لم تكن تجربةً واحدةً. إنها عدة تجارب بولاداتٍ أنجبتْ نفسها في روحٍ واحدة، صارعتْ من أجل البقاء وإبقاء كلمات وصوت وصور الضحايا مسموعة ومرئية في أحداث أكتوبرية مفاجئة قلبت الحياة رأسًا على عقب، لكن رغم قساوتها وضراوتها وإنسانيتها لم يحمل أحدٌ عبء تغطيتها سوانا نحن أبناءها؛ فعيوننا ودماؤنا رحلت وترحل إليها، كما ترحل عنها ومنها على مدار الساعة، تنفطر القلوب حزناً على ما آلت إليه حرب غزَّة. ما المعنى في تصدّرها قائمة الموضوعات الأكثر بحثًا عبر محرك البحث؟ ما الفائدة؟
لا شيء.
بعد 700 يوم من الحرب، ما تزال الإبادة على أشدّها.
تجربة أنجبت نفسها
أهوال حرب الإبادة التي اجتاحت شمال غزَّة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 شلّت قلمي وصوتي وعدستي عن العمل بعد أيام معدودة من بدايتها. رائحة الموت كانت تملأ المدينة من شمالها إلى جنوبها بينما ظل الرعب يحرق هدوء سمائها. الطائرات الحربية الإسرائيلية شنت سلسلة من الهجمات الشرسة بالأحزمة النارية فارتجت جدران المنزل وتزلزلت الأرض من تحت أقدامي وارتعشت يداي. سجّلت عيناي وأذناي ما كانت تفعله قذائف المدفعية بأصواتها المرعبة وشظاياها الفتاكة التي تقصّ حتى شجرة الزيتون وتقتطع ما تبقّى من طمأنينة روحي.
أينما وجهت وجهي لا أرى سوى الدماء والأجساد المتفحمة أو الأشلاء التي تطايرت وانتثرت على سطوح المنازل وعلى قارعة الطرق. تختلط مع تلك المناظر رائحة البارود والغبار والأدخنة المختلفة. لم أجد ملاذًا من هول ذلك الرعب إلا جدارا إسمنتيا متصدعا للاحتماء به من تلك النيران التي تصر على إبادة ذكريات وملامح بيوتنا وحاراتنا وأزقتنا، ذكريات طفولتنا وعلاقتنا مع المكان. كلها محاولات لاقتلاع الإنسان ومتعلقاته المادية والنفسية من هنا. لم نكن نبالغ حين قلنا إننا كنا ننظر إلى بعضنا منتظرين القذيفة التالية التي ستضربنا في العتمة الدامسة والدائمة. والموت لا يكون مُدويّاً وسط انقطاع الكهرباء والإنترنت والاتصالات؛ ذلك موت بلا ضجيج، حتى نادرًا ما يصل منصاتِ التواصل الاجتماعي ووسائل الأنباء. تقطع عنا إسرائيل سبل الاتصال، تنفينا مؤقتًا كأننا في كوكب مختلف، أو وحدنا على هذه الأرض قبل أن تنزل الضربة التالية فنموت، وكأننا لم نكن أصلًا.
أينما وجهت وجهي لا أرى سوى الدماء والأجساد المتفحمة أو الأشلاء التي تطايرت وانتثرت على سطوح المنازل وعلى قارعة الطرق. تختلط مع تلك المناظر رائحة البارود والغبار والأدخنة المختلفة. لم أجد ملاذًا من هول ذلك الرعب إلا جدارا إسمنتيا متصدعا للاحتماء به من تلك النيران التي تصر على إبادة ذكريات وملامح بيوتنا وحاراتنا وأزقتنا.
