بعد ساعات من الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على إيران صباح 28 فبراير/ شباط 2026، أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بخطاب عبر وسائل الإعلام، تلاه بدقائق قليلة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بخطاب آخر. قد لا يكون أسلوب الخطابين غريبا على المتلقي العربي الذي اعتاد على هذا النوع من الخطاب الإعلامي منذ حرب غزة التي ابتدأت في أكتوبر 2023؛ فقد تميزت لغة الخطابين بالحدّة في انتقاد النظام الإيراني، حيث اعتمدت على التعبيرات التي تدين الأفعال التي وُصفت بأنها "إرهابية" و"دموية ومرعبة". وتكرر هذا النهج في الحروب السابقة التي شنتها أمريكا على وجه التحديد على دول مثل أفغانستان والعراق.
ففي 17 مارس/ آذار 2003 قبيل بدء الغزو على العراق، ألقى جورج بوش خطابا موجها إلى الحكومة والشعب العراقي قائلا : "يتعين على صدام حسين وأبنائه مغادرة العراق خلال 48 ساعة، وإلا فسوف يبدأ نزاع عسكري في الوقت الذي نحدده". في المقابل، أظهر بوش في خطابه اهتماما بالعراقيين حيث قال: "إذا بدأت حملة عسكرية فستكون موجهة إلى الخارجين عن القانون الذين يحكمون بلادكم، وليست ضدكم". ثم واصل بوش حديثه محاولا كسب دعم القوات المسلحة العراقية وتحريضها ضد قيادتها؛ فوجّه لهم نصيحة بالقول: "أحثّ كل عنصر في القوات العسكرية وأجهزة الاستخبارات - في حال نشوب الحرب - ألا يقاتلوا من أجل نظام يحتضر؛ لأنه لا يستحق أن تضحوا بحياتكم من أجله". وقبيل الحرب على العراق، لجأ الإعلام الغربي إلى استخدام عبارات قد تشكل تسويغا لقتل العراقيين واحتلال بلادهم وتأطير الأحداث التي جرت بإطار يتناسب مع خطاب بوش، مثل "هذه حرب لتحرير العراق من نظام صدام"، و"القضاء على الإرهاب عبر البحث عن الإرهابيين والقبض عليهم وطردهم من العراق"، و"حماية حقول النفط وثروات العراق لصالح العراقيين". كانت هذه المصطلحات تهدف إلى شيطنة النظام العراقي في ذلك الوقت وكسب تعاطف الشعب العراقي، وهي التي أدت إلى حرب امتدت منذ 2003 وحتى 2011، كما رآها بعض الباحثين في الخطاب الإعلامي (1).
فاللغة والصور التي يُقدَّم بها "الآخر" في الخطاب الإعلامي تؤدي دوراً حاسماً؛ إذ إن تصويره بصورة نمطية ومتكررة قد يجعل تقبّل العنف ضده، أو حتى إشعال الحروب والإبادة، أمراً مبرراً نفسياً لدى بعض الجمهور.
بالنهج ذاته، ألقى كلٌّ من ترمب ونتنياهو خطابين متتابعين في الساعات الأولى من الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، استخدما لغة متشابهة في مضمونها؛ إذ مالت اللغة المستخدمة إلى تسويغ أفعال كل من إسرائيل وأمريكا، وغلفت العبارات بمصطلحات تدعو للتعاطف وأنسنة الهجوم الإسرائيلي الأمريكي. وفي المقابل، استخدمت عبارات مغايرة في التعبير لإدانة النظام الإيراني وقد تكون محاولة من الرئيسين لتجريد النظام من إنسانيّته، وحشد الآراء المعارضة لإيران وسياستها، فعلى سبيل المثال استخدم ترمب في خطابه عبارات من قبيل "على مر السنين كان النظام الإيراني يقتل ويسفك الدماء، وقواتنا الآن في البحر تحمي الأبرياء في إيران"، "قام النظام الإيراني بالهجوم على العراق وقتل العديد من العراقيين، ونحن لن نبقى مكتوفي الأيدي عندما يقوم النظام الإيراني بارتكاب الأعمال الإرهابية"، "النظام الإيراني دعم حركة حماس في السابع من أكتوبر للقيام بأعمال إرهابية ضد الإسرائيليين ومن بينهم ٦ أمريكيين، وحجز العديد منهم"، " كما قتل النظام المئات من مواطنيه، وهي سياسة لن تتسامح أمريكا معها"، ثم قال ترمب مخاطبا الإيرانيين: "لقد حانت ساعة حريتكم". وفي خطاب نتنياهو، لم تكن اللغة التي خوطب بها العالم بعيدة عن لغة ترمب، لكنها كانت أكثر ميلا للعدائية تجاه إيران، واتسمت بالهجوم المباشر على النظام الإيراني ومحاولة كسب تعاطف الشعب الإيراني في الوقت نفسه؛ حيث استخدم عبارات من قبيل: "إسرائيل وأمريكا تضعان حدّاً لتهديد "نظام الشر" في عملية تسمى زئير الأسد"، "هذا النظام الدموي والمرعب الذي هدد الإيرانيين أنفسهم، قتل آلاف الأطفال وكبار السن والمدنيين، لقد عُذِّبُوا فقط لأنهم طالبوا لأنفسهم بحياة من الحرية والاحترام والكرامة"، "سنضرب النظام الإيراني بقوة، وسنخلق ظروفا تمكّن الشعب الإيراني الشجاع من العيش والتخلّص من هذا النظام القاتل"...
