تغطية الحراك في لبنان وليبيا.. حينما يلبس الصحافي جبة "المناضل"

تدرس المعايير المهنية والأخلاقية منذ عشرات السنين كيف يستطيع الصحفي تحييد رأيه ومشاعره، وهو يحرر الخبر ويقدمه للمشاهد خاليا من الأحكام والتوجيه المباشر وغير المباشر. وفي بعض الأحيان، يخضع الصحافي للمحاسبة، حين يغرق في التعاطف مع قضية ما فيصبح ناطقا باسمها.

لكن المتتبع للمشهد الإعلامي المصاحب للتحركات الشعبية بمختلف تعبيراتها: ثورات أو احتجاجات أو مظاهرات، يلاحظ كيف وقع الإعلام في العديد من الدول العربية في فخ التعاطف وتبني القضايا أكثر من أصحابها ربما.

والملفت أن التراكم الصحفي لبعض الدول، لم يكن كافيا لحمايتها من الوقوع في مزالق مهنية إن صح وصفها بهذا المصطلح.

 

ليبيا ولبنان.. تشابه حد التطابق 

كم كان مفاجئا وصادما جدا تكرار مشاهد يمكن وصفها بالسقطات المهنية لصحفيين من دولة لها باع وتاريخ عريق في الصحافة والالتزام بأدبياتها كلبنان!

كصحفية ليبية متابعة للأحداث في لبنان، كنت أتابع التجربة الصحفية أكثر من الأحداث، إذ شكّلت بالنسبة لي امتحاناً واقعيا لقدرة الإعلام على الحفاظ على التوازن المهني وسط تجاذبات كثيرة وصعبة على المستوى الإنساني والوطني.

وتعاملت مع التغطية، مثل امتحان صعب لمهنية الصحفي، ليقيني أننا كصحفيين في ليبيا رسبنا في ذلك بشكل أو بآخر، وإن كانت مرحلة الرسوب صنعت دافعا لإصلاح مواطن الخطأ ودراسة أماكن وأسباب الخلل.

لا أسعى، من خلال هذا المقال، إلى التشهير بأسماء معينة أو اتهامها في نزاهتها، بقدر ما أعتبر المقال تفكيرا بصوت عال لصحفية تسعى للحصول على معلومات واقعية غير تلك التي درسناها على المستوى النظري عبر بسط أربعة مشاهد تبيّن التقاطع بين التجربتين الليبية واللبنانية.

المشهد الأول

الغريب أن الأحداث تتشابه في البلدين. فقد كانت قناة في ليبيا تسمى "العاصمة" تضع على شاشاتها سنة 2014 عدّاً تنازلياً لانتهاء ولاية المؤتمر الوطني. بعد خمس سنوات سيتكرر ذات المشهد في إحدى القنوات اللبنانية، فتضع عدا تنازليا للمهلة التي طلبها رئيس الحكومة سعد الحريري.

وفي الحالتين انتهاك صريح لقيمة صحفية غير قابلة للتفاوض، كما وصفها آلن ليتل مراسل بي بي سي الخاص، وهي قيمة الحياد أو لنقل التوازن المهني، فالمؤسسة هنا تضع نفسها خصما مباشرا لجهة سياسية، بل وتذهب أبعد من ذلك وتسمي تلك الجهة وتهددها بلغة الأرقام التنازلية.

 

المشهد الثاني 

تمثل جليا في نقاش محتدم بين صحفيتين لبنانييتن تتهم إحداهما بأنها إرهابية في لقاء مباشر، وكان النقاش بين الصحفيتين كارول معلوف ومريم البسام في لقاء على قناة "الجديد"، وهو مشهد تكرر مرارا في الإعلام الليبي باتهام صحفيين ومؤسسات إعلامية بالإرهاب ودعمه كما حدث مع تلفزيون "النبأ" الليبي الذي اتهم بدعم الإرهاب وتعرض لأكثر من هجوم مسلح انتهى بإحراقه تماما وخروج صحافييه من ليبيا!

مشهد يعيد للأذهان كلمة للوزير اللبناني السابق زياد بارود في احتفالية لليوم العالمي لحرية الصحافة بتاريخ سبتمبر 2002 قال فيها "لم نعد نحاكم على ما نكتبه، بل ربما على ما لم نكتبه. لم نعد نحاكم ونحاسب على مانقوله بل ربما على مايعتقدون أنها كانت نياتنا، ماذا يحصل في لبنان؟ ولماذا هذا الجنون وهذه الهستيريا".

