التقنية في مواجهة تفشي الأخبار الكاذبة.. وكالة "سند" نموذجًا

التقنية في مواجهة تفشي الأخبار الكاذبة.. وكالة "سند" نموذجًا

لا نحتاج للتحقق من معلومةٍ مفادها أن جائحة كورونا أسهمت بشكل كبير في انتشار الأخبار الكاذبة حول العالم. غموض الفيروس وكونه مستجدا، أفسح المجال أمام سيل من المعلومات المضللة للتسلل إلى شاشات الجمهور ومنصّاتهم. وقد تطرقنا مرارا في مجلة الصحافة إلى هذه المعضلة بالتحديد، وما أفرزته من مبادرات للتحقق من الأخبار، سواء فيما يتعلق بالجائحة أو غيرها من القضايا.

   

انطلاق وكالة "سند"  

 

في شبكة الجزيرة، كان الاهتمام بالتحقق من الأخبار أقدم من عمر الجائحة بكثير، ففي العام 2015، بدأت الشبكة التفكير في تأسيس قسم للتحقق من الأخبار، حينما بدأ التحالف العربي شن ضربات على بعض المدن اليمنية، وبدأت الصور تتدفق عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى شاشات التلفزيون. ونتيجة لذلك، نمت الحاجة إلى التحقق من صحة الفيديوهات والصور والأخبار التي تنتشر عبر المنصات.

في بداياتها، كانت وحدة الرصد والتحقق مخصصة فقط لمتابعة حرب اليمن، في ظل عدم تواجد المراسلين الميدانيين في بعض الأماكن هناك، وأصبح للصحفيين والمنتجين في قناة الجزيرة مصدر يعتمدون عليه لتزويدهم بالمستجدات من النشطاء في الميدان. وفي تلك الفترة، بدأت القناة نشرة تفاعلية تحت اسم "نشرتكم" مخصصة لرصد الاتجاهات السائدة في مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت مهمة الوحدة تزويد النشرة بالمحتوى المتحقق منه. 

تصادف إطلاق وحدة الرصد والتحقق كذلك مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" وبثّه للبلاغات والفيديوهات والصور على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كانت الحرب مستعرة في سوريا، ولم يكن من السهل على الصحفيين تصديق ما يصدر عن هذا التنظيم.

تدريجيا، تحولت المصادر المفتوحة في قناة الجزيرة إلى مصدر يعتمد عليه المنتجون في التنبيه بوقوع حروب وكوارث طبيعية، بالإضافة إلى التواصل مع مصادر محلية في أماكن لا تتوفر فيها الجزيرة على مكاتب؛ كالجزائر، واليمن وسوريا، بل إن عمل هذا القسم أصبح العمود الفقري لنشرة الثامنة في الجزيرة "نشرتكم". 

مطلع العام 2021، أعلنت الشبكة في بيان، انطلاق عمل وكالة "سند" رسميا، مع حصر المستفيدين منها بصحفيي ومنتجي الجزيرة، على أن تنطلق خدماتها إلى الخارج قريبا، بحسب ما يؤكد مسؤول التواصل والتسويق في الوكالة خالد عطية، الذي يشير إلى أن الوكالة لديها الآن "العديد من التجهيزات لإطلاق خدماتها للمجتمع الصحفي، وسيتم الإعلان عنها من أجل أن يستفيد الصحفيون والمؤسسات الإعلامية من عملنا".   