بعد الخطابين، تبنت بعض من وسائل الإعلام الغربية سردية إخباريّة تتناسب مع طبيعة الخطابين، وربما جاء ذلك في محاولة لاستخدام اللغة الأنسب لإقناع الجمهور المتلقي بشرعية الهجوم الإسرائيلي والأمريكي على إيران وتأطير الأحداث وقولبتها بناء على مصالح الحكومتين؛ فعلى سبيل المثال، فإن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية افتتحت مقالها بـ "يسعى الرئيس ترمب للإطاحة بالحكومة الإيرانية" حيث إن الجملة تقدم نية سياسية بصفتها حقيقة مؤكدة وليست نقلا للتصريح الذي جاء في خطاب ترمب. كما استخدمت الصحيفة أسلوبا عاطفيا حادّاً جدا لإبراز الضحايا المدنيين، وهو ما اتسق تماما مع خطابَي ترمب ونتنياهو عند الحديث عن الشعب الإيراني، فجاء في الخبر: "المدينة تعيش حالة من الفوضى: الإنترنت محدود، والإيرانيون يحاولون العثور على أحبائهم والفرار"، "هرعتُ إلى المدرسة لأُحضر ابنتي من المدرسة الإعدادية، كانت الفتيات يختبئن تحت الدرج ويبكين". في حين تبدو اللغة المستخدمة ضد الحكومة الإيرانية مناقضة تماما لما ذكر في الحديث عن الضحايا المدنيين؛ إذ جاءت النبرة مشحونة بمصطلحات قد تكون أقرب للعاطفة المبالغ بها، فذكر الخبر بأنه "في نهاية العام الماضي، بدأ الإيرانيون الغاضبون من الحكومة والأزمة الاقتصادية المتفاقمة بالاحتجاج. امتدت المظاهرات في جميع أنحاء البلاد، وشهدت البلاد أكبر انتفاضة منذ ما يقرب من نصف قرن، كما أمر خامنئي، المرشد الأعلى قواتِ الأمن بقمع الاحتجاجات بلا رحمة، فأطلقت القوات النار، وارتفع عدد القتلى إلى 5200 شخص على الأقل، وفقا لمنظمة حقوقية".
تبنت بعض من وسائل الإعلام الغربية سردية إخباريّة تتناسب مع طبيعة خطابي ترامب ونتانياهو، وربما جاء ذلك في محاولة لاستخدام اللغة الأنسب لإقناع الجمهور المتلقي بشرعية الهجوم الإسرائيلي والأمريكي على إيران وتأطير الأحداث وقولبتها بناء على مصالح الحكومتين.
