الحملة ضد مونديال قطر.. الإعلام الغربي حبيسا لخطاب الاستشراق والتضليل

الحملة ضد مونديال قطر.. الإعلام الغربي حبيسا لخطاب الاستشراق والتضليل

مع اقتراب موعد مونديال قطر 2022، يصر الإعلام الغربي أن يبقى مرتهنا لخطاب الاستشراق الذي تغذيه ليس فقط المصالح السياسية، بل التحيزات الثقافية العميقة المتأتية بالأساس من الماضي الاستعماري.

 في الأيام الأخيرة قبيل إطلاق صافرة بداية مونديال قطر 2022 لكرة القدم، استشرست، على نحو غير مسبوق، حملة غربية ضد الدوحة، علت خلالها نبرة خطاب إعلامي صادر عن مؤسسات صحفية عريقة تصف هذا البلد الخليجي على أنه "دولة حديثة التأسيس"، تنتج "الغاز حصرا" دون أي شيء آخر، ويتملكها "رُهاب" مستحكم من المثليين، وتشيد فيها البنايات على "أجساد العمال المنهكين"، في الوقت الذي انبرت بعض الصحف البريطانية لإقامة ربط غريب بين بعض الحوادث المتفرقة ومونديال قطر كواقعة توقيف مواطن بريطاني في العراق بسبب عدم سداده لديون مستحقة لبنك قطري.

اللافت أن هذه التوصيفات نادرا ما قُدمت بلغة صحفية ناقدة ومتوازنة يُستدعى الطرف الآخر للرد عليها، بل تصاغ في شكل لازمة ترددها وسائل الإعلام الغربية، وتُحيل إلى  ما يشبه ماهية ثابتة لقطر، وفي أحيان أخرى انصرفت بعض العناوين تلميحا وتصريحا لرسم صورة كاريكاتورية تختزل ثقافة ومجتمعا ونظاما سياسيا في بضع صور نمطية، وتصنف قطر في خانة "الآخر" المخالف للنموذج الثقافي الغربي الحداثي والمتخلف عنه بالأساس، أما قضايا شائكة من حجم الاقتصاد السياسي المرتبط بالعمالة المهاجرة في غرب آسيا أو الجدل حول صناعة "الهويات الجنسية السائلة" فقررت صحف أخرى القفز عليها وحصرها في سياسات قطر " المحجفة اتجاه العمال" أو"المضطهدة للمثليين".

هكذا ينظر إلى قطر في الخطاب الإعلامي الغربي لا كبلد مضيف لمونديال 2022، بل كتكثيف لصورة مُستجدة عن "الشرق" العجائبي المختزنة في مخيال الغرب) بتعبير إدوارد سعيد في دراسته للاستشراق) والتي لا تريد الصناعات الإعلامية الغربية التخفف منها منذ عقود. والآن تسفر تلك الصورة عن نفسها بوضوح في خطاب إعلامي يربطه خيط ناظم يُؤلف بين عشرات المقالات في صحيفة الغارديان القريبة من اليسار البريطاني أو التايمز المملوكة لرجل الأعمال روبرت مردوخ أو على قناة سي إن إن الأمريكية الأكثر ميلا للديمقراطيين أو "فرانس 24" الممولة من الحكومة الفرنسية وغيرها، فيما يشبه شبكة مُتسقة تنظر إلى نفسها كمركز ولما سواها كهوامش.

هذه الحكايا تُنسج أيضا بالاعتماد على سلسلة من المعلومات المضللة، تجد لها في مواقع التواصل الاجتماعي فضاء رحبا للانتشار، سواء لعدم وجود قواعد صارمة تضمن فرزا مهنيا للأخبار الزائفة، أو لطبيعة آليات تداول المحتوى على هذه المنصات، القائمة أساسا على سلطة "الخوارزميات" التي تفرض على جمهور واسع من المتلقين مصادر غير موثوقة تُستمد منها المعلومات بشأن تنظيم قطر للمونديال، إما بشكل عَرضي/آلي، قد يعزى لـ"فوضى الخوارزميات" وسطوتها على بنيات التواصل في هذه الفضاءات الرقمية، أو بطريقة متعمدة حيث تمول حملات مدفوعة أو تحريضية مجهولة المصدر للتأثير على صورة قطر وأطوار تنظيمها لهذا الحدث الرياضي.

