الحملة ضد مونديال قطر.. الإعلام الغربي حبيسا لخطاب الاستشراق والتضليل

مع اقتراب موعد مونديال قطر 2022، يصر الإعلام الغربي أن يبقى مرتهنا لخطاب الاستشراق الذي تغذيه ليس فقط المصالح السياسية، بل التحيزات الثقافية العميقة المتأتية بالأساس من الماضي الاستعماري.

 في الأيام الأخيرة قبيل إطلاق صافرة بداية مونديال قطر 2022 لكرة القدم، استشرست، على نحو غير مسبوق، حملة غربية ضد الدوحة، علت خلالها نبرة خطاب إعلامي صادر عن مؤسسات صحفية عريقة تصف هذا البلد الخليجي على أنه "دولة حديثة التأسيس"، تنتج "الغاز حصرا" دون أي شيء آخر، ويتملكها "رُهاب" مستحكم من المثليين، وتشيد فيها البنايات على "أجساد العمال المنهكين"، في الوقت الذي انبرت بعض الصحف البريطانية لإقامة ربط غريب بين بعض الحوادث المتفرقة ومونديال قطر كواقعة توقيف مواطن بريطاني في العراق بسبب عدم سداده لديون مستحقة لبنك قطري.

اللافت أن هذه التوصيفات نادرا ما قُدمت بلغة صحفية ناقدة ومتوازنة يُستدعى الطرف الآخر للرد عليها، بل تصاغ في شكل لازمة ترددها وسائل الإعلام الغربية، وتُحيل إلى  ما يشبه ماهية ثابتة لقطر، وفي أحيان أخرى انصرفت بعض العناوين تلميحا وتصريحا لرسم صورة كاريكاتورية تختزل ثقافة ومجتمعا ونظاما سياسيا في بضع صور نمطية، وتصنف قطر في خانة "الآخر" المخالف للنموذج الثقافي الغربي الحداثي والمتخلف عنه بالأساس، أما قضايا شائكة من حجم الاقتصاد السياسي المرتبط بالعمالة المهاجرة في غرب آسيا أو الجدل حول صناعة "الهويات الجنسية السائلة" فقررت صحف أخرى القفز عليها وحصرها في سياسات قطر " المحجفة اتجاه العمال" أو"المضطهدة للمثليين".

هكذا ينظر إلى قطر في الخطاب الإعلامي الغربي لا كبلد مضيف لمونديال 2022، بل كتكثيف لصورة مُستجدة عن "الشرق" العجائبي المختزنة في مخيال الغرب) بتعبير إدوارد سعيد في دراسته للاستشراق) والتي لا تريد الصناعات الإعلامية الغربية التخفف منها منذ عقود. والآن تسفر تلك الصورة عن نفسها بوضوح في خطاب إعلامي يربطه خيط ناظم يُؤلف بين عشرات المقالات في صحيفة الغارديان القريبة من اليسار البريطاني أو التايمز المملوكة لرجل الأعمال روبرت مردوخ أو على قناة سي إن إن الأمريكية الأكثر ميلا للديمقراطيين أو "فرانس 24" الممولة من الحكومة الفرنسية وغيرها، فيما يشبه شبكة مُتسقة تنظر إلى نفسها كمركز ولما سواها كهوامش.

هذه الحكايا تُنسج أيضا بالاعتماد على سلسلة من المعلومات المضللة، تجد لها في مواقع التواصل الاجتماعي فضاء رحبا للانتشار، سواء لعدم وجود قواعد صارمة تضمن فرزا مهنيا للأخبار الزائفة، أو لطبيعة آليات تداول المحتوى على هذه المنصات، القائمة أساسا على سلطة "الخوارزميات" التي تفرض على جمهور واسع من المتلقين مصادر غير موثوقة تُستمد منها المعلومات بشأن تنظيم قطر للمونديال، إما بشكل عَرضي/آلي، قد يعزى لـ"فوضى الخوارزميات" وسطوتها على بنيات التواصل في هذه الفضاءات الرقمية، أو بطريقة متعمدة حيث تمول حملات مدفوعة أو تحريضية مجهولة المصدر للتأثير على صورة قطر وأطوار تنظيمها لهذا الحدث الرياضي.