 

المشهد الثالث 

من جهة أخرى، أصبحت المؤسسات الإعلامية هي من تقود الحراك الشعبي في لبنان تجاوز، إذ أن بعضها تخطى المتابعة الصحفية ليتحول إلى أداة للتحريض، مستخدماً لغة تجاوزت التأييد إلى صناعة الحراك ووضع توقيت بدايته ونهايته. وهو تماما ما حدث على بعض القنوات الليبية، التي كانت تخرج ببث مباشر من ساحات معينة بحجة وجود معلومة عن تجمع أو تظاهر لتحريض الناس بشكل غير مباشر للتوجه إلى تلك الساحات، وهي ممارسة صحافية غير سليمة، تتجاوز صناعة الأخبار إلى تسيير الأحداث وصنعها بالطريقة التي تناسب تلك المحطات.

حتى أن بعض الصحفيين وصل بهم الأمر إلى التحول لمتظاهرين، ويسمحون لأنفسهم بتبني آراء ووجهات نظر، بل وكيل التهم لهذا المسؤول أو ذاك!  

فهل هو خلل في نزاهة الصحفي؟ أم هو انقياد لتوجه مؤسسته؟ أم هي حالة إنسانية لم تعرها معايير الصحافة اهتماما، وكان عليها أن تضع قاعدة لهذه الاستثناءات؟ ذلك أن قدرة الصحفي على تغطية أحداث خارج بلده تكون أكثر التزاما بمعايير المهنة، ويكون الصحفي قادرا على مواجهة وتوجيه أسلوبه حال انحرافه كما يظهر في تغطية صحفيين غير لبنانيين أو غير ليبيين لأحداث كلا البلدين.

 

المشهد الرابع

ومن المشاهد المتشابهة حد التطابق بين التجربتين هو اختيار شخصيات معينة من المتظاهرين أو المحتجين واستضافتهم كرموز "ثورجية" وفتح الهواء لهم لكيل الشتائم والتهم لمختلف المسؤولين، وكلما كان الضيف صاحب نبرة هجومية وجرأة كبيرة كان له حظ وحظوة في برامج القناة، وهو نفس الشيء الذي حدث في ليبيا حتى إن بعض اولئك "الهجوميين" أصبحوا ساسة محليين!".

وهنا تبرز أهمية اختيار شخصيات الضيوف الذين يتمتعون بقدر جيد من المعطيات، أو لهم ارتباط مباشر بالموضوع، أو يملكون موهبة القدرة على التحليل المنطقي. فلماذا تغيب هذه المعايير، ليكون المعيار الوحيد، هو جرأتهم على كيل التهم، والتعدي على أسماء وشخصيات دون تقديم دلائل".

 قد يبدو المقال مجحفا في حق الإعلام أو سيفا مسلطا عليه، لكنني أجده فرصة مكاشفة حقيقية وتحليلا لمواقف عملية على الأرض وليست حبرا على ورق. وأرى أنها فرصة ليتوقف هذا الانحدار أو لنقل الانجرار خلف القضايا وإن كانت عادلة ليخسر بعض الصحفيين قضيتهم الأعدل وهي النجاح في عبور الأزمات دون الحاجة للتضحية بقيم المهنة وأصولها.

كل هذه الأحداث وغيرها، تعيد للواجهة النقاش القديم/ الجديد حول: أين يقف الصحفي من أحداث تمس بلده، ثم هل نصرة القضايا التي يراها عادلة توقعه في مزالق مهنية خطيرة؟ 

وهو ما يقودنا لطرح السؤال الأكبر؟ 

هل حان الوقت لإعادة كتابة القواعد الصحفية على أسس واقعية بعدما نالت أمواج التغيير من الإعلام العربي وهزت ثوابته إلى حد بعيد.   

 

* الصورة: أندريس مارتينيز كاساريس - رويترز    

 

المزيد من المقالات

ميدان الصحافة الليبية.. التدريب حاجة لا رفاهية

يعاني الصحفيون في ليبيا قلة التدريب في مجال التغطية الميدانية في أماكن النزاع، وهو ما تسبب في إصابة العديد من المراسلين أثناء تغطياتهم

عماد المدولي نشرت في: 12 يناير, 2020
"صحافة اللاجئين".. خطى بطيئة في دول اللجوء

يستعرض هذا التقرير ثلاث تجارب لصحفيين عرب، أسّسوا منصّات إعلامية متخصّصة في قضايا اللاجئين والمهاجرين، سعيا لتقديم تغطية احترافية وخلق تمثيل إعلامي للمهاجرين واللاجئين داخل دول اللجوء.

