الحملة ضد مونديال قطر.. الإعلام الغربي حبيسا لخطاب الاستشراق والتضليل

مع اقتراب موعد مونديال قطر 2022، يصر الإعلام الغربي أن يبقى مرتهنا لخطاب الاستشراق الذي تغذيه ليس فقط المصالح السياسية، بل التحيزات الثقافية العميقة المتأتية بالأساس من الماضي الاستعماري.

 في الأيام الأخيرة قبيل إطلاق صافرة بداية مونديال قطر 2022 لكرة القدم، استشرست، على نحو غير مسبوق، حملة غربية ضد الدوحة، علت خلالها نبرة خطاب إعلامي صادر عن مؤسسات صحفية عريقة تصف هذا البلد الخليجي على أنه "دولة حديثة التأسيس"، تنتج "الغاز حصرا" دون أي شيء آخر، ويتملكها "رُهاب" مستحكم من المثليين، وتشيد فيها البنايات على "أجساد العمال المنهكين"، في الوقت الذي انبرت بعض الصحف البريطانية لإقامة ربط غريب بين بعض الحوادث المتفرقة ومونديال قطر كواقعة توقيف مواطن بريطاني في العراق بسبب عدم سداده لديون مستحقة لبنك قطري.

اللافت أن هذه التوصيفات نادرا ما قُدمت بلغة صحفية ناقدة ومتوازنة يُستدعى الطرف الآخر للرد عليها، بل تصاغ في شكل لازمة ترددها وسائل الإعلام الغربية، وتُحيل إلى  ما يشبه ماهية ثابتة لقطر، وفي أحيان أخرى انصرفت بعض العناوين تلميحا وتصريحا لرسم صورة كاريكاتورية تختزل ثقافة ومجتمعا ونظاما سياسيا في بضع صور نمطية، وتصنف قطر في خانة "الآخر" المخالف للنموذج الثقافي الغربي الحداثي والمتخلف عنه بالأساس، أما قضايا شائكة من حجم الاقتصاد السياسي المرتبط بالعمالة المهاجرة في غرب آسيا أو الجدل حول صناعة "الهويات الجنسية السائلة" فقررت صحف أخرى القفز عليها وحصرها في سياسات قطر " المحجفة اتجاه العمال" أو"المضطهدة للمثليين".

هكذا ينظر إلى قطر في الخطاب الإعلامي الغربي لا كبلد مضيف لمونديال 2022، بل كتكثيف لصورة مُستجدة عن "الشرق" العجائبي المختزنة في مخيال الغرب) بتعبير إدوارد سعيد في دراسته للاستشراق) والتي لا تريد الصناعات الإعلامية الغربية التخفف منها منذ عقود. والآن تسفر تلك الصورة عن نفسها بوضوح في خطاب إعلامي يربطه خيط ناظم يُؤلف بين عشرات المقالات في صحيفة الغارديان القريبة من اليسار البريطاني أو التايمز المملوكة لرجل الأعمال روبرت مردوخ أو على قناة سي إن إن الأمريكية الأكثر ميلا للديمقراطيين أو "فرانس 24" الممولة من الحكومة الفرنسية وغيرها، فيما يشبه شبكة مُتسقة تنظر إلى نفسها كمركز ولما سواها كهوامش.

هذه الحكايا تُنسج أيضا بالاعتماد على سلسلة من المعلومات المضللة، تجد لها في مواقع التواصل الاجتماعي فضاء رحبا للانتشار، سواء لعدم وجود قواعد صارمة تضمن فرزا مهنيا للأخبار الزائفة، أو لطبيعة آليات تداول المحتوى على هذه المنصات، القائمة أساسا على سلطة "الخوارزميات" التي تفرض على جمهور واسع من المتلقين مصادر غير موثوقة تُستمد منها المعلومات بشأن تنظيم قطر للمونديال، إما بشكل عَرضي/آلي، قد يعزى لـ"فوضى الخوارزميات" وسطوتها على بنيات التواصل في هذه الفضاءات الرقمية، أو بطريقة متعمدة حيث تمول حملات مدفوعة أو تحريضية مجهولة المصدر للتأثير على صورة قطر وأطوار تنظيمها لهذا الحدث الرياضي.

