محمد حامد - رويترز

التمويل التشاركي في الإعلام... العامة كرئيس تحرير

 

كم مرة خضعت مادتك الصحفية لـ "التشذيب" والـ "تنقيح" بحجة جعلها ملائمة للسياسة التحريرية للمؤسسة الصحفية التي تعمل بها؟ وكم من مرة تراود لأذهان الصحفيين حلم إنقاذ موادهم من مديّة رؤساء التحرير والدخول في حالة من "الأناركية" الصحفية؟

مواطنون أم زبائن؟

في بدايات القرن الماضي، بدأ الإعلام يتحول من أداة اجتماعية إلى صناعة. وترافق هذا التحول مع انخراط الصحافة كإحدى أدوات السوق الجديدة، وهو ما ارتبط به سؤال محوري حول الطريقة التي تنظر بها المؤسسات الإعلامية للجمهور: هل هم "مواطنون" أم "زبائن"؟ 

يمكن اعتبار هذا السؤال المحددَ الرئيسي لشكل العلاقة التي حُددت بين الإعلام وجمهور القراء، وعليه فإن العامل المؤثر الذي كان يحكم القرار التحريري هو كيفية نظرة المحرر للقارئ، فإن كانت نظرة تجارية تسويقية اتجهت القرارات التحريرية إلى خدمة هذا الغرض، والعكس غالبا كان صحيحا.

المنصات الإعلامية التي كانت تعتبر الجمهور "زبونا"، كان شغلها الشاغل هو تحقيق أكبر عدد من الوصول سواء بمبيعات النسخ في الصحف والمجلات، أو عدد المشاهدات في التلفزيون والمنصات الرقمية. ولخدمة ذلك كان لا بد من اللعب على وتر صحافة الفضائح والإثارة التي تحقق وصولا كبيرا، وهذا النوع من الصحافة عادة ما يروج لمحتوى صحفي غير موضوعي وغير متوازن، وفي أحيان كثيرة، زائف.

في الجهة المقابلة، يمكن القول إن الصحافة التي همّشت الجانب الربحي واتخذت من خدمة المواطنين ومساءلة الحكومات نهجا لها، حققت نجاحات صحفية كبيرة، إلا أنها في الوقت نفسه بدأت تعاني من انتكاسات مالية ضخمة.

يشير تقرير إلى أنه في الفترة بين عامي 2007 و2017، تراجعت مبيعات الصحف البريطانية بقرابة النصف، فبينما كانت مبيعات الصحف اليومية عام 2008 تصل إلى 11.5 مليون نسخة يوميا، تراجعت عام 2018 لتصبح 5.8 ملايين نسخة فقط، وكذلك الحال بالنسبة للصحف الأسبوعية.

ولتفادي تأثير هذه الخسائر على استمرارية الصحف، بدأت بعضها بوضع رسوم للوصول إلى المحتوى الرقمي كصحيفتي "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، في حين سعت صحف مثل "الغارديان" مؤخرا للتحول إلى صحيفة ممولة من قبل القراء أو التمويل التشاركي(Crowdfunded Newspaper).

 

ما هو التمويل التشاركي في الإعلام؟

التمويل التشاركي (Crowdfunding) بشكل عام يستند إلى عملية جمع مبالغ معينة من العامة، سواء عبر اشتراكات دورية أو مساهمات متفرقة، بغرض تمويل مشروع معين يرى المساهمون أنه سيعود بخدمة كبيرة على المجتمع نفسه أو على مجتمع آخر، وليس بشكل مباشر على الأشخاص الذين ساهموا في التمويل، أي بالمفهوم التجاري للمنفعة.وأبرز ما يؤمّنه التمويل التشاركي في حالة الإعلام على وجه الخصوص؛ هو استقلال القرار التحريري للصحفي، لا سيما أنه يجعل الصحفي مسؤولا أمام القراء بالدرجة الأولى والأخيرة، لذلك فهو دائما يضع العامة كصانع قرار رئيسي (Main Stakeholder).