أما موقع دويتشه فيله الألماني فعنون خبرا صحفيا بـ"إسرائيل تعلن شنّ ضربة "استباقية" ضد إيران" وعقب ذلك جاء في الخبر: "يأتي الهجوم الإسرائيلي وسط تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة بشأن برامج طهران النووية والصاروخية". يبدو الخبر خاليا من أي انحياز ظاهري، ولكنه يحمل في طياته تأكيدا على شرعية الهجوم؛ فعلى سبيل المثال: تكرار مصطلح "ضربة استباقية" يمنحه شرعية سردية؛ لأنه يضع الإطار الدفاعي في مقدمة الخبر كما يؤكد سردية كلٍّ من إسرائيل وأمريكا. يضاف إلى ذلك أنّ ترتيبَ المعلومات في الخبر يؤكد كذلك نسبة الانحياز الذي تبنته دويتشه فيله، مبتدِأً الصياغة بإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، ثم وصف الضربة بأنها جاءت لأجل إزالة التهديد الإيراني، ثم ذكر التوتر الأمريكي من تبني إيران للسلاح النووي. في المقابل، لا يوجد عرض كافٍ للرواية الإيرانية، وكذلك لا يُذكر سياق سابق قد تراه إيران مسوغا أو تفسيرا.
يبدو الخبر خاليا من أي انحياز ظاهري، ولكنه يحمل في طياته تأكيدا على شرعية الهجوم؛ فعلى سبيل المثال: تكرار مصطلح "ضربة استباقية" يمنحه شرعية سردية؛ لأنه يضع الإطار الدفاعي في مقدمة الخبر كما يؤكد سردية كلٍّ من إسرائيل وأمريكا
تبرز الأمثلة السابقة فهما أوسع لدور اللغة في تشكيل "الرأي العام" للجمهور المتلقي وتأطير الأحداث ضمن قوالب تُصاغ لتتناسب مع مصالح الدول. لقد ألقي الخطابين أمام العالم في بداية الهجوم الإسرائيلي والأمريكي على إيران، ومثلما حدث في أحداث سابقة، منح التأطير بعض وسائل الإعلام فرصة لمحاولة تشكيل "عقل الجماعة" أو "الضمير الجمعي"، وذلك من خلال التأكيد على ما جاء في الخطابين. فبعض وسائل الإعلام الإخبارية تعمل على تقديم الأحداث التي تغطيها بطريقة تهدف إلى جذب استجابات إيجابية من جمهورها، ولا تتوقف هذه الاستجابات عند مرحلة الاستقبال بل تؤثر أيضًا في اختيار السياسيين للألفاظ وطرق العرض نظرا لدورها في تشكيل وبناء الأطر الخبرية (3). وهو ما ذهب إليه عالم الاجتماع الفرنسي "إميل دوركيم" حين قال: إن اللغة ليست من صنع الأفراد، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع عليها، وتنبعث من تلقاء نفسها عن حياة الجماعات. وهو ما يعنيه تماما علماء الاجتماع بـ "نتاج العقل الجماعي" (4)؛ حيث يمكن لوسائل الإعلام أن تحدد التأثير المطلوب للرسالة الموجهة إلى الجمهور، وتعمل على تأكيده بشكل متسق وثابت، فيساعد الجمهور على الإيمان به لاحقًا.
ونتيجةً لما تقوم به بعض وسائل الإعلام في أوقات الأزمات، تتدخل اللغة بشكل متكرر في تشكيل أفكار جماعات محددة وتوجيهها، سواء أدركت تلك الجماعات ذلك أم لم تدركه. فاللغة والصور التي يُقدَّم بها "الآخر" في الخطاب الإعلامي تؤدي دوراً حاسماً؛ إذ إن تصويره بصورة نمطية ومتكررة قد يجعل تقبّل العنف ضده، أو حتى إشعال الحروب والإبادة، أمراً مبرراً نفسياً لدى بعض الجمهور. لذلك يصبح من الضروري فهم تأثير الإعلام في تشكيل الرأي العام عبر تحليل نقدي يتجاوز ظاهر النص إلى بنيته العميقة، حيث تتشكل المعاني وتُرسم موازين القوة الرمزية.
المصادر
(1) الخدام، ح. خ. (2012). الحملة الإعلامية الأمريكية في الحرب على العراق 2002.
(2) Netanyahu says Israel has begun strikes against Iran, with US help, CNN, 2026
(3) Elmasry, M. H., & El-Nawawy, M. (2024). The Middle East is watching: Iranian and Saudi Arabian newspaper framing of the 2020 US presidential elections. Journal of Arab & Muslim Media Research.
(4) اللغة الإعلامية - عبدالعزيز شرف - ١٩٩١- دار الجيل، بيروت