بين الفصحى والعامية.. كيف نصيغ اللغة الأقرب إلى الجمهور؟

بين الفصحى والعامية.. كيف نصيغ اللغة الأقرب إلى الجمهور؟

تطرح قضية مستويات اللغة عدة إشكاليات للصحفي والكاتب الممارس وحتى الأديب، وذلك انطلاقاً من أن اللغة تعدّ المادة الخام لأي كتابة. في هذا المقال، سأتناول قضية استخدام اللغة الفصحى والعامية في الإعلام الجديد خصوصا، وذلك انطلاقا من تجربتي في هذا المجال وتفضيلي لبعض العبارات على أخرى كما سأبين لاحقا.
اللغة جزء لا يتجزأ من العملية الاتصالية التي تقوم في مفهومها البسيط على العناصر التالية:
المرسِل، والرسالة، والوسيلة، والمستقبِل. والرسالة الإعلامية وسيلتها اللغة، وهي تبادل المفاهيم أو الرموز وفكها بين المرسل والمستقبل. وقد قسم العرب قديما الكلام إلى أنواع هي:   

أولا- النثر العادي، أي الخطاب بقصد التعبير البسيط بين المتحدثين دون اهتمام بالشكل أو الناحية الجمالية.
ثانيا- النثر العلمي، وهو وسيلةٌ لنقل المعارف والحقائق العلمية، ويكون التركيز فيه على المحتوى لا على الشكل.

ثالثا- النثر الفني، وهو أعلى مراتب النثر، حيث يستخدم اللغة لأقصى مداها التعبيري والتصويري، متجاوزا لغة الخطاب العادي ولغة العلم الجافة إلى لغة أدبية ذات أبعاد جمالية، باستخدام التنسيق والأخيلة والتنميق للتعبير عن ومضات النفس وخطرات الروح وخلجاتها.
ثم إن هناك نوعاً آخر حديثاً، هو النثر الصحفي، ويقع في المنتصف بين الأدب والخطاب العادي، فيأخذ من كليهما بطرف.

وقد ارتبطت الصحافة العربية منذ نشأتها بالأدب، فأغلب الصحف كانت أدبية، وكبار الأدباء من جيل النهضة وما بعده كالعقاد وطه حسين وشكري والمازني وغيرهم، كانوا يكتبون في الصحف. كما أن كثيرا من الكتب كانت مقالاتٍ في أعمدة الصحافة، ثم جُمعت لاحقاً في كتاب، مثل حديث الأربعاء لطه حسين، ومقالات شكري في المقتطف، ومقالات المازني، وغيرهم. ويكفي أن تعرف أن جريدة "الأهرام" بدأت صحيفة أدبية.

لكن هذا التمازج أو التزاوج بين الصحافة والأدب في طور نشأة الصحف خفّ مع الزمن، حيث تخصصت الصحف وظهرت الصحف الإخبارية والفنية وغيرها. كما اختلفت لغتها تبعا لذلك، فكلما ابتعدت الصحافة عن الأدب كانت لغتُها أسهل، لكنها أيضا ابتعدت عن الفصحى. ثم جاء الراديو والتلفزيون، فصارت أغلب المواد المُذاعة باللهجات المحلية، خصوصا الدراما والبرامج الحوارية، ولم يسلم من طغيان العامية إلا نشرات الأخبار.

وقد أدى هذا إلى نقاش طويل عريض بين الصحفيين والكتاب حول استخدام العامية وضرورة الموازنة بين ما يُكتب وما يفهمه الجمهور المستهدف، ولن نطيل بتتبع الآراء هنا. فالحاصل أن اللغة الفصحى انحسرت كثيراً في إعلامنا عموماً، بل كادت تختفي في الإعلام المحلي تماما.

ولن أطيل هنا أيضا في قصة نشأة العاميات أو اللهجات المحلية، ولا الفوارق بينها وبين اللغة الأم عبر التصحيف والإبدال والإدغام والنحت والقلب وغير ذلك، فهو موضوع مستقل وبحث طويل. 