 

كيف استفادت غرفة أخبار الجزيرة من الوكالة؟ 

 

خلال المرحلة الأولى من إطلاق الخدمة لصحفيي الجزيرة في الأول من أكتوبر العام 2020، درست الوكالة احتياجات غرف الأخبار، ثم عملت على هيكلة الخدمة بحيث تؤمن الرد السريع على الصحفيين وتضمن المتابعة معهم، وقد لاحظ فريق عمل الوكالة أن طلبات التحقق من مستخدمي الشبكة تمركزت حول مقاطع الفيديو أو الصور، أو مدى ارتباط بعض المقاطع بالوصف التعريفي المرفق معها. وفي إحدى المرات على سبيل المثال، وصل إلى الوكالة مقطع فيديو مع وصف تعريفي مفاده أن سفينة إسرائيلية استُهدفت بصاروخ إيراني قبالة سواحل الإمارات، وبعد التحقق من المقطع وجد فريق العمل أن المقطع يعود لاستهداف سفينة نرويجية في إطار تدريب عسكري وتاريخه يعود للعام 2013. 

ومن جهة أخرى، استخدمت غرفة الأخبار الخدمة في مهمات أخرى، مثل: ترشيح شخصيات للاستضافة من قبل الشبكة، بالاعتماد على قاعدة البيانات الشخصيات التي امتلكتها الوكالة والشهود العيان والصحفيين، بحيث تساعد الوكالة في التواصل مع هذه الجهات لإجراء المقابلات أو الحوارات. 

 

الدقة، السبق، والحداثة 

 

يعمل فريق متخصص بالتحقق من الأخبار على مراقبة المصادر المفتوحة بهدف انتقاء الأخبار والمعلومات منها ثم التحقق من صحتها باستخدام أدوات خاصة للقيام بذلك.  

يتابع فريق عمل الوكالة أكثر من ألف شاهد عيان في ٣٠ دولة، وتتنوع المواد التي تنتجها ما بين أخبار آنية وعاجلة، وأخرى رائجة؛ منها ما يشمل رصد تفاعلات الجمهور، والتنبيهات بالأخبار الكاذبة والحسابات المزورة، بمتوسط إنتاج أسبوعي يبلغ 13 تنبيها. 

كما تنتج الوكالة تحقيقات معمقة، كان أولها بالتعاون مع فريق "للقصة بقية" ورصدا جغرافيا بأدوات تعتمد على الأقمار الصناعية في مراقبة حركة الملاحة البحرية والجوية، والتغيرات على الأرض، لمطابقة الصور وبياناتها  والتوصل لنتائج هامة ضمن عمليات البحث. 

وتمتلك "سند" منهجية خاصة فيما يخص الملكية الفكرية، إذ تتواصل مع المواطنين والمصورين للحصول على ترخيص بالنشر، يحصن منصات الجزيرة من التعثّر في عقبات قانونية. كما يتواصل فريق عملها مع الجهات المختصة التي تدير بعض منصات التواصل الاجتماعي بغية تحصيل التصريحات والحوارات الخاصة فيما يتعلق بالتحقق من الأخبار وتحليلاته.

لدى "سند" آلية في التحقق تعتمد على عناصر أساسية وهي: 

- التحقق من المصدر الأولي للمعلومة: وذلك عن طريق التحقق من هوية الشخص الذي نسب إليه التصريح، والتأكد من أهليته العلمية وخبرته العملية فيما يتحدث عنه، لمنع الوقوع في فخ الاعتماد على مصادر مزيفة أو حسابات غير حقيقية. 

- الروابط الإلكترونية: يتتبع الصحفي مسار القصة للوصول إلى المصادر الأصلية للقصة عبر الإنترنت. 

- التحقق من الكاتب: يتثبت الصحفي من بيانات الكاتب أو الناشر، وعلاقته بما ادعى معرفته، إضافة إلى علاقة المعلومات التي قدمها بمجال اشتغاله وتخصصه العلمي. 

- تعدد المصادر: تعد فرص صدقية الخبر المعتمد على مصدر واحد ضئيلة، حتى لو كان مصدرا موثوقا بالنسبة للصحفي، بالمقارنة مع حالة الاعتماد على مصدرين أو أكثر، لذا يبحث الصحفي عن مصادر متعددة موثوقة للخبر.