بعد أشهر من العدوان، جاء إلينا الموت بحلّة أخرى: جوع قاتل يقضي على الروح ويفتك بقدرتها قبل أن يقضي على الجسد. عشتُ المجاعة عدّة أشهر، حتى كسرة الخبز القمحي اليابس اختفت. حملت حقيبة ظهر سوداء فيها بعض الحاجيات الصغيرة والأوراق الثبوتية وشهادة التخرج من الجامعة وكثير من الألم والحسرة. رحلت نازحة من شرق المدينة إلى غربها. أنا صحفية، شعرت بنظرات الناس من حولي وكأنهم ينتظرون مني أن أفعل شيئًا ما يبطّئ من وتيرة هذا الموت، يحمي من حتمية العقاب الجماعي. لم أستطع فعل شيء، ظلت الرسائل التهديدية تتوالى؛ فكثير من الصحفيين والصحفيات استُهدفوا وقُتلوا، أو تلقوا تهديدات مباشرة.
لم يبق إلا أمر الاحتلال بالانتقال إلى الجنوب، وتحت النيران والموت الذي يلاحقنا، بدأت رحلة النزوح المؤلمة.
المكافأة إقصاء
مُنذ اللحظات الأولى لحرب الإبادة، دفنتُ رأسي بين كتفي على سرير غرفتي، أمسكت بقلم الفلوماستر الأسود، وخططت به على قصاصة من ورق هذه الجملة: "لَنْ ينجو من هذه الحرب أحد".
لم يكن ذلك مجرّد تشاؤم، بل حدس صحفي عاش حروبًا إسرائيلية متكررة، وعرف أن الضربة التي تلقّاها الاحتلال في عمق أراضينا المحتلة ستتبعها بطشة عمياء. لم يكن هناك فارق بين صحفي يرتدي خوذة ودِرعًا منقوشًا عليها كلمة Press أو طفل أو امرأة أو شيخ. حتى الحيوانات، وحتى الجمادات التي ننتفع بها طالها العنف الإسرائيلي. الجميع خاسر في هذه الحرب، مهما اختلفت الأشكال والألوان والأحجام. سيظهر لاحقًا أن الدرع الصحفي يجلب أشكالًا كثيرة من الموت في غزّة، لصاحب الدرع وربما لأهله وأصحابه وكل من حوله.
بعد أيام قليلة، وصلني ما يشبه "مكافأة نهاية الخدمة الصحفية": إقصاء قسري عن حساباتي في المنصات الرقمية. انقطاع الكهرباء والإنترنت فصلني تمامًا عن الفِرَق التي كنت أكتب وأعلّق عبرها. هاتفي وحاسوبي المحمول سرعان ما انطفآ بعد أن نفدت بطارياتهما، وكأنهما يشاركانني الشعور نفسه: العجز أمام قسوة الأحداث المتلاحقة التي لم تترك لنا فرصة لالتقاط الأنفاس، فضلًا عن أداء العمل الصحفي كما يلزم في هذه الظروف. كان هذا أول وأسرع شكلٍ من استهداف العمل الصحفي في غزّة ومحاولة إسكاته.
لم أقوَ على متابعة الأخبار أو التواصل مع أي من المنصات الإعلامية التي كنت أتعاون معها بالقطعة. (1) كنت أكتفي بتسجيل الأفكار في أوراق مبعثرة، ومعايشة تلك اللحظات الفاصلة، وهي الأقسى في ذاكرتي مقارنةً بكل الحروب السابقة على غزة.
كنت مؤمنة أن الكتابة غير ممكنة والروح مضطربة. سألت نفسي مرارًا: كيف أكتب بقلبٍ يرتجف خوفًا؟ هل أخرج في مهمة صحفية ولا أعود أبدًا؟ أم أعود لأصعق بفقدان عائلتي، كما صُعقتُ بخبر استشهاد زملائي وزميلاتي؟
هل تتخيلون ما حصل؟ أن يكون المرء صحفيًا وينقطع عن العالم لأشهر بسبب الحصار، ثم يصله الخبر تلو الخبر بأن زملاءه وزميلاته في هذا السلك الصحفي ممن عرفهم على مقاعد الدراسة أو عمل إلى جانبهم طويلًا في الميدان، قد سقطوا شهداء!
مُنذ اللحظات الأولى لحرب الإبادة، دفنتُ رأسي بين كتفي على سرير غرفتي، أمسكت بقلم الفلوماستر الأسود، وخططت به على قصاصة من ورق هذه الجملة: "لَنْ ينجو من هذه الحرب أحد".
