لا يزال مصطلح الجنوب العالمي في طور التشكل وليس متداولا بما فيه الكفاية في الدوائر الأكاديمية والإعلامية، ومع استمرار آلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وانتهاج إسرائيل سياسة قمع وسائل الإعلام الحرة وفي مقدمتها شبكة الجزيرة، فإن نقاط ضعف الإعلام العربي المستقلّ تتكشف أكثر، ولا سيما القصور في تصور أدواره ضمن المجتمعات التي يعمل فيها وينتمي إليها، كذلك كشفت عجزه عن التحرر من سطوة الأدوار التي رسمتها مؤسسات الإعلام الغربي ومنظمات المجتمع المدني الدولية، رغم أنها أدارت ظهرها لقيم الصحافة وأخلاقياتها التي بشرت بها في الدول النامية.
جغرافيا، يشير هذا المصطلح إلى 32 دولة تقع تحت خط الاستواء (في نصف الكرة الجنوبي)، على عكس 54 دولة تقع في شماله، واكتسب شعبية بوصفه تعبيرًا ملطفًا ليحل محل المصطلحات الأقل قبولا؛ فخلال الحرب الباردة، قيل إن البلدان التي لم تكن متحالفة مع كتل الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد السوفياتي تنتمي إلى "العالم الثالث" أو "الدول النامية"، وهي مصطلحات في جوهرها مجحفة بحق شعوب الجنوب العالمي(1).
رغم السعي نحو التحول الرقمي في الجنوب العالمي، فلا تزال هناك العديد من التساؤلات بشأن إمكاناته وكيفية دمجه في بيئة تفتقر إلى كثير من أدوات التحول الرقمي، أو تواجه سلطة لا تقبل الرأي الآخر وتعتمد فقط على وسائل الإعلام التقليدية التي تعدّ أداة دعاية للسلطة.
مع انتشار الثورة التكنولوجية الإعلامية وسرعة تنقل البيانات والمعلومات عبر الوسائط المتعددة، تبدو فرص الاستفادة من الرقمنة الإعلامية لدول الجنوب العالمي واعدة، على الرغم من التحديات التي تواجهها الشعوب، خصوصا فيما يتعلق بشكل الأنظمة الحاكمة التي تحاول قمع الأصوات الحرة وحجب مؤسسات الإعلام البديل، ومكافحة رواد المنصات الرقمية، ولا سيما إكس وتيكتوك وفيسبوك. فما هي إمكانات الاستفادة والفرص المتاحة لصحفيي الجنوب العالمي لمواجهة التضليل والتحيز الإعلامي والقصور الذي تمارسه مؤسسات الإعلام الغربي في ترويج خطاب العنصرية والإسلاموفوبيا، وحجب الإعلام العربي الذي ينقل معاناة الشعبين الفلسطيني واللبناني بسبب حرب الإبادة الجماعية؟
لم يعد الإعلام التقليدي بصورته الجامدة فعالا في تقديم المعلومات وإيصالها؛ لأن الجمهور العريض يميل إلى الإعلام القديم؛ ولهذا فإن رقمنة الإعلام تشكل ضرورة ملحة لتقديم أداء أفضل بالنسبة للإعلام العربي ودول الجنوب العالمي، ولكن الانتقال السريع من استخدام الوسائل والتقنيات القديمة إلى الحديثة ليس كافيا لتحقيق التحول الإعلامي المطلوب؛ إذ يتطلب التحول الرقمي تغييرات جوهرية في هيكلة عمل المؤسسات الإعلامية وتطويرا جذريا في إنتاج المحتوى وطرق تقديمه للجمهور. يستلزم هذا الابتعاد عن القوالب التقليدية الجامدة وغير الفعالة، وابتكار أساليب جديدة تعزز من مكانة وسائل الإعلام التقليدية وتزيد من قدرتها على التأثير، وذلك من خلال الاستفادة من المنصات التفاعلية التي تلبي احتياجات الجمهور وتتماشى مع أذواقه المتغيرة (2).
التحول الرقمي في الإعلام أصبح حقيقة واقعة في الدول المتقدمة؛ إذ دخلت هذه الدول عصر الإعلام الرقمي بفضل التطور السريع للمنصات التفاعلية. وقد أسهمت شبكات الجيل الخامس في تمهيد الطريق لهذا التحول الشامل الذي غير أساليب الممارسة الإعلامية بالاعتماد على التقنيات الحديثة. كذلك أصبحت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي عنصرا أساسيا في الطفرة التي يشهدها الإعلام المعاصر، ما يعزز من كفاءته وقدرته على الوصول إلى الجمهور بطرق مبتكرة.