لكن ليست هذه المرة الأولى التي يتمعن العالم العربي في صورة ملامحه على مرآة وسائل الإعلام الغربية، ليتعرف على قسماته كما يصر الغرب على تشكيلها نيابة عنه. وهي ملامح تغيَب فيها قوة الإنجاز، بينما تُستحضر الطباع الغرائبية والأوصاف المُتخلفة، وتُحشر السياقات شديدة التركيب التي تحكم البنيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لهذه المنطقة في مجال رؤية تبسيطي ضيق، عالق بين ثنائيات من قبيل أشرار/ أخيار، تقدم/ تخلف، أو ديمقراطية/ استبداد، حرية/ قمع... إلخ

هذا الخطاب الإعلامي تجاه المنطقة يُعلِن عن نفسه بجلاء في الأحداث الكبرى، ويدفع بالتالي للافتراض أن هذه الحملة ضد قطر يغذيها أيضا شيء آخر أعمق، ثاو في البنية الذهنية لمن ينتج بوعي كامل هذا الخطاب في وسائل الإعلام الغربية ولمن يصر عمدا على صناعة صورة تعيد عبرها شبكة الهيمنة الغربية إنتاج سردياتها عن العالم، وتثبيت سلطتها الاقتصادية والسياسية والثقافية.

فقبل أشهر قليلة، مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، كان طيف واسع من وسائل الإعلام الغربية مستغرقا في عقد المقارنات بين اللاجئين الأوكرانيين "الشُقر" و"المتحضرين" الذين يتقاسمون مع "الغرب" نفس منظومة القيم الحداثية، وبين اللاجئين القادمين من سوريا والعراق وأفغانستان المتمايزين عنهم والمنتمين إلى صنف "الآخر" المتصف بالفقر والجهل والتخلف.

وليست هذه المرة الأولى، أيضا، التي تخوض فيها وسائل الإعلام الغربية حملة ممنهجة ضد الدول المنظمة لأحداث رياضية كبرى والواقعة حسب رؤية المركزية الغربية لتقسيمات الجغرافيا الحضارية في "العالم الثالث" (البرازيل، جنوب أفريقيا) أو حتى تلك المصنفة فيما يمكن أن نطلق عليه "العالم المنافس" (الصين وروسيا).

إلا أن غُلو الحملة ضد قطر يجعلها مثالا مناسبا لاستدعاء أدبيات ما بعد الاستعمار (Postcolonialism) كعُدة نظرية لتفحص الخطاب الإعلامي الاستشراقي، وجدلية "الأنا" و"الغير" على الشاشات الغربية، ولغة الاستعلاء العرقي، فضلا عن سياسات الهوية التي تغلف المعالجة الصحفية لمثل هذه الأحداث الكبرى، دون إغفال الدور المحوري لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر هذا الخطاب بفضل الثغرات التي تُوفرها هذه المنصات لتداول المعلومات المضللة.

 

هل يصور الإعلام الغربي الواقع كما هو.. في نظرية التمثيل

 

في منطقة عربية متعطشة لتجربة الانتقال الديمقراطي لعبت فيها وسائل الإعلام سواء في نسختها الرقمية أو التقليدية الجماهيرية دورا فاعلا في الحراك الديمقراطي الشعبي، قد يبدو مفهوما الاحتفاء بليبرالية وسائل الإعلام الغربية وتعدديتها واستقلاليتها وشساعة فضائها العام، بالمقارنة مع بيئات سياسية أخرى، لكن لا يجب أن يدفعنا ذلك للقفز على تاريخ من النقد الحاد وُجه للصناعات الإعلامية الغربية.

تعد مدرسة فرانكفورت النقدية إحدى أبرز من انتقد هذه الصناعة منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي. تصنف أدبيات هذا التيار الصناعات الإعلامية في الغرب في خانة التي لا يحركها الرأسمال كعامل اقتصادي فحسب بل كمعطى ثقافي أيضا، فالرأسمال الغربي نفسه، إلى الآن، لم يتخلص من إرثه الاستعماري ومن ممارساته النيوليبرالية، وأي فهم لخطاب الإعلام الغربي اتجاه المستعمرات السابقة يجب أن يستحضر شبكات المصالح هذه، وقوى الهيمنة التي تبدو في ظاهرها إعلامية وثقافية بيد أنها تنطوي على أبعاد اقتصادية وسياسية.