هبة نصار، نور الحطاب، دعاء شرف، هيا مرتجى، إسلام مقداد، علا عطا الله، آيات خضورة، إيمان الشنطي، سلام ميمة، إيمان العقيلي، دعاء شرف، شيماء الجزار، علا عطا الله، دعاء الجبور، حنان عيّاد، نرمين قواس، آلاء الهمص، آمنة حميد، وفاء العديني…
بعضهن استشهدن مع عائلاتهن، وبعضهن تركن ناجيًا وحيدًا يذكّرني كل مرة بوالدته التي لم يُتح لي وداعها. بعضهن لا قبر لهن أصلًا، فما زالت أجسادهن تحت الركام.
قتل الاحتلال الإسرائيلي روح وقلم وصوت وعدسة عشرات الصحفيات. كثير منهن شاركتُهن المكاتب والأحلام؛ أحلام الاستمرار في التغطية والعمل، وأحلام النجاة وخطط الحياة ما بعد الحرب. لكن الحرب طالت، والاحتلال لم يترك لي سوى البكاء، والدعاء لهن بالرحمة.
العودة إلى لعمل
هل انتهت فرصتي في الصحافة؟
بعد عام كامل من العيش تحت ويلات الحرب ومحاولة التكيف مع أعبائها وويلاتها، بدأتُ أطرح هذا السؤال على نفسي المعذبة بما تراه وتسمعه وتعيشه يوميًا: وجوه الضحايا في الشارع، في المستشفى، في السوق، في طوابير التكايا والمياه. لم يتركوا لي حتى فرصة أن أشاركهم أسئلتهم، لكني كنت أستطيع أن أواسيهم بالكلمة والابتسامة. كنت أخشى أن أستأذنهم في رفع هاتفي لالتقاط صورة تجسد ما يضيء حياتهم رغم الخراب: الأمل الصغير الذي يُبقيهم على قيد الحياة.
الكلمات هي قلب الخبر والقصة. والكتابة - بالنسبة لي - كانت دائمًا أصدق وسيلة للتفريغ عن هذا الواقع الثقيل. لذلك بعد انقطاع دام عامًا وشهرين قررت أن أعود إليها في ديسمبر، الشهر الذي يُعرف بأنه شهر الأفول وانتهاء الأحلام. لكنني قررت أن أعيد إحياء حلمي القديم؛ الحلم الذي اخترته منذ نعومة أظافري، حين كنت أقف أمام المرآة ممسكةً فرشاة الشعر كميكروفون ألقي نشرة الأخبار على عائلتي الصغيرة.
عادت إليّ هذه الذكرى بعد عشرين عامًا، وأنا أنظر إلى حقيبة الطوارئ السوداء الموضوعة بجانب باب البيت. لم يكن سهلًا أن أفرغها، أو أن أضع فيها حاسوبي المحمول استعدادًا للخروج. منزلنا يقع على شارع صلاح الدين، النقطة الأقرب إلى محور نتساريم (2) الذي لا يهدأ ليلًا ولا نهارًا: تمشيط، قذائف، تحركات دبابات. وفوق كل ذلك تحوم "الزنانة" (3) في السماء، تستوطن رؤوسنا، تفسد ليلنا ونهارنا بصوتها الطنان الذي لا ينقطع.
على إيقاع ذلك الطنين المرعب، قطعت مسافة ساعة كاملة مشيًا على الأقدام، أبحث عن مكان أتزوّد منه بالكهرباء والإنترنت، حتى لو تطلّب الأمر أن أدفع أضعاف التكلفة. تخيلت أن ساعة واحدة فقط من الاتصال بالإنترنت قد تساعدني على أن أتنفس مجددًا، وأن أشعر بحياتي ووجودي.
بتثاقل أَوصلت المقبس بالكهرباء وبتردد ضغطت على زر التشغيل. خشيت أن تكون شاشة اللابتوب قد تحطمت أو احترقت، بسبب احتراق الطابق الأول من بيتنا وتحوله إلى سحابة دخانية سوداء بعد أن كان يزهو بلون أبيض كريمي. آثار العنجهية الإسرائيلية ما تزال حاضرة على جدرانه المتصدعة. مع ذلك المشهد، استعاد ذهني طيف المكتب وصورة أستوديو التسجيل بمعداته المحترقة المتفحمة التي لم ينج منها شيء أبدًا.