لكن ليست هذه المرة الأولى التي يتمعن العالم العربي في صورة ملامحه على مرآة وسائل الإعلام الغربية، ليتعرف على قسماته كما يصر الغرب على تشكيلها نيابة عنه. وهي ملامح تغيَب فيها قوة الإنجاز، بينما تُستحضر الطباع الغرائبية والأوصاف المُتخلفة، وتُحشر السياقات شديدة التركيب التي تحكم البنيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لهذه المنطقة في مجال رؤية تبسيطي ضيق، عالق بين ثنائيات من قبيل أشرار/ أخيار، تقدم/ تخلف، أو ديمقراطية/ استبداد، حرية/ قمع... إلخ

هذا الخطاب الإعلامي تجاه المنطقة يُعلِن عن نفسه بجلاء في الأحداث الكبرى، ويدفع بالتالي للافتراض أن هذه الحملة ضد قطر يغذيها أيضا شيء آخر أعمق، ثاو في البنية الذهنية لمن ينتج بوعي كامل هذا الخطاب في وسائل الإعلام الغربية ولمن يصر عمدا على صناعة صورة تعيد عبرها شبكة الهيمنة الغربية إنتاج سردياتها عن العالم، وتثبيت سلطتها الاقتصادية والسياسية والثقافية.

فقبل أشهر قليلة، مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، كان طيف واسع من وسائل الإعلام الغربية مستغرقا في عقد المقارنات بين اللاجئين الأوكرانيين "الشُقر" و"المتحضرين" الذين يتقاسمون مع "الغرب" نفس منظومة القيم الحداثية، وبين اللاجئين القادمين من سوريا والعراق وأفغانستان المتمايزين عنهم والمنتمين إلى صنف "الآخر" المتصف بالفقر والجهل والتخلف.

وليست هذه المرة الأولى، أيضا، التي تخوض فيها وسائل الإعلام الغربية حملة ممنهجة ضد الدول المنظمة لأحداث رياضية كبرى والواقعة حسب رؤية المركزية الغربية لتقسيمات الجغرافيا الحضارية في "العالم الثالث" (البرازيل، جنوب أفريقيا) أو حتى تلك المصنفة فيما يمكن أن نطلق عليه "العالم المنافس" (الصين وروسيا).

إلا أن غُلو الحملة ضد قطر يجعلها مثالا مناسبا لاستدعاء أدبيات ما بعد الاستعمار (Postcolonialism) كعُدة نظرية لتفحص الخطاب الإعلامي الاستشراقي، وجدلية "الأنا" و"الغير" على الشاشات الغربية، ولغة الاستعلاء العرقي، فضلا عن سياسات الهوية التي تغلف المعالجة الصحفية لمثل هذه الأحداث الكبرى، دون إغفال الدور المحوري لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر هذا الخطاب بفضل الثغرات التي تُوفرها هذه المنصات لتداول المعلومات المضللة.

 

هل يصور الإعلام الغربي الواقع كما هو.. في نظرية التمثيل

 

في منطقة عربية متعطشة لتجربة الانتقال الديمقراطي لعبت فيها وسائل الإعلام سواء في نسختها الرقمية أو التقليدية الجماهيرية دورا فاعلا في الحراك الديمقراطي الشعبي، قد يبدو مفهوما الاحتفاء بليبرالية وسائل الإعلام الغربية وتعدديتها واستقلاليتها وشساعة فضائها العام، بالمقارنة مع بيئات سياسية أخرى، لكن لا يجب أن يدفعنا ذلك للقفز على تاريخ من النقد الحاد وُجه للصناعات الإعلامية الغربية.

