قرأتُ مرة قصة حقيقية عن شركة أمريكية كبيرة اتُّهمت بالتورط في أعمال مشبوهة. طلب القاضي من الشركة أن تقدّم ورقة محددة من سجلاتها الماليّة. كان محامو الشركة يعرفون أنه إذا اطّلع القاضي على هذه الورقة فسيخسرون القضية، لكنهم إن لم يقدّموها فسيدانون بازدراء المحكمة وسيخسرون أيضا.
كيف خرجوا من المأزق؟ قبل ساعات من انتهاء المهلة لتسليم الوثيقة، ركنت شاحنة كبيرة أمام مبنى المحكمة. كانت مليئة بصناديق فيها آلاف الصفحات من المستندات الماليّة. أُدخلت الصناديق إلى قاعة المحكمة وتكدّست هناك. الورقة المطلوبة كانت فعلا داخل أحد تلك الصناديق. لقد امتثلوا للأمر، والآن على القاضي أن يعثر عليها فقط.
لا أتذكر إن كان العشرات من المساعدين الذين جرى توظيفهم على عجل للبحث في الصناديق قد تمكنوا من العثور على الوثيقة في الوقت المناسب للجلسة التالية، أم أن الشركة أُعفيت من التهمة لعدم كفاية الأدلة كما كانت تتوقع. لكنني تذكرت القصة عندما أفرجت وزارة العدل الأمريكية في نهاية يناير/كانون الثاني عن بعض الوثائق حول المليونير والمعتدي الجنسي على الأطفال جيفري إبستين.
بعد سنوات من الشائعات حول التحقيق السري الذي أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي في دائرة علاقات إبستين التي ضمّت سياسيين رفيعي المستوى وشخصيات أرستقراطية يُشتبه اليوم في مشاركتهم في جرائمه. أمرَ الكونغرس الأمريكي وزارة العدل بنشر المواد كي تتمكن وسائل الإعلام من الاطلاع عليها بنفسها، وقد فعلوا أخيرا. لقد خصّصوا منصة رقمية تتيح التصفح عبر الإنترنت، بيد أن المعضلة الأساسية أنه ثمة 3 ملايين صفحة و180 ألف صورة وألفا مقطع فيديو.
إن نشر ملفات إبستين هو استعارة لإحدى أكبر مشكلات مجتمعنا: لقد أصبح لدى الناس وصول إلى معلومات أكثر من أي وقت مضى في التاريخ، لكنهم في الوقت نفسه أقل اطلاعا مما كانت عليه الأجيال السابقة.
أشعر الآن كأنني ذلك القاضي أمام صناديق الوثائق. هل سأعيش طويلا لما يكفي لمراجعة ثلاثة ملايين صفحة؟ لحسن الحظ يمكنك البحث في قاعدة البيانات الضخمة هذه عبر الكلمات المفتاحية مع معاينات قصيرة، وهو ما يبدو أنه يسهّل الأمور كثيرا. لكن إذا كتبت مثلا "ترامب" فستجد نحو 4700 وثيقة؛ بعضها رسائل إلكترونية تنقل منشورات مزيفة انتشرت على نطاق واسع، وبعضها قصاصات صحفية تذكر الاسم، وبعضها ملخصات لاستطلاعات رأي، وبعضها مطبوعات من مقالات في ويكيبيديا أُعدّت بعد وفاة إبستين بسنوات. وحتى الآن لم أعثر على معلومات حول العلاقة بين إبستين وترامب، ربما توجد لكن عليك أن تبحث عنها أولا.
بطريقة ما، فإن نشر ملفات إبستين هو استعارة لإحدى أكبر مشكلات مجتمعنا: لقد أصبح لدى الناس وصول إلى معلومات أكثر من أي وقت مضى في التاريخ، لكنهم في الوقت نفسه أقل اطلاعا مما كانت عليه الأجيال السابقة، وليس ذلك لأن جودة المقالات الصحفية تراجعت؛ فهناك العديد من الصحف التي تقدم أخبارا ممتازة أو على الأقل بالمستوى نفسه الذي كانت عليه في العقود الماضية وربما أفضل؛ لأن الصحفيين يملكون بفضل الإنترنت أدوات أفضل للبحث في البيانات والسياقات. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى صورة المجتمع كما تعكسها شبكات التواصل مثل منصة إكس، فلا يمكن إلا أن نستنتج أن الجهل بالسياسة يتزايد يوما بعد يوم.
