في الحروب لا تُقاس الحقيقة بحجم الصور والفيديوهات التي تُبث، بل بما ينجو منها من النسيان بعد أن تُطفأ الكاميرا، وبما يظل حاضرا ليصبح شاهدا على ما جرى.
وفي الحروب، تمتلئ الشاشات باللقطات الحيّة وبالمشاهد المتتالية للقتل والقصف والتدمير، وبلحظات إنسانية كثيرة. لكن مع زحمة الأحداث وسباق العواجل تتبخر الكثير من قصص الناس بسبب ضغط البث، ليس المستمر أو المفتوح فحسب، بل الذي يفرض التنويع في التغطية التي تسعى لنقل الحدث وملاحقة كل ما هو خاص وحصري، بينما تغيب الكثير من تفاصيل الألم والمعاناة، إلا ضمن الحدود التي تحتملها النشرات.
وهكذا بدت الحرب "الإسرائيلية" على غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023، اختبارا لقدرة الصورة - كذاكرة - على الصمود في وجه السيل الإخباري المتلاحق وانشغال التغطيات بالعدّ اليومي للمجازر والضحايا وبالتحليل للأحداث.
ومع حضور بعض التفاصيل الإنسانية في تقارير نشرات الأخبار من خلال تغطيات المراسلين الميدانية في محاولة لإيصال صوت الضحايا والمتضررين من الحرب، فإنها تظل ضمن الإطار الإخباري الذي يفرض زمنا محدودا يٌكثّف فيه التعبير عن الحدث نفسه وليس عما وراء الصورة.
"في زحمة الأخبار"
مع غياب الوثائقيات أو قلّتها خلال التغطيات، يكمن التحدي في كيفية كسر الإيقاع الإخباري المعتاد بقصص تأخذ المشاهد إلى مساحات أكثر عمقا وتأملا، وعدم الاكتفاء بالحدث نفسه لفهم أثر ما يجري على الإنسان، وتوثيق ذلك مكانيا وزمانيا حتى لا يتلاشى في بحر الأخبار.
وبينما تجيب الأخبار على "ماذا حدث؟" و"وأين ومتى حدث؟" فيصبح الحدث نفسه هو الموضوع، فإن الوثائقي لا يسعى فقط للإجابة على السؤال "لماذا حدث ذلك؟"، بل مهمّته الغوص فيما وراء الحدث وتجاوُز ذلك إلى إبراز كيف عاشه الناس، ناقلا أحاسيسهم ومشاعرهم وخوفهم وفرحهم وقلقهم، وهو ما لا يُمكن أن تستوعبه نشرات الأخبار إلا بلحظات سريعة. بعض هذه المشاعر يمكن أن تستوعبها وسائل التواصل الاجتماعي بشكل سطحي دون التعمّق في دواخل الناس كما ينبغي أن يكون في الفيلم الوثائقي.
لذلك تظهر أهمية الفيلم الوثائقي القصير الذي يعتمد على نفس أدوات الفيلم الطويل من بحث وتصوير ومونتاج، ويتقاطع مع الخبر أو التقرير الإخباري في الاختصار والمدة أحيانا. لكن مُخرجه ليس كالصحفي الذي يبحث عن المعلومة التي لها الأولوية في التغطية، بل يبحث عن التفاصيل في الوجوه، والكلام والصمت، وفي الخسارات الصغيرة التي لا تتصدر العناوين لكنها تكشف جوهر المأساة.
فمع تتابع الأخبار وزخمها، يُخشى من أن يفقد المُشاهد حسّه الإنساني تجاه ما يجري؛ فالصور المتكررة قد تُولِّد نوعا من اللامبالاة، والوجع القادم عبر الشاشات قد يصير مألوفا، لكن يأتي الفيلم الوثائقي القصير ليحاول ترتيب العلاقة بين الصورة والمتلقي وليخلق تواصلا بينه وبين أبطال الفيلم.
الفيلم الوثائقي القصير يعتمد على نفس أدوات الفيلم الطويل من بحث وتصوير ومونتاج، ويتقاطع مع الخبر أو التقرير الإخباري في الاختصار والمدة أحيانا. لكن مُخرجه ليس كالصحفي الذي يبحث عن المعلومة، بل يبحث عن التفاصيل في الوجوه، والكلام والصمت، وفي الخسارات الصغيرة التي لا تتصدر العناوين لكنها تكشف جوهر المأساة.
"يطيل عمْر الحكاية"
في الأيام الأولى من الحرب على غزة التي امتدت عامين، انتشرت مقاطع مصورة لامرأة فقدت أطفالها جميعا في قصف استهدف المنزل الذي لجأت إليه. اختارت وسائل الإعلام ما يخدم تغطيتها الإخبارية؛ فاكتفت بعرض مشاهد قصيرة لدموعها ونحيبها مع ذكر الحدث الذي تسبّب في الفاجعة.
