في أحد مراكز التحقيق، جرّد ضابط مخابرات إسرائيلي صحفياً فلسطينياً من ملابسه وزجّ به في زنزانة موحشة. لم تكن الأسئلة وحدها أدوات التحقيق، بل خيط لفّه المحقق حول خصيتيه يشدّه كلما لم يقنعه الجواب. وبينما كان ينهار الجسد من الألم وتخور القوى من التعذيب، كان الرأس يُدفع نحو سلة المهملات حتى فقد وعيه في إهانة متعمّدة لكرامة الإنسان.
بقي الصحفي داخل الزنازين في أجواء من الترهيب النفسي والخوف لما يقارب العام قبل أن يقرّر الاحتلال إطلاق سراحه، فخرج من السجن محتفظا بمشاهد تعذيب قاسية لا يمكن نسيانها، حاملا في ذاكرته الكثير من التحذيرات للصحفيين الذين كرّر ضباط المخابرات الإسرائيلية تهديدهم بالقتل (1).
منذ ذلك الحين يسود القلق حياة الصحفيين في غزة لا سيما الذين تعرضوا لموجات تحريض إسرائيلية، وتردّدت أسماؤهم في غرف التحقيق، وباتوا هدفا للقتل لكنهم يصرون على استكمال سرد الرواية التي بدؤوها منذ السابع من أكتوبر 2023 رغم مرارة تفاصيلها.
قبل الموت
في قلب غرفة الأخبار، حيث كانت تبدأ الحكاية كل صباح، كنا نجتمع نحن فريق التحرير لنناقش خطة العمل. تتوزع اهتماماتنا ما بين القضايا الوطنية الكبرى؛ من انتهاكات الاحتلال في القدس ومعاناة الأسرى ومصادرة الأراضي، إلى ما يلامس حياة الفلسطينيين اليومية من تضييق معيشي وملاحقات تمسّ لقمة عيشهم، كما نخصّص مساحة دائمة لمتابعة هموم المواطنين ومطالبهم.
والحقيقة أننا لم نغفل عن أن غزة تعيش على صفيح ساخن، وهي منطقة لا تعرف الهدوء طويلًا؛ فسرعان ما تشتعل فيها المواجهات وتدخل في دوامة تصعيد تشلّ حركة العمل، عندها كنا نرفع درجة الاستنفار ونفعّل خطط الطوارئ. غير أنّ ما لم يكن في الحسبان هو أن تتحوّل الأمور إلى ما يشبه الإبادة الشاملة؛ حيث لا ينجو شيء من آلة القتل التي تعمل بلا توقف. فجأة، تجد نفسك في صراع داخلي بين النجاة بحياتك والاستمرار في أداء رسالتك الصحفية وسط ظروف قاتمة تتسع فيها دوائر الموت، وتتناثر فيها أشلاء النساء والأطفال من حولك.
مع الأيام الأولى للحرب، تبخّر روتين غرفة الأخبار؛ فالطائرات الحربية الإسرائيلية كانت قد دكت شبكات الاتصال والإنترنت، وهو ما أدى إلى انقطاع التواصل بين فرق العمل، وتحوّل كلّ صحفي إلى شاهد على المأساة وموثق لها، ولكنْ دون قدرة حقيقية على إيصال رسالته التي غالبا ما تبقى حبيسة الهاتف في انتظار عودة الشبكة.
أتذكر جيدا - بعد نحو شهر من بدء العدوان – أنني اضطررت إلى قطع أكثر من 5 كيلومترات سيرا على الأقدام بحثا عن نقطة اتّصال بالإنترنت لمتابعة العمل والتنسيق مع الفريق. كانت وجهتي المستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة. لم أكن مستعدا نفسيّا لتحمل ما رأيته هناك: كان المستشفى مكتظّا بجثامين الشهداء وعشرات الجرحى الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة؛ بعضهم ملقى على الأرض في قسم الاستقبال ينتظر أن تفرغ غرفة العمليات لمحاولة إنقاذهم... الدماء تغطي الأرض، والأنين يملأ المكان، وأجساد منهكة لا تقوى على الحركة تحاول أن تمسك بك وأنت تمر بينها، في مشهد يفقدك توازنك، مشهد لم تكن تتخيل في أسوأ كوابيسك أن تعيشه.
