منذ البداية احتاجت السردية الإسرائيلية لأكثر من خطاب صحفي وحراك دبلوماسي لتتجذر في العقلية اليهودية والغربية، ولتُضفي على مظهرها ملامح "البراءة" والسعي الذي لا يهدأ نحو الوعد الإسرائيلي، لهذا جنّد فاعلوها كل إمكانياتهم لتعزيزها.
من بين هذه الإمكانيات "الكاريكاتير" ورساموه الذين وجدوا فيه قوة المقال واختصار الخطاب، بما يخدم سعيهم في السلم والحرب، ويُعزز صناعة رأي عامٍ موحّد. بهذه العقيدة وُلد "سروليك" على صفحات الصحف الإسرائيلية، ولاحقًا صبرا، ثم كابتن إسرائيل، ليسهموا معًا في جهد دعائي منظّم لتبرير الحروب والحشد دعمًا للسردية الإسرائيلية.
في وقتٍ آخر، ظهر حنظلة مصمِّما على حماية سردية الضحية والمقاومة بلا مداهنة وبلا هوادة، حتى أُريد لصاحبه أن يموت بينما تبعثر هو في طرقات اللجوء يبحث عن عودة. وبين سروليك وحنظلة، تمتد السطور التالية لتستعيد بداياتهما، وتتفحص ملامحهما الشخصية ضمن سردية أوسع، وصولا إلى الدور الذي يؤديانه بصفتهما سلاحا رمزيا في معركة تشكيل الرواية وحشد الرأي العام.
إسرائيل الصبي البريء
قبيل النكبة بقليل هاجر اليهودي المجري غولدبرغر إلى فلسطين، وغيّر اسمه بمجرد وصوله إلى كارييل غاردوش لينضم إلى عصابة ليحي(شتيرن) التي سعت لطرد السلطات البريطانية من فلسطين، والسماح لليهود بالهجرة غير المقيَّدة وتشكيل دولة يهودية، وبعد سلسلة هجماتٍ أتبعها غاردوش بالمشاركة في اغتيال المبعوث الأممي لمجلس الأمن الكونت برنادوت، قُبض عليه وحُوكم بتهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية قبل العفو عنه لاحقًا لينضم إلى طاقم صحيفة معاريف.
إثر ذلك غيّر غاردوش اسمه إلى "دوش"، ثم بدأ في رسم كاريكاتير يوميّ يعكس الوقائع السياسية، قبل الانخراط في كتابة المقالات والقصص والمسرحيات. بعدها بثلاثة أعوام، تحول رسم "دوش" الكاريكاتيري إلى جهدٍ منهجي لخلق رمزٍ تجسيديٍّ (personification) لإسرائيل على نمط الرموز الغربية الأخرى، مثل العم سام الأمريكي، وجون بول البريطاني، وقد حمل اسم "سروليك" (Srulik).
الملامح البصرية الأساسية لسروليك تكدست في مجموعة رموٍز تعزز الهوية البصرية للقومية الإسرائيلية، فهو صبي يُدعى يسرائيل "Yisrael" أبيض البشرة، دون العاشرة من عمره، وُلد في البلاد على غرار جيل الصبرا (أول جيل من المهاجرين اليهود بعد النكبة) على رأسه قبعة قماشية (Kova Tembel) ارتبطت بالمستوطنين الأوائل في اليشوف والكيبوتسات.
يرتدي سروليك سروالا قصيرًا كاكي اللون يوحي باستعداده للعمل، وينتعل صندلا جلديا شعبيًا يُعرف بـصندل التناخ، وهو رمز للزهد والكدّ في التراث اليهودي التلموديّ، أما ملامح وجهه فتشي بالعفوية والبساطة بما يحوّله لمنظومة دعائية متكاملة تجمع بين البراءة والبساطة في العمل والكدّ في الأرض، ثم تحوّل جيل سروليك لأساسٍ للشرعية الإسرائيلية.