 

التحقق عبر "الواتساب"   

 

لم يكن تطبيق "واتساب" بمنأى عن انتشار "جائحة" الأخبار الكاذبة، على الرغم من إنه - في الأساس – تطبيق للتراسل الفوري وليس لنشر الأخبار، لكن خاصّية إعادة توجيه الرسائل، ساهمت بشكل لافت في انتشار الإشاعات بين المجموعات والأشخاص، ما اضطر التطبيق إلى تحديد عدد مرات إعادة توجيه الرسائل للحد من التداول.

أدركت وكالة "سند" أهمية توفير خدماتها ضمن التطبيق نفسه، فوضعت إنتاجها اليومي في متناول مستخدميه، وسخّرت له قالبا تقنيا على شكل "بوت" يُقدِّم خدمات آلية عبر التواصل الفوري مع الوكالة، بطريقة غير مسبوقة عربيا في هذا المجال. إذ كانت دول مثل البرازيل، والهند، وجنوب أفريقيا، وكينيا، ونيجيريا سعت من أجل تلقي طلبات المستخدمين بشأن تدقيق الحقائق عبر "واتساب" باللغتين الإنجليزية والإسبانية، أما الخدمة العربية التي وفّرتها "سند" فلم يقف عملها حد تلقّي طلبات التحقق فحسب، بل أتاحت للصحفيين موادَ سبق وتم التحقق منها بالفعل، بمتوسط 64 مادة يوميا. 

 

خدمات الوكالة   

 

تنقسم طلبات المستخدمين إلى ثلاثة أقسام:

 

وإضافة إلى طلبات التحقق والرصد والتحليل، توفّر الوكالة تنبيهات بأبرز الأخبار الكاذبة المتداولة التي تهدف لتنبيه غرف الأخبار لعدم تناول أخبار أو صور أومقاطع فيديو متداولة، وذلك بإنتاج يبلغ معدله ثلاث مواد يوميا، كما تتيح الخدمة عبر "واتساب" إمكانية البحث بالكلمات المفتاحية واستعمال تصنيف الدولة.  

يعمل في الوكالة أكثر من 25 صحفيا مدربا متخصصا في الرصد والتحقق الخبري في فرق مختلفة، كلّ منها له مهمة خاصة تساهم في الإنتاج اليومي وإعداده وإخراجه حتى وصوله للصحفيين، واستقبال طلباتهم والعمل عليها.

 

 

 

Related Articles

‘Journalism is sacred work’ - Afghanistan’s frontline reporters

Afghanistan ranks as one of the world’s most dangerous countries for journalists. Yet despite targeted killings and an uncertain future, many Afghan reporters are determined to stay and bear witness to the events unfolding in their country.

Robyn Huang & Matt Reichel Published on: 14 Sep, 2021
How can we confront Islamophobia in the media?

The events of September 11, 2001 exacerbated anti-Muslim sentiment in the Western media, but Islamophobia had been around for a long time beforehand.

Khawla Nakua
Khawla Nakua Published on: 12 Sep, 2021
‘It was like the end of the world’ - the reporter's tale from 9/11

Al Jazeera’s Washington correspondent recalls the events of September 11, and explains how life for him as a Muslim journalist in America was forever changed in the aftermath

Mohammed Alami
Mohammed Alami Published on: 8 Sep, 2021
We were journalists in Afghanistan - I got out; he was killed

Afghan journalist Zakarya Hassani escaped from Kabul to Paris after the Taliban takeover. Later, he watched in anguish as his best friend, Alireza Ahmadi, died trying to do the same.

Zakarya Hassani
Zakarya Hassani Published on: 6 Sep, 2021
The fall of Kabul - lessons from a field reporter 

Al Jazeera's correspondent in Afghanistan describes what it was like to report events during the recent Taliban takeover.

Younes Ait Yassine Published on: 2 Sep, 2021
How the Pandemic Introduced Me to Mobile Journalism

How our senior correspondent at Aljazeera English, Natasha Ghoneim, discovered the power of her mobile phone during the pandemic.