لكن ليست هذه المرة الأولى التي يتمعن العالم العربي في صورة ملامحه على مرآة وسائل الإعلام الغربية، ليتعرف على قسماته كما يصر الغرب على تشكيلها نيابة عنه. وهي ملامح تغيَب فيها قوة الإنجاز، بينما تُستحضر الطباع الغرائبية والأوصاف المُتخلفة، وتُحشر السياقات شديدة التركيب التي تحكم البنيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لهذه المنطقة في مجال رؤية تبسيطي ضيق، عالق بين ثنائيات من قبيل أشرار/ أخيار، تقدم/ تخلف، أو ديمقراطية/ استبداد، حرية/ قمع... إلخ

هذا الخطاب الإعلامي تجاه المنطقة يُعلِن عن نفسه بجلاء في الأحداث الكبرى، ويدفع بالتالي للافتراض أن هذه الحملة ضد قطر يغذيها أيضا شيء آخر أعمق، ثاو في البنية الذهنية لمن ينتج بوعي كامل هذا الخطاب في وسائل الإعلام الغربية ولمن يصر عمدا على صناعة صورة تعيد عبرها شبكة الهيمنة الغربية إنتاج سردياتها عن العالم، وتثبيت سلطتها الاقتصادية والسياسية والثقافية.

فقبل أشهر قليلة، مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، كان طيف واسع من وسائل الإعلام الغربية مستغرقا في عقد المقارنات بين اللاجئين الأوكرانيين "الشُقر" و"المتحضرين" الذين يتقاسمون مع "الغرب" نفس منظومة القيم الحداثية، وبين اللاجئين القادمين من سوريا والعراق وأفغانستان المتمايزين عنهم والمنتمين إلى صنف "الآخر" المتصف بالفقر والجهل والتخلف.

وليست هذه المرة الأولى، أيضا، التي تخوض فيها وسائل الإعلام الغربية حملة ممنهجة ضد الدول المنظمة لأحداث رياضية كبرى والواقعة حسب رؤية المركزية الغربية لتقسيمات الجغرافيا الحضارية في "العالم الثالث" (البرازيل، جنوب أفريقيا) أو حتى تلك المصنفة فيما يمكن أن نطلق عليه "العالم المنافس" (الصين وروسيا).

إلا أن غُلو الحملة ضد قطر يجعلها مثالا مناسبا لاستدعاء أدبيات ما بعد الاستعمار (Postcolonialism) كعُدة نظرية لتفحص الخطاب الإعلامي الاستشراقي، وجدلية "الأنا" و"الغير" على الشاشات الغربية، ولغة الاستعلاء العرقي، فضلا عن سياسات الهوية التي تغلف المعالجة الصحفية لمثل هذه الأحداث الكبرى، دون إغفال الدور المحوري لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر هذا الخطاب بفضل الثغرات التي تُوفرها هذه المنصات لتداول المعلومات المضللة.

 

هل يصور الإعلام الغربي الواقع كما هو.. في نظرية التمثيل

 

في منطقة عربية متعطشة لتجربة الانتقال الديمقراطي لعبت فيها وسائل الإعلام سواء في نسختها الرقمية أو التقليدية الجماهيرية دورا فاعلا في الحراك الديمقراطي الشعبي، قد يبدو مفهوما الاحتفاء بليبرالية وسائل الإعلام الغربية وتعدديتها واستقلاليتها وشساعة فضائها العام، بالمقارنة مع بيئات سياسية أخرى، لكن لا يجب أن يدفعنا ذلك للقفز على تاريخ من النقد الحاد وُجه للصناعات الإعلامية الغربية.

تعد مدرسة فرانكفورت النقدية إحدى أبرز من انتقد هذه الصناعة منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي. تصنف أدبيات هذا التيار الصناعات الإعلامية في الغرب في خانة التي لا يحركها الرأسمال كعامل اقتصادي فحسب بل كمعطى ثقافي أيضا، فالرأسمال الغربي نفسه، إلى الآن، لم يتخلص من إرثه الاستعماري ومن ممارساته النيوليبرالية، وأي فهم لخطاب الإعلام الغربي اتجاه المستعمرات السابقة يجب أن يستحضر شبكات المصالح هذه، وقوى الهيمنة التي تبدو في ظاهرها إعلامية وثقافية بيد أنها تنطوي على أبعاد اقتصادية وسياسية.

خلافا لما تصوره وسائل الإعلام خلال الدعاية لنفسها من نقلها للواقع كما هو، إلا أن نظريات علوم الاتصال تؤكد أن أدوارها أكثر تعقيدا من مجرد امتلاك جرأة "نقل الواقع"، بتعبير السوسيولوجي البريطاني "ستيوارت هول" وسائل الإعلام ليست محض عاكس للواقع الصرف، بل إنها من تصنع تصورنا عن العالم وتصوغ معناه، وتملك سلطة تشكيل تمثلاته في أذهاننا، متكئة على قوتها الرمزية التي تمنحها القدرة على "الإظهار" و"الإخفاء" أو ما يطلق عليه ستيوارت هول نظرية التمثيل (Representation theory) أي سلطة اختيار الكيفية التي تظهر بها فئات اجتماعية أو عرقية أو ثقافات محددة، وآلية التمثيل هذه تتم عبر عدسات المصورين وأقلام الصحفيين وأصوات المذيعين ومن خلال سياسات التحرير. وبهذا المعنى تكون عملية إنتاج الخطاب مقابلا لإعادة إنتاج ناعم لشبكات الهيمنة الثقافية والسياسية الغربية.