والمتتبع للعاميات، يجد بعض الأنماط الواضحة (vivid parallels) رغم الاختلافات في الكلمات والدلالات. ومن ذلك ما ذكره أحد المستشرقين عندما كتب أنه تعلّم اللغة العربية في إيطاليا، لكنه واجه مشكلة كبيرة عندما سافر إلى بعض الدول العربية، حيث يذكر أنه في بعض الدول، عندما يطلب شرابًا يُعطونه مشروبًا، وفي البعض الآخر يعطونه جوربًا.
ومع ظهور المنصات الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت ضرورة الاختصار والبساطة، وهو ما يتطلب تدريبًا كبيرًا للمنتجين على هذا الشكل المستحدث من الكتابة، حيث تتميز هذه القصص الخبرية -إضافة إلى السهولة والاختصار- بالتوجه إلى جمهور حديث السن وذي اهتمامات شبابية ورياضية وإنسانية، وهذا يضعنا أمام اختبار صعب للمواءمة بين ما يفهمه المتلقي الشاب من جيل الألفية وبين سلامة اللغة وسلاستها وسهولتها، مع الميل إلى الأسلوب الشبابي في الاختصارات مثلا والرموز واستخدام الوجوه التعبيرية. 

وهنا، على المنصة أن تستخدم الفصحى السهلة المفهومة ولكن الصحيحة أيضا، في كل ما تنتجه مسموعًا أو مكتوبًا، أصليًّا أو مترجمًا عن لغات أخرى، وهذا لا خلاف عليه. لكن المتدخلين في القصص يتحدثون غالباً بلهجاتهم، وهم من شرائح مجتمعية ومستويات علمية واقتصادية مختلفة ومتباينة، ففي القصص الإنسانية مثلا، علينا أن نُجري مقابلة مع المريض أو ضحية العنف، ومع الطبيب أو المرافق كذلك، وكلهم سيتحدثون بالعامية، وكذلك شهود العيان والخبراء وغيرهم. هذه المداخلات والمقابلات لا نتحكم في لغتها، وهي ضرورية للقصة.

وللغة في هذه الوسائط خصائص أخرى غير الأسلوب الموجز والأنيق الجاذب، فينبغي انتقاء واختيار ألفاظ دقيقة وصحيحة لغويًّا. وسأضرب أمثلة مما أقدِّمُه وأفضّله شخصيا بين ما هو شائع في الاستخدام ويُتناول كمترادفات.
فكلمة "تواجد" لغويا تختلف عن "الوجود"، ورغم ذلك كثر استخدامها بهذا المعنى. وكلمة "الأهرامات"، لم لا نكتب "الأهرام"؟، والأمر نفسه مع كلمة "الضغوطات"، فلنكتب الضغوط وهكذا..
وعلينا أيضا أن ندقق في الفروق الدقيقة بين الكلمات، فمثلا نجد في الإعلام كلمات: محَجَّبة ومُحْتجِبة، ومتحَجِّبة.. وبالتمعّن، نجد أن كلمة "محجبة" تومئ إلى أن الأمر مفروض عليها، و"محتجبة" تومئ إلى معنى الخلوة أو الانعزال عن الناس، وكأنها تتخذ حاجبا على بابها، والأحسن عندي كلمة "متحجبة". وقس على ذلك كلمات تستخدم كمترادفات رغم اختلاف معانيها مثل: خاطئ ومخطئ، جاثٍ وجاثم، آهلة ومأهولة، عشواء وشعواء ...إلخ.
وسأتناول هنا تحديًّا ظهر مع هذا النوع من مقاطع الفيديو الرقمية، وهو هل نكتب العامية التي يتحدث بها مشاركون في الفيديو أم نترك الكلام غير مكتوب؟
ولأن طبيعة هذه المقاطع تعتمد على الكتابة على الصورة، فكان لزامًا علينا أن نكتب كل ما يُقال، على غرار المنصات الأجنبية، لكن تلك المنصات لا تواجه قضية العامية والفصحى كما هو الحال عندنا، فاقترح البعض أن يُترجَم ما يُقال بالعاميات إلى الفصحى، لأن هذه المنصات تتوجه إلى الناطقين بالعربية عموما، وربما لن يفهموا العاميات بمختلف أنواعها، ولكن هذا سيبعدنا عن الكلام المنطوق فيصير مثل ترجمتنا للمقاطع التي نستخدمها باللغات الأخرى.

وأمام هذا التحدي اللغوي الكبير في قضية اللهجات المتعددة واستخدامها من عدمه في الرسائل الإعلامية، علينا كمنتجين ومحررين لهذه القصص الإخبارية القصيرة التعامل مع المتدخلين بلهجاتهم المحلية من شرق الوطن العربي إلى غربه، فعقدنا بصفتنا صحفيين ومحررين، اجتماعات تحريرية وناقشنا الخيارات المتاحة، وخلاصةُ ما توصلنا إليه هو ضرورة كتابة هذه اللهجات، بدل أن نتركها مسموعة فقط، ولكن مع مراعاة الآتي:     

  1. التفكير بالمتلقي العربي في مختلف أقطاره وجهاته:
    وهذا يعني أن نقرّب كتابة الكلمة إلى أصلها العربي قدر الإمكان، فمثلا إذا كان شخصٌ مصري يتحدث وقال "أؤول" نكتبها باعتبار الأصل وهو انقلاب القاف همزة في النطق، فنكتبها "أقول"، وهكذا إذا قلب الذال زايًا أو غير ذلك.