Natasha Ghoneim Published on: 23 Aug, 2021
Protecting Newsgathering through the Sustainable Use of Social Media

All journalists old enough to have worked in a pre-social media world, will have had that moment.

Sam Dubberley Published on: 16 Aug, 2021
Antixenophobic media: An impossible goal?

Current media coverage in Jordan and Lebanon tend to demonize refugees and migrants. How can newsrooms prevent this sort of generalization and demonization?

A picture of the author, Muhammad Shamma
Muhammad Shamma Published on: 2 Jun, 2021
The Palestinian struggle to be seen in the media

Does the global media treat Palestinian lives as inherently less valuable?

A picture of the author, Abeer alNajjar
Abeer al-Najjar Published on: 30 May, 2021
Journalism and sociology; uneasy bedfellows

Journalism and sociology cannot be at odds since they are based on the same principle, and they use the same tools to construct social analyses. Still, the two disciplines do not see eye to eye. The sociologist sees the journalist as superficial, while the journalist sees the sociologist as cloistered in an ivory tower.

A picture of the author, Mohammad Ahdad.
Mohammad Ahdad Published on: 10 May, 2021
Should foreign laborers in Oman have their own media outlets?

Asian migrant workers in Oman face a host of challenge in adjusting to their host country. Could media outlets in their native languages ameliorate those challenges?

A picture of the author, Summayya al-Yakubi
Sumayya al-Yakubi Published on: 2 May, 2021
The internet "kill switch" in the Arab World

Government-imposed internet blackouts in the Middle East have profound effects on the media and civil freedoms across the region.

A black and white picture of the author.
Oussama Hamama Published on: 21 Apr, 2021
Media monotone in the Arab World pushes citizens to disinformation

State control over media can lead to public distrust in state institutions and a particular vulnerability to disinformation.

Jassar al-Tahat Published on: 15 Apr, 2021
Arab Investigative Journalism: Good Intentions Are Not Enough

What should young journalists in the Middle East know about investigative journalism before they jump into the field? Veteran reporter Yasser al-Zayyat clarifies misconceptions and gives advice in his latest piece.

A picture of the author, Yasser.
Yasser al-Zayyat Published on: 12 Apr, 2021
Twitter’s Tweet Deletion Policy: Double Standards?

How do Twitter and other social networks regulate content on their websites? In this article, Majd Yousef describes how not all "banned" content is created equal.

A picture of the author, Majd Yousef.
Majd Yousef Published on: 8 Apr, 2021
Indian farmers launch activist media outlets as narrative wars continue

In the midst of the narrative wars between Indian farmers and the Indian government, farmers have created media outlets and centers to combat what they see as unfavorable media coverage.

A picture of the author, Baba Tamim.
Baba Tamim Published on: 31 Mar, 2021
Risking their lives on the frontlines, journalists in Brazil’s favelas struggle for recognition

By all measures, journalists from Rio’s favelas are among the bravest war reporters in the world, facing a constant threat of violence from all directions. Still, favela journalists continue human rights violations and serve their community.

A picture of the author, Daniel Avelar, wearing a black and white checkered scarf.
Daniel Avelar Published on: 11 Mar, 2021
Fake news in the era of migration and the theory of ‘moral panic’

How are certain media outlets weaponizing fake news against refugees to cause a "moral panic?" How can media practitioners fight against this phenomenon?

A picture of the author, Maha Omar
Maha Omar Published on: 2 Mar, 2021
Post-Arab Spring media: Politicized, for better or worse?

How Arab media changed in the aftermath of the Arab Spring? Is its ongoing politicization for the better – or the worse?

A picture of the author, Moad Badry.
Moad Badry Published on: 28 Feb, 2021
What is the CNN Effect and why is it relevant today?

To what level is the news media independent, and to what degree can it influence policymakers?

A picture of the author, Kaouthar Benabid.
Kaouthar Benabid Published on: 22 Feb, 2021