يبدو أن الخطاب الغربي بعناية "تمثيل" قطر على شاشاته وصفحاته وفق شبكات المصالح تلك وعبر آلية "الإخفاء" و"الإظهار"، لتصبح صورة قطر المتداولة هي ما اختارت هذه المنصات الترويج له ووصفه وتقديمه للجمهور باعتباره واقعا حقيقيا. فقطر التي يعرفها المتلقي الغربي هي سلسلة الأوصاف التي اختارت وسائل الإعلام إظهارها والحديث عنها، فيما حجبت صفات أخرى وأخفت مشاهد موازية.

تقدم لنا الدراسات الثقافية النقدية نظريات أخرى قد تبدو مفيدة في تحليل هذا السلوك الإعلامي الغربي، من أهمها نظرية "الغير" (Othering theory) حيث تظهر وسائل الإعلام الغربية وكأنها بحاجة لتنصيب قطر في هيئة ذلك "الآخر" أو "الغير" الذي ينتهك حقوق العمال والمثليين، بهدف التأكيد على وجود "غرب" أو "الأنا" كذات حضارية متفوقة حقوقيا وديمقراطيا وحتى ثقافيا.

فالغرب وفق هذه الرؤية لا يستطيع الوعي بذاته بمعزل عن وجود ذات أخرى مقابلة له جغرافيا وحضاريا وتلقبها بـ “الآخر". هكذا لا يبدو مستغربا مثلا تذكير صحيفة الغارديان في أغلب مقالاتها بأن قطر دولة واقعة في شبه الجزيرة العربية، وأنها حديثة النشأة ويعتمد اقتصادها أساسا على الغاز وأنها بلد ذو ثقافة محافظة لا تكترث لحقوق الإنسان، فيما يشبه تذكيرا بعناصر هوية ثابتة للشخصية القطرية، وصفات تقدم على أنها سلبية، لصيقة بها كجوهر أصيل (Essentialism) ، وهذا النوع من الخطاب كما يرى ستيوارت هول أحد السمات الأساسية التي تصور بها الثقافة الغربية الشعوب المختلفة عنها بهدف تكريس تفوقها.

لكن الملامح الحضارية لقطر في الخطاب الإعلامي الغربي تنبني أيضا على ما يمكن وصفه بالصورة المتناقضة التي تقدمها تارة في هيئة فاعلٍ إقليمي وشريك دولي حاسم في الوساطات وفي تدبير الأزمات الدولية الكبرى، وتارة في صورة الدولة الخليجية التي تنتمي إلى غياهب الشرق السحيق، لا يمكن أن توكل إليها مهمة تنظيم حدث "غربي" بامتياز لرياضة هي "صنيعة الحداثة الغربية" وصناعة أبطالها تتم حصرا على أراض غربية.

هذا التناقض في الخطاب لا يعني ازدواجية في سياسات قطر الخارجية، كما تعرف الدولة نفسها وسياساتها إلى العالم، ولكنه يعكِس بالأساس وعيا مشوشا لدى الغرب عن قطر، أو ما تصطلح عليه أدبيات ما بعد الاستعمار بنظرية التناقض (Ambivalence theory)، هذا التناقض نابع من اعتقاد راسخ لدى منتجي خطاب وسائل الإعلام الغربية بدورهم "التوجيهي" اتجاه الشعوب والدول التي تحتل في نظرهم مراتب أقل في سلم التقدم، مقدمين خطابهم في صيغ "توجيه" أو "تلقين" على افتراض أن تلك الدول خلال محاولتها التدرج في سلم التنمية لبلوغ نموذجها الغربي، بحاجة لهذا النوع من الخطاب للاسترشاد والتعلم.