وفي الغالب تتكفل هذه المبالغ التي تجمع عبر التمويل التشاركي، بأجور الصحفيين وكلفة تنقلهم أثناء عملهم على إنتاج القصص. ولا يمكن اعتبار التمويل التشاركي تبرعا خيريا، لأنه غير معني بالتعامل المادي المباشر مع الأزمات بقدر ما هو معني بتمكين الصحفي من إنجاز مواده دون تدخل فجّ من رأس المال الممول.

غير أن مشاريع التمويل التشاركي أو الصحافة المستقلة لم تكتفِ فقط بالتحرر من عقد الممول، وإنما بدأت أيضا إعادة طرح أسئلة جوهرية في شكل الصحافة السائد، وكيفية تقديم نوع جديد من الصحافة المعمّقة يستطيع طرح مقاربات جديدة حول الأحداث.

 

 

قاع المدينة

قاع المدينة
الصحفية لينا شنك خلال حفل إطلاق مشروعها "قاع المدينة" في عمّان- الأردن

الصحفية الأردنية، لينا شنك، حاولت أخذ هذه المقاربة الجديدة [التمويل التشاركي] عندما أطلقت مشروعا صحفيا خاصا بها، استلهمته من تقرير أنجزته في منطقة جبل الجوفة بالعاصمة الأردنية، عمّان، كانت تعمل عليه لصالح موقع محلي، لتبدأ مشروعا من نوع آخر، وجديد نسبيا على الوسط الصحفي في الأردن.

ولينا شنك صحفية مستقلة، مهتمة بسرد القصص الصحفية المعمّقة، وتعتمد أسلوب التأني في نقل المعلومة، إذ إنها لا تركز على مواكبة الأخبار الآنيّة السياسية، بل تركز بشكل رئيسي على تغطية آثار السياسات العامة على حياة العامة، على حد تعبيرها.

مجلة الصحافة قابلت لينا للحديث أكثر عن تجربتها، حيث قالت إنها سعت من خلال هذا المشروع إلى توثيق إثنوغرافي للحياة في منطقة جبل الجوفة بعمان، بعد أن شدتها سيدة قابلتها أثناء إعداد تلك المادة الصحفية، وشدها أسلوبها في سرد قصتها، لتقرر لينا الذهاب أبعد من مجرد إنتاج مادة صحفية تصوّر جزءا من الشكل الذي تبدو الحياة فيه هناك، وأنها استندت في هذا المشروع على التمويل التشاركي دون الحاجة للجوء لأي مؤسسة أو كيان ليقدم لها الدعم، والذي غالبا ما يكون مشروطا.

 وفي منتصف العام 2017، بدأت الصحفية الأردنية لينا شنك بالتردد على منطقة جبل الجوفة ومعايشة عدد من الأسر هناك والسماع لهم مليًّا، بعد أن قررت أن تبدأ مشروعها الخاص لتوثيق قصص أهل المنطقة هناك. وقبل البدء بالكتابة التي انتهت -بعد شهور- بكم كبير من دفاتر الملاحظات المتخمة التي تتضمن كل المقابلات التي أجرتها وما تحتاجه تلك النصوص من تحرير ونسخ وتدقيق. كانت لينا تسعى إلى وضع مقاربة تتمكن من خلالها نقل قصص الناس إلى سردية معينة تجعل صوت أهل الجوفة هو الأعلى، في محاولة لتسليط الضوء على الفضاء المجتمعي لهويّة عمّان وسكّانها في الوقت الراهن؛ من خلال معايشة السكان في إحدى أجزاء المدينة، بعيدا عن الأسلوب الصحفي "الكليشيهي" في تناول هكذا قصص.