تعد مدرسة فرانكفورت النقدية إحدى أبرز من انتقد هذه الصناعة منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي. تصنف أدبيات هذا التيار الصناعات الإعلامية في الغرب في خانة التي لا يحركها الرأسمال كعامل اقتصادي فحسب بل كمعطى ثقافي أيضا، فالرأسمال الغربي نفسه، إلى الآن، لم يتخلص من إرثه الاستعماري ومن ممارساته النيوليبرالية، وأي فهم لخطاب الإعلام الغربي اتجاه المستعمرات السابقة يجب أن يستحضر شبكات المصالح هذه، وقوى الهيمنة التي تبدو في ظاهرها إعلامية وثقافية بيد أنها تنطوي على أبعاد اقتصادية وسياسية.

خلافا لما تصوره وسائل الإعلام خلال الدعاية لنفسها من نقلها للواقع كما هو، إلا أن نظريات علوم الاتصال تؤكد أن أدوارها أكثر تعقيدا من مجرد امتلاك جرأة "نقل الواقع"، بتعبير السوسيولوجي البريطاني "ستيوارت هول" وسائل الإعلام ليست محض عاكس للواقع الصرف، بل إنها من تصنع تصورنا عن العالم وتصوغ معناه، وتملك سلطة تشكيل تمثلاته في أذهاننا، متكئة على قوتها الرمزية التي تمنحها القدرة على "الإظهار" و"الإخفاء" أو ما يطلق عليه ستيوارت هول نظرية التمثيل (Representation theory) أي سلطة اختيار الكيفية التي تظهر بها فئات اجتماعية أو عرقية أو ثقافات محددة، وآلية التمثيل هذه تتم عبر عدسات المصورين وأقلام الصحفيين وأصوات المذيعين ومن خلال سياسات التحرير. وبهذا المعنى تكون عملية إنتاج الخطاب مقابلا لإعادة إنتاج ناعم لشبكات الهيمنة الثقافية والسياسية الغربية.

يبدو أن الخطاب الغربي بعناية "تمثيل" قطر على شاشاته وصفحاته وفق شبكات المصالح تلك وعبر آلية "الإخفاء" و"الإظهار"، لتصبح صورة قطر المتداولة هي ما اختارت هذه المنصات الترويج له ووصفه وتقديمه للجمهور باعتباره واقعا حقيقيا. فقطر التي يعرفها المتلقي الغربي هي سلسلة الأوصاف التي اختارت وسائل الإعلام إظهارها والحديث عنها، فيما حجبت صفات أخرى وأخفت مشاهد موازية.

تقدم لنا الدراسات الثقافية النقدية نظريات أخرى قد تبدو مفيدة في تحليل هذا السلوك الإعلامي الغربي، من أهمها نظرية "الغير" (Othering theory) حيث تظهر وسائل الإعلام الغربية وكأنها بحاجة لتنصيب قطر في هيئة ذلك "الآخر" أو "الغير" الذي ينتهك حقوق العمال والمثليين، بهدف التأكيد على وجود "غرب" أو "الأنا" كذات حضارية متفوقة حقوقيا وديمقراطيا وحتى ثقافيا.

فالغرب وفق هذه الرؤية لا يستطيع الوعي بذاته بمعزل عن وجود ذات أخرى مقابلة له جغرافيا وحضاريا وتلقبها بـ “الآخر". هكذا لا يبدو مستغربا مثلا تذكير صحيفة الغارديان في أغلب مقالاتها بأن قطر دولة واقعة في شبه الجزيرة العربية، وأنها حديثة النشأة ويعتمد اقتصادها أساسا على الغاز وأنها بلد ذو ثقافة محافظة لا تكترث لحقوق الإنسان، فيما يشبه تذكيرا بعناصر هوية ثابتة للشخصية القطرية، وصفات تقدم على أنها سلبية، لصيقة بها كجوهر أصيل (Essentialism) ، وهذا النوع من الخطاب كما يرى ستيوارت هول أحد السمات الأساسية التي تصور بها الثقافة الغربية الشعوب المختلفة عنها بهدف تكريس تفوقها.