أحمد حاج حمدو نشرت في: 31 ديسمبر, 2019
الصحف الورقية في المغرب.. الاحتضار البطيء

لا يكفي أن تكون الصحيفة الورقية مستقلة وتقدّم منتوجًا جيدًا للقارئ كي تضمن لنفسها البقاء، بل تحتاج إلى "جرعات" الإعلانات الدعائية التي تتحكم فيها "جهات نافذة".. دراسة حديثة في المغرب تقول إن حصة الصحافة المطبوعة من الإعلانات تراجعت بما يفتح أبواب المجهول أمام جيل كامل من الصحفيين.

يونس الخراشي نشرت في: 29 ديسمبر, 2019
البروفيل الصحافي.."السهل الممتنع"

البورتريه، فن صحافي يمزج بين السرد والإخبار. يلتقط "المغيب" عند الشخصيات، يرسم ملامحها، يتقفى سيرتها الحياتية المؤثرة في الأحداث الكبرى، بعيدا عن الرتابة واللغة التقريرية..

محمد أبو دون نشرت في: 24 ديسمبر, 2019
حراك الجزائر.. حرر الإعلام وعرّاه

كما في لبنان والسودان، تنفّس الإعلام الجزائري أثناء الحراك الذي أسقط نظام بوتفليقة. لكن صوت المتظاهرين الذي ظهر فجأة في القنوات الخاصة والعمومية، سرعان ما خبا مرة أخرى بعدما استعادت السلطة جزءاً كبيراً مما حرره المنتفضون في الشارع ليطرح السؤال الجديد/القديم:هل يمكن نقل هذا الخبر أم لا؟

أحمد الغربي نشرت في: 22 ديسمبر, 2019
الإعلام الفرنسي.. عنصرية اليمين المتطرف في "بث مباشر"

اليمين المتطرف يسيطر على الإعلام، والصحافيون يخوضون معركة المهنية ضد رأسمال. في فرنسا، طبعت القنوات التلفزيونية مع خطاب الكراهية والتمييز والعنصرية. إيريك زمور، كاتب جزائري، حاز على شهرة كبيرة، فقط لأنه أصبح "عرابا" لأفكار اليمين المناهض للمسلمين وللمهاجرين. بلد "المبادئ" الثلاثة، في قلب نقاش حاد حول الترويج للكراهية في وسائل الإعلام.

محمد أحداد نشرت في: 16 ديسمبر, 2019
معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
حبل الكذب القصير في الإعلام

الكذب في الإعلام لا يدوم طويلا، وسيكون أقصر في السنوات القادمة؛ مع ازدياد أدوات التحقق من المعلومات، سواء من قبل الصحفيين الآخرين أو المتابعين أنفسهم، الأمر الذي يجب أن يدفع الصحفيين إلى الالتزام بالحقيقة، دون محاولة خلق أي أحداث أو إضافة معلومات زائفة.

أحمد أبو حمد نشرت في: 3 ديسمبر, 2019
الإعلام اللبناني والانتفاضة.. الصحفيون في مواجهة الشارع

الثورة في لبنان لم تهز السلطة فقط، بل هزت أيضا أركان الإعلام. التلفزيون فتح البث المباشر أمام تطورات الانتفاضة، فتأرجحت التغطية بين رؤية "أيدولوجية" وأخرى "نضالية". لقد واجه المراسلون والمراسلات واقعا مريرا في مواجهة الشارع بلغ حدّ الاعتداء اللفظي والجسدي.

جنى الدهيبي نشرت في: 24 نوفمبر, 2019
حرية الإنترنت في تقرير فريدوم هاوس.. الرقابة على كل شيء

صدر العالم يضيق أكثر أمام حرية الإنترنت.. تقرير حديث لمنظمة "فريدوم هاوس"، يفضح كيف تتحكم الدول في الشبكة العنكبوتية لتجعلها أداة لقمع الحريات وتقويض حق الشعوب في الديمقراطية. التزييف، والاعتقال، والتدخل في الانتخابات عبر محتوى مزيف، وسائل في يد "الرقيب" الذي يرى في هامش الحرية الذي حررته وسائل التواصل الاجتماعي على الخصوص، هدما لمشروعه القائم على قتل الاختلاف. 

عثمان كباشي نشرت في: 17 نوفمبر, 2019
تغطية الحرب اليمنية.. صحفيون مغامرون ومؤسسات غير مسؤولة

ضغوط كثيرة يتعرض لها الصحفيون في اليمن.. قتل واعتقال وإصابات أثناء تغطية الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من أربعة أعوام.

