ترجمة: إيمان أبو حيّة
واجب الصحفيين يقتضي قول الحقيقة، ومع ذلك، وفقًا لنموذج الدعاية الذي وضعه نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، يتمثل دور وسائل الإعلام في تسلية الجماهير وترفيههم وإعلامهم وغرس القيم والمعتقدات وقواعد السلوك التي من شأنها دمجهم في البنى المؤسسية للمجتمع الأكبر.
ما قامت به وسائل الإعلام الغربية في تغطيتها للإبادة الجماعية الراهنة في فلسطين يعد أوضح مثال معاصر على حملة التلاعب الذي تمارسه وتتورّط فيه.
لقد دفعت القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب لغزة إلى كتابة رسالة مفتوحة وُجّهت إلى السلطات الإسرائيلية في يوليو/تموز 2024، ورغم ذلك، تواطأ العديد من الموقعين عليها - بوعي كامل - على رواية القصة من منظور صهيوني، وأصرّوا على تهميش سردية الصحفيين الفلسطينيين المستندة إلى الأدلة، رغم كفاءتهم المهنية العالية في أرض الميدان، وانخرط كثيرون بالترويج لمزاعم لا أساس لها من الصحة حول قطع رؤوس الأطفال والاغتصاب المنظَّم وصولًا إلى الرقابة الذاتية على المحتوى الذي يكشف معاناة الفلسطينيين.
الصحفي كريس دويل مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني كتب حول ذلك: "من الواضح أن العقلية السائدة لدى العديد من السياسيين والشخصيات الإعلامية في أوروبا والولايات المتحدة تقوم على أن الصحفيين الفلسطينيين في غزة لا يُعترف بهم ولا يمنحون أي اعتبار". ويضيف: " إنّهم يُعاملون كما لو أنهم غير جديرين بالثقة، وعاجزون عن أداء عمل صحفي مهني."
إن الهوّة بين ما يعرضه الفلسطينيون لنا وبين ما تنتقيه وسائل الإعلام الغربية المختلفة وتعرضه، يدل على تحول خطير في المعايير الصحفية السائدة، تلك التي يُفترض أنها تقوم على مبدأ أساسه قول الحقيقة.
إلا أن هذا التحوّل لم يبدأ اليوم، بل هو جزء من سيرورة طويلة عبّر عنها ستيوارت آلان في كتابه "شهادة المواطن: إعادة تصوّر الصحافة في زمن الأزمات" بالقول: "عند النظر إلى عدد من السياقات الوطنية، يبدو من المنصف القول إنه قد طرأ على مدار القرن الماضي تبدّلٌ تدريجيٌ - ولو أنه متفاوت- في التصورات المتنوعة للصحافة؛ فنًا كانت أو حرفة أو تجارة أو رسالة أو مهنة. وقد تم ذلك لصالح "مكانة" مهنيةٍ حصريّة مدّعاة؛ وذلك لضمان التميّز عن غير المحترفين وغير المختصين من العامة".
إن الهوّة بين ما يعرضه الفلسطينيون لنا وبين ما تنتقيه وسائل الإعلام الغربية المختلفة وتعرضه، يدل على تحول خطير في المعايير الصحفية السائدة، تلك التي يُفترض أنها تقوم على مبدأ أساسه قول الحقيقة.
لكن - في ظل غياب هؤلاء الصحفيين الذين تُنسب إليهم "الاحترافية المهنية" - تحوّل الكثير من الشباب الفلسطينيين بفعل شهادتهم على هذه الحرب إلى صحفيين. هكذا أصبحنا نعتمد على عدد كبير منهم لمتابعة التحديثات اليومية، كما برز بعضهم واكتسبوا شهرة خاصة وحضورًا كبيرًا، ممّن أرسوا نمطًا من السرد الصحفي الذي يتسم بالعمق العاطفي غير المحايد، ولكنه ينسجم مع المعايير النقدية في كونه محتوى صادقًا. ومن خلال التغريدات والمقاطع المصوّرة، والتقارير والمقالات، لم تكن قدرة هؤلاء الشباب على توثيق الحقيقة نقيضًا لمشاعرهم، بل منبعثة منها ومتشابكة معها.
