الصحفيون المستقلون.. مظليون يقاومون السقوط الحر

في العام 2015، نشر موقع "سي.بي.جي" الخاص بلجنة حماية الصحفيين مقالا بعنوان "صحفيون في الميدان بمفردهم.. زيادة عدد الصحفيين المستقلين يعني حصولهم على دعم أقل وتعرضهم لخطر أكبر". كان المقال يناقش المخاطر المحدقة بالصحفي المستقل في مناطق النزاع آنذاك، لكن المراقب لوضع الصحفيين المستقلين اليوم وارتفاع أعدادهم يقف على معادلة "دعم أقل وخطر أكبر"، ليس فقط في مناطق النزاع وبؤر التوتر، وإنما عبر العالم كله وتحديدا في العالم العربي الذي تقل فيه فرص حصول الصحفيين على حقوقهم الأساسية.

ومع الظرف الاستثنائي الذي فرضته جائحة "كوفيد-19" وما آلت إليه الأوضاع في كل العالم، تعيش الصحافة حالة تغير، وتعرف المؤسسات الإعلامية مخاضا في بنياتها وطرق عملها وإستراتيجيات التعامل مع الموظفين. وهناك تسريع لوتيرة تراجع الإعلام الورقي وعصف بآلاف الصحفيين خارج دائرة الأمان الوظيفي، ومنه تزايد أفواج "الفريلانس".

 

"الفريلانس" صيغة المستقبل!

ظهر مصطلح "الفريلانس" في سوق العمل منذ حوالي عقدين من الزمن، وأصبح مرادفًا للعمل الحر أو المستقل، وعرف رواجا بين الباحثين عن فرصة عمل بمميزات إضافية عن الدوام. وقد بدأ بالكتابة والترجمة، ومع التطور التكنولوجي السريع وانتشار شبكة الإنترنت، فُتح بابٌ للعمل من المنزل، وظهرت العديد من منصات العمل الحر، من بينها الوظائف والأعمال الصحفية والإعلامية المختلفة. والآن أصبح على رأس معظم السِيَر الذاتية للشباب، وتحول إلى صيغة عمل منتشرة يُتوقع أن تهيمن على أسواق العمل مستقبلا في مختلف القطاعات.

 

الصحافة بالقطعة

يُعرف العمل بالقطعة بأنه نوع من الوظائف التي يُدفع فيها للعامل أجر ثابت لكل قطعة ينتجها أو ينجز عليها عملا أو يبيعها، بغض النظر عن الوقت المستهلك لإنجاز ذلك. وظهر مفهوم القطعة خلال منتصف القرن التاسع عشر في أوروبا، وتطور مع تطور مفهوم ونوع الأجر في النظريات الاقتصادية. وساهم توسع شبكة الإنترنت في تطور التعاقد على القطعة، حتى أصبح مفهوم العمل الحر (الفريلانس) ومفهوم العمل بالقطعة وجهين لعملة واحدة.

وسمي الكُتاب بالقطعة "مُصاحفين" تميزا لهم عن المحررين الأصليين، وكانوا يُعتبرون أنشط الأعضاء في المجلات، حسب توصيف كتاب "المدخل في فن التحرير الصحفي" لصاحبه عبد اللطيف حمزة، حيث كانوا يزودون المجلة بالمقال والقصة ورسوم الكاريكاتير وغيرها.

 

مظليون في مهب الرياح

أعلن المجلس الوطني للصحافة في المغرب أن عددنا -نحن الفريلانسرز المغاربة- فقط 87 حاصلا على بطاقة الصحافة المهنية (62 صحفيا و25 صحفية)! لكن كتّاب القطعة أكثر من ذلك بكثير!

إنها الدوامة، عنق الزجاجة التي تحشر فيه الحقوق فيصبح الانزياح إلى وسط الزجاجة المغلقة انعتاقا، إذا لم تستطع الخروج منها. وصحفيو القطعة خصوصا العاملون مع منابر دولية دفعوا بأزمة عنق الزجاجة إلى الخارج، فشكلوا نماذج من المظليين السابحين لتفادي السقوط الحر.

أحيانا يعمل الصحفي في أكثر من مكان ولصالح عدة جهات لتوفير راتب مناسب، وأحيانا يقبل بشروط بعض المؤسسات بالتفرغ والعمل حصريا معها، بلا راتب تقاعدي ولا تأمين صحي ولا بدل نهاية خدمة ولا إجازات مأجورة ولا تعويضات إصابة عمل..

والأصعب أحيانا، بلا انحياز إلى المهنية، فتجد من يكتب عن كل شيء وأي شيء، ومن يلعب أوراق الصراعات، ويصطاد في الماء العكر على حساب المهنة، ومن يدبّج مقالات رأي تحت الطلب.

