تزامنا مع "أزمة اللاجئين" عام 2015، ثم استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، اكتسبت قضية الهجرة أهمية متزايدة في السياسة الأوروبية المعاصرة، حيث انتشرت عدوى خطاب أقصى اليمين، الذي دفع إلى سلسلة من المظاهرات المتكررة المناهضة للهجرة في عدد من المدن الأوروبية؛ احتجاجا على سياسات بعض الحكومات الغربية المتعلقة باستقبال اللاجئين وتنظيم الهجرة.
وعلى الرغم من تفاوت نطاق هذه المظاهرات واختلاف الدوافع وحجم المشاركين من دولة إلى أخرى، إلا أن التداول الإعلامي المستمر لها، ودورها الحاسم في توجّيه الرأي العام الغربي كان القاسم المشترك بينها. فكيف غطت الصحافة الغربية سردية تلك المظاهرات اليمينية المناهضة للهجرة؟ وهل هي ناقلة محايدة للأحداث أم مؤثرة في تأطيرها وصياغتها؟ وإلى أي مدى توازن بين المسؤولية المهنية وحرية التعبير دون أن تتحول إلى منبر لخطاب الكراهية والعنصرية؟
يُعدّ التأطير الصحفي من أرسخ الممارسات الإعلامية التي تؤثر على طريقة فهم الجمهور للأحداث، خاصة في أوقات الأزمات التي تتقاطع فيه القضايا السياسية والهوية الثقافية مع حرية التعبير. ذلك لأن وظيفة التأطير الصحفي لا تقتصر على نقل الوقائع فقط؛ بل تعيد صياغتها ضمن سردية من التحيزات الإقناعية؛ بهدف توجيه المتلقي نحو رؤية مُعدّة مسبقًا. ويؤدي الانتقاء المقصود للعناوين والمصطلحات والصور والمصادر، وترتيب المعلومات وتقديمها، إلى تشكيل صورة ذهنية لدى المتلقي وفق الدلالات المراد إيصالها. وهو ما يثير التحيزات والتفاعلات الذاتية لديه بطريقة ناعمة وغير مباشرة.
يؤدي الانتقاء المقصود للعناوين والمصطلحات والصور والمصادر، وترتيب المعلومات وتقديمها، إلى تشكيل صورة ذهنية لدى المتلقي وفق الدلالات المراد إيصالها. وهو ما يثير التحيزات والتفاعلات الذاتية لديه بطريقة ناعمة وغير مباشرة.
وقد تباينت تغطيات وسائل الإعلام في تأطير المظاهرات المناهضة للهجرة تبعا للتوجه الأيديولوجي وسياساتها التحريرية. مثلا، ركزت شبكة بي بي سي في جزء كبير من متابعتها على التأطير الأمني في تغطيتها للمظاهرات في بولندا، مشددة على ضرورة مراقبة الحدود وفرض عمليات تفتيش على حدودها مع ألمانيا وليتوانيا.
بينما وظفت الصحيفة ذاتها أكثر من إطار في تغطيتها للأحداث في أستراليا، من بينها الصراع بين المتظاهرين المناهضين للهجرة وبين السياسيين المعارضين لهم، وكذلك وظف الإطار الاقتصادي لأزمة الهجرة بشأن الأجور والإسكان وإمدادات المياه وارتفاع معدلات الجريمة إضافة إلى إطار ثقافي يثير القلق حول الهوية الأصلية الغربية بتوظيف سردية "الأنا والآخر" ونظريات المؤامرة المتعلقة "بأسلمة أوروبا “وفقدان المجتمع للقيم الغربية.
وبالمثل، ركزت رويترز في جزء من تغطيتها على إطار الصراع، واعتمدت الانتقاء في تأطير الأرقام؛ إذ قدّمت أعداد المشاركين المناهضين للهجرة بنحو 110 آلاف، مقابل خمسة آلاف فقط من المناهضين للعنصرية. ويوجّه هذا التأطير القارئ نحو سردية مفادها أن خطاب الكراهية والعنصرية يمثل غضبًا شعبيًا واسعًا يعكس رأي “الأغلبية”، في مقابل تصوير الحضور المناهض للعنصرية على أنه محدود وهامشي في مظاهرات لندن.
أما صحيفة ديلي ميل، فقد وظفت في تغطيتها لمظاهرات المملكة المتحدة إطار الصراع بين المتظاهرين المناهضين للهجرة والمتظاهرين المضادين، إلى جانب إطار قانوني يركز على قرارات قضائية تقضي بإغلاق فنادق إيواء اللاجئين. وإضافة إلى ذلك، اعتمدت الصحيفة إطار الخطر الاجتماعي للمهاجرين، مقدمة إياهم بوصفهم سببا رئيسا للأزمات الداخلية وارتفاع معدلات الجريمة، بما يرسّخ صورة نمطية سلبية تعزّز الشعور بالتهديد تجاه المهاجرين، من دون تقديم أي سياق إنساني أو بنيوي لأزمة الهجرة.
