسّراً أسبابها المختلفة والمرتبطة بالقراء والصحفيين على حد سواء.

سلام زيدان نشرت في: 8 أكتوبر, 2019
حال طلبة الإعلام في فلسطين: مشكلة فرص أم قوانين؟

الإحصاءات الفلسطينية تشير إلى معدلات عالية من البطالة في تخصص الصحافة والإعلام، فما هو السبب؟

هيثم الشريف نشرت في: 22 سبتمبر, 2019
قصص الحرب على صفحات الإعلام الاجتماعي: أخلاقيات الاستخدام والتفاعل مع الجمهور

أصبحت مناطق الحروب أخطر الأماكن في العالم لعمل الصحافيين. ولكن لديها واجب مواصلة نقل القصص الصحافية لجماهيرنا. امتدت المأساة في سوريا لتصبح مقبرة للصحافيين، ولكنّ لا يجب أن نسمح بأن تتحوّل إلى مقبرة للصحافة. 

صخر الماخذي نشرت في: 8 سبتمبر, 2019
عن علاقة البودكاست بالمدونات الإلكترونية.. عدوّ أم صديق؟

مع بروز أشكالٍ جديدة مثل التدوين الصوتي والبودكاست والكتب الصوتية، استطاعت الأخيرة أن تكون محط اهتمام كثيرين بعدما ارتفعت مبيعاتها في العالم مقابل انخفاض مبيعات الكتب الإلكترونية.

آلاء أحمد نشرت في: 1 سبتمبر, 2019
انتصار الإذاعات المجتمعية.. حظاً أوفر للوسائل الأخرى

جدل كبير حول العالم بشأن مفهوم الإعلام المجتمعي، إلا أن الواضح والمتفق عليه هو أن هدفه الأول سد الفجوة التي تحدثها وسائل الإعلام التقليدية.

عمار الشقيري نشرت في: 27 أغسطس, 2019
التضليل.. إستراتيجية الحكومات البديلة

في السابق، كانت عملية تقييم الخبر أقل تعقيداً مما هي اليوم، إذ كانت العملية تحتاج فقط إلى التأكد من صحة الخبر، أما اليوم فقد اختلف الأمر تماماً.

أسامة الشامي نشرت في: 15 أغسطس, 2019
كيف تكون صحفيًّا متخصصًا بشؤون البيئة العربية؟

يتناول التقرير المفهوم التطبيقي للصحافة البيئية، وأهم الأسس والمبادئ الواجب توفرها بالصحفي الذي يرغب في تناول القضايا البيئية من منطلق بيئي متخصص.

محمد أبو دون نشرت في: 30 يوليو, 2019
الأخبار الكاذبة في عصر موجات الهجرة.. نظرية الذعر الأخلاقي

يستطيع المتأمل لأوضاع المهاجرين الحالية في الغرب أن يضع يده على جوهر الخطاب الأيدولوجي الذي يستخدمه الشعبويون حول العالم، ويتم من خلاله تمهيد مساحات واسعة لقبول الأخبار الكاذبة المتعلقة بالمهاجرين.

مهى عمر نشرت في: 24 يوليو, 2019
قوانين تجرّم الصحفيين من بوابة الأخبار الكاذبة

شرَعت دول عربية عديدة خلال السنوات القليلة الماضية في سنّ قوانين تحاصر الصحفيين، وتقضي بسجنهم إذا ما نشروا أخباراً قد تكون "كاذبة" برأي النظام.

ملاك خليل نشرت في: 30 يونيو, 2019
كيف يوظف إعلام الاحتلال الصحافة الفلسطينية لخدمته؟   

باتت الصحافة العبرية أهم المصادر الصحفية لوسائل الإعلام الفلسطينية في ما يخص الصراع مع الاحتلال. ولعل أوضح الأمثلة على أنماط النقل عن الإعلام العبري، الذي يخدم الدعاية الإسرائيلية.

محمد النعامي نشرت في: 23 يونيو, 2019
الملكة والصحافة.. الدرس البريطاني في علاقة الحاكم بالإعلام

يخفي الصراع بين مؤسسة الصحافة والمؤسسة الملكية في طياته، حربا على الرمزية والمكانة داخل المجتمع.

أيوب الريمي نشرت في: 19 يونيو, 2019