بهذا المعنى لا يجب التعامل مع خطاب الاستشراق، خاصة حين يتسرب إلينا محمولا عبر لغة وسائل الإعلام، كتراث نظري ينتمي إلى ماضي العلاقة المتوترة بين المستعمِر والمستعمَر، ماضٍ يدفع كُثر أن حتميات العولمة الاقتصادية وعالمية حقوق الإنسان قد تجاوزته، في الوقت الذي مازال يشكل منظومة فكرية تحركها عقيدة المركزية الغربية ويتغدى عليها خطاب وسائل الإعلام التي تضطلع بمهمة نقلها إلى الثقافة الشعبية بهدف استدامة وعي جمعي غربي يختزن صورة ذهنية عن شرق فاقد حتى لحدوده كرقعة جغرافية، ليصبح دلالة عن "الآخر" الممتد في كل مكان، شرط وجوده أن يتخلف عن الغرب.

 

ماوراء الخطاب الحقوقي لوسائل الإعلام الغربية

 

منذ الإعلان عن قبول ترشيح قطر لتنظيم كأس العالم 2022 أصر الإعلام الغربي على استدراجها إلى ساحات حقوق الإنسان وعلى تفحص سجل الدولة في هذا المجال، حيث نَسَج أيضا خطابا ملتبسا حول قضية حقوق العمال، إحدى أبرز مواطن الجدل بين الدوحة ووسائل الإعلام الغربية.

قد يبدو مفهوما ومقبولا استغلال حدث رياضي بهذا الحجم للضغط من أجل تحسين ظروف العمال في أي بلد مضيف، إلا أن اختزال قضية بالغة التعقيد والتداخل كالعمالة الوافدة في غرب آسيا باعتبارها مشكلة قطرية صرفة ينطوي على ازدواجية واضحة.

في هذا السياق تفسح أدبيات الاقتصاد السياسي على سبيل المثال لا الحصر، آفاقا شاسعة لمقاربة قضية يتداخل فيها البعد الحقوقي المحلي، مع نضالات البروليتاريا (الطبقة الفقيرة وفق أدبيات الفكر اليساري) العابرة لكل الأمكنة بما فيها الرقعة الجغرافية الغربية نفسها وتشتبك من خلالها الإشكاليات البنيوية المرتبطة بالرأسمالية المُعولمة العابرة للحدود التي أنتجت هذه الظاهرة، مع ما يعرف بالنظام العنصري للعمالة. إنه إرث قديم تحرص الشركات الغربية نفسها على استمراره، فيما تتطلب معالجته حلولا هيكلية يشترك في صياغتها مختلف المسؤولين عن هذه الظاهرة في مختلف محطات العبور والهجرة التي يمر عبرها هؤلاء العمال.

يلاحظ أن هذا النوع من الربط النقدي غائب عن خطاب وسائل الإعلام الغربية حين تطرقها لظروف العمال في قطر، مع إصرار يبدو أيضا متعمدا في تشكيل صورة عن "أزمة حقوق العمال" تصَوَب إلى قطر تهمة صناعتها حصرا عبر قوانين عمل رغم إصلاحها من قبل السلطات القطرية، لكنها لا تقنع صحفيي ومراسلي ومحللي القنوات والصحف الغربية.

 

مع اقتراب موعد كأس العالم في قطر، بدأ أيضا سيل من العناوين على وسائل الإعلام الغربية يحذر من أخطار محدقة بالمثليين أثناء تواجدهم على الأراضي القطرية، وأطلقت بمختلف اتجاهاتها ما يمكن وصفه بمعركة الحضور العادل للمثليين في المونديال، مع وسم قطر بـ "رهاب المثلية".

يحاول هذا الخطاب الإيحاء بأن نضالاته تتلخص في الانتصار للتطبيع مع سلوك جنسي أو التسامح مع فئة مختلفة مضطهدة، دون الإشارة إلى أن قضية المثلية تتجاوز السلوك الجنسي إلى معضلة إنتاج هوياتٍ جنسية وذواتٍ عابرة للجندر، ودون الأخذ بعين الاعتبار أن هناك ثقافة تتوجس من حمولة الأيديولوجيا الراغبة في خلق "إنسان جديد" سائل الهوية. هكذا يبدو أن خطاب وسائل الإعلام الغربية يختار صيغة تبسيطية متخفية وراء مقاربة حقوقية من جديد لطرح قضية "المثلية" في مونديال قطر، وبغض النظر عن كل الأبعاد الإشكالية لهذا الموضوع الذي مايزال حتى في الغرب محل نقاش أكاديمي وتربوي لا ينقطع منذ عقود. 

 

سلاح الخوارزميات والمعلومات المضللة

 

لم تكتف الحملة الإعلامية ضد قطر بصياغة خطاب استشراقي يعلي من شأن "الأنا" الغربية، ولكن الحملة قامت أيضا على سلسلة من المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، حرفت وقائع وأحداثا ووضعاها خارج سياقها لتربطها بشكل غير مُتسق بمونديال قطر.