لكن في مقطع آخر كانت الأمّ تودّع أطفالها بكلمات تمزق القلب؛ تحدثهم كما لو أنهم ما زالوا أحياء، وتغمس كل جملة بقدر من الوجع لا يُحتمل. مثل هذا الرثاء الطويل لا يجد مكانا في التغطيات الإخبارية، رغم أن بعضا من هذا الألم تسرّب إلى منصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن حكاية هذه الأم - كغيرها من قصص المفجوعين - تُطوى مع نهاية الخبر.
ما يجعل الفيلم الوثائقي القصير مهمّا هنا هو أنه سيطيل عمْر الحكاية وسيقدّم فهما أعمق للعلاقة بين الإنسان والحدث نفسه. سيمنحها بعدا إنسانيا يتجاوز اللحظة، وسيفتح الباب أمام تتبّع حكايتها في فيلم طويل لاحقا؛ فمشهد الرثاء سينتهي خلال دقائق لكن الوحدة التي ستعيشها هذه المرأة خارج إطار الصورة لن يصلنا إن لم يُوثَّق كما يجب؛ فنحن نوثّق حتى لا ننسى أن أطفالها ليسوا مجرد أرقام.
الكاميرا في الوثائقي القصير لا تكتفي بنقل مشاهد القصف أو النزوح، بل تحاول تسليط الضوء على هذه التجربة الصعبة نفسها؛ على معاناة عائلة نازحة فقدت بيتها، أو طبيب يقاوم العجز في المستشفى الذي يوشك على الانهيار، أو ناجٍ يحاول انتشال عائلته من تحت الأنقاض. واللحظة هنا ليست الحدث، إنما هي امتداد للمشاعر وما يعيشه هؤلاء الناس وكيف ينعكس على حياتهم.
وقد ذهبت الجزيرة الإنجليزية في أحد الأفلام الوثائقية القصيرة أبعد من ذلك؛ فلم تكتف بتقديم البُعد الإنساني في الفيلم الوثائقي "مهمة إنقاذ في غزة" - الذي يرافق أفراد الدفاع المدني خلال يوم واحد، ويبرز كيف تدفعهم إنسانيتهم للاستمرار رغم إدراكهم أن كلّ مَهمّة قد تكون الأخيرة في حياتهم - بل صنعت لاحقا وثائقيا قصيرا عن المصور إبراهيم العطلة الذي رافق رجال الدفاع المدني ليكون جزءا من هذه الحكاية الإنسانية؛ فكان هذا الوثائقي كما كتب في التعريف على اليوتيوب: "تحيّة لرجل خاطر بحياته ليظهر قسوة الواقع كما هو". في نهايته يبكي إبراهيم الذي لم يتحمل ما شاهده من ألم؛ لأنه - كما يقول في الفيلم - تخّيل أن القصف يستهدف والدته، وأن الولد الذي حمله في سيارة الإسعاف بعد أن أنقذه رجال الدفاع المدني هو ابنه، فإبراهيم خلال التصوير لم يكتفِ بدوره مصوّرا، بل شارك في عمليات الإنقاذ. وهكذا، فإن الفيلم لا يدور حول ما يواجه إبراهيم فقط، بل يُظهر المشاعر التي تسيطر عليه: خوفه وقلقه ولحظات ضعفه وإنسانيته التي تدفعه هو الآخر للاستمرار في نقل معاناة بلده.
للحرب حكاية أخرى
من المبرر أن يتعامل الصحفي مع قصص الناس ضمن إيقاع خبري سريع، وأن يُهمل أدوات السرد الوثائقي ورواية القصص من زاوية أخرى، وتوزيع اللحظات بصريا ودراميا؛ لأن المهمّ في عمله هو حكاية الحرب نفسها، لكن هناك دوما حكاية أخرى للحرب، وهنا تظهر قيمة الوثائقي..
والفيلم الوثائقي يتطلب من صانعه أمورا لا تقتصر على ضرورة وعيه العميق بأن يفكر بعين الصحفي الباحث عن الدقة والمعلومة، وأن يرى بعين المخرج ما لا يراه أحد، وأن يحفّر عميقا وراء الحدث، بل يتطلب - كذلك - صبرا ونفسا أطول في التعامل مع الصور وكيفية إعادة تجميعها ضمن إيقاع بصري وعاطفي للحدث من خلال أبطال قصته. وليس مطلوبا منه أن يبحث عن الأرقام والإحصائيات حتى لا يقع في فخّ التقرير الصحفي، بل إن الإنسان هو همّه الأوّل، وهذا ما يفسّر لماذا تحتاج غرف الأخبار اليوم إلى صُنّاع وثائقيات ينبشون في التفاصيل المخفية بنفس القدر الذي تحتاج فيه إلى صحفيين ومراسلين ميدانيين.