لكن قبل الخوض أكثر في تجربة لينا نوضح تاليا أهم معالم حركة التمويل التشاركي في الإعلام أو ما يسمى بالمحتوى المدعوم من القراء (Readers-Supported)

مقاربات جديدة

إن التجربة التي مرت بها شنك ودفعتها لأخذ هذا المسار الجديد، هو ذاته ما دفع موقع "دي كوريسبوندنت" (De Correspondent) الهولندي الذي انطلق عام 2013 بالبدء بالدعوة للحصول على تمويل تشاركي بلغ مليون دولار تم جمعه خلال ثمانية أيام فقط. نظرا لأنه استند على فلسفة صحفية تقول إنها تقاطع عجلة الأخبار اليومية، وتستبدلها بتغطية متعمقة تعالج الأفكار أكثر من الأحداث. ويعمل على إنتاج هذه المواد صحفيون مستقلون متخصصون في مواضيع محددة. ويستعد الموقع لإطلاق منصته الإنجليزية يوم 30 سبتمبر/أيلول القادم، بعد أن تمكن من جمع تمويل من القراء قدره 2.5 مليون دولار. ويضع الموقع الإنجليزي نصا في واجهته يقول الآتي:

"الأخبار كما نعرفها تجعلنا متشائمين ومنقسمين وأقل معرفة..

إننا نبني حركة لأخبار مختلفة جذريًا..

ولا يمكننا القيام بذلك بدونك".

الصفحة الرئيسية لموقع "ذي كورسبوندنت" الذي سينطلق نهاية سبتمبر/أيلول القادم
الصفحة الرئيسية لموقع "ذي كورسبوندنت" الذي سينطلق نهاية سبتمبر/أيلول القادم

 

إحدى أدوات التمويل لمشاريع "ماذر جونز" الصحفية حول تغطية قضايا الفساد
إحدى أدوات التمويل لمشاريع "ماذر جونز" الصحفية حول تغطية قضايا الفساد​​​​​​

هذا النوع من المشاريع الإعلامية يطلق عليه اسم "مشاريع مدعومة من قبل القراء" (Reader-Supported)، وقد استطاعت أن تتجه بشكل مريح إلى ممارسة صحافة العمق بشكل أكبر، دون القلق من عوائد المبيعات أو الإعلانات التجارية المدفوعة. ولعل مجلة "ديلايد غراتيفيكايشن" (Delayed Gratification) الأشهر في حركة الصحافة المتأنية، خير مثال على المساحة التي تمنحها هذه المشاريع للصحفيين ليتمكنوا من إنجاز موادهم برويّة وتأنٍ.

وكذلك موقع "ماذر جونز" (Mother Jones) الأميركي المتخصص في الصحافة الاستقصائية المعمقة، الذي يعتمد أيضا على تمويل القراء، حيث ينشئ -دوريا- حملات جمع تمويل لمختلف مشاريعه، ويستخدم تقنية فيسبوك لجمع التبرعات (Facebook Fundraising) المتوافرة في بعض دول العالم، لجمع هذا التمويل من القراء.

وحاليا يجمع الموقع تمويلا لمشروعه الجديد الذي سيعمل فيه على تسليط الضوء على قضايا الفساد المرتبطة بتحقيقات روبرت مولر. وتمكن الموقع من جمع أكثر من 36 ألف دولار من أصل 50 ألفا، خلال 27 يوما.

وهناك تجارب أوروبية عديدة فيما يتعلق بالمنصات والمشاريع الصحفية التي تعتمد على التمويل التشاركي مثل منصة "ميرسي هيو" (Merce.hu) المجرية، ومجلة "ريبوبليك" (Republik) السويسرية، ومشروع "أوكو برس" (Oko.press) البولندي الاستقصائي، وجريدة "تاز" الألمانية، وغيرها من المنصات.

 

 

لماذا التمويل التشاركي؟

عندما لاقى كتاب الصحفية لينا شنك اهتمام إحدى دور النشر وتمت الموافقة على طباعته، رأت أن إنتاج هذا الكتاب سيستلزم منها تفرغا تامًا لمدة ثلاثة أشهر متواصلة لتتمكن من إنجاز الكتاب ما بين تحرير المقابلات، والعودة إلى التحقق من الأشخاص الذين قابلتهم، ومن ثم موافقتهم على النصوص النهائية.