خلافا لما تصوره وسائل الإعلام خلال الدعاية لنفسها من نقلها للواقع كما هو، إلا أن نظريات علوم الاتصال تؤكد أن أدوارها أكثر تعقيدا من مجرد امتلاك جرأة "نقل الواقع"، بتعبير السوسيولوجي البريطاني "ستيوارت هول" وسائل الإعلام ليست محض عاكس للواقع الصرف، بل إنها من تصنع تصورنا عن العالم وتصوغ معناه، وتملك سلطة تشكيل تمثلاته في أذهاننا، متكئة على قوتها الرمزية التي تمنحها القدرة على "الإظهار" و"الإخفاء" أو ما يطلق عليه ستيوارت هول نظرية التمثيل (Representation theory) أي سلطة اختيار الكيفية التي تظهر بها فئات اجتماعية أو عرقية أو ثقافات محددة، وآلية التمثيل هذه تتم عبر عدسات المصورين وأقلام الصحفيين وأصوات المذيعين ومن خلال سياسات التحرير. وبهذا المعنى تكون عملية إنتاج الخطاب مقابلا لإعادة إنتاج ناعم لشبكات الهيمنة الثقافية والسياسية الغربية.

يبدو أن الخطاب الغربي بعناية "تمثيل" قطر على شاشاته وصفحاته وفق شبكات المصالح تلك وعبر آلية "الإخفاء" و"الإظهار"، لتصبح صورة قطر المتداولة هي ما اختارت هذه المنصات الترويج له ووصفه وتقديمه للجمهور باعتباره واقعا حقيقيا. فقطر التي يعرفها المتلقي الغربي هي سلسلة الأوصاف التي اختارت وسائل الإعلام إظهارها والحديث عنها، فيما حجبت صفات أخرى وأخفت مشاهد موازية.

تقدم لنا الدراسات الثقافية النقدية نظريات أخرى قد تبدو مفيدة في تحليل هذا السلوك الإعلامي الغربي، من أهمها نظرية "الغير" (Othering theory) حيث تظهر وسائل الإعلام الغربية وكأنها بحاجة لتنصيب قطر في هيئة ذلك "الآخر" أو "الغير" الذي ينتهك حقوق العمال والمثليين، بهدف التأكيد على وجود "غرب" أو "الأنا" كذات حضارية متفوقة حقوقيا وديمقراطيا وحتى ثقافيا.

فالغرب وفق هذه الرؤية لا يستطيع الوعي بذاته بمعزل عن وجود ذات أخرى مقابلة له جغرافيا وحضاريا وتلقبها بـ “الآخر". هكذا لا يبدو مستغربا مثلا تذكير صحيفة الغارديان في أغلب مقالاتها بأن قطر دولة واقعة في شبه الجزيرة العربية، وأنها حديثة النشأة ويعتمد اقتصادها أساسا على الغاز وأنها بلد ذو ثقافة محافظة لا تكترث لحقوق الإنسان، فيما يشبه تذكيرا بعناصر هوية ثابتة للشخصية القطرية، وصفات تقدم على أنها سلبية، لصيقة بها كجوهر أصيل (Essentialism) ، وهذا النوع من الخطاب كما يرى ستيوارت هول أحد السمات الأساسية التي تصور بها الثقافة الغربية الشعوب المختلفة عنها بهدف تكريس تفوقها.

لكن الملامح الحضارية لقطر في الخطاب الإعلامي الغربي تنبني أيضا على ما يمكن وصفه بالصورة المتناقضة التي تقدمها تارة في هيئة فاعلٍ إقليمي وشريك دولي حاسم في الوساطات وفي تدبير الأزمات الدولية الكبرى، وتارة في صورة الدولة الخليجية التي تنتمي إلى غياهب الشرق السحيق، لا يمكن أن توكل إليها مهمة تنظيم حدث "غربي" بامتياز لرياضة هي "صنيعة الحداثة الغربية" وصناعة أبطالها تتم حصرا على أراض غربية.

هذا التناقض في الخطاب لا يعني ازدواجية في سياسات قطر الخارجية، كما تعرف الدولة نفسها وسياساتها إلى العالم، ولكنه يعكِس بالأساس وعيا مشوشا لدى الغرب عن قطر، أو ما تصطلح عليه أدبيات ما بعد الاستعمار بنظرية التناقض (Ambivalence theory)، هذا التناقض نابع من اعتقاد راسخ لدى منتجي خطاب وسائل الإعلام الغربية بدورهم "التوجيهي" اتجاه الشعوب والدول التي تحتل في نظرهم مراتب أقل في سلم التقدم، مقدمين خطابهم في صيغ "توجيه" أو "تلقين" على افتراض أن تلك الدول خلال محاولتها التدرج في سلم التنمية لبلوغ نموذجها الغربي، بحاجة لهذا النوع من الخطاب للاسترشاد والتعلم.