المشكلة ليست في الجودة، بل في الكمية. هناك معلومات أكثر مما ينبغي.
الصحفيون يملكون بفضل الإنترنت أدوات أفضل للبحث في البيانات والسياقات. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى صورة المجتمع كما تعكسها شبكات التواصل مثل منصة إكس، فلا يمكن إلا أن نستنتج أن الجهل بالسياسة يتزايد يوما بعد يوم.
أي شخص يقرأ الأخبار اليوم على الإنترنت متنقلا بلا توقف بين النسخ الرقمية من الصحف التقليدية ومواقع تجميع الأخبار ونميمة المشاهير ومواقع الترفيه المنشأة فقط من أجل الإعلانات وشبكات التواصل الاجتماعي، لا بد أن يشعر شعور القاضي أمام تلك الصناديق؛ إنك تعرف أن هناك معلومات مهمة جدا مخبأة في مكان ما بين مليارات الكلمات والصور، وتعرف أنك يجب أن تقرأها لتفهم النزاعات والحروب الجارية الآن في العالم، وكذلك صعود الشركات وسقوطها والأنظمة المالية - لأن المواطن المطلع وحده يمكنه أن يتصرف بمسؤولية ويسهم في اتخاذ خيارات سياسية سليمة في بلده. من أجل ذلك وُجدت الصحف - لكنك تعجز عن تصفية الضجيج الملوّن على شاشتك للوصول إلى تلك المعلومة الحقيقية. كثيرون لم يعودوا يحاولون أصلا. يقعون ضحية أول عنوان يقرؤونه ونادرا ما يبحثون أبعد من ذلك.
يمكن القول إن هذه نتيجة جانبية لعصر الإنترنت. عندما كانت الأخبار تُطبع على الورق كان هناك حدّ طبيعي لكمية ما يمكن نشره؛ لأن إضافة صفحات تعني زيادة في كلفة الورق والعمل والتوزيع، ولا فائدة من طباعة أخبار أكثر مما يستطيع الزبون قراءته على الإفطار أو القهوة في يوم واحد. صحيح أنه في كل العصور وُجدت صحف مليئة بالنميمة والأخبار التافهة، لكن القارئ كان يعرف من عنوان الصحيفة ما الذي ينتظره. ولعل صحيفة "بيلد" في ألمانيا تعد أبرز مثال على جريدة شعبية غذّت طوال جزء كبير من القرن العشرين قرّاءها بالنميمة والعناوين المتلاعب بها ذات الميول المحافظة واليمينية. وقد اشتهرت بذلك إلى درجة أن أعلى محكمة في ألمانيا وصفتها عام 1981 بأنها "تطوّر خاطئ للصحافة". لكن من كان يشتريها كان يعرف تقريبا ما يمكن توقعه، ومن يبحث عن معلومات رصينة كان يتجه إلى صحف أخرى، ولم يكن هناك أبدا نقص في الصحافة العالية الجودة.
ولا يوجد نقص اليوم أيضا، لكننا لم نعد نستطيع العثور عليها وسط التدفق المتزايد بلا توقف. إنها بالطبع ظاهرة تجارية في المقام الأول؛ فمن الرخيص نسبيا إنتاج عناوين جذابة تَعِد بأخبار مثيرة ثم لا تقدم سوى تفاهات معاد تدويرها. سيشعر القراء بخيبة أمل، لكن بما أنّ هذه المواقع مجانية ومموّلة بالإعلانات فقد يعودون على أي حال؛ فما دمت لا تدفع فلن ترى ضرورة لاتخاذ قرار بعدم القراءة. وهكذا تستمر النقرات ويتواصل الربح.