 

شهادة 

أكتب هذا الكلام الذي يمكن أن ينشر أيضا في إطار العمل بالقطعة، لا تحت طلب أو تكليف، ولا مجرد تأمل ومعالجة واقع شريحة من الصحفيين، بل أكتبه شهادةً من واقع حال شخصي وحال زملاء قريبين مني، عشنا تجربة وقف إصدار الجريدة الورقية التي عملنا معها.

وهو وضع زملاء آخرين أيضا تخرجوا من المعاهد العليا للصحافة والإعلام، وآخرين خبروا المهنة لأعوام، وهناك مدراء نشر ورؤساء تحرير يكتبون بالقطعة لرفع مصاريفهم وتغطية نفقاتهم، بل هناك من يعمل لتغطية نفقات مشروعه الإعلامي، أو ليدفع لصحفي آخر يعمل عنده.

وبالطبع، هناك من يكتب بهدف الانتشار الأوسع، وإيصال صوته إلى أكبر عدد من القراء، منهم من اختار هذا النمط من الكتابة طواعية لما يوفره من حرية وانتشار، ومنهم من اضطر إليه اضطرارا، ومن فُرض عليه بمنطق الأمر الواقع.

مؤسسات كثيرة حتى الكبيرة منها وذات الانتشار الواسع، أصبحت تلجأ إلى هذا النوع من "التعامل"، حتى لا أقول "التعاقد" لأنه تعامل خال من أي تعاقد، ولا يعتمد على أي ضمانات ولا يحقق أي استقرار.

وهو ما يوفر للمؤسسة مجال مناورة كبيرا جدا يمكّنها من استبدال المتعاملين معها في أي وقت، وإبطاء أو تسريع وتيرة النشر بحسب إستراتيجيتها، بما يمنحها هامش تحكم في ميزانيتها وفي جودة المحتوى الذي تنشره.

 

سؤال الحماية

"العطاش" صفة كانت تُطلق على العمال في الأشغال اليدوية كالبناء والحفر، وهي مشتقة من الكلمة الفرنسية "a la tache" أي بالقطعة، وهو ما كان يجعل العامل يبقى طويلا في ورش العمل ليكمل العمل المكلف به (القطعة)، وما كان يصاحب ذلك من كد وتعب وعطش، حوّل المهمة إلى اصطلاح "العمل بالعطش"، وسمي ممارسوها "العطّاشة".. اليوم في مجال الإعلام الذي يوصف بأنه مجال الرمال المتحركة، أصبح المراسلون المستقلون "عطاشة" العصر الحديث، إما أن يتحملوا عطشهم أو يعطشوا من دونه.

بدأ الصحفيون المستقلون في الدول الغربية تنظيم أنفسهم خارج إطار التجمعات الإعلامية والمنظمات الداعمة مثل "سجل الصحفيين المستقلين في الخطوط الأمامية" التي تتخذ من لندن مقراً لها ويلتزم أعضاؤها بالمحافظة على المعايير الصحفية المهنية، والمشاركة في دورات التدريب على التعامل مع البيئات المعادية والإسعاف الأولي الطارئ، وشراء بوليصات تأمين ملائمة، واتباع البروتوكولات الأمنية الأساسية. 

وهناك هيئات تمثيلية أنشأها ويديرها صحفيون مستقلون، وهي مفتوحة للصحفيين الدوليين المستقلين الذين يتعرضون للخطر في عملهم ويلتزمون بمدونة قواعد السلوك الخاصة بها، إذ توفر لأعضائها الدعم والتآزر أثناء الدفاع عن سلامتهم وممارستهم المهنية.

ولكن يبقى سؤال الحماية مطروحا فيما يتعلق بالصحفيين المستقلين في المجتمعات العربية.

"الفريلانسر" العربي اليوم يعتمد في كل شيء على نفسه، في تكوينه وتأمينه وفي تدبير قوت يومه، فهو متروك لنفسه، يستثمر في تطوير مهاراته، ليواكب ويجد له مكانا في عالم يتطور بسرعة. فأي مسؤولية لنقابات الصحفيين وممثليهم تجاه الصحفيين المستقلين العاملين بنظام القطعة على المستوى المحلي أو العربي أو الدولي؟ وأي تنظيم لأجورهم وحقوقهم وعقود عملهم؟

فمن يحمي "العطاش" إذا اشتد الحر؟

 

المزيد من المقالات

دروس صحفية من زمن الوباء

في إسبانيا توقفت الحياة وامتلأت المستشفيات بالضحايا، وفي الجانب الآخر كان الصحفيون يواجهون وضعا استثنائيا لنقل الحقيقة أمام إجراءات الطوارئ الصحية. مراسل الجزيرة في مدريد يسرد قصته مع الوباء، وكيف حافظ على القصة الإنسانية وسط الأرقام الجامدة.