ركزت رويترز في جزء من تغطيتها على إطار الصراع، واعتمدت الانتقاء في تأطير الأرقام؛ إذ قدّمت أعداد المشاركين المناهضين للهجرة بنحو 110 آلاف، مقابل خمسة آلاف فقط من المناهضين للعنصرية. ويوجّه هذا التأطير القارئ نحو سردية مفادها أن خطاب الكراهية والعنصرية يمثل غضبًا شعبيًا واسعًا يعكس رأي “الأغلبية”، في مقابل تصوير الحضور المناهض للعنصرية على أنه محدود وهامشي في مظاهرات لندن.
بينما جمعت صحيفة الغارديان في تغطيتها بين الإطار التحذيري المتعلق بتطبيع خطابات أقصى اليمين وأنشطته، وتهديده للقيم الديمقراطية داخل المجتمع البريطاني، وبين الإطار الإنساني الذي يصور المهاجرين بوصفهم ضحايا رحلة لجوء محفوفة بالمخاطر وضحايا خطاب قومي معاد لهم، كما لجأت الصحيفة إلى جانب هذه الأطر إلى إطار الحلول والمسئولية الاجتماعية للحكومة في حماية اللاجئين.
أما تغطية صحيفة نيويورك تايمز للمظاهرات المناهضة للهجرة فى أستراليا، نجد التأطير المتعلق بالإدانة والحذر من تنامي خطاب التطرف العنيف الذي يتغذي على نظرية المؤامرة والأيديولوجيات المناهضة للحكومة حيث أدانت الحكومة استقطاب الأشخاص من قبل الجماعات النازية. كما تناولت الصحيفة إطار الاستغلال اليميني لأزمة نقص السكن وارتفاع تكاليف المعيشة وإحالتهما للهجرة لإثارة المشاعر المعادية والعنصرية ضد المهاجرين.
وإلى جانب هذا التأطير؛ أدت عناوين بعض الصحف دورا محوريا في الدفع باتجاه سرديات مقصودة، حيث حملت نبرة استعراضىة يضفي شرعية لخطابات أقصى اليمين ويعزز قوته ويوسع من نطاقه، ليبدو كأنه يحظى بدعم واسع أكثر مما هو عليه جغرافيا.
من الأمثلة على هذه العناوين، ما جاء في شبكة بي بي سي تجمعات مناهضة للهجرة نظمت في جميع أنحاء بولندا". وبالمثل، صحيفة ديلي ميل "يواجه الناشطون الغاضبون المناهضون للمهاجرين المتظاهرين المضادين في المدن والبلدات في جميع أنحاء المملكة المتحدة“.
أما صحيفة الغارديان فقد جاء عنوانها مغايرا: "لحظة خطيرة: جرأة اليمين المتطرف في بريطانيا"، في محاولة لوضع الحدث ضمن إطار التحذير من خطورة تصاعد احتجاجات اليمين المتطرف وخطابه، باعتباره منبرًا يمنح التيارات العنصرية شرعية رمزية لاستهداف اللاجئين والمهاجرين.
وفي سياق التأطير البصري خلال تغطية أزمات مشابهة، تصبح الرسالة الإعلامية أكثر تأثيرًا ورسوخا لدى المتلقي؛ إذ إن اختيار لقطات بعينها، وطريقة عرضها، والسياق الذي تُقدَّم فيه، يكون فعلا مقصودا، يعكس أيديولوجيا تحريرية قد تُحرّف الواقع أو تُضخّمه ضمن سرديات تتجاوز مجرد توثيق الحدث.
وقد كشفت تغطية المظاهرات المناهضة للهجرة عن غياب المعايير المهنية والموضوعية في الموازنة بين حرية التعبير وحدودها الأخلاقية؛ إذ نُشرت صور لمتظاهرين يؤدون حركات غير أخلاقية ويطلقون إيماءات غير لائقة، من دون أي معالجة تحريرية تُخفي التفاصيل التي قد تحرّف السياق، أو تحدّ من تعزيز خطابات وشعارات أقصى اليمين المغذّية للكراهية والعنصرية لدى الجمهور. وهو ما برز بوضوح في لقطات صحيفة ديلي ميل خلال تغطيتها لمظاهرات مماثلة في أستراليا.
في سياق التأطير البصري خلال تغطية أزمات مشابهة، تصبح الرسالة الإعلامية أكثر تأثيرًا ورسوخا لدى المتلقي؛ إذ إن اختيار لقطات بعينها، وطريقة عرضها، والسياق الذي تُقدَّم فيه، يكون فعلا مقصودا، يعكس أيديولوجيا تحريرية قد تُحرّف الواقع أو تُضخّمه ضمن سرديات تتجاوز مجرد توثيق الحدث.