لقد دفعتهم قسوة الواقع الذي يعيشونه إلى الاقتراب من الحقيقة أكثر مما يسع أي صحفي من خارج غزة تصويره أو التعبير عنه حتى لو رغب في ذلك. وكما كتب الصحفي الفلسطيني حسام شبات في تمهيد موجع سبق مقتله على يد قوات الاحتلال في 25 مارس/آذار 2025: "على مدى الثمانية عشر شهرًا الماضية، كرّستُ كل لحظة من حياتي لشعبي. وثّقتُ الفظائع في شمال غزة دقيقةً بدقيقة، مصمّمًا على أن أُظهر للعالم الحقيقة التي حاولوا طمسها."
صحفي الصدفة
يقول الصحفي أبو بكر عابد صحفيٌّ "وليد الصدفة" في ظل الحرب، الذي ولد على الخطوط الأمامية للإبادة الجماعية التي أودت بحياة ما لا يقل عن 60 ألف فلسطيني منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023: "لقد أُنتجت الصحافة الفلسطينية في ظل أكثر الظروف رعبًا". (7) ومع ذلك "لقد خذلنا المجتمع الدولي، وخصوصًا المؤسسات الإعلامية الدولية". قالها عابد بينما كان محاطًا بزملائه من الصحفيين الفلسطينيين خلال مؤتمر صحفي عُقد في يناير/كانون الثاني. ورغم أنهم تولوا المهام التي درجت العادة أن يتولاها مراسلون ذوو خبرة، إلا أنهم لم يحظوا بأي حماية.
في ظل غياب الصحفيين الذين تُنسب إليهم "الاحترافية المهنية"، تحوّل الكثير من الشباب الفلسطينيين بفعل شهادتهم على هذه الحرب إلى صحفيين. هكذا أصبحنا نعتمد على عدد كبير منهم لمتابعة التحديثات اليومية، كما برز بعضهم واكتسبوا شهرة خاصة وحضورًا كبيرًا، ممّن أرسوا نمطًا من السرد الصحفي الذي يتسم بالعمق العاطفي غير المحايد.
تنص المادة 79 من البروتوكول الإضافي لاتفاقية جنيف على أن "الصحفيين المشاركين في مهام مهنية خطرة في مناطق النزاع المسلح يُعتبرون مدنيين." ويُفترض أن يُطبّق ذلك " دون المساس بحق المراسلين الحربيين المعتمدين لدى القوات المسلحة"، كما ورد في المادة 4. لكن هذا الإطار القانوني لم يُطبّق، ولا يزال الصحفيون الفلسطينيون يدفعون الثمن حيث قُتل ما لا يقل عن 214 صحفيا إلى حدود الآن في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهذا يجعل فلسطين "أخطر دولة في العالم على الصحفيين". وفي غزة وحدها، تشير مصادر أخرى إلى أن العدد قد يكون أعلى بكثير. وعلى هامش ذلك يرى كريس دويل أنه: "في القرن الواحد والعشرين ينبغي بذل جهد أكبر لحماية الصحفيين في مناطق النزاعات؛ لأن الحرب الإعلامية أصبحت على مستوى مختلف كليًا، والتحكم في السرد بات أمرًا بالغ الأهمية."
وبالنسبة لأبو بكر عابد، فإنّ مواصلة العمل الصحفي واجب لا محيد عنه؛ لأن خصومه في معركة التحكم بالسردية لا يقتصرون على مُحتلّه فحسب، بل فيهم أيضًا قادة العالم ووسائل الإعلام الغربية الرئيسية. ويشرح ذلك قائلا: "ما نكتبه وما نوثّقه وما نتحدث به هو شكل من أشكال المقاومة ضد الاحتلال، أعلم أنني أبلغ من العمر 22 عامًا فقط، لكنني مستعد للتضحية حتى آخر نفس". وبهذا الحس المسؤول تجاه الإنسانية - الذي يغيب بشكل كبير في تغطية وسائل الإعلام الغربية - ستظل أحلامه وتطلعاته كصحفي رياضي في المقام الثاني دوما: " حتى لو أصبحتُ مراسلًا رياضيًا، فإنني سأكون حاضرًا كلما احتاجتني غزة؛ سأترك أي شيء، وسأتخلى عن كل شيء من أجل وطني، من أجل فلسطين."
بهذا المعنى، تتجاوز الصحافة الفلسطينية حدود ما يمكن أن تعنيه الصحافة إذا كان هدفها الأساس هو الهيمنة، كما أنها تمثل أنقى وأخطر أشكال الصحافة كما جسّدت ذلك رسالةُ الوداع المفجعة التي كتبها حسام شبات "خاطرتُ بكل شيء من أجل نقل الحقيقة."