بهذا المعنى لا يجب التعامل مع خطاب الاستشراق، خاصة حين يتسرب إلينا محمولا عبر لغة وسائل الإعلام، كتراث نظري ينتمي إلى ماضي العلاقة المتوترة بين المستعمِر والمستعمَر، ماضٍ يدفع كُثر أن حتميات العولمة الاقتصادية وعالمية حقوق الإنسان قد تجاوزته، في الوقت الذي مازال يشكل منظومة فكرية تحركها عقيدة المركزية الغربية ويتغدى عليها خطاب وسائل الإعلام التي تضطلع بمهمة نقلها إلى الثقافة الشعبية بهدف استدامة وعي جمعي غربي يختزن صورة ذهنية عن شرق فاقد حتى لحدوده كرقعة جغرافية، ليصبح دلالة عن "الآخر" الممتد في كل مكان، شرط وجوده أن يتخلف عن الغرب.

 

ماوراء الخطاب الحقوقي لوسائل الإعلام الغربية

 

منذ الإعلان عن قبول ترشيح قطر لتنظيم كأس العالم 2022 أصر الإعلام الغربي على استدراجها إلى ساحات حقوق الإنسان وعلى تفحص سجل الدولة في هذا المجال، حيث نَسَج أيضا خطابا ملتبسا حول قضية حقوق العمال، إحدى أبرز مواطن الجدل بين الدوحة ووسائل الإعلام الغربية.

قد يبدو مفهوما ومقبولا استغلال حدث رياضي بهذا الحجم للضغط من أجل تحسين ظروف العمال في أي بلد مضيف، إلا أن اختزال قضية بالغة التعقيد والتداخل كالعمالة الوافدة في غرب آسيا باعتبارها مشكلة قطرية صرفة ينطوي على ازدواجية واضحة.

في هذا السياق تفسح أدبيات الاقتصاد السياسي على سبيل المثال لا الحصر، آفاقا شاسعة لمقاربة قضية يتداخل فيها البعد الحقوقي المحلي، مع نضالات البروليتاريا (الطبقة الفقيرة وفق أدبيات الفكر اليساري) العابرة لكل الأمكنة بما فيها الرقعة الجغرافية الغربية نفسها وتشتبك من خلالها الإشكاليات البنيوية المرتبطة بالرأسمالية المُعولمة العابرة للحدود التي أنتجت هذه الظاهرة، مع ما يعرف بالنظام العنصري للعمالة. إنه إرث قديم تحرص الشركات الغربية نفسها على استمراره، فيما تتطلب معالجته حلولا هيكلية يشترك في صياغتها مختلف المسؤولين عن هذه الظاهرة في مختلف محطات العبور والهجرة التي يمر عبرها هؤلاء العمال.

يلاحظ أن هذا النوع من الربط النقدي غائب عن خطاب وسائل الإعلام الغربية حين تطرقها لظروف العمال في قطر، مع إصرار يبدو أيضا متعمدا في تشكيل صورة عن "أزمة حقوق العمال" تصَوَب إلى قطر تهمة صناعتها حصرا عبر قوانين عمل رغم إصلاحها من قبل السلطات القطرية، لكنها لا تقنع صحفيي ومراسلي ومحللي القنوات والصحف الغربية.

 

مع اقتراب موعد كأس العالم في قطر، بدأ أيضا سيل من العناوين على وسائل الإعلام الغربية يحذر من أخطار محدقة بالمثليين أثناء تواجدهم على الأراضي القطرية، وأطلقت بمختلف اتجاهاتها ما يمكن وصفه بمعركة الحضور العادل للمثليين في المونديال، مع وسم قطر بـ "رهاب المثلية".

يحاول هذا الخطاب الإيحاء بأن نضالاته تتلخص في الانتصار للتطبيع مع سلوك جنسي أو التسامح مع فئة مختلفة مضطهدة، دون الإشارة إلى أن قضية المثلية تتجاوز السلوك الجنسي إلى معضلة إنتاج هوياتٍ جنسية وذواتٍ عابرة للجندر، ودون الأخذ بعين الاعتبار أن هناك ثقافة تتوجس من حمولة الأيديولوجيا الراغبة في خلق "إنسان جديد" سائل الهوية. هكذا يبدو أن خطاب وسائل الإعلام الغربية يختار صيغة تبسيطية متخفية وراء مقاربة حقوقية من جديد لطرح قضية "المثلية" في مونديال قطر، وبغض النظر عن كل الأبعاد الإشكالية لهذا الموضوع الذي مايزال حتى في الغرب محل نقاش أكاديمي وتربوي لا ينقطع منذ عقود. 