فمثلا، ما صور على أنها حملة مقاطعة لمدن فرنسية من بينها العاصمة باريس لمتابعة مباريات كأس العالم في الساحات العامة، اجتزأت من سياقها العام وارتباطها بقرارات داخلية على صلة بخفض مستويات استهلاك الطاقة في هذه المدن، فيما ربطت صحف أخرى مثلا حوادث كمقتل كلاب في ضواحي العاصمة الدوحة قبل أشهر أو اعتقال مواطن بريطاني في العراق بسبب تخلف عن سداد دين سابق لبنك قطري بتنظيم قطر لمونديال 2022.

هذا الخطاب الذي تروجه وسائل الإعلام الغربية في نسختها التقليدية الجماهيرية لصورة قطر، له رجع صدى قوي على مواقع التواصل الاجتماعي لسرعة انتشار مثل هذه الأخبار المضللة على هذه المنصات. فمواقع التواصل تعد بيئة خصبة لحملات التضليل ونشر خطابات الكراهية، ومرد ذلك لعوامل عدة تتعلق بعضها بطبيعة هذه المواقع وضعف آليات المراقبة والتحقق من مصادر الأخبار المتداولة على صفحاتها، وأخرى مرتبطة بالخوارزميات التي تعد الآليات الأساسية للتحكم في تداول المعلومات على المنصات الرقمية، والتي قد توجه الرأي العام بقصد أو بدون قصد لدعم الحملة الإعلامية الغربية ضد قطر.

نجهل على وجه الدقة الجهات التي تتحكم في سلوك هذه الخوارزميات، ونفترض إما أنها بشكل عَرضي تسهم في نشر الأخبار المغلوطة ضد مونديال قطر، أو أن هناك جهات معينة تدفع في هذا الاتجاه.

 

 هل يستطيع " التابع" أن يتكلم؟

 

هل يستطيع "التابع" أن يتكلم؟ هذا السؤال الذي طرحته المفكرة البنغالية "غاياتري سبيفاك" قبل أربعة عقود خلال نقاشها لمفهوم التابع كما صاغته أدبيات مابعد الاستعمار "كذات خلفها المحتل وراءه مثخنةً بكل صنوف الندوب"، قد يُستدعى أيضا في سياق استكشاف الرد القطري على هذه الحملة، ولكن في صيغة سؤال آخر ربما، هل استعاد " التابع" أخيرا حقه في الكلام؟

رغم تاريخ الاستبداد الطويل في المنطقة العربية، مثلت المنصات الإعلامية التي مولتها قطر أول ظهور لفضاء عام عربي بديل) بتعبير الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (عن الفضاءات العمومية الواقعية التي خنقتها عقود من الاستبداد.

تلك المنصات، ومع استحضار النقد الموجه إليها مهنيا أو تحريريا، استطاع بفضلها المواطن العربي أن يتداول قضاياه ويستعيد حقه في الكلام والكتابة دون أن تتكبد الصحف والقنوات الغربية عناء نقل صوته، بل أسهمت تلك القوة الناعمة في إشعال فتيل لحظة تاريخية كالربيع العربي، ليستعيد منذ ذلك الحين "التابع المتخيل" في الخطاب الغربي حقه في التعبير ويحاول في أكثر من ساحة عربية انتزاع فرصته في التنمية، رغم كل الكوابح والأعطاب التي تعيشها المنطقة، ومازال هذا المعترك الشاق متواصلا ولم يستقر بعد على نهايات واضحة.

توجيه النقد للغة الصحافة الغربية ضد قطر لا يعني أن شعوب هذه المنطقة يجب أن تركن لنظريات المؤامرة، أو أن تتحفظ على أي خطاب يواكب ويناقش تحولاتها وينتقد تراجع الحريات في منظوماتها، ولكنها لا تحتاج أيضا إلى وسطاء للحديث نيابة عنها، لأنها تمتلك الآن بفضل التحول الرقمي الهائل في مجال الاتصال أكثر من بديل لفعل ذلك.

بناء على هذه الرؤية، فإن الرد على الحملة الغربية ضد قطر قد لا يتطلب إنتاج خطاب مضاد بالضرورة، يكرس النظر إلى الغرب كـ "آخر" متغطرس وعنصري واستشراقي، ولكن يجب على المنصات الإعلامية خاصة الأكثر تأثيرا وانتشارا أن تمتلك وعيا حادا بخطورة هذا الخطاب وأن تعيد التفاوض على موازين القوى التحريرية وملامح الصورة وعبارات اللغة وأشكال التمثيل وأن تدفع في اتجاه كشف الأخبار الزائفة وحملات التضليل الإلكترونية وتوعية الجمهور بأساليبها.

