بعد عقدٍ ونيّف من العمل الإعلامي تستعد مؤسسات إعلام سوريّة، جمعتها الثّورة الشعبيّة ضد نظام الأسد، لحجز مقعدٍ لها في الساحة الإعلاميّة عبر إعلان افتتاح مكاتبَ لها في سوريا.
ومع اقتراب تاريخ انطلاقة الثورة - الأول منذ تحرير سوريا - يستعرض المقال أبرز محطات تطور الإعلام السوري المساند للثّورة، والسياسات النّاظمة لعمله، وكيف أعاقت القوانين فرصته في تحقيق الحوكمة، تلافياً لعثرات الماضي واستشرافا لمستقبل أفضل لدور الصحافة في المرحلة الجديدة.
نشأة الإعلام المساند للثورة (2011 -2012)
امتاز الإعلام السوري المساند للثورة منذ بدْء الحِراك الشعبي عام 2011 بطابعٍ أهلي، ولد من رحم المجتمع المدني في سوريا. نشأ في البداية كمبادرات فردية تطوعية، استقطبت طلاباً وخريجي جامعات، عملوا جنباً إلى جنب مع لجانٍ ومجالسَ محلّية مدنية، قدّر عددها بـ 78 لجنة، تركزت في المناطق الأولى التي خرجت عن سيطرة نظام الأسد؛ كريف دمشق وحمص وإدلب ودرعا، تدور جميعها في فلك ما عرف سابقاً باسم "التنسيقيات"، ضمّت صحفيين وناشطين في مجال حقوق الانسان، والطبقة العاملة في سوريا، وممثلين عن الجاليات السورية في الخارج، وقد تمكنت من احتواء الوضع السوري الجديد، فقسمت مهامها بين توثيق الحِراك الشّعبي في المدن والبلدات، وتنظيمِ المظاهرات، وبين سدّ الاحتياجات الطبِّية والتعليمية والإنسانية، ونشر قوائمَ بأسماء الضّحايا والمختفين قسرياً وبأعداد النازحين، وتسجيلِ نقاطِ خرق الهدنة الدولية..
وأمام سيل الشائعات والتّشكِيك بحقيقة ما يجري في سوريا، عمَد الناشطون في المجالس المحلية إلى رفع مستوى الثّقة بمحتواهم عبر حمل لافِتات تُظهر التاريخ ومَعالم المكان، وكل ما يمكنه دحض الشّكوك بصحّة الحدث. وهكذا تيقّنوا من أهمية الظهور الإعلامي تمكيناً لسردية الثورة، فأدلوا بشهاداتهم لقنواتٍ إخبارية رائدة، وأصبحوا بفضل تزويدهم بالأجهزة والمعدات والتدريب اللازم، مصادر إخبارية موثوقة في سوريا. فقناة "الجزيرة" على سبيل المثال اعتمدت على الناشطين بنسبة 46.3%، في حين اعتمدت على مصادرها الخاصة والحكومية والمعارضة السورية بنسبة 30.5%.
امتاز الإعلام السوري المساند للثورة منذ بدْء الحِراك الشعبي عام 2011 بطابعٍ أهلي، ولد من رحم المجتمع المدني في سوريا ونشأ في البداية كمبادرات فردية تطوعية، استقطبت طلاباً وخريجي جامعات، عملوا جنباً إلى جنب مع لجانٍ ومجالسَ محلّية مدنية.