ولينا التي تعمل كصحفية مستقلة مثل كثير من الصحفيين في الأردن، لا تملك دخلا ثابتا ويستند دخلها الشهري إلى عدد المواد الصحفية أو الترجمات التي تنتجها لعدد من المؤسسات الإعلامية. ولتتمكن من إنجاز الكتاب كان من الضروري أن تمضي فترة الأشهر الثلاثة دون أي دخل شهري لأنها لن تتفرغ لإنتاج المواد الصحفية والترجمات المعتادة، وهو ما دفعها للقيام بأول عملية تمويل تشاركي عبر الإنترنت، حيث حاولت جمع مبلغ 3500 دولار لتغطية تكاليف تفرغها طيلة هذه الفترة.

تقول لينا إنها لجأت إلى طلب التمويل من العامة بعد عدم تمكنها من العثور على جهة ممولة لهذا التفرغ، إما بسبب عدم اهتمام الممولين بالمشروع الذي تعمل عليه، أو لأنه لم يكن ضمن "ترند التمويل" إن صح التعبير، أو بسبب رغبة ممولين في التدخل بشكل مباشر وغير مباشر في العمل، لذا لجأت لينا إلى أخذ تمويلها من قراءها بعد أن وضعت طلباً على أحد مواقع جمع التمويل، ثم أغلقت باب التبرعات على الموقع  بعد أربعة أيام -على غير عادة تلك المواقع- بعد أن تجاوزت قيمة التبرعات قيمة المبلغ المطلوب بقليل، لرفضها -على حد تعبيرها- تلقي أي مبالغ إضافية فوق الحد الذي وضعته لتمويل تفرغها.

نجحت لينا في إنجاز الكتاب في الأشهر الثلاثة التي تفرغت فيها، وبعد عمل دام أكثر من سنة، تقول إن نسبة كبيرة منه تمت تغطية نفقاته بشكل شخصي. ثم أقامت حفل توقيع للكتاب الذي أطلقت عليه اسم "قاع المدينة".

ويمكن القول إن حفل التوقيع كان ذا طابع شعبي جدا وفق ما يصفه عدد من الحضور، بعد أن تقدّم مخبز محلي لرعاية حفل التوقيع والتبرع بعدد من منتوجات المخبز ليتم تقديمها لضيوف الحفل، واستخدام عبارة "بدعم من الشعب الأردني" في دعوات حفل الإطلاق، لتبيان الجهة الداعمة والممولة للكتاب.

الصحفية الأردنية رغدة خليل رأت أن المشروع (الكتاب) عمل على سرد عدد من الوقائع التي تصف حال عدد من سكان تلك المنطقة، وحجم التهميش الواقع عليهم. وتضيف ‏"ممتنة للكاتبة لأنني أظن أنها نجحت في إيصال صوت الطبقات الاجتماعية المهمشة بطريقة جديدة تجعلنا نسمع صوتهم كما هو بوضوح".

من جهتها قالت الكاتبة الأردنية علا عليوات لمجلة الصحافة، إنه يُحسب للينا أنها لم تلجأ إلى المبالغات الفنية والدرامية، أو الإغراق في التفاصيل لتشد القارئ أو تستدرّ عطفه، معتبرة أن الحضور الكثيف لحفل التوقيع كان مؤشراً على إيمان عدد كبير من الناس برسالة الكتاب، خاصة أن مرحلة الكتابة تمت بدعم من الناس أنفسهم عبر حملة التمويل التشاركي، وهو شيء غير مألوف بعد في مجتمعنا، لكنه يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتشجيع العمل الصحفي، خاصة في غياب الدعم الحكومي، وللحفاظ على استقلالية العمل ومصداقيته بالابتعاد عن التمويل من جهات معينة.

وبعد أن لاقى الكتاب صدى إيجابيا، تقول لينا إنها بدأت بالتفكير في توسيع هذا المشروع ليشمل عددا من القضايا المحورية في المجتمع المحلي الأردني، مثل قضية إعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد خروجهم من السجن وانقضاء فترة عقوبتهم، وهو ما رأت لينا أنه موضوع يمكن معالجته في قوالب صحفية عدة، والبودكاست أحدها.