يرتدي سروليك سروالا قصيرًا كاكي اللون يوحي باستعداده للعمل، وينتعل صندلا جلديا شعبيًا يُعرف بـصندل التناخ، وهو رمز للزهد والكدّ في التراث اليهودي التلموديّ، أما ملامح وجهه فتشي بالعفوية والبساطة بما يحوّله لمنظومة دعائية متكاملة تجمع بين البراءة والبساطة في العمل والكدّ في الأرض، ثم تحوّل جيل سروليك لأساسٍ للشرعية الإسرائيلية.
في السنوات الأولى لظهور سروليك تحوّل بسرعة لرمزٍ إسرائيلي على طوابع البريد ومنشورات البعثات الخارجية، خاصة مع مرونة رسامه الذي حرص على إضافة سنوات إلى عمره، وتجنيده خلال الحرب من خلال رسمه ببزّة عسكرية وخوذة وبندقية، ووجه مبتسم ودود، يجعل من العنف الذي يُمارسه كيانُه فعلا إنسانيا يبدأ برفع العلم على بقعة جديدة من الأرض الفلسطينية، أو بتسليم القدس إلى الشعب اليهودي بصفته رمزا للانتصار القومي، وينتهي بتصويره كـ "داوود" في مواجهة جالوت العربي.
بهذا الموقع الذي يتخذه سروليك لا يظهر مجردَ رسمٍ كاريكاتيري فقط، بل هو جهد إعلاميّ موجّه لفرض صورة خاصة عن إسرائيل على المستويات المحلية والدولية؛ بوصفها كيانا بريئًا غضّا مسالمًا وَقَع ضحية محيطٍ لا يريده، لكنه شجاعٌ مستعدٌ للمواجهة. هذه الصورة التي تكررت عبر الصحف اليومية – التي كانت وسيلة الإعلام الأكثر انتشارًا حينها - جعلت من سروليك باروميتر المجتمع الإسرائيلي الداخلي وبوصلته الخارجية، لا سيما عندما عبّر عن جولات التفاوض بامتطائه حصانًا خشبيًا يحمله إلى اللامكان، بينما لم يرَ في الدول العربية أكثر من أفاعٍ تحيط به.
يبرهن على ذلك تطور سروليك حتى بعد موت مبتكره دوش عام 2000، حين سعت الحكومة الإسرائيلية لإعادة إنتاجه في كل ذكرى تأسيس، ورسمه بمعايير أكثر حداثة؛ مثل ارتداء البدلة أو استخدام هاتف ذكيّ، أما التطوّر الأبرز فهو ما بعد 7 أكتوبر، حين ذهب أبناء دوش نحو إحيائه مجددًا، وتجنيده في الاحتياط الإسرائيلي، ضمن جهدٍ إعلامي داخلي لتعزيز الروح المعنوية وحشد الرأي العام الإسرائيلي خلف الجيش وسياساته.
لا يترك سروليك وراءه شيئًا، لا السياسة ولا المسرح ولا الجيش، ممثلًا الأداة الإعلامية الرسمية لإعادة إنتاج الأيام الأولى من عمر الكيان ردًا على طوفان السابع من أكتوبر؛ ففي الحملات الإعلامية التي ظهر فيها سروليك، ظهر مرتديا زيًا عسكريًا متنقلًا بين الأمكنة، حاميًا الأطفالَ والحيوانات، رافعًا شعارين أحدهما: "سروليك دائمًا معنا" والآخر: "تغلبنا على فرعون وسنتغلب على هذا أيضًا". وفي حملاتٍ أخرى يُعاتب جائزة الأوسكار على الدبابيس الحمراء -الداعمة لفلسطين - مذكرًا إياها بالشارة الإسرائيلية الصفراء.
صبرا وكابتن إسرائيل
في الوقت الذي خَفَتَ فيه سروليك، صعدت السردية الإسرائيلية في عالم الكتب المصوّرة عام 1980 حين استطاعت تصدير شخصيّة "صبرا" المرأة الخارقة (روث بات سيراف) التي ولدت في القدس وأمضت شبابها في كيبوتس، قبل تجنيدها في برنامج حكومي إسرائيلي للعمل مع معهد الاستخبارات الخاصة (الموساد).
