ظل هذا السؤال هاجسا لاحقني طيلة عملي الصحفي، أو لنقل بقي في حقيبتي الصحفية إلى جانب أدواتي التي كانت تتغير باستمرار. كُنا في دورة تدريبية لتمكين الصحفيين الشباب حين طرحه علينا الدكتور أديب خضور ولم يكن يقصد به – وقتها - اختصاصاً معيناً كالرياضة، بل جاء سؤاله شاملا لكل الاختصاصات تقريباً: "تريدُ أن تكون محللاً اقتصادياً؟ أم صحفياً مُختصاً؟" وكذلك بالنسبة للرياضة، والسياسة، والثقافة وغيرها... لكن بما أنني كنتُ قد حدّدتُ اختياري المهني منذ سنواتي الأولى، فقد كانت الرياضة مجالي الصحفي. كنتُ دائمًا أضعها معيارًا لموضوعي، غير أنني كثيرًا ما أتساءل: هل أتجاوز بذلك دور الصحفي لأقترب من منطقة المحلل؟ أم أنني ببساطة أجيب عن أسئلة يفترض أن يجيب عنها المحللون؟
أجبتُ بعفوية وسرعة: "صحفي" وكان ذلك عهداً سألتزم به في مسيرتي الصحفية رغم إغواء التحليل، ومعرفتي القليلة به، لأني مارستُ كرة القدم كهاوٍ مثل سائر أبناء جيلي ومدينتي، وعشتُ متعة البحث عن الأسباب والمعطيات وقراءة أفكار المدربين واللاعبين، تلك التي تَنتجُ تلقائياً بسبب الكم الهائل من الخِبرات المتراكمة جراء حضور الأحداث الرياضية الكبرى وتغطيتها سواء في الواقع أو خلف الشاشات. وأيضاً بسبب الاحتكاك مع المدربين واللاعبين وجماهير كرة القدم التي يتفوق بعضها في فهم اللعبة وتحليلها أحياناً على بعض المُختصين الميدانيين في الملاعب. كما أن هذه الخبرة تغذت بقراءات كتب السيرة الذاتية للمدربين التي أعدها صحفييون أو ممن عايشوا معهم لحظاتهم المهنية مثل كتاب "PEP" الذي يحكي عن الموسم الأول للمدرب الإسباني غوراديولا مع الفريق الألماني بايرن ميونيخ للصحفي مارتي بيرارناو، وعرفت منه كيف استخدم المدرب الكتالوني الشهير لاعبه الأسطوري ميسي في مركز جديد مع برشلونة عندما كانا معاً ضمن الحقبة الذهبية للنادي ( 2009-2012).
كان عليَ أن أقاوم إغواء كل تلك المعارف التي لا تتوقف عن التدفق وتلح على المرء لكي يذهب بها إلى تقديم فيديوهات تحلل الأداء، ولكن ذلك ليس من اختصاصي... أريد أن أبقى صحفياً رياضياً ولكن لن يضرني أبداً الاستماع لمدرب يصرخ على لاعبين بين شوطي المباراة أو يتحدث بهدوء الواثق في المحاضرة النظرية – التكتيكية قبل ساعات من لقاء كروي هام.
كان عليَ أن أقاوم إغواء كل تلك المعارف التي لا تتوقف عن التدفق وتلح على المرء لكي يذهب بها إلى تقديم فيديوهات تحلل الأداء، ولكن ذلك ليس من اختصاصي.. أريد أن أبقى صحفيا رياضيا ولكن لن يضرني أبداً الاستماع لمدرب يصرخ على لاعبين بين شوطي المباراة أو يتحدث بهدوء الواثق في المحاضرة النظرية التكتيكية قبل ساعات من لقاء كروي هام.
هذا بالفعل ما حدث معي نتيجة معايشتي لفريق الكرامة السوري أحد فريقي مدينتي حمص، أثناء خوضه موسماً تاريخياً في دوري أبطال آسيا سنة 2006 حين وصل إلى النهائي وخسر بفارق هدف واحد سُجل بأرضه أمام تشونبوك الكوري الجنوبي.