على هذه المنصات أن تنسج أيضا خطابا إعلاميا يتخفف من أجندات وأولويات الغرب الإخبارية، ويقدس حق شعوب هذه المنطقة في إعلام يعيد إليها حقها في "الكلام" دون حواجز.. خطاب يواكب نضالها لأجل الديمقراطية.

 

 المراجع:

1. Said Edward. Orientalism. Vintage Book, 1979.

2. Hall, Stuart. Representation: cultural representations and signifying practices. Sage, 1997.

3. Banaji, Shakuntala, ‘’Representing underdeveloped others’’, Critical approach to Media Communication and development, 18 October 2022, LSE. 

4. Vora, Neha, and Babar, Zahra. "The 2022 World Cup and Migrants' Rights in Qatar: Racialised Labour Hierarchies and the Influence of Racial Capitalism." Wiley Online Library, 2022, https://doi.org/10.1111/1467-923X.13154.

 

 

 

المزيد من المقالات

تشجيع الفرق.. "موضة" الصحافة الرياضية الجديدة

هل يمكن أن يصبح الانتماء الرياضي مقوضا لمبادئ مهنة الصحافة؟ وكيف يلجأ الصحفيون إلى تشجيع فريق معين بحثا عن المتابعة على وسائل التواصل الاجتماعي؟

أيوب رفيق نشرت في: 16 نوفمبر, 2022
الصحافة الرياضية.. السياسة والتجارة

هل أصبحت الصحافة الرياضية محكومة بقيم الرأسمالية، أي الخضوع للعرض والطلب ولو على حساب الحقيقة والدقة؟ وكيف تحولت إلى أداة توظفها الشركات الرياضية ورجال الأعمال والسياسة لتصفية الخصوم؟ وهل أدى المنطق التجاري إلى استبدال الرأي بالخبر بعيدا عن كل قيم المهنة؟

أيمن الزبير نشرت في: 12 نوفمبر, 2022
الصحافة الرياضية في المناهج الدراسية.. الغائب الكبير

رغم أن الرياضة تطورت كممارسة وصناعة في العالم العربي، إلا أن الكليات والمعاهد لم تستطع أن تدمج تخصص الصحافة الرياضية كمساق دراسي، إما بسبب النظرة القاصرة بأن الرياضة مجرد ترفيه أو لافتقار طاقم التدريس للمؤهلات اللازمة.

وفاء أبو شقرا نشرت في: 10 نوفمبر, 2022
كيف غطيت كأس العالم في أول مونديال أفريقي؟

حين وصلت الصحفية بياتريس بيريرا إلى جنوب أفريقيا لتغطية أول مونديال ينظم بالقارة السمراء، كانت تحمل في ذهنها قناعة راسخة بأن حقبة العنصرية انتهت في بلاد "مانديلا"، لكن الميدان أثبت عكس ذلك. تحكي بيريرا كيف جعلت من تغطية حدث رياضي فرصة لرصد التناقضات ورواية قصص الناس الذين أنهكهم الفقر.

بياتريس بيريرا نشرت في: 8 نوفمبر, 2022
لماذا يثير الإعلام الغربي القلق لدى مشجعي كرة القدم

من الطبيعي توجيه الانتقادات للدول المنظمة لبطولةٍ بحجم كأس العالم، فهذا أمر مفروغ منه، ولكن لا بد من الإشارة إلى بعض مظاهر النفاق التي بدت جليّة في مونديال هذا العام. 

نينا مونتاغو سميث نشرت في: 7 نوفمبر, 2022
 تويتر في عصر إيلون ماسك.. هل هو مخيف للصحفيين؟

سيطر الملياردير إيلون ماسك على منصة تويتر في صفقة قياسية. تزداد مخاوف الصحفيين من مصادرة حرية التعبير خاصة بعد مهاجمة وسائل الإعلام مثل نيويورك تايمز والغارديان ونشر محتوى لموقع إخباري يؤمن بنظرية المؤامرة.  

إسماعيل عزام نشرت في: 6 نوفمبر, 2022
هل تكفي الأدوات التقنية للتحقق من المعلومات؟

انتشرت في السنوات الأخيرة منصات كثيرة للتحقق من الأخبار لكن غالبية بقيت حبيسة "التحقق الشكلي والتقني" دون محاولة فهم سياق الأحداث ووضع المعلومات في إطارها العام. عدنان حسين، صحفي، بوحدة "سند" للتحقق من المعلومات التابعة لشبكة الجزيرة يقدم نماذج لم تكن فيها "التقنية" حاسمة للتأكد من صحة الأخبار.