وضعت لينا ميزانية أولية تقدّر بنحو 13 ألف دولار لإنجاز هذا المشروع الذي قالت إنه يفوق الأول من ناحية تكلفة البحث والتفرغ الذي يزيد عن سبعة شهور بما في ذلك مرحلة الإنتاج ، وكذلك دفع أجر أحد سكان المنطقة الذي سيعمل معها كمساعد باحث. وتقول إنها أيضا عادت وتواصلت مع عدد من مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، إلا أنها لم تلقَ من يهتم بدعم هذا المشروع لأسباب متباينة، مما دفعها للجوء مرة أخرى إلى القراء لتمويل المشروع، وتمكنت من تمويل 20% من ميزانية المشروع عبر مساهمة 38 قارئا خلال الفترة بين 30 أبريل/نيسان إلى 9 مايو/أيار، تاريخ إجراء المقابلة معها.

الغلاف الخلفي والأمامي لكتاب "قاع المدينة" حيث تشرح لينا أبرز معالم هذا المشروع، وتضع بشكل واضح اسم الممول الرئيسي للكتاب "بدعم من الشعب الأردني" (ناشرون، جبل عمان)
الغلاف الخلفي والأمامي لكتاب "قاع المدينة" حيث تشرح لينا أبرز معالم هذا المشروع، وتضع بشكل واضح اسم الممول الرئيسي للكتاب "بدعم من الشعب الأردني" (ناشرون، جبل عمان)

 

 

لماذا ندفع للصحفيين لينجزوا عملهم؟

هذه التجربة لم تخلُ من انتقادات البعض الذين رأوا عدم جدوى هذه المشاريع على حياة العامة، وأنه كان من باب أولى لو حوّلت تلك المبالغ إلى تبرعات نقدية أو عينية للمحتاجين بدلاً من نقل قصصهم في كتاب أو عبر عمل صحفي. وهي انتقادات تردها لينا إلى عدم اقتناع شريحة من المجتمع بدور الصحافة وأهميتها في تغيير السياسات على الأمد الطويل، ونزعة البعض إلى التغيير السريع المادي الملموس المحدود، بما يجعلهم لا يؤمنون بمشاريع كهذه تساهم في إبراز قصص العامة، مؤكدة أن هناك فرقا كبيرا بين التبرع الذي يعد عملا خيريًّا يُعنى بتقديم المساعدات المادية والعينية للمجتمعات المحتاجة، وبين تقديم تمويل لمشروع ينقل قصص الناس ويبرزها بشكل أكبر ويساهم في معالجتها على المدى الطويل، وفق تعبيرها.

تجربة لينا تفتح الباب أمام عديد من التساؤلات، لعل أبرزها هي النظرة العامة للصحافة في المجتمعات العربية، التي عادة ما يجب أن تكون مجانية وفق الاعتقاد العام، رغم أن فكرة مجانية الصحافة هي التي يجب أن تثير تساؤلات عدة حول الاستقلالية، إذ إن هذه المجانية ترتبط بتمويل مقدم للمؤسسة الإعلامية من إحدى الجهات الرسمية والخاصة، جهات تسعى أغلبها للتأثير على القرار التحريري لتلك المؤسسات، بينما حينما يكون التمويل كاملا من القراء، كما هو الحال في التجارب التي استعرضناها في بداية التقرير، فإن تلك المنصات ملزمة بتقديم صحافة عميقة وموضوعية تضع اهتمامات العامة كضابط لها باعتبار العامة رئيس التحرير الأول.