كنتُ أدخل غرف تبديل الملابس بإذن رسمي من المدرب، مع تنبيهي ألا أصوّر وألا أكتب ما أراه بشكل لحظي، ولكن ذلك كان ينطبع في مخيلتي ويساعدني على فهم تحركات لاعبي المدرب الوطني محمد قويض، ومن اللاعب المنضبط تكتيكياً بشكل كبير، ومن الذي لم ينفذ تعليمات مدربه بدقة، دون أن أسمح لنفسي بالخوض في المسائل التحليلية الفنية؛ لأن ذلك من اختصاص من خاضوا اللعبة لسنوات وراكموا مئات المباريات في رصيدهم المحلي والدولي...وكانوا يجلسون في السدة الرئيسية ليدعموا ناديهم السابق، مع التأكيد أن هؤلاء أيضاً بحاجة لبعض الدورات الإعلامية لالتقاط أدوات أساسية من المهنة مثل التعامل مع الشاشة واستخدام المصطلحات التي يجيد فهمها مباشرةً متتبعو اللعبة.
في المؤتمر الصحفي، وعلى الرغم من أن المدرب يَطلقُ عليَّ لقب "ابن النادي" بسبب ميولي التشجيعية التي يعرفها، إلا أنه واحتراماً لمهنتي ووسيلتي الإعلامية التي أعمل لها آنذاك عام 2009 وكان اسمها جريدة "الرياضة"، كانت أسئلتي حيادية للغاية رغم أن بعضها كان ينم عن ميزة صغيرة تظهر أني سمعت حديثه بين الشوطين ولكن ذلك كان مُبرراً على الأقل من وجهة نظري، لأني كنت من القلائل الذين يطلبون ذلك، ولا أعرف سواي طلب الدخول وجوبه طلبه بالرفض.
وكنت أصادف مراسلين لبعض المنتديات الخاصة بالأندية، فكانوا أحياناً يطرحون أسئلة بطابع تأنيبي أو تحليلي صرف، وأحياناً يكيلون المديح بشكل مفرط كما يطغى الرأي الشخصي المباشر على بعض من أسئلتهم.. بالنسبة لي كان ذلك خطا أحمر.
"في السياسة كما في الرياضة"
لطالما حذّرنا رؤساء التحرير ومديرو الأخبار من استخدام أي تعبير يشير إلى رأينا في القضايا التي نغطيها. ففي المدرسة الصحفية الرصينة، لا يحق للصحفي أن يُظهر وجهة نظره، وليس من اللائق أن تكون حديث التخرج أو في بداية الطريق وتقدّم نفسك ككاتب رأي.
الكلام ينطبق على الصحفي الرياضي بشدة أيضاً، فتغطية المباراة، أو المؤتمر الصحفي، يجب أن تتصف بالحياد تترك فيها للمشاهد أو القارئ الحكم من خلال سردك للأحداث وإيرادك للأرقام والحقائق، لا من خلال رأيك الشخصي.
لطالما حذّرنا رؤساء التحرير ومديرو الأخبار من استخدام أي تعبير يشير إلى رأينا في القضايا التي نغطيها. ففي المدرسة الصحفية الرصينة، لا يحق للصحفي أن يُظهر وجهة نظره، وليس من اللائق أن تكون حديث التخرج أو في بداية الطريق وتقدّم نفسك ككاتب رأي.
لكن على منصات وسائل التواصل الاجتماعي انتشرت ظاهرة المحلل الكروي بشكل كبير، فلم تعد الخطوط الفاصلة بين الصحفي والمحلل واضحة، وبات الخلط بين التغطية والرأي معتاداً ويحدث بلا وعي من مقدم المحتوى الرياضي. فهو يقول – مثلا - إن البرازيل خسرت بنتيجة 7-1 في نصف نهائي كأس العالم ،2014 ثم يعلم بالورقة والقلم ويشرح لماذا خسرت؟ وما هي نقاط ضعفها التي أدت لواحدة من أكثر هزائم البرازيل فداحة عبر تاريخها، وربما قدم بعض النصائح للمدرب سكولاري في ذلك الوقت.
من خلال اهتمامي بالإحصاءات والأرقام، وحتى وإن امتلكت رؤى فنية حول أسباب الخسارة، عليّ أن أظل وفيًّا لإجابتي السابقة أمام الدكتور خضور: "أريد أن أكون صحفيا".