يخبرني صديق لي من غزة أن من أوجُه المعاناة التي يعيشها الكثير من النازحين في الخيام، هي عدم قدرتهم على إسناد ظهورهم على قماش الخيمة. مشكلة قد تبدو بسيطة للكثيرين أمام هول المأسأة الكبرى، لكنها ليست بالسهلة لرجل عجوز أو امرأة حامل أو شاب مريض، وهذه حكاية لن تسمعها في الأخبار، وإن ذُكرت فستمر سريعا في تقرير صحفي عن معاناة النزوح. لكنها في الفيلم ستعيد الاعتبار للإنسان بصفته مركزا للحكاية نعيش معه أدق تفاصيل معاناته.
الفيلم الوثائقي يتطلب من صانعه أمورا لا تقتصر على ضرورة وعيه العميق بأن يفكر بعين الصحفي الباحث عن الدقة والمعلومة، وأن يرى بعين المخرج ما لا يراه أحد، وأن يحفّر عميقا وراء الحدث، بل يتطلب صبرا ونفسا أطول في التعامل مع الصور وكيفية إعادة تجميعها ضمن إيقاع بصري وعاطفي للحدث من خلال أبطال قصته.
الأخبار والتقارير الإخبارية تتلاشى بسرعة؛ ففي كل يوم تحدث مجزرة جديدة تزيح عن الشاشة مجزرة الأمس، لكن الفيلم الوثائقي القصير يعيد لتفاصيل المجازر حقها في الذاكرة، وحقها في أن يظل ضحاياها شهودا على أكبر جرائم الإبادة في العصر الحديث.
الأفلام يمكن أن تحوّل الحدث إلى شهادة إنسانية متكاملة لا تنقل الألم فقط بل طريقة مقاومته، ولا تكتفي بتوثيق ما حصل مع الضحايا، بل تقدّمهم بشرا من لحم ودم تستحق حكايتهم أن تُروى.
في عدد من الأفلام التي خرجت من غزة خلال العامين الماضيين، برزت قدرة الوثائقي القصير على تقديم رواية تواجه بروباغندا الاحتلال وتفكّك روايته المضلِّلة وتقدم سردية توثيقية مضادة بعدسة صُناع أفلام عاشوا هم أيضا الحرب وانعكس ثقلها عليهم، فمثلّت هذه الحرب اختبارا قاسيا لقدرتهم على الاستمرار في التوثيق وسْط الدمار والمعاناة وفي ظل الافتقار إلى الإمكانات الإنتاجية.
وإسرائيل لم تستهدف الصحفيين فقط، بل طال الاستهداف صانعي الأفلام الوثائقية في محاولة لمنع تشكيل الصورة وبنائها على نحو يخدم الرواية الفلسطينية الكاملة، وللحدّ من انتشارها أيضا، لكن نجح بعضهم من خلال أفلامهم في زيادة موجات التضامن الإنساني مع غزة حول العالم، وشاهدنا كيف غزت العديد من هذه الأفلام العديد من المهرجانات السينمائية.
يخبرني صديق لي من غزة أن من أوجُه المعاناة التي يعيشها الكثير من النازحين في الخيام، هي عدم قدرتهم على إسناد ظهورهم على قماش الخيمة. مشكلة قد تبدو بسيطة للكثيرين أمام هول المأسأة الكبرى، لكنها ليست بالسهلة لرجل عجوز أو امرأة حامل أو شاب مريض، وهذه حكاية لن تسمعها في الأخبار، وإن ذُكرت فستمر سريعا في تقرير صحفي عن معاناة النزوح.
قصة نور طبيل
ضمن محاولة صُناع الأفلام في غزة توثيقَ تفاصيل حرب الإبادة الجماعية، أريد أن أحكي تجربة شخصية، بدأت منذ الأيام الأولى للحرب؛ فعلى مدار عامين عملنا على إنتاج قصص قصيرة لا تتجاوز دقائق معدودة، نسلط فيها الضوء على حكايات الناس، ولا نسعى فيها فقط لتتبع المعاناة، بل للتنقيب وراء الصورة، وكانت اللمسات الفنية الوثائقية حاضرة - كما هي اللحظات الإنسانية - في التصوير وفي المونتاج وفي الإخراج، وكذلك في زاوية التناول التي ابتعدت قدر الإمكان عن الحبكة التقليدية للتقارير الإخبارية.