    وكذلك لو قال المتحدث "هوم بيتحملو هاظ" نكتبها "هم يتحملوا هذا"، ولو قال "أنا أعرفو" فنكتبها بهاء باعتبار الأصل أيضاً "أعرفه"، فلاحظ أن فعلَيْ "يتحملو" و"أعرفو" كلاهما مكتوب في العامية بواو، بينما الأصل مختلف كما ترى.

  2. الاستغناء عن اللواحق والزوائد في بعض اللهجات:
    مثلا في المغرب، هناك زيادة الغين في بداية الأفعال "غَنْدير" وكذلك الكاف "كَنْقول"، وفي المشرق "حَنِعمل" وأحيانا تُكتب "هَنِعمل" و"بْنِعمل"، هذه اللواحق يمكن أن تُربك من يقرؤها مكتوبة، لذلك نحذفها لتسهيل فهمها على بقية المتابعين من دول عربية أخرى.

  3. الكلمات التي من لغات أخرى كالفرنسية في المغرب العربي مثلا والإنجليزية في المشرق، نترجمها إلى اللغة العربية الفصحى فقط، ولا نكتبها بلغتها ولا بالحروف العربية طبعا.

  4. مراعاة قواعد الفصحى حتى في اللهجات:
    فبدل أن نكتب "بيؤولو" كما أسلفنا، نُرجع الهمزة إلى أصلها القاف، ونحذف اللاحقة الباء، ثم نراعي القاعدة في كتابة ألف الجماعة فتتحول من "بيؤولو" إلى "يقولوا".. فأغلب أهل المغرب لن يفهموا الكتابة الأولى، بينما الكتابة الثانية أصبحت مفهومة رغم النطق المختلف للمتحدث باللهجة. وكذلك لو كتبنا عن شخص مغربي يقول "كَنَحْكيوْ" فنزيل اللواحق الكاف والواو فتصير "نحكي"..  ولو أن شخصاً من موريتانيا قال في تسجيل "اشطاري"، فنكتبها باعتبار الأصل "إيش طارئ"، فإذا قرأها أحد من المشارقة مثلا فسيفهمها عكس الكتابة الأولى.

هذه نماذج مما يمر علينا في بعض القصص التي يتحدث فيها متحدثون باللهجات العربية المختلفة.

ومن أهداف هذا المسعى أيضًا الحفاظ على رابطة اللغة التي تربط المتلقين في جميع أنحاء الوطن العربي، فيتم ربطهم باللغة الأم الفصحى، فضلا عن تسهيل التواصل بينهم.

نصائح: 

  •  استخدم الفصحى السهلة المفهومة ولكن الصحيحة أيضاً.

  •  انتقِ ألفاظاً دقيقة وصحيحة لغويًّا أثناء الكتابة.

 

صورة المقال: بيتر ماكديارميد - غيتي

More Articles

Investigative journalism: Going undercover 

Covert operations for a journalistic investigation should be undertaken as a last resort only. In Part 4 of our series on investigative journalism, we explore the best ways to go undercover

Malak Khalil Published on: 2 Feb, 2023
‘They called us agents of imperialism’ - remembering the bombing of Zimbabwe’s Daily News

Twenty-two years after the bombing of a newspaper printing plant in January 2001, the perpetrators are still at large - and a state-sanctioned assault on a free press continues

Derick M
Derick Matsengarwodzi Published on: 30 Jan, 2023
Investigative journalism: How to develop and manage your sources

Your sources are the backbone of any investigation. In Part 3 of our series on investigative journalism, we look at how to find, foster and manage them

Malak Khalil Published on: 26 Jan, 2023
Investigative journalism: Hypothesis-based investigations

What is a hypothesis-based investigation, how do you come up with one and how do you investigate and prove it? Part 2 of our series on investigative journalism

Malak Khalil Published on: 19 Jan, 2023
Investigative journalism: What should you investigate?

In the first of our series on investigative journalism, we look at how journalists decide what to investigate

Malak Khalil Published on: 12 Jan, 2023
Navigating the Great Firewall of China

International media is blacked out in China - and very few are willing to try to bypass the country’s Firewall  

headshot
Al Jazeera Journalism Review Correspondent Published on: 5 Jan, 2023
Why are journalists in India turning to YouTube?