بترددٍ فتحت الإنترنت من تلك الشبكة الضعيفة المتوفرة، وبدأت أرسل رسائل إلكترونية لمؤسسات صحفية تعلن حاجتها إلى مراسلين في شمال غزة. استعنت ببعض العناوين التي زودتني بها صديقتي الصحفية دعاء شاهين. كتبت رسائل افتتاحية قصيرة، أعرّف فيها بنفسي، بمكاني، وبأعمالي المكتوبة والمسموعة والرقمية؛ عرضت على كثيرين خبرتي وبعض ما حصلته وجربته خلال عشر سنوات من العمل الصحفي.
لكن الردود كانت غريبة، بعضها جاء في صيغة اعتذار ودعاء بالسلامة والثبات، أو الثناء على "الصمود" في غزّة خلال الحرب!
بعضها الآخر وعد بالنظر في طلبي لاحقًا. وأحيانًا كان الجواب أنهم مكتفون بالصحفيين الموجودين أصلًا في شمال غزة.
أجلدُ ذاتي في تلك اللحظة. دموعي تنساب على وجنتي ببطء. أتمتم في سري كلمات كدت أصرخ بها من أعمق نقطة في روحي:
الردود كانت غريبة، بعضها جاء في صيغة اعتذار ودعاء بالسلامة والثبات، أو الثناء على "الصمود" في غزّة خلال الحرب!
لمن سأكتب؟ وما جدوى الكتابة؟ وما معنى الصحافة والاستعداد للمخاطرة إذا كان المقابل هو الاعتذار والرفض أو الدعوات البعيدة، في حرب إسرائيلية شعواء يلزم لتغطيتها وتوثيق جرائمها جيش من الصحفيين والصحفيات؟
أعود إلى البيت مثقلة بالخذلان، أتساءل إن كنت سأواصل أم أن هذه الردود ستكون "القشة التي قصمت ظهر البعير". لكن فجأة، يسطع ضوء صغير عبر مجموعة واتساب للصحفيات الفلسطينيات: إعلان عن إعادة فتح باب الاستكتاب في "شبكة نوى" التابعة لمؤسسة "فلسطينيات" الإعلامية النسوية.
أمسكت بهذا الخبر كما يمسك الغريق بخشبة نجاة. اعتبرته إشارة ربانية تدعوني للمواصلة، للعودة إلى الميدان، والبحث مجددًا عن الضحايا، للاستماع إلى حكاياتهم التي لم يسمعها أحد، ولإضاءة معاناتهم وآمالهم المخفية وسط هذا الركام.
وصايا الوداع!
أرسلتُ أول فكرة تقرير صحفي إلى شبكة "نوى" عن المحاصرين في حيّ الزيتون (4) منذ ثلاثة أشهر، فحظيت بالقبول. بدأت العمل عليها، وخطوتُ أولى خطواتي إلى الحيّ كاسرةً جمود اللحظة والخوف معًا.
هناك التقيت فتاة عشرينية اتخذت مع عائلتها من مطبخ متصدع الجدران مأوى آمنًا من ضربات الاحتلال. قالت والدتها وهي تجلس بجانبي: "لا أمان في الحيّ، ولا أحد يستطيع دخوله لا نهارًا ولا ليلًا. كل ليلة يرتب بعضنا وصايانا لبعض في العتمة، ثم ننقش أسماءنا على أذرع الأطفال، حتى لا نفترق عنهم. ولو كنا محظوظين، لانتشلونا من تحت الركام ولم تنهشنا الكلاب المسعورة."
لم أقاطعها بأسئلة إضافية. اكتفيت بالاستماع، أترك لهم المجال ليفرغوا ما يثقل صدورهم، وليرسموا بأنفسهم صورة الحياة المحاصرة. انتهت المقابلة، لكن لم ينتهِ حلمنا المشترك بوقفٍ دائمٍ لإطلاق النار.