لكن الملامح الحضارية لقطر في الخطاب الإعلامي الغربي تنبني أيضا على ما يمكن وصفه بالصورة المتناقضة التي تقدمها تارة في هيئة فاعلٍ إقليمي وشريك دولي حاسم في الوساطات وفي تدبير الأزمات الدولية الكبرى، وتارة في صورة الدولة الخليجية التي تنتمي إلى غياهب الشرق السحيق، لا يمكن أن توكل إليها مهمة تنظيم حدث "غربي" بامتياز لرياضة هي "صنيعة الحداثة الغربية" وصناعة أبطالها تتم حصرا على أراض غربية.

هذا التناقض في الخطاب لا يعني ازدواجية في سياسات قطر الخارجية، كما تعرف الدولة نفسها وسياساتها إلى العالم، ولكنه يعكِس بالأساس وعيا مشوشا لدى الغرب عن قطر، أو ما تصطلح عليه أدبيات ما بعد الاستعمار بنظرية التناقض (Ambivalence theory)، هذا التناقض نابع من اعتقاد راسخ لدى منتجي خطاب وسائل الإعلام الغربية بدورهم "التوجيهي" اتجاه الشعوب والدول التي تحتل في نظرهم مراتب أقل في سلم التقدم، مقدمين خطابهم في صيغ "توجيه" أو "تلقين" على افتراض أن تلك الدول خلال محاولتها التدرج في سلم التنمية لبلوغ نموذجها الغربي، بحاجة لهذا النوع من الخطاب للاسترشاد والتعلم.

بهذا المعنى لا يجب التعامل مع خطاب الاستشراق، خاصة حين يتسرب إلينا محمولا عبر لغة وسائل الإعلام، كتراث نظري ينتمي إلى ماضي العلاقة المتوترة بين المستعمِر والمستعمَر، ماضٍ يدفع كُثر أن حتميات العولمة الاقتصادية وعالمية حقوق الإنسان قد تجاوزته، في الوقت الذي مازال يشكل منظومة فكرية تحركها عقيدة المركزية الغربية ويتغدى عليها خطاب وسائل الإعلام التي تضطلع بمهمة نقلها إلى الثقافة الشعبية بهدف استدامة وعي جمعي غربي يختزن صورة ذهنية عن شرق فاقد حتى لحدوده كرقعة جغرافية، ليصبح دلالة عن "الآخر" الممتد في كل مكان، شرط وجوده أن يتخلف عن الغرب.

 

ماوراء الخطاب الحقوقي لوسائل الإعلام الغربية

 

منذ الإعلان عن قبول ترشيح قطر لتنظيم كأس العالم 2022 أصر الإعلام الغربي على استدراجها إلى ساحات حقوق الإنسان وعلى تفحص سجل الدولة في هذا المجال، حيث نَسَج أيضا خطابا ملتبسا حول قضية حقوق العمال، إحدى أبرز مواطن الجدل بين الدوحة ووسائل الإعلام الغربية.

قد يبدو مفهوما ومقبولا استغلال حدث رياضي بهذا الحجم للضغط من أجل تحسين ظروف العمال في أي بلد مضيف، إلا أن اختزال قضية بالغة التعقيد والتداخل كالعمالة الوافدة في غرب آسيا باعتبارها مشكلة قطرية صرفة ينطوي على ازدواجية واضحة.

في هذا السياق تفسح أدبيات الاقتصاد السياسي على سبيل المثال لا الحصر، آفاقا شاسعة لمقاربة قضية يتداخل فيها البعد الحقوقي المحلي، مع نضالات البروليتاريا (الطبقة الفقيرة وفق أدبيات الفكر اليساري) العابرة لكل الأمكنة بما فيها الرقعة الجغرافية الغربية نفسها وتشتبك من خلالها الإشكاليات البنيوية المرتبطة بالرأسمالية المُعولمة العابرة للحدود التي أنتجت هذه الظاهرة، مع ما يعرف بالنظام العنصري للعمالة. إنه إرث قديم تحرص الشركات الغربية نفسها على استمراره، فيما تتطلب معالجته حلولا هيكلية يشترك في صياغتها مختلف المسؤولين عن هذه الظاهرة في مختلف محطات العبور والهجرة التي يمر عبرها هؤلاء العمال.