أيمن الزبير نشرت في: 16 سبتمبر, 2020
ذاكرة الزلزال.. الكتابة عن الكارثة

في العام 2004 ضرب زلزال عنيف مدينة الحسيمة شمالي المغرب.. زار كاتب المقال المدينة المنكوبة ليؤمّن تغطية صحفية، باحثا عن قصص إنسانية متفرّدة.

نزار الفراوي نشرت في: 6 أغسطس, 2020
التقرير الصحفي في زمن كورونا.. بين الحقيقة والتصنع

في القصص الإخبارية التي تبثها الفضائيات، تحس بأن الكثير منها متصنعة وغير حقيقية. أزمة كورونا أضافت الكثير من البهارات لتغطيات كانت إلى وقت قريب عادية، في حين غيبت قضايا حقيقية من صميم اهتمام الممارسة الصحفية.

الشافعي أبتدون نشرت في: 14 يونيو, 2020
يوميات صحفي فلسطيني تحت النار

في مواجهة الاحتلال، يعيش الصحفيون الفلسطينيون ظروفا صعبة أثناء التغطية الميدانية. هذه مشاهد لصحفي غامر بحياته دفاعا عن نقل الرواية المحاصرة.

محمد أبو قمر  نشرت في: 13 مايو, 2020
في ليبيا.. "الوباء السياسي" يتفشى في الإعلام

في ليبيا، حاولت وسائل الإعلام التابعة لقوات حفتر أن تسبغ على وباء كورونا ضغائن سياسية وصلت حد اعتقال طبيب قال على المباشر إن تعامل اللجنة التي شكلها اللواء المتقاعد ضعيف.

عماد المدولي نشرت في: 3 مايو, 2020
الصحافة الورقية تحت الحجر

لا يتفق كاتب المقال مع أصحاب مقولة إن أزمة كورونا ستوجه الضربة القاضية للصحافة المطبوعة. لن تنقرض، بل تحتاج فقط أن تبني نموذجا اقتصاديا يجمع بين الإخبار والبقاء على قيد الحياة.

يونس مسكين نشرت في: 21 أبريل, 2020
الصورة كجواز سفر

حينما تعجز عن الحديث بلغة أهل البلد، تحتمي بالصورة. هذه قصة الفرجي الذي وصل إلى إيطاليا بعدما أمضى عقدا كاملا من العمل الصحفي في المغرب. متنقلا بين منصات إيطالية وأخرى عربية، كان عبد المجيد يقتحم "العالم الصحفي الجديد" بالصورة مستعيضا عن اللغة.

عبد المجيد الفرجي نشرت في: 15 أبريل, 2020
يوميات مراسلة من غرفة المعيشة

في حين بدأ كثير من الزملاء الصحفيين التعايش مع واقع جديد من العمل من المنزل منذ أسبوع أو أسبوعين في بعض دو

أروى إبراهيم نشرت في: 2 أبريل, 2020
روايات للصحافيين.. في الحجر الصحي وبعده

يظهر الصحافي في الروايات متسلقا، وصوليا، عدوا للحقيقة مرتشيا، تغره الأهواء والأضواء، مستثمرا سلطته للتصفية الرمزية في خدمة الساسة ورجال الأعمال، عاشقا للفضائح و"اللحم الطري" (فيلم ذا بوست).

محمد أحداد نشرت في: 31 مارس, 2020
يوميات صحفي رياضي في كابل (1)

الطريق إلى كابل ولو في مهمة رياضية، ليست مفروشة بالنوايا الحسنة. صحفي سابق لدى قناة "بي إن سبورتس" الرياضية، زار أفغانستان لتغطية مباراة دولية في كرة القدم، لكنه وجد نفسه في دوامة من الأحداث السياسية.. من المطار إلى الفندق إلى شوارع كابل وأزقتها، التقى قناصي الجيش الأميركي، وكتب هذه المشاهدات التي تختصر قصة بلد مزقته الحرب.

سمير بلفاطمي نشرت في: 26 يناير, 2020
الإعلام الإنساني وسط ضجيج الحروب

من أهم القيم الخبرية (News Values) هي قيمة البعد الإنساني (Human Interests) حسب رأيي، لأن لها تأثيراً مباشراً

محمد ولد إمام نشرت في: 29 سبتمبر, 2019
تجار الحقيقة.. صناعة الأخبار في العصر الرقمي والمعركة من أجل الحقائق

يستعرض الكاتب في مقاله كتاباً لجيل أبرامسون الذي صدر في فبراير/ شباط 2019 عن دار سايمون آند شوستر، والذي يتناول التحول الذي لحق بالصحافة الأميركية في العصر الرقمي الذي نعايشه.