الشريك المؤسس لمجلة Delayed Gratification روب أوركارد،  قال لـ "مجلة الصحافة" إن "المشتركين في المجلة هم ترياق الحياة لها. وبما أننا لا ننشر أي إعلانات، فالمال الوحيد نحصل عليه من خلال عائدات بيع نسخ المجلة والفعاليات التي نقيمها. وعلى هذا نحن ملتزمون بتقديم تعويضات مالية مناسبة للصحفيين العاملين لدينا، بما في ذلك تمويل سفرهم ومهماتهم البحثية وكذلك رفع نسبة التعويضات كلما ارتفعت مواردنا، وبذلك نحافظ على جودة المحتوى المنشور. نحن سعيدون بأنه لا يوجد أي تدخل في سياستنا التحريرية نظرا لأن رئيسنا الأول الوحيد هم جمهورنا الذي يمولنا بالاشتراكات، وعلى ذلك نحن ملزمون بالاستماع إليهم، وعدا ذلك فإنه لا أحد آخر لديه سلطة على سياستنا التحريرية.. هذا الأمر مكّن المجلة من السعي جاهدة كي لا تكون منحازة إلى طيف سياسي ما، واتخاذ سياسة العقلية المنفتحة تجاه كافة الاتجاهات السياسية". ونصح أوركارد المشاريع الإعلامية التي ترغب في الحصول على تمويل تشاركي من العامة؛ بضرورة وضع مبدأ الاستقلالية كأساس جوهري لعملهم، مما سيخلق لهم علامة تجارية مميزة، ومن ثم السعي وراء اختيار الممولين بشكل حكيم، سواء من خلال التمويل بالاشتراكات -كما تفعل المجلة- أو التعامل مع مجموعات صغيرة من الممولين الذين لا يسعون لفرض آرائهم على السياسة التحريرية.

 

 

المزيد من المقالات

الرواية الفلسطينية في بث حي على إنستغرام

بينما كانت بعض القنوات التلفزيونية تساوي بين الضحية والجلاد في أحداث القدس، كان مؤثرون ونشطاء صحفيون يقدمون الرواية الفلسطينية للعالم. لقد تحولت المنصات الرقمية، رغم كل التضييق، إلى موجه للقرارات التحريرية، وإلى مصدر رئيسي للتحقق مما يجري على الأرض.

مجلة الصحافة نشرت في: 9 مايو, 2021
حينما تتعالى الصِّحافةُ السودانية على آلام المستضعَفين

بينما الشّارعُ السّودانيُّ يغلي بسبب انتشار الفقر، وبينما تتّسعُ دائرةُ التّهميش، تُصِرُّ الصِّحافةُ السّودانيّةُ على التَّشاغُل بتغطية شؤون "النُّخبة"؛ بعيدًا عن قصص الفقر في المدن والأرياف.

سيف الدين البشير أحمد نشرت في: 31 مارس, 2021
التسريبات في تونس.. الصحافة تدخل "الغرف المظلمة"

تحول جزء من الصحافة التونسية إلى فضاء للتسريبات والتسريبات المضادة، لكن نادرا ما طرح السؤال عن المعايير الأخلاقية والمهنية في التحقق منها، ومدى ملاءمتها للمصلحة العامة..

أمين بن مسعود نشرت في: 28 مارس, 2021
أطفال مخيم الهول في عين الحدث.. شيطنة الضحايا

في مخيم الهول، ظهرت صحفية تطارد أطفالا وتنعتهم بتسميات وصفها بعض الأكاديميين أنها منافية لأخلاقيات المهنة. كيف يتعامل الصحفيون مع الأطفال؟ ولماذا يجب أن يحافظوا على مبادئ الإنصاف واحترام خصوصيات الأفراد والحق في الصورة؟ وماهو الحد بين السعي لإثبات قصة وبين السقوط في الانتهاكات المهنية؟

أحمد أبو حمد نشرت في: 25 مارس, 2021
الصحفي وامتحان "الوثائقي"

ما لم تحفز الأفلام الوثائقية المشاهد على "عمل شيء، أو توسيع مدارك المعرفة والفهم الإنسانية"، فإنه لا يضيف أي قيمة للممارسة الصحفية. البعض يعتقد أن صناعة الفيلم الوثائقي ليست مهمة، لذلك يسقطون في أخطاء، يحاول هذا المقال أن يرصد أبرزها خاصة التي تفتقر للحد الأدنى من لغة الوثائقي.

بشار حمدان نشرت في: 16 مارس, 2021
الصحفي.. والضريبة النفسية المنسية

في مرحلة ما، تتشابه مهام الصحفي والأخصائي النفسي الذي يستمع لمختلف القصص ويكون أول من يحلل أحداثها لكن عليه أن يحافظ على مسافة منها وألا ينسلخ عن إنسانيته في ذات الوقت. في هذا المقال، تقدم الزميلة أميرة زهرة إيمولودان مجموعة من القراءات والتوصيات الموجهة للصحفيين للاعتناء بصحتهم النفسي.