يلاحظ أن هذا النوع من الربط النقدي غائب عن خطاب وسائل الإعلام الغربية حين تطرقها لظروف العمال في قطر، مع إصرار يبدو أيضا متعمدا في تشكيل صورة عن "أزمة حقوق العمال" تصَوَب إلى قطر تهمة صناعتها حصرا عبر قوانين عمل رغم إصلاحها من قبل السلطات القطرية، لكنها لا تقنع صحفيي ومراسلي ومحللي القنوات والصحف الغربية.

 

مع اقتراب موعد كأس العالم في قطر، بدأ أيضا سيل من العناوين على وسائل الإعلام الغربية يحذر من أخطار محدقة بالمثليين أثناء تواجدهم على الأراضي القطرية، وأطلقت بمختلف اتجاهاتها ما يمكن وصفه بمعركة الحضور العادل للمثليين في المونديال، مع وسم قطر بـ "رهاب المثلية".

يحاول هذا الخطاب الإيحاء بأن نضالاته تتلخص في الانتصار للتطبيع مع سلوك جنسي أو التسامح مع فئة مختلفة مضطهدة، دون الإشارة إلى أن قضية المثلية تتجاوز السلوك الجنسي إلى معضلة إنتاج هوياتٍ جنسية وذواتٍ عابرة للجندر، ودون الأخذ بعين الاعتبار أن هناك ثقافة تتوجس من حمولة الأيديولوجيا الراغبة في خلق "إنسان جديد" سائل الهوية. هكذا يبدو أن خطاب وسائل الإعلام الغربية يختار صيغة تبسيطية متخفية وراء مقاربة حقوقية من جديد لطرح قضية "المثلية" في مونديال قطر، وبغض النظر عن كل الأبعاد الإشكالية لهذا الموضوع الذي مايزال حتى في الغرب محل نقاش أكاديمي وتربوي لا ينقطع منذ عقود. 

 

سلاح الخوارزميات والمعلومات المضللة

 

لم تكتف الحملة الإعلامية ضد قطر بصياغة خطاب استشراقي يعلي من شأن "الأنا" الغربية، ولكن الحملة قامت أيضا على سلسلة من المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، حرفت وقائع وأحداثا ووضعاها خارج سياقها لتربطها بشكل غير مُتسق بمونديال قطر.

فمثلا، ما صور على أنها حملة مقاطعة لمدن فرنسية من بينها العاصمة باريس لمتابعة مباريات كأس العالم في الساحات العامة، اجتزأت من سياقها العام وارتباطها بقرارات داخلية على صلة بخفض مستويات استهلاك الطاقة في هذه المدن، فيما ربطت صحف أخرى مثلا حوادث كمقتل كلاب في ضواحي العاصمة الدوحة قبل أشهر أو اعتقال مواطن بريطاني في العراق بسبب تخلف عن سداد دين سابق لبنك قطري بتنظيم قطر لمونديال 2022.

هذا الخطاب الذي تروجه وسائل الإعلام الغربية في نسختها التقليدية الجماهيرية لصورة قطر، له رجع صدى قوي على مواقع التواصل الاجتماعي لسرعة انتشار مثل هذه الأخبار المضللة على هذه المنصات. فمواقع التواصل تعد بيئة خصبة لحملات التضليل ونشر خطابات الكراهية، ومرد ذلك لعوامل عدة تتعلق بعضها بطبيعة هذه المواقع وضعف آليات المراقبة والتحقق من مصادر الأخبار المتداولة على صفحاتها، وأخرى مرتبطة بالخوارزميات التي تعد الآليات الأساسية للتحكم في تداول المعلومات على المنصات الرقمية، والتي قد توجه الرأي العام بقصد أو بدون قصد لدعم الحملة الإعلامية الغربية ضد قطر.

نجهل على وجه الدقة الجهات التي تتحكم في سلوك هذه الخوارزميات، ونفترض إما أنها بشكل عَرضي تسهم في نشر الأخبار المغلوطة ضد مونديال قطر، أو أن هناك جهات معينة تدفع في هذا الاتجاه.