أغلقتُ جهاز التسجيل قبل مغادرتي البيت الذي قرر أهله البقاء صامدين. رفضوا تكرار خطأ أجدادهم الذين رُحّلوا قسرًا من أراضيهم. اختاروا الموت في بيوتهم على النزوح جنوبًا. خرجتُ هائمة على وجهي، أحمل كلماتهم الثقيلة: إصابات لا تجد من يسعفها، جرحى لا تصل إليهم سوى عربات الكارو. (5)
هذا هو حال المدينة المحاصرة منذ عشرين عامًا. ثم جاءت الإبادة، لتقضي على ما تبقى من حياتها، وتختطف أنفاس أبنائها الأخيرة.
ما بين الألم والأمل
أواصل البحث عن القصص الإنسانية. أقف قرب غرفة العناية المكثفة في المستشفى الأهلي العربي (المعمداني)، (6) المشفى الوحيد الذي كان يعمل في شمال غزة. هناك اصطدمت بقصة أربعة عشر ناجيًا نُقلوا دفعة واحدة بعد أن تناولوا قطعة جبن تركها جنود الاحتلال في منزلهم، ليتبين أنها لم تكن سوى مادة C-4 المتفجرة.(7) أنجزت القصة وشارفت على إرسالها إلى الشبكة، لكن اتصالًا قلب الموازين. كانت الزوجة على الخط، تخبرني أنها غيّرت رأيها؛ زوجها ما زال في العناية المكثفة، وهي تخشى على عائلتها من بطش الاحتلال. طلبت أن تُنشر القصة باسم مستعار. أصغيتُ إليها بهدوء وقلت: "لو كان لدى جنود الاحتلال ذرة إنسانية لخجلوا مما فعلوه بزوجك وأسرتك وبنا جميعًا." بعد لحظة صمت، اقتنعت، ودفعتني لأن أكتب القصة باسم زوجها، وذكرت والده الذي استشهد في سجن سدي تيمان، (8) من دون أن يحظى حتى بالدفن أو الوداع الأخير.
في تلك اللحظة، لم أكن صحفية تبحث فقط عن المعلومة، بل كنت أمارس دورًا آخر: نزع الخوف من قلب الضحية، حتى لا يبقى صوتها حبيس الصمت الذي يريده الاحتلال. الاحتلال سرق منهم البيت والعمل والصحة، ويريد أن يسرق الصوت أيضًا.
بعد إنجاز القصة، كافأت نفسي بقطعة شوكولاتة داكنة خبأتها طويلًا. أكلتها ببطء، أستمتع بندرتها كما لو أنها أثمن ما في العالم. في زمن عزّ فيه أن تحصل على لقمة طحين من دون أن يتقطر دمك في الطريق. في ذلك الوقت ارتكب الاحتلال مجزرة دوار النابلسي، (9) حيث اختلط الطحين بدماء الجائعين. وأسأل نفسي: كيف استقبلتهم الملائكة؟ هل لوّحت لهم برغيف خبز ساخن؟
لم أكتفِ بالقصص والتقارير عن الإبادة والضحايا. أضفت إليها صورًا وسردًا لمنصة UntoldPalestine (فلسطين غير المحكية)، بين الفن والموسيقى والقطط النازحة التي لجأت إلى بيت الخالة أم بشير.
بعض هذه الصور عُلّق في معرض "غزة حبيبتي" الدولي، الذي جاب بازل بسويسرا وهيوستن بالولايات المتحدة. لكن من حضر تلك المعارض لم يعرف أن الصور التُقطت في شارع يسميه الناس شارع الموت؛ هناك تطلق الكوادكابتر قنابلها وتفتح رشاشاتها على المارة.
كم مرة اختبأت منها حتى غادرت! وكم مرة في ذلك الشارع رفعت قدمي عن دماء الشهداء، متجنبة أن أدوسها بحذائي.
بعد إنجاز القصة، كافأت نفسي بقطعة شوكولاتة داكنة خبأتها طويلًا. أكلتها ببطء، أستمتع بندرتها كما لو أنها أثمن ما في العالم. في زمن عزّ فيه أن تحصل على لقمة طحين من دون أن يتقطر دمك في الطريق. في ذلك الوقت ارتكب الاحتلال مجزرة دوار النابلسي.