وفقًا لظهور روث في القصص المصورة فهي نظيرٌ إسرائيلي لكابتن أمريكا، يُشار إليها باسم الصبرا، للتركيز على الجيل الأول من مواليد المهاجرين اليهود، كما لم تغفل مبتكرة الشخصية بليندا جلاس إضافةَ تفاصيل شخصية أكثر تأكيدًا على الهوية البصرية القومية لصبرا؛ مثل ملابسها التي تستعير ألوان العلم الإسرائيلي، وعصبة رأسها وقلادتها المزينة بالنجمة السداسية، بينما يُضاء بين الحين والآخر على حادثة فقدانها لابنها يعقوب الذي قُتل على يد جماعة فلسطينية "إرهابية".
تتكاثر التفاصيل الموحية في صبرا عامًا تلو الآخر بطريقة تجعلها مُسَنَّنا إعلاميا آخر في آلة قولبة الوعي الغربي حول القضية الفلسطينية؛ فغريمها الأول بعد Hulk هو الفارس العربي، وعندما تُحاصر الزلازل طبقات الأرض تتمسك صبرا بحائط البراق - الجدار الغربي إسرائيليا - وتفوقها القتالي نابع من احترافها نظامَ كراف ماغا الإسرائيلي المعتمد في تدريبات الجيش الإسرائيلي والمشتق من عدة فنون قتالية في وقت واحد.
بينما تكفّلت الحكومة الإسرائيلية بتسويق سروليك عبر المجلات وطوابع البريد وقصص الأطفال، كانت الأنظمة العربية تتبرأ من حنظلة، لذا تسلّل من الصحف إلى جدران المخيمات والشوارع، حتى خُلِّد باغتيال ناجي العلي في لندن عام 1987، متحولًا إلى رمزٍ لسردية نضالية عابرة للحدود.
كما يُعاد إنتاجها مع الكثير من التحديثات، آخرها تحديث 2025 الذي حاولت فيه Marvel تخفيف ارتباطاتها السياسية قدر المستطاع، وقطع علاقتها بالموساد في محاولةٍ لإرضاء جزءٍ من جمهورها الذي وجد في عودة صبرا وسط الإبادة انحيازًا لـ "إسرائيل دولة الفصل العنصري التي تروج لقمع الفلسطينيين".
ما بين الثمانينات وبداية الألفية الحديثة وجدت السردية الإسرائيلية نفسها بحاجة إلى شخصية أكثر قوة وعُنفًا؛ فأطلقت منظمة Stand With Us الأمريكية الإسرائيلية شخصيةً ذكورية كاريكاتيرية في الذكرى الـ 63 للنكبة - الاستقلال اسرائيليًا - عام 2011، حملت اسم "كابتن إسرائيل" وهدفت لتقديم بطلٍ إسرائيلي خارق قادرٍ على مواجهة حملات نزع الشرعية وحركة المقاطعة (BDS) وإعادة تقديم الجندي الإسرائيلي بطلا خارقا عالميا.
الملامح الشخصية لكابتن إسرائيل كانت "كارثة" دعائية بامتياز؛ فهو ظريف وكوميدي يمتلك "قوة شمشون وحكمة سليمان" وشجاع في مواجهة "الإرهابيين" - وهم هُنا حركة المقاطعة - دفاعًا عن اسرائيل الديمقراطية، لكنه من ناحية أخرى كان مفرطَ "الإسرائيلية" يرتدي اللونين الأزرق والأبيض بشعار النجمة السداسية، ويرفع الشمعدان العملاق متقدمًا الدبابات الإسرائيلية والجنود المشاة خلفه، بينما تحلق الطائرات الإسرائيلية فوقه في السماء، مستعينًا بأجهزة الشاباك والموساد والبحرية والقوات الخاصة، ويشتعل كلُّ ما يمرُ به نارًا ودمارًا.. لماذا يحتاج بطلٌ خارق شجاع لكل هذه الترسانة العسكرية؟
لم يلبث كابتن إسرائيل طويلا، لا سيما وأنه لم يكن إلا ردًا كرتونيًا هزليًا على المقاطعة، وأداة دعائية فاضحة لتسويق "إسرائيل الشجاع" على المستوى الدولي، في تجاهلٍ لجرائم الاحتلال وانتهاكاته، لكنه مثّل - إلى جانب الصبرا - نموذجًا عمليًا لأهمية استثمار الكاريكاتير في الحرب الإعلامية وصناعة السرديات، وفي كيفية تطبيع العنف الإسرائيلي عبر الصورة الساخرة وتحويله إلى فعلٍ دفاعي مشروع، على غرار الدور الذي أدّاه "العم سام" في الدعاية الأمريكية زمن الحروب.