 

 هل يستطيع " التابع" أن يتكلم؟

 

هل يستطيع "التابع" أن يتكلم؟ هذا السؤال الذي طرحته المفكرة البنغالية "غاياتري سبيفاك" قبل أربعة عقود خلال نقاشها لمفهوم التابع كما صاغته أدبيات مابعد الاستعمار "كذات خلفها المحتل وراءه مثخنةً بكل صنوف الندوب"، قد يُستدعى أيضا في سياق استكشاف الرد القطري على هذه الحملة، ولكن في صيغة سؤال آخر ربما، هل استعاد " التابع" أخيرا حقه في الكلام؟

رغم تاريخ الاستبداد الطويل في المنطقة العربية، مثلت المنصات الإعلامية التي مولتها قطر أول ظهور لفضاء عام عربي بديل) بتعبير الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (عن الفضاءات العمومية الواقعية التي خنقتها عقود من الاستبداد.

تلك المنصات، ومع استحضار النقد الموجه إليها مهنيا أو تحريريا، استطاع بفضلها المواطن العربي أن يتداول قضاياه ويستعيد حقه في الكلام والكتابة دون أن تتكبد الصحف والقنوات الغربية عناء نقل صوته، بل أسهمت تلك القوة الناعمة في إشعال فتيل لحظة تاريخية كالربيع العربي، ليستعيد منذ ذلك الحين "التابع المتخيل" في الخطاب الغربي حقه في التعبير ويحاول في أكثر من ساحة عربية انتزاع فرصته في التنمية، رغم كل الكوابح والأعطاب التي تعيشها المنطقة، ومازال هذا المعترك الشاق متواصلا ولم يستقر بعد على نهايات واضحة.

توجيه النقد للغة الصحافة الغربية ضد قطر لا يعني أن شعوب هذه المنطقة يجب أن تركن لنظريات المؤامرة، أو أن تتحفظ على أي خطاب يواكب ويناقش تحولاتها وينتقد تراجع الحريات في منظوماتها، ولكنها لا تحتاج أيضا إلى وسطاء للحديث نيابة عنها، لأنها تمتلك الآن بفضل التحول الرقمي الهائل في مجال الاتصال أكثر من بديل لفعل ذلك.

بناء على هذه الرؤية، فإن الرد على الحملة الغربية ضد قطر قد لا يتطلب إنتاج خطاب مضاد بالضرورة، يكرس النظر إلى الغرب كـ "آخر" متغطرس وعنصري واستشراقي، ولكن يجب على المنصات الإعلامية خاصة الأكثر تأثيرا وانتشارا أن تمتلك وعيا حادا بخطورة هذا الخطاب وأن تعيد التفاوض على موازين القوى التحريرية وملامح الصورة وعبارات اللغة وأشكال التمثيل وأن تدفع في اتجاه كشف الأخبار الزائفة وحملات التضليل الإلكترونية وتوعية الجمهور بأساليبها.

على هذه المنصات أن تنسج أيضا خطابا إعلاميا يتخفف من أجندات وأولويات الغرب الإخبارية، ويقدس حق شعوب هذه المنطقة في إعلام يعيد إليها حقها في "الكلام" دون حواجز.. خطاب يواكب نضالها لأجل الديمقراطية.

 

 المراجع:

1. Said Edward. Orientalism. Vintage Book, 1979.

2. Hall, Stuart. Representation: cultural representations and signifying practices. Sage, 1997.

3. Banaji, Shakuntala, ‘’Representing underdeveloped others’’, Critical approach to Media Communication and development, 18 October 2022, LSE. 

4. Vora, Neha, and Babar, Zahra. "The 2022 World Cup and Migrants' Rights in Qatar: Racialised Labour Hierarchies and the Influence of Racial Capitalism." Wiley Online Library, 2022, https://doi.org/10.1111/1467-923X.13154.

 

 

 

More Articles

Under Fire: The Perilous Reality for Journalists in Gaza's War Zone

Journalists lack safety equipment and legal protection, highlighting the challenges faced by journalists in Gaza. While Israel denies responsibility for targeting journalists, the lack of international intervention leaves journalists in Gaza exposed to daily danger.