 

سلاح الخوارزميات والمعلومات المضللة

 

لم تكتف الحملة الإعلامية ضد قطر بصياغة خطاب استشراقي يعلي من شأن "الأنا" الغربية، ولكن الحملة قامت أيضا على سلسلة من المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، حرفت وقائع وأحداثا ووضعاها خارج سياقها لتربطها بشكل غير مُتسق بمونديال قطر.

فمثلا، ما صور على أنها حملة مقاطعة لمدن فرنسية من بينها العاصمة باريس لمتابعة مباريات كأس العالم في الساحات العامة، اجتزأت من سياقها العام وارتباطها بقرارات داخلية على صلة بخفض مستويات استهلاك الطاقة في هذه المدن، فيما ربطت صحف أخرى مثلا حوادث كمقتل كلاب في ضواحي العاصمة الدوحة قبل أشهر أو اعتقال مواطن بريطاني في العراق بسبب تخلف عن سداد دين سابق لبنك قطري بتنظيم قطر لمونديال 2022.

هذا الخطاب الذي تروجه وسائل الإعلام الغربية في نسختها التقليدية الجماهيرية لصورة قطر، له رجع صدى قوي على مواقع التواصل الاجتماعي لسرعة انتشار مثل هذه الأخبار المضللة على هذه المنصات. فمواقع التواصل تعد بيئة خصبة لحملات التضليل ونشر خطابات الكراهية، ومرد ذلك لعوامل عدة تتعلق بعضها بطبيعة هذه المواقع وضعف آليات المراقبة والتحقق من مصادر الأخبار المتداولة على صفحاتها، وأخرى مرتبطة بالخوارزميات التي تعد الآليات الأساسية للتحكم في تداول المعلومات على المنصات الرقمية، والتي قد توجه الرأي العام بقصد أو بدون قصد لدعم الحملة الإعلامية الغربية ضد قطر.

نجهل على وجه الدقة الجهات التي تتحكم في سلوك هذه الخوارزميات، ونفترض إما أنها بشكل عَرضي تسهم في نشر الأخبار المغلوطة ضد مونديال قطر، أو أن هناك جهات معينة تدفع في هذا الاتجاه.

 

 هل يستطيع " التابع" أن يتكلم؟

 

هل يستطيع "التابع" أن يتكلم؟ هذا السؤال الذي طرحته المفكرة البنغالية "غاياتري سبيفاك" قبل أربعة عقود خلال نقاشها لمفهوم التابع كما صاغته أدبيات مابعد الاستعمار "كذات خلفها المحتل وراءه مثخنةً بكل صنوف الندوب"، قد يُستدعى أيضا في سياق استكشاف الرد القطري على هذه الحملة، ولكن في صيغة سؤال آخر ربما، هل استعاد " التابع" أخيرا حقه في الكلام؟

رغم تاريخ الاستبداد الطويل في المنطقة العربية، مثلت المنصات الإعلامية التي مولتها قطر أول ظهور لفضاء عام عربي بديل) بتعبير الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (عن الفضاءات العمومية الواقعية التي خنقتها عقود من الاستبداد.

تلك المنصات، ومع استحضار النقد الموجه إليها مهنيا أو تحريريا، استطاع بفضلها المواطن العربي أن يتداول قضاياه ويستعيد حقه في الكلام والكتابة دون أن تتكبد الصحف والقنوات الغربية عناء نقل صوته، بل أسهمت تلك القوة الناعمة في إشعال فتيل لحظة تاريخية كالربيع العربي، ليستعيد منذ ذلك الحين "التابع المتخيل" في الخطاب الغربي حقه في التعبير ويحاول في أكثر من ساحة عربية انتزاع فرصته في التنمية، رغم كل الكوابح والأعطاب التي تعيشها المنطقة، ومازال هذا المعترك الشاق متواصلا ولم يستقر بعد على نهايات واضحة.

توجيه النقد للغة الصحافة الغربية ضد قطر لا يعني أن شعوب هذه المنطقة يجب أن تركن لنظريات المؤامرة، أو أن تتحفظ على أي خطاب يواكب ويناقش تحولاتها وينتقد تراجع الحريات في منظوماتها، ولكنها لا تحتاج أيضا إلى وسطاء للحديث نيابة عنها، لأنها تمتلك الآن بفضل التحول الرقمي الهائل في مجال الاتصال أكثر من بديل لفعل ذلك.