لذلك، ستتركز كتاباتي حول ظروف الخسارة وأثرها على الجماهير، مع طرح الأسئلة والإشارات حول مدى تأثير غياب نيمار حينها على أداء منتخب السامبا، وتقديم إحصاءات دقيقة لكل لاعب، خصوصاً في خط الدفاع وحراسة المرمى، تاركاً لذوي الخبرة في كرة القدم — من لاعبين ومدربين ومحللين — مهمة تفسير الأسباب المباشرة من وجهة نظرهم.
هل سيكون من السليم والمنطقي أن أبسط رأيي بصفتي صحفيا حول هذه الخسارة أمام أي نجم كروي مصري واجه البرازيل عندما شارك مع منتخب الفراعنة في كأس القارات وخسروا بصعوبة في مباراة مشهورة (انتهت المباراة 4-3). قد يقدم اللاعب أو المدرب سراً صغيراً أو معلومة فنية من هذه المباراة تساوي مئات التحليلات التي قد أصف بها ما جرى.
ما أريد قوله إن مهمتنا بوصفنا صحفيين، ليست تحليل المباراة ولا الخوض في الشأن الخططي والتكتيكي بل وحتى في حال كنت صحفياً في الميدان، حول الملعب قبل المباراة وفي المدينة التي ستقام فيها المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا مثلاً، ننتظر منك أن تتحدث عما لم يره المتفرج، عن تلك الإشارات التي التقطتها من ثقة أهل المدينة بأن هذا الفريق هو الأوفر حظًا. وعن انطباعاتك غير المباشرة حول التدريب الأخير لفريق بايرن ميونيخ، وكيف كان مدربهم البلجيكي فينسنت كومباني يتعامل مع اللاعبين بصرامة لافتة، متسائلًا: هل لتلك القسوة دلالات معينة؟ وهل يمكن أن يكون لها انعكاس سلبي على أداء الفريق في أرض الملعب؟ مثلما فعل مراسل بي إن سبورتس، نسيم طالبي في باريس، فعند استقبال أبطال دوري أوروبا العائدين من ميونيخ متوجين بأول لقب لهم في أمجد الكؤوس، تكلم طالبي في مداخلته بمهنية عالية عن مسار حافلة الأبطال في جادة شانزيليزيه، وتحدث عن التعزيزات الأمنية المرافقة، وأين وقف الأنصار ونوعية ومحتوى القمصان التي طبعت بوجه خاص للاحتفال وتوقف حركة المرور في الجادات المجاورة، إضافة للطائرات المروحية التي سترافق الأبطال ولم يتطرق لأي كلمة فنية عن أسباب فوز الفريق مثلاً وعوامل نجاحه في الملعب بل عن الحدث الذي كان يغطيه.
وثمة مثال آخر يبرز هذه المسافة بين الرأي والصحافة، للزميل إبراهيم خضر مراسل قنوات بي إن سبورتس، في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيريس، حين تحدث لبرنامج هذا المساء بمناسبة وفاة الأسطورة دييغو مارادونا، فنقل بوضوح ما ستفعله الرئاسة الأرجنتينية؛ أين سينتقل موكب الجثمان ودخول الأرجنتينيين إلى القصر الجمهوري لأول مرة منذ سنوات، وما يمثله مارادونا للأرجنتين خاصة أنه ثاني شخصية ستؤبن القصر الرئاسي، وما فعله الرئيس الذي ألغى برنامجه، مشيرا إلى عدد الأرجنتينين المجتمعين في أبرز ساحة بالعاصمة، وأنها ليست المنطقة الوحيدة بل منطقة لابوكا أيضاً وما يمثل ذلك بالنسبة لبدايات وجذور دييغو، ولم يتحدث عن قيمة مارادونا الفنية وتاريخه... بل من أين بدأ وما هو تأثير ذلك على الأرجنتينيين وما قالته الصحافة بهذه المناسبة التاريخية.
أتذكر جيدا حفل افتتاح أولمبياد ريو 2016، ورغم أنه أقيم في الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت مكة المكرمة، فقد سهرت متابعا بكل حواسي، لا لانبهاري فقط باللوحات المبهرة التي زينت أرضية ملعب ماراكانا، التي جسدت تاريخ البرازيل الغني والمتنوع، بل أيضا لما قدمه الأستاذان أيمن جادة ومحمد حمادة خلال نحو أربع ساعات من وصف وتحليل عميقين.