أميرة زهرة إيمولودان نشرت في: 14 مارس, 2021
فيسبوك بلا أخبار في أستراليا.. عن حرب العائدات التي اشتعلت

استيقظ مستخدمو فيسبوك في أستراليا، صباح اليوم الأربعاء، على "فيسبوك دون أخبار"؛ حيث قررت شركة فيسبوك منع مستخدميها في أستراليا من مشاهدة أو نشر الأخبار على منصته.

محمد خمايسة نشرت في: 18 فبراير, 2021
العمل الصحفي الحرّ في الأردن.. مقاومة لإثبات الوجود

أظهرت نتائج الرصد تحيزًا كبيرا إلى الرواية الرسميّة الحكوميّة في تلقي المعلومات وبثها، حتى تحوّلت الحكومة من خلال الناطق الإعلامي والوزراء المعنيين وكبار الموظفين في الوزارات ذات الاختصاص، إلى مصادر محددة للمعلومات التي تتولى وسائل الإعلام تلقيها وبثها.

هدى أبو هاشم نشرت في: 29 ديسمبر, 2020
المبلّغون عن المخالفات.. الحبر السري لمهنة الصحافة

أدى ظهور ما يسمى "المبلغون عن الفساد" إلى إحداث تغيير جوهري في الممارسة الصحافية، فطرحت قضايا جديدة مثل أخلاقيات المهنة وحماية المصادر وتدقيق المعطيات التي يقدمها عادة موظفون في دوائر حكومية.

كوثر الخولي نشرت في: 14 ديسمبر, 2020
صحفيات على خطوط النار

لم يُسأل الصحفيون الرجال يوما وهم يستعدون لتغطية مناطق النزاع: يجب أن تفكر قبل الذهاب.. لديك أطفال، لكنهم يسألون النساء بثوب الناصحين، رغم أن جدارتهن في المناطق المشتعلة لا تحتاج إلى دليل.

نزار الفراوي نشرت في: 2 ديسمبر, 2020
التمويل الأجنبي للصحافة العربية.. مداخل للفهم

التمويل الأجنبي للمؤسسات الإعلامية العربي ليس شرا كله وليس خيرا كله. بعيدا عن التوجه المؤامراتي الذي يواجه به نظرا لأنه أصبح خارج سيطرة السلطة لابد أن يطرح السؤال الكبير: هل تفرض الجهات الممولة أجندات قد تؤثر على التوجهات التحريرية وتضرب في العمق بمصداقية وموضوعية العمل الصحفي؟

مجلة الصحافة نشرت في: 30 نوفمبر, 2020
"هذا ليس فيلمًا".. عن قصة روبرت فيسك

"يجب أن تبحث عن الحقيقة في الميدان"، هذه كانت وصية روبرت فيسك الأخيرة التي خلدها "هذا ليس فيلما" للمخرج بونغ تشانغ. يروي فيسك قصته مع الراغبين في إخفاء الحقيقة وتبني رواية واحدة هي رواية الغرب دون تمحيص ودون مساءلة السلطات.

شفيق طبارة نشرت في: 29 نوفمبر, 2020
الانتخابات الأميركية واستطلاعات الرأي.. النبوءة القاصرة

مع بداية ظهور أرقام التصويت في الانتخابات الأميركية، كانت صورة النتائج النهائية تزداد غموضاً، وبدا أن استطلاعات الرأي التي ركنت إليها الحملات الانتخابية والمؤسسات الإعلامية محل تساؤل وجدل. فأين أصابت وأين أخفقت؟

أيوب الريمي نشرت في: 8 نوفمبر, 2020
ذاكرة الزلزال.. الكتابة عن الكارثة

في العام 2004 ضرب زلزال عنيف مدينة الحسيمة شمالي المغرب.. زار كاتب المقال المدينة المنكوبة ليؤمّن تغطية صحفية، باحثا عن قصص إنسانية متفرّدة.