Linda Shalash
Linda Shalash Published on: 9 May, 2024
Your Words Are Your Weapon — You Are a Soldier in a Propaganda War

Narrative warfare and the role of journalists in it is immense; the context of the conflict, the battleground has shifted to the realm of narratives, where journalists play a decisive role in shaping the narrative.

Ilya
Ilya U Topper Published on: 21 Apr, 2024
The Privilege and Burden of Conflict Reporting in Nigeria: Navigating the Emotional Toll

The internal struggle and moral dilemmas faced by a conflict reporter, as they grapple with the overwhelming nature of the tragedies they witness and the sense of helplessness in the face of such immense suffering. It ultimately underscores the vital role of conflict journalism in preserving historical memory and giving a voice to the voiceless.

Hauwa Shaffii Nuhu
Hauwa Shaffii Nuhu Published on: 17 Apr, 2024
Journalism in chains in Cameroon

Investigative journalists in Cameroon sometimes use treacherous means to navigate the numerous challenges that hamper the practice of their profession: the absence of the Freedom of Information Act, the criminalisation of press offenses, and the scare of the overly-broad anti-terrorism law.

Nalova Akua
Nalova Akua Published on: 12 Apr, 2024
The Perils of Journalism and the Rise of Citizen Media in Southeast Asia

Southeast Asia's media landscape is grim, with low rankings for internet and press freedom across the region. While citizen journalism has risen to fill the gaps, journalists - both professional and citizen - face significant risks due to government crackdowns and the collusion between tech companies and authorities to enable censorship and surveillance.

AJR Contributor Published on: 6 Apr, 2024
Orientalism, Imperialism and The Western Coverage of Palestine

Western mainstream media biases and defence of the Israeli narrative are connected to orientalism, racism, and imperialism, serving the interests of Western ruling political and economic elites. However, it is being challenged by global movements aiming to shed light on the realities of the conflict and express solidarity with the Palestinian population.

Joseph Daher
Joseph Daher Published on: 1 Apr, 2024
Ethical Dilemmas of Photo Editing in Media: Lessons from Kate Middleton’s Photo Controversy

Photoshop—an intelligent digital tool celebrated for enhancing the visual appearance of photographs—is a double-edged sword. While it has the power to transform and refine images, it also skillfully blurs the line between reality and fiction, challenging the legitimacy of journalistic integrity and the credibility of news media.

Anam Hussain
Anam Hussain Published on: 26 Mar, 2024
Breaking Barriers: The Rise of Citizen Journalists in India's Fight for Media Inclusion

Grassroots journalists from marginalized communities in India, including Dalits and Muslims, are challenging mainstream media narratives and bringing attention to underreported issues through digital outlets like The Mooknayak.

Hanan Zaffa
Hanan Zaffar, Jyoti Thakur Published on: 3 Mar, 2024
Silenced Voices and Digital Resilience: The Case of Quds Network

Unrecognized journalists in conflict zones face serious risks to their safety and lack of support. The Quds Network, a Palestinian media outlet, has been targeted and censored, but they continue to report on the ground in Gaza. Recognition and support for independent journalists are crucial.

Yousef Abu Watfe يوسف أبو وطفة
Yousef Abu Watfeh Published on: 21 Feb, 2024
Artificial Intelligence's Potentials and Challenges in the African Media Landscape

How has the proliferation of Artificial Intelligence impacted newsroom operations, job security and regulation in the African media landscape? And how are journalists in Africa adapting to these changes?

Derick M
Derick Matsengarwodzi Published on: 18 Feb, 2024
Media Monopoly in Brazil: How Dominant Media Houses Control the Narrative and Stifle Criticism of Israel

An in-depth analysis exploring the concentration of media ownership in Brazil by large companies, and how this shapes public and political narratives, particularly by suppressing criticism of Israel.

Al Jazeera Logo
Rita Freire & Ahmad Al Zobi Published on: 1 Feb, 2024
The Perils of Unverified News: A Case of Nonexistent Flotillas

Can you hide one thousand ships in the middle of the Mediterranean Sea? I would say not. But some of my fellow journalists seem to believe in magic.  