في قصة الطفلة نور طبيل (5) ذات الأعوام التسعة التي كانت بمثابة العيون والآذان لوالديها الأصمَّين، ومنقذتهما عند اقتراب صوت الخطر، لم يكن اللافت دورها فقط في إرشادهما إلى الأمان، بل أيضا ما قالته خلال اللقاء: إنها كانت تخفي خوفها أثناء القصف لتطمئنهما وتساعدهما في العثور على مكان آمن. حضور نور أمام الكاميرا كان مؤثرا، وقدرتها على التعبير عن مشاعرها رغم صغر سنها لافتة واستثنائية.
هذه القصة التي عرضت وقدمت العالم الذي تعيش فيه نور، فتح الباب أمام تناولها في فيلم وثائقي أطول، يحكي عن نور الطفلة التي كبرت قبل أوانها بصفتها بطلة الحكاية.
أرشيف الذاكرة ووثيقة إدانة
الأفلام الوثائقية القصيرة يُمكن أن تتحول أيضا إلى وثائق إثبات وإدانة للاحتلال الذي كان يمارس القتل يوميا أمام أنظار العالم كله، وما يُميزها عن الخبر أو التقرير أن الشهادات فيها أعمق وأقوى ويمكن أن تؤسس لأرشيف حقوقي بصري يسهم أيضا في بناء الذاكرة الجمعية الفلسطينية، وهي ليست مجرد مقاطع صغيرة تُصاغ بإيقاع سريع تُشبه تلك المقاطع التي تُنتج لصالح المنصات الرقمية ويُختزل فيها المحتوى بكتابته على الشاشة وموسيقى مشوقة ورسائل فورية لتصبح أشبه بالوجبات الإعلامية السريعة التي يبتلعها الجمهور في دقائق وقد ينساها بعد ساعات، وإن كان ذلك لا يلغي أهمية هذه المقاطع؛ لما تمتاز به من تكثيف للمحتوى وإبقاء القضية حاضرة على الدوام، إلا أن الطابع العام فيها سيطغى لاحقا على الطابع الإنساني الخاص، بفعل كثرة المواد وتشابهها، فلا يبقى في الذاكرة سوى بعض الحكايات التي حظيت بترويج أكبر من غيرها.
في المقابل، فإن الفيلم الوثائقي القصير يقاوم هذا النمط السريع فلا يلهث وراء المشاهدات والإعجابات، بل يمنح المتلقي وقتا للتأمل، ويجعله شريكا في التفكير لا مجرد متفرج على المأساة، وهو صالح للعرض في كل زمان ومكان يمكن أن يستعيد الحضور أمام سطوة السرعة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن من وظائف الفيلم الوثائقي هو أن يفسر لا أن يثير التعاطف فقط، مع عدم إغفال الكرامة الإنسانية للضحية بالانجرار وراء استثمار المعاناة بصريا دون سياق يوضح الأسباب ومن يتحمل مسؤولية هذا الألم الذي نراه في الصورة.
الخبر يُبقي الحدث حاضرا وحيا، أما الوثائقي فيمنحه حياة أطول ومعنى أعمق، ولعل وجود فريق وثائقي متعاون مع غرف الأخبار يمكن أن يخلق توازنا بين اللحظة والذاكرة التي يجب أن تُحفظ، فوظيفة الإعلام لا تقتصر على الإخبار، بل أيضا على الفهم والتوثيق، وبمعنى آخر، فإن الفيلم الوثائقي القصير هو الامتداد الطبيعي للخبر في بعده الإنساني.
امتداد الخبر في بعده الإنساني
تجربة الحرب على غزة كشفت أن الدمج بين الوثائقي والتغطية الإخبارية ليس ترفا بل ضرورة مهنية. وهو ليس منافسا للتغطية الإخبارية بل مكمل لها.
الخبر يُبقي الحدث حاضرا وحيا، أما الوثائقي فيمنحه حياة أطول ومعنى أعمق، ولعل وجود فريق وثائقي متعاون مع غرف الأخبار يمكن أن يخلق توازنا بين اللحظة والذاكرة التي يجب أن تُحفظ، فوظيفة الإعلام لا تقتصر على الإخبار، بل أيضا على الفهم والتوثيق، وبمعنى آخر، فإن الفيلم الوثائقي القصير هو الامتداد الطبيعي للخبر في بعده الإنساني.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتبهت التفاصيل، يبقى الوثائقي القصير هو الفن الذي يعيد للصحافة التلفزيونية معناها الأول: أن تكون شهادة على الإنسان، لا على الحدث فقط، وعلى الحقيقة حتى لا تتحول إلى مجرد مشهد عابر.