أتذكّر يوما خرجت فيه لمهمة صحفية، وأنا لم أتناول طعاما منذ اليوم السابق، لا فطور ولا ما يسدّ الجوع؛ فكل شيء قد نفد، حتى الدقيق والمعلبات. كنت منهكا جدا بسبب الجوع، لكن لم يكن لديّ ترف الاختيار لأن تدبير قوت أطفالي أهم من كل شيء في هذه اللحظة. لم تكتمل المهمة؛ إذ سرعان ما فقدت وعيي وسقطت أرضا في وسط الشارع، بسبب هبوط حادّ في ضغط الدم ناتج عن سوء التغذية.
التغطية عن بعد
في أيام النزوح القاسية، يصبح العمل الصحفي مهمة شاقة رغم أن الأحداث المحيطة تبدو وكأنها تُكتب وحدها. لكن بؤس الواقع يشتّت الذهن، ويجعل من نقل الصورة الحقيقية تحديا مضاعفا وسط خطر يحيط بك من كل جانب.
في ظروف نزوح يصفها الغزّيّون بـ "الجحيم"، تتغير الأولويات وتتشعب المسؤوليات؛ تبدأ بالبحث عن مأوى "آمن" يضم العائلة، وتأمين الحد الأدنى من مستلزمات الحياة من فراش وأغطية ومقومات للبقاء، ثم معركة يومية لتوفير مياه الشرب بصعوبة، والبحث المضني عن الأخشاب لإشعال النيران - في ظل انعدام الغاز - لطهو وجبة تسد الرمق فقط.
وفي مطلع مايو/ أيار 2024، اجتاحت آليات الاحتلال مخيم جباليا شمال قطاع غزة للمرة الثانية منذ بدء الحرب، وأجبرت جميع سكانه على النزوح القسري. هذا المخيم الصغير نسبيا - إذ لا تتجاوز مساحته 1.4 كيلومتر مربع - يقطنه أكثر من 120 ألف لاجئ، وقد أصبح فجأة خاليا من الحياة والعدسات.
غادر الصحفيون المكان تحت القصف مدركين أن الاحتلال يسعى لارتكاب جرائمه في الظلّ، لكنّهم قرروا ألا يغيبوا؛ فاستمروا في التغطية عن بعد مستندين إلى معرفتهم الدقيقة بتفاصيل المخيم وأزقته التي ترعرعوا فيها.
من المنطقة الغربية لشمال غزة، حيث يمكن رؤية أجزاء من المخيم الخاضع لسيطرة الاحتلال، تابعتُ على مدار 21 يوما سلسلة من الانفجارات التي تصاعدت بعدها أعمدة الدخان الأسود. وبفضل معرفتي الجغرافية بمربعاته السكنية، كنت أُعِدّ تقارير إخبارية تتضمن تحليلا لتوزيع القوات المحتلة وتحذيرات من المناطق التي باتت تشكل خطرا محدقا.
كان النازحون يبحثون بلهفة عن أي خبر يفسر ما يجري هناك، ويتوقون لمعرفة مصير منازلهم التي أُجبروا على مغادرتها، فجاءت التغطية عن بعد لتسد جانبا من هذا الفراغ، وتنقل لهم صورة أقرب إلى الواقع، وذلك بعد أن انتشرت عبر المنصات الإخبارية على نطاق واسع محقّقة بذلك اختراقا لمحاولات الحظر والتعتيم التي أرادها الاحتلال.
رسائل مكتوبة بالدم
كتب صحفيو غزة رسائلهم بدمائهم، ووثق عدد منهم - قبل استشهادهم - جرائم اغتيالهم بعدسات كاميراتهم، قبل أن تنطفئ أرواحهم تحت وابل الصواريخ التي اخترقت أجسادهم.
قبل الثالثة مساء بعشر دقائق، كان الزميل الصحفي محمد التلمس على وشك إنهاء مناوبته في المتابعة الإخبارية، فطلب الإذن من غرفة الأخبار بالانقطاع عن التغطية نظرا لتفاقم الخطورة في الميدان حوله. لم تمضِ سوى عشرين دقيقة على رسالته الأخيرة حتى وصل إلى غرفة الأخبار خبر عاجل مفاده إصابة التلمس جراء استهداف طائرة إسرائيلية مسيرة لمجموعة من المواطنين في مدينة غزة.