بناء على هذه الرؤية، فإن الرد على الحملة الغربية ضد قطر قد لا يتطلب إنتاج خطاب مضاد بالضرورة، يكرس النظر إلى الغرب كـ "آخر" متغطرس وعنصري واستشراقي، ولكن يجب على المنصات الإعلامية خاصة الأكثر تأثيرا وانتشارا أن تمتلك وعيا حادا بخطورة هذا الخطاب وأن تعيد التفاوض على موازين القوى التحريرية وملامح الصورة وعبارات اللغة وأشكال التمثيل وأن تدفع في اتجاه كشف الأخبار الزائفة وحملات التضليل الإلكترونية وتوعية الجمهور بأساليبها.

على هذه المنصات أن تنسج أيضا خطابا إعلاميا يتخفف من أجندات وأولويات الغرب الإخبارية، ويقدس حق شعوب هذه المنطقة في إعلام يعيد إليها حقها في "الكلام" دون حواجز.. خطاب يواكب نضالها لأجل الديمقراطية.

 

 المراجع:

1. Said Edward. Orientalism. Vintage Book, 1979.

2. Hall, Stuart. Representation: cultural representations and signifying practices. Sage, 1997.

3. Banaji, Shakuntala, ‘’Representing underdeveloped others’’, Critical approach to Media Communication and development, 18 October 2022, LSE. 

4. Vora, Neha, and Babar, Zahra. "The 2022 World Cup and Migrants' Rights in Qatar: Racialised Labour Hierarchies and the Influence of Racial Capitalism." Wiley Online Library, 2022, https://doi.org/10.1111/1467-923X.13154.

 

 

 

المزيد من المقالات

نقاش حول آفاق محتوى الحوار في البودكاست العربي

تقول الإحصائيات إنه من بين 10 مواطنين ثمة 3 منهم ينصتون للبودكاست في العالم العربي، وهذا رقم دال يؤشر على التطور الكبير الذي عرفه في السنوات الماضية. لكن أسئلة السرد والاستقصاء والحوار والبحث عن المواضيع الجذابة والملفتة ما تزال مطروحة بقوة.

سمية اليعقوبي نشرت في: 20 مارس, 2023
صحافة "الباراشوت" ومعضلة الصحفي الأجنبي

من الجيد أن تقدر شبكة بي بي سي أهمية تنويع خياراتها عند تكليف مراسلين لتغطية شؤون محلية في دول أخرى، وعدم الاقتصار على الصحفي البريطاني الأبيض. لكن ما الذي يسوّغ تكليف مراسل أفريقي لمهمة صحفية في باكستان؟

أنعام زكريا نشرت في: 19 مارس, 2023
النموذج الاقتصادي للمنصات الرقمية.. طوق نجاة لقيم الصحافة

لا تستطيع الصحافة الرقمية أن تحافظ على قيمها المتمثلة بالأساس في البحث عن الحقيقة بعيدا عن أي ضغط تحريري دون الاعتماد على نموذج اقتصادي يستلهم التجربة الغربية للقراءة مقابل الاشتراك.

إيهاب الزلاقي نشرت في: 16 مارس, 2023
أي قيمة للخبر في العصر الرقمي؟

ما الذي يمنح القيمة لخبر ما في العصر الرقمي؟ هل تفاعل الجمهور، أم الترند أم استحضار مبادئ مهنة الصحافة؟ لقد اتسعت دائرة الضغوط لتشمل الخوارزميات والجمهور، وفي ظل سيادة قيم "الأكثر تفاعلا" و"الأكثر مشاهدة" تواجه الصحافة تحديات كبيرة في العصر الرقمي.

محمد خمايسة نشرت في: 14 مارس, 2023
الأرقام.. العدو الجديد للصحافة 

ماهو المعيار الذي يحكم تقييم جودة المحتوى في العصر الرقمي: الأرقام أم حجم التأثير، قيمة الأعمال الصحفية أم حجم الانتشار؟ وكيف تحافظ المؤسسات الصحفية على التوازن بين تفضيلات الجمهور وبين ممارسة دورها الأساسي في البحث عن الحقيقة. 

عبد اللطيف حاج محمد نشرت في: 12 مارس, 2023
هل يمكن لـ ChatGPT أن يساعدك في عملك الصحفي؟ 

رغم ظهوره منذ فترة قصيرة فقط، أحدث روبوت الدردشة chatGPT جدلاً كبيراً بين الأوساط المهنية حول إمكانية استخدامه لإنجاز المهمات اليومية، فما هي فرص استخدامه في العمل الصحفي، وما هي المشاكل الأخلاقية التي قد تواجهك كصحفي في حال قررت استخدامه؟

أحمد أبو حمد نشرت في: 8 مارس, 2023
أساليب الحذف والاختصار، وأدوات البلاغة الصحفية

كيف تسرد قصو صحفية دون استعراض لغوي؟ ماهي المعايير اللغوية والجمالية للبلاغة الصحفية؟ ولماذا يركز بعض الصحفيين على الزخرفة اللغوية بعيدا عن دور الصحافة الحيوي: الإخبار؟ هذه أجوبة عارف حجاوي متأتية من تجربة طويلة في غرف الأخبار.