نزار الفراوي نشرت في: 6 أغسطس, 2020
صحافة الهجرة التي ولدت من رحم كورونا

في مواجهة سردية اليمين المتطرف، كان لابد من صوت إعلامي مختلف ينتشل المهاجرين العرب من الأخبار المزيفة وشح المعلومات حول انتشار فيروس كورونا رغم الدعم المالي المعدوم.

أحمد أبو حمد نشرت في: 23 أبريل, 2020
أفلام ومسلسلات يجب على الصحفيين مشاهدتها في Netflix

في هذه المادة نجمع لكم عددا من الأفلام والمسلسلات الصادرة مؤخرا، والتي تعالج أحداثا سياسية وتاريخية بمقاربة تفيد الصحفيين حول العالم، والموجودة عبر خدمة Netflix. هذه الأفلام والمسلسلات لا يتحدث معظمها عن الصحافة بشكل مباشر، إنما تستعرض أحداثا وقضايا تهم الصحفيين حول العالم، كما تثير لديهم العديد من التساؤلات حول تحديات الصحافة في العصر الحالي، وكذلك تؤمن لهم مخزونا جيدا من الأفكار التي يمكنهم تطويرها في قصص صحفية. 

محمد خمايسة نشرت في: 26 مارس, 2020
الصحافة في الصومال.. "موسم الهجرة" إلى وسائل التواصل الاجتماعي

من تمجيد العسكر والمليشيات إلى التحوّل إلى سلطة حقيقية، عاشت الصحافة الصومالية تغيرات جوهرية انتهت بانتصار الإعلام الرقمي الذي يواجه اليوم معركة التضليل والإشاعة، والاستقلالية عن أمراء الحرب والسياسة.

الشافعي أبتدون نشرت في: 23 فبراير, 2020
هل طبّع "الصحفيون المواطنون" مع الموت؟

الموت كان يداهم الناس، لكن المصورين كانوا مهووسين بالتوثيق بدل الإنقاذ. لقد أعاد مشهد احتراق طفلة في شقتها أمام عدسات المصورين دون أن يبادر أحد إلى إنقاذ حياتها، نقاش أدوار" المواطن الصحفي" إلى الواجهة: هل يقتصر دورهم على التوثيق ونقل الوقائع للرأي العام، أم ينخرطون في إنقاذ أرواح تقترب من الموت؟

محمد أكينو نشرت في: 2 فبراير, 2020
يوميات صحفي رياضي في كابل (1)

الطريق إلى كابل ولو في مهمة رياضية، ليست مفروشة بالنوايا الحسنة. صحفي سابق لدى قناة "بي إن سبورتس" الرياضية، زار أفغانستان لتغطية مباراة دولية في كرة القدم، لكنه وجد نفسه في دوامة من الأحداث السياسية.. من المطار إلى الفندق إلى شوارع كابل وأزقتها، التقى قناصي الجيش الأميركي، وكتب هذه المشاهدات التي تختصر قصة بلد مزقته الحرب.

سمير بلفاطمي نشرت في: 26 يناير, 2020
معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
صناعة وثائقي بتقنية الواقع الافتراضي مع مجتمع محلي: سرد قصة كفاح دلتا النيجر

يأخذ الفيلم المصور بتنقية الواقع الافتراضي مشاهده إلى قلب دلتا النيجر، ويسلط الضوء على نضال شابة، تدعى ليسي، في عاصمة النفط في نيجيري

كونتراست الجزيرة نشرت في: 17 يوليو, 2019
دروس من مراسلة حربية.. مقابلة مع زينة خضر

كان هدفنا بسيطاً وهو تسليط الضوء على أهوال الحرب وقتامة الألم الذي يتسبب به الإنسان. وقد تحوّل العمل داخل سوريا إلى كابوس لجميع الصحافيين لما كان يشكّله من خطر على سلامتهم.

عواد جمعة نشرت في: 10 يوليو, 2019
تجارب صحافي محلي مستقل في اليمن

لعلّ أحد أصعب المواقف التي نواجهها في اليمن هو الانتقال من محافظة إلى أخرى. وللوصول إلى قصتك الصحافية، غالباً ما تضطر لتعريض نفسك للخطر.

معتصم الهتاري نشرت في: 16 يونيو, 2019