يسبقني الصحفيون
ندرك نحن الصحفيات والصحفيين "الغزازوة" - الأحياء منا والشهداء - بأن أعمارنا التي عشناها أكبر من عُمر هذه الحرب المسعورة التي ارتقى فيها أكثر من 248 صحفًيا، وأصيب أكثر من 400 آخرين، بعضهم بإعاقات دائمة. فيما اعتقل 48 صحفيًا على الأقل، من بينهم الزميلان نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد، اللذان تعرضا للإخفاء القسري وواجها التعذيب.
كما استهدف الاحتلال 143 مؤسسة إعلامية على الأقل، بينها 12 صحيفة ورقية و23 صحيفة إلكترونية و11 إذاعة و4 قنوات فضائية. ودمّرَ مقرّات فضائية عربية ودولية، وأُتلفت معدات البث والكاميرات وسيارات النقل المباشر. كل ذلك كان على قوائم الاستهداف لدى الاحتلال؛ لم تكن محض أضرار جانبية بل كان الاستهداف مباشرًا ومقصودًا، وظل كذلك على مدار هذه الحرب التي لم تنته حتى وقت كتابة هذه الكلمات. أمّا الحرب الأخرى على الصحافة في غزّة فلمسناها على المنصات الرقمية؛ حيث حُجبت عشرات الحسابات الفلسطينية بحجة "مخالفة المعايير"، ومثلها في وسائل إعلام غربيّة سائدة، قررت ذبحنا مرّات عديدة: مرّة بتجاهل موتنا، ومرّات بتبريره عبر التماهي مع الرواية الرسمية الإسرائيلية. حالة متكاملة من "الإبادة الإعلامية" التي لم يشهد لها التاريخ أي مثيل.
مع ذلك كلّه، رغم الإبادة ووقائعها التي أدمت القلب وأرهقت الروح قبل الجسد، لا زالت التغطية مستمرة؛ من أجل غزة ومن أجل الأرض الفلسطينية المُحتلة المسلوبة، من أجل أعمار الأسرى التي ذبلتْ خلف القضبان، ومن أجل الشهداء: أسمائهم وحكاياتهم وعطاياهم التي لن ندعها تذهبُ في مهبّ الأرقام، من أجل الزميلات والزملاء الذين يحترقون و يرتقون ويحرمون من عناقِ أطفالهم، من أجل المعذبين الجائعين المحاصرين، من أجل أراضي الزيتون والثوب الفلاحي التي حاكتهُ أيادي الجدّات، من أجل ثقافتنا ومسارحنا وساحاتنا التي لطالما أحيتها دبكات شبابنا، من أجل النُطف التي تتكور في رحم الأمهات القابعات في الخيام التي لا تقي من حرِّ الصيف ولا برد الشتاء، راسمات أملاً في الحصولِ على حياةٍ كريمة بمسكنٍ آمنٍ وبسبورةٍ تعليميةٍ تعلوها رسومات بطباشير تمثل واقعاً ملونًا يحلمن فيه، من أجل الأمل الذي نحلم أن يتمخض عن هذا الألم الذي طال واستفحل.
في غزَّة الصغيرة، بمساحتها التي لا تتجاوز 365كم²، يصر الصحفيون في محافظاتها الخمسة التي كانت عامرة دومًا - وهي لمن لا يعرفونها: شمال غزة، ومدينة غزة، ودير البلح، وخان يونس، ورفح - على الوجود وبذل الجهد والمسارعة في التوثيق وإرسال الأخبار العاجلة للقنوات التي يعملون لصالحها، أما المراسلون فيقفون لساعات طويلة في التغطيات الحية المباشرة؛ لبث تفاصيل الموت في غزة وأيام هذه الحرب التي تتصارع على أيها يكون الأقسى والأفظع. لا زلنا نسمع من المراسلين الغزيين تقارير وتفاصيل وقصصًا إنسانية، نسمع في خلفية تقاريرهم زخات الرصاص وهدير الطائرات وأصوات "الزنانة" وصراخ أولاد يهربون، أو أمّهات يناشدن بتوفير الطعام والماء، أو آباء يبحثون عن أشلاء أبنائهم أو آبائهم بأدواتٍ ومعداتٍ جُلها أُخرج عن الخدمة. حتى الصحفي نفسه يعمل بأدوات شبه متهالكة بسبب الحصار والاستهداف الممنهج للمؤسسات والمقرات الإعلامية. كل ذلك من أجل أن تستمر التغطية، ولا يخبو صوت الحياة في غزّة.