تحدي حياد الإعلام الغربي
في أغسطس/آب 2017 كتبت كريستيان أمانبور مذيعة شبكة سي أن أن: "علينا دائمًا أن نكون صادقين، لا محايدين" كما أضافت: ""لقد تعلّمتُ من حرب البوسنة ألّا أقع في فخّ المساواة الأخلاقية الزائفة." ومع ذلك، وفي تظاهر فاضح بالحياد، فإن وسائل الإعلام الغربية ضبطت ساعة الرواية على السابع من أكتوبر.
فبعد سبعة عشر شهرًا، لا تزال سي أن أن نفسها تصف "الحرب على حماس في غزة" بأنها "ردّ على هجمات 7 أكتوبر".
وفي المقالات التي توثق جرائم الحرب الإسرائيلية الأخيرة والانتهاكات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، لا تغفل هيئة الإذاعة البريطانية عن الإشارة دائمًا إلى أن "هجوم حماس في أكتوبر 2023 أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص".
أما في صحيفة التايمز - وفقًا لتحقيق نشره موقع Declassified UK للصحفي حمزة يوسف - فقد تم تغيير عبارات مثل "منذ أكتوبر 2023" لتُصبح "منذ هجمات حماس".
هذا النوع من السرد هو محاولة مستمرة لصياغة "مساواة أخلاقية زائفة" بين هجوم حماس والإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل، وبين مقتل 1,139 إسرائيليًا ومقتل ما لا يقل عن 60 ألف فلسطيني، وبين يوم واحد من العنف و76 عامًا من الاحتلال.
وقد أدى هذا التزييف في معادلة السرد إلى انحيازٍ صريح دون جهد، لا سيما من قبل الوسيلة البريطانية التي تشتهر بشعارها: "الالتزام بتحقيق الحياد الواجب في جميع موادها الإعلامية".
كما صرح أحد صحفيي BBC لموقع Declassified UK : "رغم انعدام التناسب في هذا الصراع، كان محررو البرامج يصرّون على 'موازنة' الأصوات الفلسطينية بنظيرتها الإسرائيلية." ويتسائل أبو بكر عابد حول ذلك: "ما دور الموضوعية في هذا السياق بالذات؛ في سياق الإبادة؟ ما معنى الموضوعية حين أرى الأطفال ممزّقي الأوصال أمام عيني؟ ما هي إن لم تكن مجرد تبرير للعنف؟".
بالنسبة لأحمد شهاب الدين وغيره من الصحفيين الفلسطينيين في الشتات، فإن العلاقة بين الهوية والتجربة لا يمكن نفيها. وفي ثقافة إعلامية تُعدّ فيها الموضهذا النوع من السرد هو محاولة مستمرة لصياغة "مساواة أخلاقية زائفة" بين هجوم حماس والإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل، وبين مقتل 1,139 إسرائيليًا ومقتل ما لا يقل عن 60 ألف فلسطيني، وبين يوم واحد من العنف و76 عامًا من الاحتلال.
وفي حالة جديدة من الانحياز المتخفي في ثوب الموضوعية، قامت هيئة الإذاعة البريطانية بسحب فيلم وثائقي بعنوان "غزة: كيف تنجو في منطقة حرب"، وذلك بعد موجة انتقادات تتعلق بوالد الراوي، الذي شغل منصب نائب وزير الزراعة في حكومة حماس.
أما الراوي نفسه، الطفل عبد الله اليازوري، البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، فقد عبّر في حديثه مع موقع "ميدل إيست آي" عن خيبة أمله العميقة من القرار، قائلًا: "عملت على هذا الفيلم الوثائقي لأكثر من تسعة أشهر، فقط ليُحمى ويُحذف بهذه البساطة. واكتشفت قرار سحبه من الأخبار التي كانت تُتداول حوله. ولا، ولم أتلقَ أي اعتذار من بي بي سي."
وفي سياق مماثل، أشارت إليه الصحفية السابقة في الهيئة البريطانية كاريشما باتيل، في مقال يتحدث عن قرار استقالتها؛ كتبت تقول: "تفشل الموضوعية عندما تصبح وسيلتها الأساسية هي الموازنة المستمرة بين "طرفي" القصة وكأن كليهما على القدر ذاته من الصدق. المؤسسة الإعلامية التي ترفض الوصول إلى حقائق واضحة، تتحوّل إلى أداة في حرب المعلومات، حيث يُغرق أصحاب النيات السيئة منصات التواصل بادعاءات لا أساس لها، فيسقط الجميع في "ضباب" ما بعد الحقيقة. في مثل هذا السياقات تظل الحقائق المستندة إلى الأدلة وحدها هي القادرة على تبديد هذا الضباب."