عثمان كباشي نشرت في: 25 سبتمبر, 2019
كيف نستفيد من تطور التواصل الاجتماعي في قصتنا المتأنية؟

غالباً ما أبدأ تقريري بقصة أحد الأبطال، من أجل تقريب الصورة إلى ذهن القارئ، فهو لا يقرأ خبراً صرفاً، بل قصة إنسانية يستطيع أن يتخيل نفسه بطلها ويشعر بما يشعر به بطل القصة الحقيقي. قد يتساءل المرء: "بطل؟ هل هذه رواية؟".. نعم، إنها الصحافة المتأنية.

محي الدين حسين نشرت في: 25 أبريل, 2019
نصائح: كيف تغطي أخبار البرلمان

إذا وقع اختيار رئيس التحرير عليك لانتدابك مراسلاً للشؤون البرلمانية لتغطيتها في بلادك فأنت صحفي محظوظ، فالبرلمان هو المكان الأفضل لممارسة سلطتك الصحفية الرقابية على كل من السلطة التشريعية والتنفيذي

أحمد أبو حمد نشرت في: 3 مارس, 2019
اليوميات..التأريخ بعيداً عن السياسة التحريرية

جرت العادة أن يَقصِر الصحفي كتابته عن الحدث الذي يغطيه ضمن الإطار الذي تفرضه السياسة التحريرية للوسيلة الإعلامية، فتراه يختزل الأشياء من حوله في كلمات أو صور أو أصوات، وهو يدرك جيدا أنه م

يونس الخراشي نشرت في: 13 فبراير, 2019
التغطية الإخبارية في ظل الاحتلال في فلسطين

في المقابلة التالية، ارتأينا تسليط الضوء على التحديات التي تواجهها مهنة الصحافة تحت الضغط وفي ظل الاحتلال لأنها تختلف عن التحديات التي تواجه صحافة الحروب بشكل عام.

تامر المسحال نشرت في: 6 فبراير, 2019
من الرباط إلى كابل.. قصة مراسل

لأسباب قد يطول شرح تفاصيلها، رفضت السلطات المغربية منحي رخصة العمل كمراسل لقناة الجزيرة في المغرب.. واقع جعلني لما يقارب السنتين مراسلا صحفيا مع وقف التنفيذ، قضيت معظم هذا الوقت في غرفة الأخبار بال

يونس آيت ياسين نشرت في: 2 ديسمبر, 2018
الواقع الافتراضي في الصحافة

غالبا، تقدمنا نشرات الأخبار على أننا أرقام، عشرون شهيداً، ثلاثون أسيراً ومئات المصابين ربما.

إيليا غربية نشرت في: 25 نوفمبر, 2018
المراسلة الجديدة

يتحتم عليّ في ظل هذا الازدحام الإعلامي الرقمي أو التقليدي أن أجد طريقاً آخر لصياغة تقريري أو قصتي كما أحب أن أسميها، إذ لا معنى للمنافسة في السرعة أو العدد، لكن الهامش واسع جداً للتميز والاختلاف والانتقائية وبلورة القصة من زوايا جديدة.

نجوان سمري نشرت في: 6 نوفمبر, 2018
المراسل الحر.. قناص اللحظة ومنقب عن الذهب

 عُرف المراسل الصحفي بكونه مؤرخ اللحظة باعتبار أن الحدث الحاصل أو المُرتقَب الحصول هو ميدان عمله، وانحصرت مهنته بشكل أساسي في تغطية الأحداث السياسية والرياضية والاقتصادية والفنية،

جورج كدر نشرت في: 9 سبتمبر, 2018
أخلاقيات الإعلام الفلسطيني برسم ”المصالحة“

فجأة، تغيرت المصطلحات السياسية والإعلامية وتبدلت التوصيفات.

محسن الإفرنجي نشرت في: 31 أكتوبر, 2017
زلزال المكسيك.. الصحفي الضحية

كأنما هو كابوس. كان الوقت فجرا، في مدينة موراليس المكسيكية. ورأيتني مع عائلتي مسحقوين تحت أطنان من الأحجار.

ماكسيمو سيرذيو نشرت في: 12 أكتوبر, 2017
صحافة ”بائعي المطاط“ بالمكسيك.. قصص الموتى أم الأحياء؟

لماذا لم يقتلوك؟ هكذا سألني كارلوس سانشيس، مراسل صحيفة إيرموسيو، في مدينة سينالوا شمال شرق المكسيك.

خافيير بالديس كارديناس نشرت في: 21 مايو, 2017