بشير الضرعي نشرت في: 12 نوفمبر, 2019
عندما يتماهى الإعلام مع خطاب اليمين المتطرف ضد المهاجرين

تساهم وسائل الإعلام الإسبانية في توجيه الرأي العام بشكل يجعله يتخذ موقفا معاديا ضد المهاجرين؛ عبر استخدامه لغة خالية من المهنية وتركيزه على إبراز انتهاكات المهاجرين دونا عن غيرهم، وتأمينه مساحة شاسعة للتيارات اليمينية للتعبير عن مواقفها المناهضة للمهاجرين.

أيمن الزبير نشرت في: 9 نوفمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
سياسة تويتر في حظر التغريدات .. ازدواجية معايير؟

أثبت موقع تويتر في السنوات الأخيرة أن لديه القدرة الكافية على محاربة التغريدات المسيئة بشكل فعّال، إلا أن الموقع بقي متهما بالتقصير في محاربة التغريدات المسيئة لا سيما تلك التي تحمل خطابا معاديا للاجئين والأقليات، فهل يمارس تويتر ازدواجية في تطبيق معاييره؟

مجد يوسف نشرت في: 4 نوفمبر, 2019
بين الفصحى والعامية.. كيف نصيغ اللغة الأقرب إلى الجمهور؟

فرضت المنصات الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي الحاجة لنوع جديد من الكتابة، يتميز بالسهولة والاختصار، وهذا الأمر تطلب جهداً كبيراً، خاصة وأن الهدف الأساسي هو التقرّب من الجمهور واستخدام لغة يمكنه التعامل معها بسهولة.

محمد ولد إمام نشرت في: 29 أكتوبر, 2019
لماذا يعتمد الإعلام الفلسطيني على المصادر العبرية؟

يمارس الإعلام العبري الانتقائية في تناول الأخبار، فهو يركز على الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة 1948، فيما يحول الضحية التي يُسفك دمها وتستباح منازلها ليلًا نهارًا في الضفة الغربية والقدس إلى جانٍ.

إسراء لافي نشرت في: 27 أكتوبر, 2019
الصحفيون أخطر من المسلحين.. حال الصحافة في ليبيا

لا يبدو أن آثار الحرب الليبية انحصرت على المواطنين فقط، إذ يبدو أنها طالت الصحفيين أيضاً، لتخلق حالة من الفوضى، ولينعكس ذلك على شكل التغطية الصحفية.

عماد المدولي نشرت في: 22 أكتوبر, 2019
حظر الإنترنت كوسيلة للتضليل الإعلامي.. العالم العربي نموذجًا

عمدت الدول العربية إلى استخدام حظر الإنترنت كوسيلة قمعت من خلالها شعوبها الثائرة ضدها، وللتعتيم على ممارساتها بحق المتظاهرين، غير أن هذه السياسة لم تطل المواطنين وحدهم، إنما استخدمت كأداة أساسية لقمع الصحافة وحجب المواقع الإخبارية.

أسامة حمامة نشرت في: 20 أكتوبر, 2019
البودكاست الاستقصائي العربي.. بانتظار الخطوة الأولى

يمتاز البودكاست -الوسيط الرقمي الصوتي- بتحرّره من قيود النشر، وسرعة الوصول إليه، وسهولة تلقي محتواه، إذ ما تحتاجه فقط هو حاسة السمع في أي مكان وزمان، بما يشكل بيئة تبدو مناسبة للصحافة الاستقصائية العربية لتدشين توثيق استقصائي صوتي بتكلفة مادية ومدة زمنية أقل مما يستدعيه التوثيق الاستقصائي المرئي.

فدوى حلمي نشرت في: 15 أكتوبر, 2019
العراق.. الصحف الملونة مع ساستها

تعاني الصحف العراقية اليوم من أزمة حقيقية، يلقي هذا التقرير الضوء عليها، مفسّراً أسبابها المختلفة والمرتبطة بالقراء والصحفيين على حد سواء.

سلام زيدان نشرت في: 8 أكتوبر, 2019
حال طلبة الإعلام في فلسطين: مشكلة فرص أم قوانين؟

الإحصاءات الفلسطينية تشير إلى معدلات عالية من البطالة في تخصص الصحافة والإعلام، فما هو السبب؟

هيثم الشريف نشرت في: 22 سبتمبر, 2019