توفر أكاديمية إعلامية تدعم التحول الرقمي وتدرب الصحفيين على الاستخدام الأفضل للوسائط المتعددة يمكن أن يساعد جهود صحفيي الجنوب العالمي في الخروج من بوتقة الحصار الذي فرضه الإعلام التقليدي والأنظمة القمعية.
وامتد تأثير الإعلام الرقمي إلى كثير من المؤسسات الإعلامية عالميا وعربيا (الخليجية)، وفقد المئات من الصحفيين وظائفهم بسبب ثورة الإعلام الرقمي، خصوصا بعد احتجاب عدد من الصحف الورقية وتحول بعضها رقميا، ما قلل حجم العاملين فيها، الأمر الذي استدعى من تلك المؤسسات المسارعة في مواكبة هذا المد الرقمي المتسارع ومحاولة التشبث بالقراء والجمهور، وشمل بناء إستراتيجيات رقمية واضحة وصناعة محتويات بقوالب رقمية واستخدام التطبيقات على الأجهزة الذكية واستغلال كل الفرص التي أتاحتها التقنية لضمان الإبقاء على علاقة وثيقة مع متابعيها(3).
وتمثل ظاهرة الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي أحد أبرز المستجدات التي أحدثت ثورة في عالم الإعلام والتواصل راهنا، وهي ظاهرة أفرزت تحولات وتغييرات في الإعلام بمفهومه التقليدي، سواء من حيث المضامين، أو المفاهيم، أو الأشكال أو طرق تناول الموضوعات والتعامل مع متصفحيها بمختلف توجهاتهم. ورغم هذا التحول، والتزايد السريع لعدد من الصحف المحلية والوطنية وحتى العربية منها المتوفرة على منصات على الإنترنت، نلحظ ضعفها وبُعدها عن المفهوم العلمي المتكامل والتفاعلي للصحافة الإلكترونية (4).
ومع تطور ما عرف بـ "الحقيقة المبرمجة" Compact Reality، الناشئة عن خليط من الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية ذات التدفق الحر للمعلومات، تزايدت أهمية التحول الرقمي إعلاميا في الجنوب العالمي. وبفضل استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، تزايدت قدرة الآلات والروبوتات على معالجة البيانات والتعامل مع المحتوى الإعلامي ومراجعة النصوص، بل تقديم نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية، وأصبح توفير التقارير الإخبارية الآلية أمرا متاحا. ففي تقرير نشرته وكالة الأسوشيتدبرس كشفت أنها استعانت بأحد عشر روبوتا لتصوير مباريات الألعاب الأولمبية التي أقيمت عام 2016 بريو البرازيلية، وأنها استطاعت -من خلال ذلك- التصوير من زوايا يصعب على البشر التصوير منها، كذلك استخدم روبوت درونز لتغطية نزوح مئات العراقيين في منطقة جنوب الموصل.
رغم السعي نحو التحول الرقمي في الجنوب العالمي، فلا تزال هناك العديد من التساؤلات بشأن إمكاناته وكيفية دمجه في بيئة تفتقر إلى كثير من أدوات التحول الرقمي، أو تواجه سلطة لا تقبل الرأي الآخر وتعتمد فقط على وسائل الإعلام التقليدية التي تعدّ أداة دعاية للسلطة. يمكن طرح بعض الإشكاليات جديا لبناء إستراتيجية دقيقة للتحول الرقمي في المستقبل، منها:
- نوع العلاقة وطبيعتها بين الوسائل التقليدية والوسائل الإلكترونية الحديثة، وفرص التكامل، والمضامين وأساليب المعالجة والإخراج، والقضايا التسويقية والإعلانية وطبيعة التشريعات والقوانين والأسس التنظيمية.
- المواثيق الأخلاقية ومواثيق الشرف التي يجب أن يعتمدها ويعمل وفقها كل من القائم بالاتصال والتواصل والمؤسسة الإعلامية عموما.