عارف حجاوي نشرت في: 31 يناير, 2023
"يحيا سعادة الرئيس"

لا تتحدث عن الاستعباد، أنت فتان، لا تثر الشرائحية، أنت عميل، لا تتحدث عن تكافؤ الفرص، سيحجب عنك الإعلان! هي جزء من قصص هذا البلد، يتدخل فيه الرئيس بشكل شخصي ليحدد لائحة الخطوط الحمراء بتوظيف مسؤولين عن الإعلام للحجر على الصحفيين المستقلين.

عبد الله العبد الله نشرت في: 24 يناير, 2023
 السّرد الصّحفيّ وصناعة اللّغة الجديدة

كيف يمكن للصحفي أن يستفيد من تقنيات الأدب في كتابة قصة جيدة؟ وأين تلتقي الصحافة والرواية وأين ينفصلان؟  الروائي العراقي أحمد سعداوي، الحاصل على جائزة البوكر للرواية العربية يسرد كيف أثرى الأدب تجربته الصحفية.

أحمد سعداوي نشرت في: 23 يناير, 2023
  عن ثقافة الصورة وغيابها في النشرات الإخبارية

جاء الجيل الأول المؤسس للقنوات التلفزيونية من الصحافة المكتوبة محافظاً على قاعدة "النص هو الأساس" في غياب تام لثقافة الصورة. لكن مع ظهور أجيال التحول الرقمي، برزت معضلة أخرى تتعلق بالتدريب والمهارات والقدرة على مزج النص بالصورة.

زينب خليل نشرت في: 22 يناير, 2023
بي بي سي حين خذلتنا مرتين!

في نهاية هذا الشهر، ستسدل إذاعة بي بي سي عربية الستار على عقود من التأثير في العالم العربي. لقد عايش جزء من الجمهور أحداثا سياسية واجتماعية مفصلية كبرى بصوت صحفييها، لكنها اليوم تقول إنها ستتحول إلى المنصات الرقمية.. هذه قراءة في "الخطايا العشر" للإذاعة اللندنية.

أمجد شلتوني نشرت في: 17 يناير, 2023
الإعلام في لبنان بين الارتهان السياسي وسلطة رأس المال

باستثناء تجارب قليلة جدا، تخلى الإعلام في لبنان عن دوره الأساسي في مراقبة السلطة ليس فقط لأنه متواطئ مع الطائفية السياسية، بل لارتهانه بسلطة رأس المال الذي يريد أن يبقي على الوضع كما هو والحفاظ على مصالحه. 

حياة الحريري نشرت في: 15 يناير, 2023
مستقبل الصحافة في عالم الميتافيرس

أثار إعلان مارك زوكربيرغ، مالك فيسبوك، عن التوجه نحو عالم الميتافيرس مخاوف كبيرة لدى الصحفيين. كتاب "إعلام الميتافيرس: صناعة الإعلام مع تقنيات الثورة الصناعية الخامسة والويب 5.0/4.0" يبرز أهم التحديات والفرص التي يقدمها الميتافيرس للصحافة والصحفيين.  

منار البحيري نشرت في: 15 يناير, 2023
"جريمة عاطفية" أو قيد ضد مجهول

ساروا معصوبي الأعين في طريق موحشة، ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة أخطر تجار المخدرات. إنها قصة صحافيين، بعضهم اختفوا عن الأنظار، وبعضهم اغتيل أو اختطف لأنهم اقتربوا من المنطقة المحظورة، أما في سجلات الشرطة، فهي لا تعدو أن تكون سوى "جريمة عاطفية".

خوان كارّاسكيادو نشرت في: 10 يناير, 2023
هل يصبح رؤساء التحرير خصوما لملاك وسائل الإعلام؟

يتجه الاتحاد الأوروبي إلى توسيع سلطات رئيس التحرير لحماية استقلالية وسائل الإعلام عن الرساميل التي باتت تستحوذ على مؤسسات إعلامية مؤثرة بالفضاء الأوروبي.