عدنان الحسين نشرت في: 23 أكتوبر, 2022
 الأدب والأيديولوجيا و"فساد" السرد الصحفي

 اللغة وعاء الفكر، هكذا يقول الفلاسفة، لكن في الممارسة الصحفية العربية تحولت المعلومات إلى وعاء للغة. يرجع الاحتفاء باللغة في الصحافة العربية إلى تأثرها بالأدب في فترة أولى وإلى تسرب الأيديولوجيا والنضال السياسي إلى صفحات الجرائد في فترة لاحقة.

شادي لويس نشرت في: 18 أكتوبر, 2022
السرد الصحفي في المناهج الدراسية.. الحلقة المفقودة

من الأسباب التي تفسر ضعف السرد الصحفي في العالم العربي، هو ضعف المناهج الدراسية في معاهد وكليات الصحافة التي ما تزال مرتكنة لرؤية تقليدية في تلقين المهنة للطلبة. أدى ذلك إلى تخريج جيل كامل من الصحفيين غير واعين بتطور السرد كممارسة ضرورية في الصحافة الحديثة.

عبد الوهاب الرامي نشرت في: 12 أكتوبر, 2022
 المعالجة الصحفية للمأساة.. قصص من كشمير الباكستانية 

الاستماع إلى قصص الصدمات النفسية والفقد هو ما على الصحفيين فعله من أجل العثور على الحقيقة ونقلها، وتعد الطريقة التي نستمع للقصص من خلالها مع تنحية الأحكام المسبقة المتعلقة بالكيفية التي "يتوجب" على الضحايا التصرف وفقها أمرا بالغ الأهمية.

أنعام زكريا نشرت في: 6 أكتوبر, 2022
الإعلام والشعبوية في تونس: محنة الحقيقة

تعيش تونس تحولات سياسية عميقة تؤثر بشكل مباشر على أداء وسائل الإعلام. وأمام تنامي موجة الشعبوية التي تحولت إلى سلطة ضاغطة تدفع الصحفيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية، انتعشت الشائعات والأخبار الزائفة وتدنى الوعي، لتوشك الصحافة على فقدان دورها في مساءلة الفاعلين السياسيين في مقدمتها مؤسسة الرئاسة.

محمد اليوسفي نشرت في: 4 أكتوبر, 2022
راديو بي بي سي.. الفصل الأخير من قصة "هنا لندن"

 أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية إغلاق القسم العربي بعد أن شكل لأكثر من ثمانية عقود مصدرا أساسيا للحصول على الأخبار للجمهور العربي. يثير القرار، نقاشا كبيرا حول دوافعه خاصة فيما يرتبط بتغير سلوك الجمهور وهيمنة المنصات الرقمية.

أمجد الشلتوني نشرت في: 2 أكتوبر, 2022
أن تكون صحفيا فلسطينيا في وسيلة إعلام غربية 

يواجه الصحفيون في وسائل إعلام غربية تحديات كبيرة ترتبط بتوظيف المصطلحات ومساحة التغطية الصحفية. ليلى عودة، مراسلة فرانس 24 بفلسطين تسرد تجربة عملها الميداني، وهي تحاول إيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم باستثارة العقل لا العواطف. 

ليلى عودة نشرت في: 2 أكتوبر, 2022
 بين حق المعلومة وكرامة الضحايا: أخلاقيات التغطية الإعلامية لجرائم القتل

ماهو المعيار الأخلاقي والمهني الذي يحكم تغطية جرائم القتل؟ أين تبدأ الصحافة وأين تنتهي كرامة الضحايا، ومتى يتحول النشر إلى تشهير بالضحايا وانتهاك لخصوصياتهم؟ أسئلة تفرض نفسها بعد الجدل الكبير الذي رافق تغطية قضايا القتل بالكثير من الدول العربية.

هدى أبو هاشم نشرت في: 13 سبتمبر, 2022
عن أسباب تعثر الصحافة الاستقصائية في العالم العربي

بعد الانفتاح النسبي الذي حرره الربيع الديمقراطي، استعادت السلطة قوتها بأدوات أكثر شراسة. في هذا الجو المطبوع بتعاظم الاستبداد، تظهر أهمية الصحافة الاستقصائية أكثر من أي وقت مضى، لكن الصحفيين في العالم العربي يشتغلون في بيئة سياسية مغلقة تحاصر المادة الحيوية للاستقصاء: الولوج للمعلومات.