وقف الزملاء مذهولين، بين من صدق الخبر ومن شكّك فيه، فبادر عدد منهم بالتحرّك إلى المستشفى للاطلاع على تفاصيل الحادث، حيث تأكد أن التلمس أصيب إصابة خطيرة في الرأس وأخرى بشظايا مزقت أمعاءه. لم تمر الليلة حتى أعلنت الطواقم الطبية استشهاده متأثرًا بجراحه، وتمت مراسم الدفن بسرعة وعلى عجل، دون فرصة للوداع.
غادر الصحفي التلمس بعد رسالته الأخيرة، وكأن الشهداء يشعرون بقرب آجالهم ويبقون حاملين رسالتهم حتى اللحظة الأخيرة، حيث كان استئذانه بالانقطاع كأنه وداع مبطّن، وقفة قسرية للتوقف عن التغطية.
لقد حدث ذلك قبل أيام قليلة من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير/ كانون الثاني الماضي، الذي طالما انتظره كي يلتقي زوجته وأطفاله الأربعة الذين لم يرهم لأكثر من عام بعد أن اضطروا للنزوح إلى جنوب القطاع. فقدان زميل في العمل ليس مجرد خبر أو وداع عابر، بل صدمة تهزّ رفاقه الذين يواصلون التغطية.
مع غروب شمس أحد أيام الحرب، وصلتني رسالة تفيد بإصابة الزميل أكرم الشافعي برصاص قاتل على مستوى بطنه أثناء محاولته العودة إلى منزله قبل انتهاء الشهر الأول من الحرب. كان التحرك صعبا في ظل اشتداد الغارات على غزة فاضطررتُ إلى الانتظار حتى الصباح، ثم قطعت مسافة تقارب 10 كيلومترات سيرا على الأقدام من مخيم جباليا إلى مجمع الشفاء الطبي، حيث كانت قوات الاحتلال تحاول اقتحامه.
بعد بحث طويل في غرف العمليات والعناية المركزة المكتظة بالإصابات الخطرة – فقد اضطر الأطباء لوضع المرضى على الأرض - تمكنت أخيرا من الوصول إلى الزميل الشافعي الذي تمسك بيدي كأنه يبحث عن طوق نجاة.
كان ذلك لقاءنا الأخير؛ إذ أخبرني الأطباء أن حالته تجاوزت مرحلة الخطر لكنه بحاجة إلى وقت طويل للتعافي، غير أن الاحتلال لم يمنحه فرصة؛ فقد اقتحم المستشفى وأجبره على الانتقال إلى جنوب القطاع، حيث تدهورت حالته الصحية وفارق الحياة دون أن نتمكن من وداعه.
انطوى عمر أكرم بعد مسيرة عشرين عاما من العمل الصحفي، وعقب شهرين من الإصابة لم يتمكن خلالها من كتابة التفاصيل القاسية بين الحياة والموت، رغم أنه دوّن عشرات من حكايات الموت الذي خيّم على غزة.
ماذا لو كنت حيوانا؟
في لحظة ما، تشعر بأن صوتك صار بلا جدوى، وأن ممارسة المهنة أصبحت بلا أثر، وأن ما تكتبه لن يغير شيئا. ومع ذلك، لا بد أن تُبقي القلم في يدك، وأن تصرخ بأعلى صوتك، لعل كلماتك تجد طريقها إلى أذن ما، ما دامت الحياة لم تصمت بعد.
في غزة، ومع استفحال المجاعة، بدأ الجوعى يسقطون واحدا تلو الآخر. وفي مشهد موازٍ، كانت القطط والكلاب تموت هي الأخرى من الجوع، بصمت موجع لا يسمعه أحد. حينها كتبت في تقرير صحفي نصا أردت من خلاله أن أسلط الضوء على جانب آخر من المأساة، زاوية ربما يلتفت إليها من تجاهل صرخات البشر:
"هذا نداء استغاثة لكل الجمعيات والمنظمات والمدافعين عن حقوق الحيوان: قطط وكلاب غزة تموت جوعا، فإذا كان العالم الذي صم آذانه عن صرخات الأطفال والنساء الذين يُقتلون كل دقيقة سيتحرك من أجل الحيوانات، فليتحرك الآن. وإن استجاب لندائنا ووفّر الماء والغذاء لها، فلا تنسوا أن هناك بشرًا في غزة يفتقرون لما يُعطى للحيوانات".