الصحفيون الناشطون: دروس من فلسطين
يرى الصحفي البريطاني الفلسطيني حمزة يوسف أن "محاولة تحقيق توازن مصطنع أو ادّعاء الحياد في وجه الظلم، هو شكل من أشكال التواطؤ." وردًّا على هذا التواطؤ، يدفع الصحفيون المستقلون والمواطنون الصحفيون باتجاه إعادة تصوّر الدور الصحفي. ومن خلال تحدي الرواية المؤسسية، وكشف الانحياز، وإعلاء أصوات غزة فإنهم يقودون تحولا في المهنة يجعل من الشهادة على الإبادة مهمة أساسية لا تقبل المساومة.
هذا الدمج بين الصحافة والناشطية - بوصفها سياسة أو سلوكًا - يهدف إلى إحداث تغيير اجتماعي وسياسي يشجع على القيام بإعادة تصور جوهري للدور الصحفي؛ بحيث لا تُشوَّه الحقيقة، ولا يُكافأ الانحياز ماليًا أو سياسيًا. ويقول يوسف: "لا بد من إدماج الناشطية في العمل الصحفي، واستخدام العزيمة الأخلاقية والإمكانيات المهنية لكشف وتفكيك الأنظمة التي تُنتج القمع. ولا بد أن يكون العمل الصحفي مدفوعًا ببصيرة أخلاقية".
ويوافقه الرأيَّ الصحفيُّ والناشط أحمد شهاب الدين الذي يرى أن العمل بصفة الصحفيّ وصفة الناشط معا لا يتعارضان بالضرورة، ويتسائل: "من يرغب في رواية القصص دون أن يغيّر شيئًا؟". ورغم أن شهاب الدين راكم خبرة مهنية في العمل في بعضٍ من أعرق المؤسسات الإخبارية في العالم - من بينها هيئة الإذاعة البريطانية وصحيفة نيويورك تايمز، وعمل أستاذًا مساعدًا في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، ويعدّ صحفيًا متمرسًا وفقًا للمعايير المؤسسية السائدة - إلا أنّه يرى أنّ مجرد رواية قصص تُقر بواقع تجاهل النخب الإعلامية المنهجي والمتعمَّد للإبادة الجماعية يعد فعلا من أفعال التحدي والخروج عن المألوف. ويستحضر شهاب الدين ما قيل له أثناء مشاركته في ندوة عام 2012 حول الربيع العربي: "أنت لست صحفيًا، بل ناشط." وكأن الدورين لا يمكن أن يجتمعا. ويضيف: "بالنظر إلى عدد الأوصاف التي أُطلقت عليّ في حياتي، أجد أنه من المثير للاهتمام أن يُقال عني ناشط؛ لأنها قيلت بنية الإهانة، لكنها في الحقيقة كانت مديحًا، وأنا بكل صراحة فخور بها، ولا يمكن إلا أن أكون كذلك."
وبالنسبة لأحمد شهاب الدين وغيره من الصحفيين الفلسطينيين في الشتات، فإن العلاقة بين الهوية والتجربة لا يمكن نفيها. وفي ثقافة إعلامية تُعدّ فيها الموضوعية المعيار النظري للمهنيّة، فإن هذا قد يؤدي إلى حصرهم في قوالب نمطية تُستخدم غالبًا للتشكيك في مصداقيتهم بدعوى أنهم "ناشطون" لا يملكون سلطةً صحفية. لكن حين تصبح الموضوعية غطاءً زائفًا لانحياز مؤسسي، فإن ما يُوصم بأنه "عملُ ناشطين" هو ما يتيح للصحفيين التحقيق في الظلم، ومواجهة التحيزات، وكشف الحقيقة حين تتخلى المؤسسات الصحفية السائدة عن القيام بذلك.
أما بالنسبة للصحفيين في فلسطين وخاصة في غزة - حيث يكون توثيق الشهادة لما يجري في حرب الإبادة مسؤولية وطنية، وضرورة لتحفيز التحرك الدولي - فإن هذا الرابط بين الهوية والتجربة لا يمكن أن يكون أشدّ تداخلًا منه في هذه الحالة؛ وذلك لأنّ هؤلاء الصحفيين كما يؤكّد أبو بكر عابد يكونون بحق "جزءًا من الحدث."