مع ملفات إبستين يبدو الأمر كأنه ينطوي على إستراتيجية واعية؛ فهناك من قرأ بالفعل كل واحدة من هذه الوثائق داخل وزارة العدل. نعرف ذلك لأنّ بعض الأسماء ومعظم عناوين البريد الإلكتروني حُجبت بعناية في ممارسة رقابة تقليدية. كان بإمكانهم على الأقل تقديم تصنيف عام للموادّ؛ مثل فصل الرسائل الإلكترونية عن القصاصات الصحفية، لكنهم لم يفعلوا. إعطاؤنا كل المعلومات في كومة رقمية واحدة هو وسيلة فعّالة لإبقائنا بعيدين عنها أطول وقت ممكن.
على نحو متناقض، أدت سهولة الوصول إلى الأخبار مجانا - بما في ذلك أحيانا الأخبار الجيدة - إلى تدهور المشهد الإعلامي عموما؛ إذ خفّضت سقف توقعات القراء وسهلت نموذجا تجاريا يقوم على بيع منتج لا يرضى عنه أحد، لكن لا أحد يتوقف عن استهلاكه.
وهكذا غيّر عرض الأخبار المجانية ذهنية المجتمع بأكمله. في السابق، كان حتى أبناء الطبقة العاملة ينفقون مبلغا صغيرا على صحيفتهم اليومية، أما اليوم فحتى مثقفو الطبقة الوسطى يفضلون التصفح المجاني واثقين بأنهم سيحصلون على ما يكفي من المعلومات دون الاشتراك في المواد المحجوبة خلف جدار الدفع. وبالفعل هناك منافذ جيدة مجانية بالكامل (بعضها يطلب تبرعات طوعية فقط). لكن ما لم تكن مركّزا جدا على مهمتك في التزوّد بالمعلومات، فالأرجح أنك ستستنفد وقتك المتاح قبل أن تصل إليها. العرض ببساطة واسع جدا.
حاول أن تجرّب بنفسك: ادخل إلى موقع وزارة العدل وابدأ بتصفح ملفات إبستين، وحاول ألا تتورط في مواد تافهة لا تحتاج إطلاقا إلى قراءتها؛ سيكون الأمر صعبا على الأرجح. لحسن الحظ يعمل صحفيون من خمس من أكبر وسائل الإعلام في الولايات المتحدة معا لمراجعة الملفات، ونأمل أن نحصل خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة على أجزاء من المعلومات المهمة. وإذا تحقق هذا الأمل فذلك لأن هناك صحفيين محترفين ينجزون مهمة فرز المعلومات وتقديم ما تحتاج حقا إلى معرفته. هذا ما وُجدت الصحافة من أجله دائما، وبسبب قدرتها على الاختيار كانت الصحف تُسمى "السلطة الرابعة" بعد الحكومة والبرلمان والقضاء.
ليس غريبا أن يفضّل السياسيون السلطويون إضعاف هذه السلطة؛ تقليديا حاول الدكتاتوريون فعل ذلك عبر الرقابة وتقليص تدفق المعلومات، أما اليوم فيستخدم الشعبويون الأداة المعاكسة: بدل وقف التدفق يسرّعونه إلى درجة يصبح معها غير قابل للاستخدام بشكل معقول.
مع ملفات إبستين يبدو الأمر كأنه ينطوي على إستراتيجية واعية؛ فهناك من قرأ بالفعل كل واحدة من هذه الوثائق داخل وزارة العدل. نعرف ذلك لأنّ بعض الأسماء ومعظم عناوين البريد الإلكتروني حُجبت بعناية في ممارسة رقابة تقليدية. كان بإمكانهم على الأقل تقديم تصنيف عام للموادّ؛ مثل فصل الرسائل الإلكترونية عن القصاصات الصحفية، لكنهم لم يفعلوا. إعطاؤنا كل المعلومات في كومة رقمية واحدة هو وسيلة فعّالة لإبقائنا بعيدين عنها أطول وقت ممكن.
لحسن الحظ، ما زال هناك صحفيون. نحن بحاجة إليهم أكثر من أي وقت مضى.