ليس سهلًا أن تكون صحفيًا فلسطينياً غزّاويًا؛ لم يكن سهلًا فيما انقضى من حروب، وكانت كلفته باهظة في خضمّ هذه الإبادة. لكنّها غزّة المحاصرة منذ 20 عامًا، والمحتلّة اليوم التي لا تزال تصرّ على إعلان حقها في الحياة، فتُذيع أخبارها وقصصها إلى كل العالم.
المراجع
(1) نوع من الوظائف التي يلجأ لها الصحفي الفلسطيني، بالتراسل والكتابة والتصوير، مع مواقع ومؤسسات صحفية عربية أو أجنبية. يجتهد الصحفي في إرسال الأفكار لإقناع المحرر المسؤول عن التواصل، ويحصل بالمقابل على مبلغ مالي متفق عليه، عادة ما يكون زهيدًا، وكثيرًا من يتأخر دفعه ويتراكم.
(2) ممر عسكري إسرائيلي يفصل شمال قطاع غزة عن وسطه وجنوبه. و"نتساريم" هي تسمية اختارها الجنرال اليميني المتطرف رحبعام زئيفي، وهي ترجمة عبرية من كلمة «النصيرات»، في اقتباس لاسم مخيم اللاجئين الفلسطينيين المجاور للمحور، وهو كذلك اسم مستوطنة كانت قائمة قبل العام 2005. أطلق الغزّيّون على الممر اسم "مفرق الشهداء" لكثرة أعداد من سقطوا فيه من الشهداء الفلسطينيين في الأيام الأولى من انتفاضة الأقصى.
(3) هي طائرات استطلاع إسرائيلية، تقوم بمهمات التصوير والتعقب للأهداف المختلفة، واستخدمها جيش الاحتلال في تنفيذ عمليات استهداف دموية عديدة داخل قطاع غزة. ظهرت طائرة "الزنّانة" أول مرة في جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 1969 حين استخدمها لالتقاط بعض الصور من أهداف في الأردن ومصر، وتم استخدام هذه الصور في حرب عام 1973. وكذلك كان لهذه الطائرات دور في اجتياح لبنان عام 1982. يعرف الغزيون جيدًا - حتى الأطفال - صوت هذه الطائرة ويميزونها عن غيرها.
(4) أكبر أحياء البلدة القديمة بمدينة غزَّة، والثاني من حيث عدد السكان، سمي بهذا الاسم لكثرة أشجار الزيتون التي تغطي مساحات واسعة منه، ويضم العديد من الأماكن الأثرية التاريخية.
(5) نتيجة نفاد الوقود في قطاع غزة والدمار الذي لحق بالطرق المعبدة استبدل الناس السيارات بعربات تجرها الحيوانات ويحملون بها الناس ويتنقلون بها من مكان إلى آخر ويسعفون عليها المصابين، تعرف باسم "عربات الكارو".
(6) من أقدم مستشفيات مدينة غزة، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي فيه واحدة من أبشع المجازر، بقصفه بالطيران الحربي مما أدى لاستشهاد أكثر من 500 فلسطيني من النساء والأطفال، ثم أتبع ذلك الاحتلالُ بقصفه عدة مرات.
(7) هي مادة عسكرية متفجرة شديدة الخطورة، تحتوي على مادة (RDX) شديدة الانفجار التي تستخدم في التصنيع العسكري.
(8) سجن في قاعدة عسكرية بصحراء النقب على بُعد 30 كيلومترا من قطاع غزَّة في اتجاه مدينة بئر السبع. أنشأه الاحتلال مباشرة بعد بداية عدوانه على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ونقل إليه العديد ممن اعتقلهم، من أطفال وشباب وكبار في السن.