Indian journalists say the platform is a more democratic and uncensored place to work, but is the growing trend of YouTubers calling themselves journalists a cause for concern?

Saurabh Sharma
Saurabh Sharma Published on: 2 Jan, 2023
How Hungary’s media created the ‘Muslim bogeyman’

THE LONG READ: Hungary was one of the first Soviet-controlled countries to welcome refugees in the late 1980s. These days its government is one of the most opposed to migration in Europe. We examine how the media paved the way for this turnaround

Kinga
Kinga Rajzak Published on: 28 Dec, 2022
Conflict, crisis and Colombia’s shifting media landscape

THE LONG READ: As political and commercial elites continue their stranglehold on mainstream media in Colombia, some independent minnows are starting to emerge

Mauricio
Mauricio Morales Published on: 5 Dec, 2022
How to cover major sports events

With the World Cup Qatar 2022 in full swing, the fourth part of our series on sports journalism focuses on how to cover major sporting events

Younes
Younes El Kharashi Published on: 1 Dec, 2022
How do sports journalists find and report the news?

In the third of our special series on sports journalism, we focus on the best ways to find and report sports news - from nurturing your sources to writing news stories

Younes
Younes El Kharashi Published on: 29 Nov, 2022
How to get started in sports journalism

In the second part of our special series on sports journalism, we explore the ways in which sports journalists can make a start in their careers

Younes
Younes El Kharashi Published on: 24 Nov, 2022
Sports journalism is no ‘easy life’

In the first of our special series of articles focusing on sports journalism, we examine the wide range of skills and ethical knowledge it takes to be a great sports reporter

Younes
Younes El Kharashi Published on: 22 Nov, 2022
Connecting continents - the trials and tribulations of diaspora journalists

THE LONG READ: The tireless work undertaken by diaspora journalists to change narratives about their homelands and to build bridges between communities still goes largely unacknowledged

Anam Hussain
Anam Hussain Published on: 8 Nov, 2022
The common struggles of female journalists around the world

Female journalists from different regions speak out

Safina
Safina Nabi Published on: 1 Nov, 2022
Al Jazeera Investigations - the making of the Labour Files

An Al Jazeera investigation into the running of the UK’s Labour Party has revealed evidence of an ‘Orwellian’ smear campaign against its former leader, Jeremy Corbyn, a ‘hierarchy’ of racism within the party and even the hacking of journalists. Here’s how it came about 

Phil
Phil Rees Published on: 19 Oct, 2022
'If women are dying as a result of it, then I should report about it' - telling the untold stories of Cameroon

Journalists like Comfort Mussa, based in Cameroon, say that seeking out the untold stories of real people and having the bravery to cover taboo subjects are essential to their work

Akem
Akem Nkwain Published on: 3 Oct, 2022
The trials, tribulations and irreplaceability of political cartoonists

How political cartoons have evolved in recent decades and are now shaping public discourse in southern Africa

Derick M
Derick Matsengarwodzi Published on: 1 Sep, 2022
‘I had to work for free’ - life as a disabled journalist in Cameroon

Working as a journalist is not easy for people with disabilities in Cameroon - many of whom are forced to work as volunteers for years to ‘prove’ themselves able to do the job

Akem
Akem Nkwain Published on: 25 Aug, 2022
Navigating Taliban rule as a YouTuber - one year on

For the YouTubers who stepped into the shoes of journalists who fled following the Taliban takeover of Afghanistan, the message is clear - broadcast what we tell you or be closed down

Sayed Jalal
Sayed Jalal Shajjan Published on: 18 Aug, 2022
‘We have to walk miles to cover the news’ - journalism in Sri Lanka

The ongoing economic crisis in Sri Lanka has been widely covered by international media. But what is life like for journalists in the country right now?

Abeer Khan Published on: 7 Aug, 2022
‘No less than a fight for survival’ - life for mobile journalists in India

THE LONG READ: Mobile phones have made a career in the media more accessible to independent journalists. But they have also made it easier to exploit them

Saurabh Sharma
Saurabh Sharma Published on: 2 Aug, 2022
When covering refugee stories makes you a figure of hate

A wave of anti-migrant sentiment is gripping South Africa and those journalists covering it, who are migrants themselves, have become a particular target

Derick M
Derick Matsengarwodzi Published on: 28 Jul, 2022
A short history of ‘click-bait’ journalism

From the ‘Great Moon Hoax’ of 1835, ‘Yellow Journalism’ has been around longer than you might imagine. But can it survive forever?

Rokeya
Rokeya Lita Published on: 26 Jul, 2022