- إشكاليات تتعلق بغياب الكفاءات الإعلامية أو الإدارية للتحول رقميا ودعم جهود إيصال المعلومات ومكافحة ظاهرة التعتيم الإعلامي؛ فتوفر أكاديمية إعلامية تدعم التحول الرقمي وتدرب الصحفيين على الاستخدام الأفضل للوسائط المتعددة يمكن أن يساعد جهود صحفيي الجنوب العالمي في الخروج من بوتقة الحصار الذي فرضه الإعلام التقليدي والأنظمة القمعية.
وعلى الرغم من انتشار التكنولوجيا، فلا تزال هناك فجوة رقمية كبيرة في الجنوب العالمي نتيجة عدم توفر البنية التحتية التكنولوجية في بعض المناطق، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الحصول على الإنترنت أو ممارسة السلطات سياسة حجب الإعلام البديل، وعدم الاستجابة لحاجة الجمهور للمعلومة بما يتقاطع مع اهتماماته، ما يشكل عائقا أمام تحقيق الاستفادة الكاملة من الثورة الرقمية.
قد يؤدي الاعتماد على التكنولوجيا والشركات الكبرى إلى تعزيز التبعية التكنولوجية؛ إذ تظل معظم الابتكارات والأنظمة التكنولوجية مملوكة لشركات دولية مما يعرض الجنوب العالمي لخطر فقدان السيطرة على بياناته أو أنظمته الرقمية.
ويمكن سرد مجموعة من العقبات التي تحد من سرعة الاستفادة من الثورة الرقمية الإعلامية في دول الجنوب العالمي على النحو التالي:
- التضليل والأخبار الزائفة: الانتشار السريع للمعلومات على الإنترنت يجعل من الصعب التحكم في تدفق الأخبار الزائفة أو المضللة. وفي بعض الدول النامية، يمكن أن تؤدي هذه المعلومات إلى تفاقم الصراعات أو التأثير السلبي على الرأي العام، أو اللجوء إلى نشر معلومات وأخبار مضللة تخدم فقط الدعاية الغربية المتصهينة في حجب المعلومات وحرية تدفقها، ولا سيما ما يتعلق بجرائم الإبادة التي تمارسها آلة القتل الإسرائيلية بحق المدنيين في غزة.
- التبعية التكنولوجية: قد يؤدي الاعتماد على التكنولوجيا والشركات الكبرى إلى تعزيز التبعية التكنولوجية؛ إذ تظل معظم الابتكارات والأنظمة التكنولوجية مملوكة لشركات دولية مما يعرض الجنوب العالمي لخطر فقدان السيطرة على بياناته أو أنظمته الرقمية. كذلك فإنه يمنع من الاستفادة بشكل أكبر من برمجيات الذكاء الاصطناعي، فبدأت الشركات الأمريكية فرض تقييد في مد دول خليجية ولا سيما السعودية والإمارات بهذا النوع من التكنولوجيا المتطورة التي تساعد في تحسين أداء تدبير الشأن العام.
- التهديدات الأمنية والقرصنة: مع زيادة الاعتماد على التقنيات الرقمية، تصبح الدول النامية أكثر عرضة للهجمات السيبرانية والقرصنة، ما قد يحُد من قدرة الإعلام الرقمي على دحض الصورة الإعلامية الغربية في نقل الوقائع والأخبار.
- تأثيرات سلبية على الهوية الثقافية: قد تؤدي العولمة الرقمية إلى تآكل الهويات الثقافية المحلية بفعل التعرض المتزايد للمحتوى والمعلومات التي لا تتلاقى مع الهوية الثقافية والدينية لتلك المجتمعات، وقد تصبح الثقافات المحلية مهمشة في مواجهة تدفق الثقافة الغربية.
لا شك أن العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان فرض معادلات جديدة في اهتمام الصحفيين في العالمين العربي والنامي، خصوصا ما يتعلق بآلية مواجهة السردية الغربية الإعلامية في تناول أخبار الإبادة الجماعية؛ لذلك فإن الصحافة العربية تحتاج إلى إعادة النظر في المدونة الأخلاقية الغربية التي جرى تبنيها محليا، وتطوير مدونات عربية لا تتوقف عند اجترار تلك المعايير وتعريبها، مثل تحري الدقة والموضوعية والحياد، ولكن تصميم معايير أخلاقية جديدة، بما يلائم واقعا عربيا يمثل فشل التنمية، والاحتلال والقمع السياسي أبرز ملامحه (6).
المراجع