في هذه الأيام العصيبة(2)، حين نفدت مؤن الطعام وانعدمت الخيارات، كانت مهماتي الصحفية تتقاطع مع مهمات أخرى فرضها الواقع القاسي؛ أهمها السعي المحموم لتأمين لقمة عيش لأطفالي. ساعات طويلة أضيعها في البحث، وفي كثير من الأحيان أعود خالي الوفاض لا أملك سوى الخيبة. تقف عاجزًا مكبّل اليدين، وتجد نفسك وقد خرجت من دورك بصفتك صحفيا راصدا للحدث، لتتحول أنت إلى جزء من الخبر، إلى قصةٍ ينبغي أن تُروى وأن تُوثّق؛ لأنّها من تلك القصص التي تُكتب بالدموع، وأحيانا بالدم.
أتذكّر يوما خرجت فيه لمهمة صحفية، وأنا لم أتناول طعاما منذ اليوم السابق، لا فطور ولا ما يسدّ الجوع؛ فكل شيء قد نفد، حتى الدقيق والمعلبات. كنت منهكا جدا بسبب الجوع، لكن لم يكن لديّ ترف الاختيار لأن تدبير قوت أطفالي أهم من كل شيء في هذه اللحظة. لم تكتمل المهمة؛ إذ سرعان ما فقدت وعيي وسقطت أرضا في وسط الشارع، بسبب هبوط حادّ في ضغط الدم ناتج عن سوء التغذية.
بعد ثلاث محاولات تمكّنت من استجماع قواي وأكملت الطريق سيرا على الأقدام هزيلا بعد فشل المارة في توفير قطعة من الحلوى أو القليل من السكر لاستعادة توازني؛ لأن الاحتلال يمنع وصولها إلى قطاع غزة الذي يرزح تحت الحرب والجوع.
أشهر كاملة مضت دون أن يُسمح بدخول الغذاء والخضروات إلى قطاع غزة، كان الجوع خلالها ينهك أجسادنا وأرواحنا. وعندما تمكّنّا من توفير كميات محدودة منها، استيقظ نزر ضئيل من الحياة فينا.
كانت لحظة حصولنا على مكونات طبق سلطة أشبه بالعيد، رغم أن تكلفته بلغت ما يقارب عشرين دولارا، بعدما كانت لا تتجاوز الدولار الواحد قبل الحرب. جلسنا حول الطبق نأكل ببطء، نسترجع الطعم المنسي، وننظر إلى بعضنا في ذهول: "ألهذا الحدّ بلغ بنا الحال؟". لقد أصبح طعم السلطة حدثا يستحق التوثيق، ومناسبة للاحتفال بعد طول فقد وحرمان.
ما لم يروَ
لا ينفصل العمل الصحفي عن مواقف وأحداث تعيشها بكل تفاصيلها؛ ففي داخل خيمة ضمّت عددا من النازحين الذين تجمعوا على وقع ذكريات الحرب، كان كل واحد منهم يحمل وجعا مختلفا، وأهوالًا يصعب وصفها. من بين هذه القصص المؤلمة، استوقفتني شهادة لطبيب مختص في جراحة الأوعية الدموية – اعتقلته قوات الاحتلال لاحقًا أثناء تأدية عمله الإنساني في مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة – وهو يروي حادثة حُفرت في ذاكرته عميقا.
يقول لي الطبيب إن طفلا في العاشرة من عمره وصل إلى غرفة العمليات مصابا بجروح حرجة، فيما كان والده واقفا خارجها يجهش بالبكاء، يردد بتوسّل وحرقة:
"يا دكتور، هذا ابني الوحيد... أجا بعد سنين طويلة من الانتظار.. بدّي إياه يعيش، والله بدفع أي فلوس بس يعيش...".
يقول لي الطبيب إن طفلا في العاشرة من عمره وصل إلى غرفة العمليات مصابا بجروح حرجة، فيما كان والده واقفا خارجها يجهش بالبكاء، يردد بتوسّل وحرقة: "يا دكتور، هذا ابني الوحيد... أجا بعد سنين طويلة من الانتظار.. بدّي إياه يعيش، والله بدفع أي فلوس بس يعيش...".
بذل الطبيب كل جهده، وظل داخل غرفة العمليات أكثر من ست ساعات متواصلة يحاول إنقاذ الطفل. ورغم كل المحاولات، لفظ الصغير أنفاسه الأخيرة، وسط عجز تام فرضته ندرة الإمكانات وضغط الإصابات المهول الذي يرزح تحته الطاقم الطبي في مستشفيات غزة المدمّرة.