فقد قدما تغطية جمعت بين الإحاطة الدقيقة بما يراه المشاهد، والخلفية التاريخية والجغرافية والمعرفية للبرازيل، بوصفها دولة بحجم قارة، وللأمم والشعوب التي مثلتها الوفود المشاركة، إلى جانب استحضارهما تاريخ الألعاب الأولمبية العريق المليء بالقصص الممتدة في عمق الزمن.
سألت الأستاذ أيمن جادة بعد ذلك الحفل عندما عاد للدوحة عن انطباعاته وشعوره أثناء التقديم فقال: إنه مع شريكه في تلك الأمسية بتوقيت البرازيل وخلال رحلتهما الطويلة من الدوحة إلى ريو، أعادا ما كانا قد شرعا في تحضيره قبل أسبوع، وتخيّلا عدة سيناريوهات للتقديم. لكن الأهم أن أياً منهما لم ينطق بكلمة تعبّر عن رأي شخصي مباشر أو انطباع. كان درساً جديداً لي في الإعلام كيف أتحاشى أي مفردة رأي مباشر وأبقى وفيا لإجابتي لأستاذي.
وفيما يتعلق بقراءة البيانات والأرقام والحقائق، فهي تختلف تماماً عن تحليلها والاستفادة منها في الميدان، ذلك أنه بصفتنا صحفيين، يمكننا القراءة والتعليق والتعمّق ومحاولة فهم ما يفكر به المدرب، ولكن لن نصبح محللي أداء لأن هذا اختصاص ميداني مختلف يتطلب مساراً تخصصياً مشبعا بالعمل الميداني بين اللاعبين ومشاهدة مقاطع الفيديو ومباريات كرة القدم ودارسة الحقائق وتعلم مقارنتها بين اللاعبين. مسار دراسي - مهني على حد سواء، ولا يجب أن يكون هذا هدفنا.
الحديث بالأرقام عن بيدري، كشف عن توقعات فنية عالية ولكنه لم يعطِ أي رأي مباشر عن طريقة لعبه وأسلوبه.
وهنا يمكن الإشارة إلى مثال من برنامج "أرقام" على شاشة بي إن سبورتس الإخبارية الذي يتناول المباريات من منظور إحصائي بحت. ففي أحد المقاطع، كان الحديث عن بيدري، نجم خط وسط برشلونة الإسباني، ومقارنته المتكررة مع إنييستا وتشافي، أسطوري الفريق السابقين، خاصة في بداية مسيرته الاحترافية مع الفريق الأول.
لم نطرح أي رأي فني في التحليل، بل اكتفينا بعرض الأرقام والبيانات التي تظهر ما قدّمه اللاعب الملقب بـ الكناري في مواسمه الأولى مقارنة بما قدمه النجمان السابقان في العمر نفسه.
فيما يتعلق بقراءة البيانات والأرقام والحقائق، فهي تختلف تماماً عن تحليلها والاستفادة منها في الميدان، ذلك أنه بصفتنا صحفيين، يمكننا القراءة والتعليق والتعمّق ومحاولة فهم ما يفكر به المدرب، ولكن لن نصبح محللي أداء لأن هذا اختصاص ميداني مختلف يتطلب مساراً تخصصياً مشبعا بالعمل الميداني بين اللاعبين ومشاهدة مقاطع الفيديو ومباريات كرة القدم ودارسة الحقائق وتعلم مقارنتها بين اللاعبين.
وينطبق الكلام عن عشرات الأمثلة الأخرى فيمكن الحديث عن فعالية إيرلينغ هالاند بالتسجيل بقدمه اليسرى مقارنة باليمنى وقوة حراس المرمى باللعب بأقدامهم وكل ذلك من خلال ما نورده من أرقام.
يمكن ببساطة أن نختصر دور الصحفي بقول الشيء والمحلل في تحليل الشيء، ولكن يبقى اللعب في المناطق المختلطة مغرياً للجميع على أمل أن يغذي الصحفي مساره بالتمكين حتى تكفيه المهنة بذاتها.