محمد مستعد نشرت في: 9 يناير, 2023
أيها الزملاء.. إيّاكم والتورّط في صناعة الخبر 

تعد التغطية الإعلامية جزءا أساسيا في أي تحرك مدني، سواء كان على شكل مظاهرات أو حملات توعية أو مظاهر ثقافية، إذ إنها تجعل التحرك مرئيا لجمهور واسع ومن ثم فهي تثير الاهتمام وتشجع الناس على المشاركة. بيد أنّ التعجل في تغطية تحرك لا يزال في مهده يمكن أن يؤدي بالتغطية الإعلامية إلى أن تصبح هي المحرك الأساسي له، بل وحتى الطرف المسؤول عن صناعته.

إيليا توبر نشرت في: 28 ديسمبر, 2022
 إذاعة بي بي سي.. سيرة موت معلن

لعقود طويلة، نشأت علاقة بين إذاعة بي بي سي العربية ومتابعيها في المناطق النائية، وكان لها الفضل في تشكيل الوعي السياسي والثقافي فئة كبيرة من الجمهور. لكن خطط التطوير، أعلنت قبل أسابيع، عن "نهاية" حقبة "هنا بي بي سي".

عبدالصمد درويش نشرت في: 27 ديسمبر, 2022
الصحافة في شمال أفريقيا.. قراءة في التحولات

يقدم كتاب"فضاءات الإمكانيات: الإعلام في شمال أفريقيا منذ التسعينيات"، قراءة عميقة في التحولات التي عرفتها الصحافة في أربعة بلدان هي مصر، الجزائر، تونس والمغرب. وبتوظيف مناهج العلوم الاجتماعية، يستقرئ الباحثون أهم التغيرات التي طرأت على الإعلام وتقييم دور الأنظمة السياسية وباقي الفاعلين الآخرين. 

أحمد نظيف نشرت في: 22 ديسمبر, 2022
 التغطية الإعلامية الغربية لحفل افتتاح مونديال قطر

أفردت الصحافة الغربية مساحة واسعة لتغطية حفل افتتاح مونديال قطر 2022، لكنها مرة أخرى آثرت أن تنتهك المعايير المهنية والأخلاقية، بالتركيز على المقارنات غير الواقعية وترسيخ أحكام القيمة.

محسن الإفرنجي نشرت في: 19 ديسمبر, 2022
"حرب لم يحضر إليها أحد".. عن العنصرية في الإعلام الإسباني

 أظهرت توجهات بعض وسائل الإعلام عقب خسارة منتخب بلادها أمام المغرب، إلى أي مدى قد تجذرت العنصرية في الصحافة والإعلام الإسباني.

أليخاندرو لوكي دييغو نشرت في: 11 ديسمبر, 2022
تشجيع الفرق.. "موضة" الصحافة الرياضية الجديدة

هل يمكن أن يصبح الانتماء الرياضي مقوضا لمبادئ مهنة الصحافة؟ وكيف يلجأ الصحفيون إلى تشجيع فريق معين بحثا عن المتابعة على وسائل التواصل الاجتماعي؟

أيوب رفيق نشرت في: 16 نوفمبر, 2022
الصحافة الرياضية.. السياسة والتجارة

هل أصبحت الصحافة الرياضية محكومة بقيم الرأسمالية، أي الخضوع للعرض والطلب ولو على حساب الحقيقة والدقة؟ وكيف تحولت إلى أداة توظفها الشركات الرياضية ورجال الأعمال والسياسة لتصفية الخصوم؟ وهل أدى المنطق التجاري إلى استبدال الرأي بالخبر بعيدا عن كل قيم المهنة؟

أيمن الزبير نشرت في: 12 نوفمبر, 2022
الصحافة الرياضية في المناهج الدراسية.. الغائب الكبير

رغم أن الرياضة تطورت كممارسة وصناعة في العالم العربي، إلا أن الكليات والمعاهد لم تستطع أن تدمج تخصص الصحافة الرياضية كمساق دراسي، إما بسبب النظرة القاصرة بأن الرياضة مجرد ترفيه أو لافتقار طاقم التدريس للمؤهلات اللازمة.

وفاء أبو شقرا نشرت في: 10 نوفمبر, 2022
كيف غطيت كأس العالم في أول مونديال أفريقي؟

حين وصلت الصحفية بياتريس بيريرا إلى جنوب أفريقيا لتغطية أول مونديال ينظم بالقارة السمراء، كانت تحمل في ذهنها قناعة راسخة بأن حقبة العنصرية انتهت في بلاد "مانديلا"، لكن الميدان أثبت عكس ذلك. تحكي بيريرا كيف جعلت من تغطية حدث رياضي فرصة لرصد التناقضات ورواية قصص الناس الذين أنهكهم الفقر.

بياتريس بيريرا نشرت في: 8 نوفمبر, 2022