يتحدث الطبيب بحرقة وهو يستذكر نظرة الأب المفجوع، مشهدٌ لن ينساه، يقول إنه ظلّ يطارده، ليس لأنه حالة طبية فقط، بل لأنّه جرح إنساني مفتوح في قلبه. بعض المواقف القاسية لا يمكن للذاكرة أن تمحوها؛ ففي أحد أيام التصعيد، وبينما كنت أرصد حركة الناس الفارّين من زحف الدبابات الإسرائيلية تجاه شوارع مخيم جباليا شمال غزة، فجأة، تحوّلت السماء إلى كرة من اللهب؛ صاروخ سقط على منزل قريب، على بُعد أقل من مئة متر فقط من مكان وجودي، حينها هرعت نحو جدار أحتمي خلفه من شظايا تناثرت بسرعة جنونية، وحين تطاير الغبار تكشّفت المجزرة.
انهار المنزل فوق ساكنيه، وقُتل المارة على الفور. أحدهم كان ملقى على الأرض وقد بُترت ساقه، وعظامه بارزة تقطر دمًا، يئن بصوت خافت يطلب النجدة. لكنّ هول المشهد جعل الجميع حوله في حالة ذهول وجمود، حيث كان إلى جواره حمار طُرح أرضًا بعد إصابته بشظايا، وبالقرب منه امرأة فارقت الحياة، بينما الآخرون ممدّدون في انتظار الإسعاف الذي لم يصل بعد.
وبينما كنت في مهمة صحفية بالمستشفى الأندونيسي شمال غزة، لفت انتباهي شاب صغير لم تتجاوز ملامحه السادسة عشرة من العمر، يتيه بين أروقة المستشفى وساحاته شبه عارٍ إلا من سروال ملطخ بالدماء، يردد بذهول: "أنا وين؟ أنا وين؟" دون أن يلتفت إليه أحد؛ فالكل غارق في مصيبته.
اقتربت منه وسألته عن حاله، فرد بصوت بالكاد يُسمع: "نزحت مع أهلي من غرب غزة إلى شرقها هربا من التوغل الإسرائيلي، لكن الطائرات قصفت المنزل الذي لجأنا إليه. وفجأة وجدت نفسي هنا أنا وشقيقي الذي يُجرى له الآن عملية جراحية، بعدما أَجْلَتنا سيارات الإسعاف".
كل ما يريده هذا الشاب هو إيصال خبر لوالده الذي يبعد عنه أكثر من 10 كيلومترات، أنه وشقيقه ما زالا على قيد الحياة، في ظل انقطاع الاتصال وعدم وجود أي وسيلة مواصلات. طمأنته وطلبت منه أن يركّز على حالة شقيقه حتى يخرج من غرفة العمليات، وأخبرته أن الوقت كفيل بأن يلتقي بأهله، أو أن يجدوا طريقهم إليه في المستشفيات.
هكذا، تزجك هذه المشاهد في حيرة مريرة: كيف يمكنك أن تصف كل هذا الألم؟ وكيف تستطيع احتمال ما تراكم في قلبك من صدمات متوالية خلال أيام الحرب الطويلة؟
هذه الحوادث ليست سوى جزء بسيط من قصص المأساة التي عايشتها شخصيا، ولم تجد طريقها للنشر أو الرواية؛ فزخم الغارات وتوالي المجازر وكثرة الشهداء الذين يرتقون كل يوم، لم تترك مجالًا للتوقف عند كل مشهد، وسط سيل من الأخبار العاجلة والملفات الطارئة التي تتزاحم في أجندة التغطية.
قمة الألم
في خضم حرب قاتلة، تتوالى قصص الوجع، لكنْ ثمة قصص تصل بك إلى ذروة الألم، خاصة عندما تفقد أعزّ الناس دون إنذار.
في وسط قطاع غزة، تعيش شقيقتاي مع زوجيهما وأطفالهما في نفس المنزل. كانتا تلحّان عليّ بالنزوح إليهما هربًا من القصف الشديد الذي يضرب شمال القطاع. في اليوم الثامن والعشرين من الحرب، وبعد انقطاع شبه كامل للاتصالات بين محافظات غزة، تمكّنت قبل الثانية ظهرا بعشرين دقيقة من التواصل مع شقيقتي عبر "واتساب" للاطمئنان عليها، فأخبرتني: "الحمد لله، نحن على قيد الحياة". وبعدها انقطع الاتصال فجأة.