كما تبنّت الصحيفة، بشكل مقصود، سردية الإسلاموفوبيا عبر التأطير البصري في تغطيتها للمظاهرات المناهضة للهجرة في بريطانيا، حين نشرت صورة لمتظاهر مناهض للهجرة يقف في مواجهة متظاهر مضاد للعنصرية يرتدي جلبابًا ويظهر بلحية، بينما يفصل بينهما ضابط شرطة. ويُرسّخ هذا النوع من التأطير لدى الجمهور فكرة مفادها أن الصراع موجّه ضد المسلمين تحديدًا، لا ضد المهاجرين بوصفهم فئة عامة.
من جهة أخرى، ركزت تغطية صحيفة الغارديان على البعد الإنساني للأزمة. ونشرت صورًا لسفينة بحث وإنقاذ تراقب قارباً صغيراً للمهاجرين، في محاولة لإبراز مخاطر الرحلة التي يواجهها هؤلاء اللاجئون.
وإلى جانب التأطير البصري، يبرز التأطير اللغوي بوصفه أداة مركزية في تغطية الأزمات، إذ يقوم على انتقاء دقيق للمفردات والمصطلحات داخل الخطاب الصحفي. وهي ممارسة مقصودة تسهم في تحديد الإطار الذي تُقدَّم من خلاله الأحداث، ومن ثم في تشكيل تصورات المتلقي وفق توجهات بعينها. ويعود ذلك إلى أن هذا الانتقاء اللغوي يؤثر مباشرة في فهم الوقائع، ويكرس انطباعات نمطية، وقد يسهم في تصعيد التوتر. ويتحقق ذلك عبر توظيف لغة موجِّهة تدفع المتلقي نحو تبنّي سردية محددة دون غيرها.
وتجلى هذا النوع من التأطير في انتقاء صحيفة ديلي ميل لمصطلحات شرعنت التظاهر ضد المهاجرين مثل استخدام عبارة "النشطاء الغاضبون المناهضون للمهاجرين"، والتي تضعهم في إطار احتجاج مشروع يدافع عن حقوقهم، في مقابل اختزال معاناة اللاجئين ووضعهم محل اتهام؛ وبالتالي تصعيد التوتر والصراع.
وفيما يتعلق بغياب الحياد الموضوعي في انتقاء المصطلحات وتأطيرها، وظّفت تغطية وكالة رويترز موضوع الهوية الدينية للمهاجرين بمعزل عن أبعادهم الإنسانية، ومخاطر رحلة النزوح، وويلات الحروب التي دفعتهم إلى الهجرة، وقدّمتهم بوصفهم كتلة واحدة متجانسة. كما استخدمت الوكالة مصطلحات ذات حمولة أيديولوجية، من قبيل: "مهاجر إسلامي متطرف" في تغطيتها للمظاهرات في إنجلترا بتاريخ 27 أغسطس/آب 2025 و"نشطاء مناهضون للإسلام" في تغطيتها للمظاهرات في لندن بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 2025 بينما نهجت صحيفة 'ديلي ميل' المسار ذاته عبر دمج عبارات مثل "مسيرات مناهضة للعنصرية ومؤيدة لفلسطين في سياق واحد؛ وهو اختيار لغوي لا يخلو من دلالات موجهة تهدف إلى إعادة تشكيل وعي القارئ.
إن هذا الربط المتعمد يسعى إلى صهر الحراك المناهض للعنصرية ضمن قالب "دعم الإرهاب"، مما يحول المتظاهرين في نظر الرأي العام من نشطاء حقوقيين إلى مصدر تهديد وجودي للمجتمع الغربي. هذه الاستراتيجية الخطابية لا تكتفي بتشويه صورة الحراك فحسب، بل إنها تتماشى عضويا مع سردية أقصى اليمين، وتمنح غطاء أخلاقيًا وتبريريًا للهجمات التي تستهدف المهاجرين، عبر تصويرها كفعل 'دفاعي' ضد أخطار محتملة."
بهذا الشكل يكون طيف واسع من وسائل الإعلام الغربية فاعلا في تأطير الأحداث لا مجرد ناقل لها، وذلك من خلال التلاعب في سردية الخطاب ولغته ومصطلحاته وزوايا التغطية. إذ أظهرت غيابا واضحا للعمل الصحفي المهني وما يترتب عليه من أخلاقيات لنقل الأحداث بموضوعية. يأتي ذلك تحت ذريعة حرية التعبير، التي تحوّلت في هذا السياق إلى غطاء لترويج خطابات الكراهية والعنصرية، وتعميق الانقسامات والتوترات، من دون مراعاة حق الجمهور في معرفة الحقيقة وفهمها بعيدا عن التحيز والتضخيم والتهويل.