مصعب الشوابكة نشرت في: 28 أغسطس, 2022
نزول الكتابة إلى الميدان

لا قيمة للمادة الصحفية والأدبية دون النزول إلى الميدان والبحث عن الحقيقة التي قد تكون متناقضة للأحكام المسبقة. في تجربة أحمد سعداوي، تقاطعات كثيرة بين الصحافة والأدب، لكن حتى وهو يكتب روايته "فرانكشتاين في بغداد" الحائزة على جائزة البوكر العالمية للرواية، ظلت صلته وثيقة بالميدان.

أحمد سعداوي نشرت في: 23 أغسطس, 2022
 السرد الصحفي في الميدان

 لا يمكن أن ينجح السرد في الصحافة ما لم يرتبط بالميدان والاحتكاك المباشر بالقصة الصحفية. غاية السرد هي إحداث التأثير والتعاطف، ومحورها هو الإنسان. لكن الذي جرى أن الصحافة العربية استعاضت عن الميدان بالمكاتب، لتفرز سردا مفرغا من مضمونه الحقيقي.

زينب ترحيني نشرت في: 22 أغسطس, 2022
من الكاتب إلى النجم ومن الإعلام إلى الإعلان

تصل الأخبار إلى المحرر من وكالات الأنباء التي توظف محررين لهذه الغاية، وعلى المحرر في محطة تلفزيونية، أن يقوم بتعديلات طفيفة على الخبر الذي ورده، ليضعه في جهازه بوصفه معد

بلال خبيز نشرت في: 21 أغسطس, 2022
حكاية شيرين أبو عاقلة

حين التحقت شيرين أبو عاقلة أول مرة بقناة الجزيرة كان وليد العمري، مدير مكتب فلسطين، في استقبالها، وحين اغتالها الاحتلال برصاصة غادرة، كان حاضرا في تأبينها. بين هذين الزمنين، يحكي العمري قصة صحفية مهنية بجنسيات ولغات متعددة لكن بهوية واحدة: صحفية تفضح الاحتلال.

وليد العمري نشرت في: 18 أغسطس, 2022
التغطية الصحفية للبرلمان.. الجندي المجهول في جبهة الديمقراطية

تتقاطع أدوار البرلمان والصحافة في الرقابة على الجهاز التنفيذي، بوسائل مختلفة. وإذا كان البرلمان هو منبع التشريع ومساءلة سياسات الحكومة، فإن الصحافة تتحول إلى سلطة رقابة على أداء السلطتين التنفيذية والتشريعية تستلزم من الصحفي امتلاك مهارات خاصة تجمع بين التكوين القانوني والسياسي والقدرة على الاستقصاء.

يونس مسكين نشرت في: 2 أغسطس, 2022
تغطيات إنقاذ الطفل ريان... طغيان اللهاث وراء "الترند"

 رغم مرور شهور على قضية الطفل ريان الذي لقي حتفه داخل بئر في المغرب، إلا أن استئثار قضيته بتغطية إعلامية غير مسبوقة ما يزال يطرح الكثير من الأسئلة المهنية والأخلاقية لاسيما ما يتعلق باللهاث وراء الترند.

محمد عزام نشرت في: 17 يوليو, 2022
جنوب السودان.. أكثر من خاسر في معركة حرية الصحافة

 كانت أحلام الثورة عالية قبل أن تصطدم بتحديات الدولة الفتية. غداة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، يواجه الصحفيون في جنوب السودان الاعتقالات والاختطافات، مع إفلات الجناة من العقاب والمساءلة.

ملوال دينق نشرت في: 3 يوليو, 2022
في مواجهة غوغل وفيسبوك.. لماذا لا تقتدي الصحافة العربية بـ "التجربة الأسترالية؟

أجبرت كل من أستراليا وفرنسا وبريطانيا غوغل وفيسبوك على التفاوض مع تكتلات لوسائل الإعلام لدفع تعويضات عن استخدام المحتوى. في العالم العربي، ما تزال المبادرات ضعيفة جدا أمام ضعف التشريعات وحالة الاستقطاب السياسي رغم أن هذه الشركات تكبدها سنويا خسائر اقتصادية كبيرة.

إسماعيل عزام نشرت في: 27 يونيو, 2022
نزول الكتابة إلى الميدان

لا قيمة للمادة الصحفية والأدبية دون النزول إلى الميدان والبحث عن الحقيقة التي قد تكون متناقضة للأحكام المسبقة. في تجربة أحمد سعداوي، تقاطعات كثيرة بين الصحافة والأدب، لكن حتى وهو يكتب روايته "فرانكشتاين في بغداد" الحائزة على جائزة البوكر العالمية للرواية، ظلت صلته وثيقة بالميدان.

أحمد سعدواي نشرت في: 26 يونيو, 2022