مرّت الساعات دون أن أعرف ما حدث لهما، حتى وصلنا مساء ذلك اليوم خبر عن قصف منزل يحمل اسم عائلة زوجيهما في المنطقة نفسها التي تقطنان بها. اشتد القلق، وفشلت كل محاولات التواصل مع شقيقتي، حتى ظهرت رسالة من زميل قريب من المنطقة في ظهر اليوم التالي تحمل خبرا صادمًا: "أختك استُشهدت مع ابنها وزوجها، وبنت أختك الثانية استُشهدت أيضا".
تبيّن لاحقا أنه بعد عشرين دقيقة فقط من رسالة الاطمئنان، ضرب صاروخ إسرائيلي العمارة التي يسكنونها، فقَتَل شقيقتي ومن كانوا معها على الفور، بينما ظلّت شقيقتي الأخرى تحت الأنقاض أكثر من أربع ساعات.
مرّت الساعات دون أن أعرف ما حدث لشقيتاي، حتى وصلنا مساء ذلك اليوم خبر عن قصف منزل يحمل اسم عائلة زوجيهما في المنطقة نفسها التي تقطنان بها. اشتد القلق، وفشلت كل محاولات التواصل مع شقيقتي، حتى ظهرت رسالة من زميل قريب من المنطقة في ظهر اليوم التالي تحمل خبرا صادمًا: "أختك استُشهدت مع ابنها وزوجها، وبنت أختك الثانية استُشهدت أيضا".
في ذلك الوقت العصيب، ومع استحالة التنقل من شمال غزة إلى وسطها لاستخراج جثة شقيقتي التي ظلّت تحت الركام أكثر من 48 ساعة، أو الوقوف إلى جانب شقيقتي الأخرى المصابة، كنا نتابع بحذر عمليات انتشال الشهداء ودفنهم.
نجح الجيران في انتشالها، فيما بقي زوجها وطفلها تحت الأنقاض أكثر من ستة أيام، ولم يتمكن أحد من الوصول إليهما. وعندما وجدوا حفرة في المقبرة، دُفنت بين قبرين آخرين بسبب ازدحام القبور نتيجة سقوط العشرات من الشهداء بسرعة.
مرّت أكثر من 450 يومًا حتى سمح الاحتلال بالتنقل بِحريّة بين شمال غزة وجنوبها. كنت متلهفا لزيارة قبر شقيقتي، والاطمئنان على شقيقتي الأخرى التي نجت.
عندما سمح الاحتلال لمئات الآلاف من النازحين بالعودة إلى شمال القطاع، كنت أسير في الاتجاه المعاكس؛ من شماله إلى جنوبه، قطعت أكثر من سبعة كيلومترات مشيًا على الأقدام.
حينما وصلت إلى مقبرة الشهداء في مخيم النصيرات، عادت الذكريات للحظة تُلقي عليّ خبر استشهاد شقيقتي، وتدفّقت الدموع كما لو أنني أحاول أن أضمّ قبرها، علّها تشعر ولو للحظة بالوداع الذي حرمني الاحتلال من عيشه معها.
كانت المحطة الثانية زيارة شقيقتي الناجية التي تقيم الآن في خيمة بعدما سقط منزلها فوق رؤوسهم. انهارت بالبكاء عندما رأتني قادمًا: "لم أتوقع أن أبقى على قيد الحياة لأراك من جديد".
كلماتها كانت كَخِنجرٍ يغرس في القلب، وأنا أحتضنها محاولًا لملمة ما تبقّى مني، وأجد في حضنها ما يعوّضني عن احتضان شقيقتي الشهيدة التي ارتقت في ذات اللحظة التي استهدفت فيها.
أما بعد:
إلى كل من يسمع صرخاتنا، ويرى أجسادنا المحروقة بلهيب الحرب، ويقرأ دموع أقلامنا، ويتلقى كلماتنا الموجعة، نوجه نداءنا: لقد أرهقتنا هذه الحرب اللعينة، وأضعفتنا حتى لم نعد قادرين على حمل دروعنا التي فقدت جدواها في حمايتنا. نودّ فقط أن نخلع الخُوَذ عن رؤوسنا، ونأخذ قسطا من الراحة بعد كابوس طال أمده وعشنا تفاصيله لحظة بلحظة. حان الوقت لغزة أن تنال استراحة؛ فقد "رُفِعت الأقلام، وجَفَّت الصحف".