Ilya
Ilya U Topper Published on: 16 Jan, 2024
In the Courtroom and Beyond: Covering South Africa's Historic Legal Case Against Israel at The Hague

As South Africa takes on Israel at the International Court of Justice, the role of journalists in covering this landmark case becomes more crucial than ever. Their insights and reporting bring the complexities of international law to a global audience.

Hala Ahed
Hala Ahed Published on: 12 Jan, 2024
Did the NYTimes Manipulate the Sexual Violence Allegations of October 7?

An in-depth examination of the New York Times's investigation of alleged sexual assaults by Hamas during the Israeli war on Gaza, highlighting ethical concerns, and the impact of its reporting on the victims' families. It questions the journalistic integrity of the Times, especially in the context of Western media's portrayal of the Israeli-Palestinian conflict.

A picture of the Al Jazeera Media Institute's logo, on a white background.
Al Jazeera Journalism Review Published on: 7 Jan, 2024
Is The New York Times Reproducing Allegations of 'Sexual Violence' to Downplay Israeli Crimes?

The New York Times' report on alleged sexual violence by Palestinian militants raises profound concerns about discrepancies in key testimonies and a biased reporting that aligns with Israeli narratives and downplays Israeli crimes in Gaza.

Mohammad Zeidan
Mohammad Zeidan Published on: 31 Dec, 2023
Embedded journalism: Striking a balance between access and impartiality in war zones

The ethical implications of embedded journalism, particularly in the Israeli invasion of Gaza, raise concerns about the compromise of balance and independence in war coverage.

Abeer Ayyoub
Abeer Ayyoub Published on: 19 Dec, 2023
Through a Mexican lens: Navigating the intricacies of reporting in Palestine

A Mexican journalist's journey through the complexities of reporting on Palestine and gives tips on how to manage this kind of coverage.

Témoris Grecko
Témoris Grecko Published on: 10 Dec, 2023
Echos of Israeli Discourse in Latin American Media on Gaza

Heavily influenced by US and Israeli diplomatic efforts, Latin American media predominantly aligns with and amplifies the Israeli perspective. This divergence between political actions and media representation highlights the complex dynamics shaping Latin American coverage of the Gaza conflict.

Rita Freire Published on: 23 Nov, 2023
Critique of German media's handling of Gaza Conflict

The German media's coverage of the Gaza conflict has been criticized for being biased, presenting a distorted view of the conflict, focusing only on the Israeli perspective, and downplaying the suffering of Palestinians. This biased reporting undermines the media's role as an objective source of information and fails to provide a balanced view of the conflict.

AJR Contributor Published on: 16 Nov, 2023
Colonial legacy of surveillance: hidden world of surveillance technology in the African continent

African nations’ expenditure on surveillance technology from China, Europe and the US is a direct threat to the media, democracy and freedom of speech, and an enduring legacy of colonial surveillance practices.

Derick M
Derick Matsengarwodzi Published on: 14 Nov, 2023
How the New York Times fuelled a crackdown on journalists in India

Vague reporting and a piece ‘laden with innuendo’ by the New York Times gave Indian authorities the excuse they needed to crack down on news website Newsclick

Meer Faisal
Meer Faisal Published on: 31 Oct, 2023
Journalists feel the pain, but the story of Gaza must be told  

People don’t always want to hear the historical context behind horrifying events, resorting even to censorship, but the media must be free to provide it

Aidan
Aidan White Published on: 30 Oct, 2023
Queen Rania is absolutely right - Western media’s double standards on Gaza

Why does international media use loaded and dehumanising language about the Palestinians when reporting on the Israeli bombardment of 2.2 million people in Gaza?

Abeer Ayyoub
Abeer Ayyoub Published on: 27 Oct, 2023
'War propaganda' - Brazil’s media has abandoned journalistic standards over Gaza

Brazil’s mainstream media, in its unwavering support for Israel, is out of step with public and social media responses to the bombardment of Gaza

Bruno
Bruno Lima Rocha Beaklini Published on: 25 Oct, 2023