حنظلة يقاتل وحده
"عزيزي القارئ اسمح لي أن أقدم لك نفسي: اسمي حنظلة، اسم أبوي: مش ضروري، أمي اسمها نكبة، وأختي اسمها فاطمة.
نمرة رجلي: ما بعرف لإني دايما حافي.
جنسيتي: أنا مش فلسطيني مش كويتي مش لبناني مش مصري، محسوبك إنسان عربي وبس".
هذا جزء من تقديم رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي لشخصية حنظلة، عند ظهوره الأول على صفحات "السياسة" الكويتية عام 1969، أما الملامح الشخصية فهو صبي عربي توقّف عمره عند النكبة حين كان في العاشرة من عمره، رثٌ ممزق الثياب، عاري القدمين، يحمل اسم حنظلة المستوحى من نبات الحنظل، وهو نبات معمر محلي في فلسطين يحمل ثمرة مرّة، وينمو مرة أخرى عند قطعه وله جذور عميقة.
في سرديته إدانة ورفض لكل مشاريع الخضوع والتصفية، ومقاومة تجعل من القطيعة مع كل المتخاذلين موقفًا سياسيًا، لا تقلّ قوته عن الهُتاف والثورة والرصاص، ومهما اختلفت المواقف يظلّ حنظلة سيدها؛ فهو يُدير ظهره للعالم انكفاءً في أعقاب حرب 1973، ويقدم لبيروت الحزينة وردة وتحية إبان اجتياحها على يد الاحتلال عام 1982، ويرمي الحجارة معلنًا الثورة حتى النصر في انتفاضة الحجارة، ولديه من الجرأة ما يدفعه لانتقاد الاحتلال وأمريكا والعرب وبعض الفلسطينيين دون هوادة.
في سرديته إدانة ورفض لكل مشاريع الخضوع والتصفية، ومقاومة تجعل من القطيعة مع كل المتخاذلين موقفًا سياسيًا، لا تقلّ قوته عن الهُتاف والثورة والرصاص، ومهما اختلفت المواقف يظلّ حنظلة سيدها؛ فهو يُدير ظهره للعالم انكفاءً في أعقاب حرب 1973، ولديه من الجرأة ما يدفعه لانتقاد الاحتلال وأمريكا والعرب وبعض الفلسطينيين دون هوادة.
وعلى النقيض من سروليك الذي يكبر ويتجند في الجيش ويحمل هاتفًا ذكيًا، لا يكبر حنظلة، بل إنه الاستثناء من قوانين الطبيعة، كما أنه الثائر الرافض لكل تطويع وتطبيع، مؤكدًا في كل ظهورٍ له صدق السردية الفلسطينية؛ فقد خرج من مخيمات الشتات - حيث الهامش - ليغدو رمزًا تأسيسيًا في الهوية البصرية الفلسطينية.
وبينما تكفّلت الحكومة الإسرائيلية بتسويق سروليك عبر المجلات وطوابع البريد وقصص الأطفال، كانت الأنظمة العربية تتبرأ من حنظلة، لذا تسلّل من الصحف إلى جدران المخيمات والشوارع، حتى خُلِّد باغتيال ناجي العلي في لندن عام 1987، متحولًا إلى رمزٍ لسردية نضالية عابرة للحدود؛ فظهر حنظلة في مسيرات الحركات الطلابية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، ورُفعت صوره على جدران وأزقة العالم، قبل أن يُطلق اسمه على سفينة من سفن كسر الحصار، ليؤكد أن الكاريكاتير لم يكن يومًا ترفًا فنيًا بل هو جزء أساسي من منظومة الإعلام، يُبنى عليه المسار الفكري لصراع: "من يعرف الرمز؟" و"كيف تصنع الصورة رواية سياسية؟".