ترافقت هذه الجهود مع ميلاد منافذ إعلامية، شكّلت في مجموعها باكورة وسائل الإعلام المساندة للثورة، بينها شبكات إخبارية وإذاعات وصحف، ولعل أبرزها "شبكة شام الإخبارية"، التي نشأت بتاريخ 22 فبراير/شباط عام 2011 وإذاعة "وطن" التي بثّت كأول إذاعة سورية معارضة من دمشق. أما الصحف، تخصصت في تغطية أخبار المنطقة المعنية بها، ونشر قائمة بأسماء المفقودين منها وصورهم، حظي بعضها بتمويل خاص من موارد الأعضاء المساهمين في التحرير والنشر "بغرض تقديم خطاب إعلامي مستقل عن خطاب الحكومة أو خطاب الثورة"، كجريدة "سوريتنا" (26 تشرين الثاني 2011) في دمشق، وصحيفة "عنب بلدي" في داريا بريف دمشق عام 2011، و"أكسجين" في الزبداني بريف دمشق مطلع عام 2012، و"هنتا" في السلمية بريف حماة وصحيفة "دودة" في السويداء.
هل هو "العصر الذهبي"؟ (2013- 2015)
استطاعت وسائل الإعلام المساندة للثورة إِثراء السردية السورية في جعلها موحّدة ومدركة من قبل المجتمع الدولي على نحو واسع، وعزّز ثِقة المانحين الدوليين في دعمهم لمبادرات إعلامية متبنية لخطاب الثورة. يصف مدير وحدة الدراسات في مركز "جسور"، عبد الوهاب العاصي، هذه الفترة بـ "الذهبية" بالنسبة للإعلام السوري المساند للثورة، حيث استطاعت بعضها تخفيف العبء المادّي عبر استقطابِها مشاريعَ دولية غير ربحية لتمويلها، فيما "أدى بعضُ عامليها أدواراً في صنع القرار السوري عبر حضور اجتماعات مع الكونغرس الأمريكي والاتحاد الأوروبي"، لكن تصاعد الحرب دفع بوسائل الإعلام إلى التمركز في شمال غرب سوريا، قبل خروجها تباعاً نحو دول الجوار والعالم.
في دول المهجر، يواجه الإعلام السوري المساند للثورة فصلاً آخر من التحديات، فهو يعمل كوسائل إعلام "مستترة" تحت مسميات قانونية مختلفة، حرصاً على استئناف عمله. غير أن التحديات الأكبر تتجلّى في القوانين الداخلية الناظمة لعمل وسائل الإعلام، ولعل أبرز الصعوبات وفق مقابلات أجرتها الكاتبة مع إداريين حاليين وسابقين وصحفيين يعملون في تركيا وأوروبا، تتمثل في النشأة القانونية، الأمان الوظيفي، الرؤية الإدارية والتمويل.
1. النَّشأة القانونية في الشتات
حتى عام 2013 كان قرار انتقال مؤسسات الإعلام السوري المساند للثورة إلى المهجر خياراً غير مُلِحّ لدى العديد منها، خاصة وأنه كان باستطاعة معظمها العمل داخل سوريا، لكن الحصول على التّمويل اللازم لضمان استمرار عملها عبر فتح حسابٍ مصرفي شكّل مطلباً مشتركاً بين جميع المؤسسات بلا استثناء، وحافزاً لنقل مكاتبهم الرئيسة من سوريا نحو الخارج، وتحديداً إلى تركيا.
تشترط الجهات المانحة بنوداً عامة لتمويل أي مؤسسة إعلامية أهمها أن تكون المؤسسة مسجّلة وتعمل وفق ترخيصٍ قانوني مُعلن، ولديها نظام داخلي ورؤية إستراتيجية توضح أهداف المؤسسة وآلية عملها، المبنية على حرية التعبير ونبذ العنصرية والتمييز بين الجنسين بالدرجة الأولى.
في حديث لمجلة الصحافة، يرى المنسّق الإداري السابق لراديو روزنة، عمرو فاضل، أن عدداً غير قليل من مؤسسات الإعلام المساندة للثورة اضطرت للبحثِ عن بدائل قانونية تسمح لها بالعمل في تركيا، فكان الترخيص الأكثر رواجاً هو "مؤسسة غير ربحية" نظراً لمرونة شروطها في السماح باستئجار مكاتب، وشراء معدات ولوازم لوجستية، وفتح حساب بنكي لاستقبال حوالات التمويل، شريطة وجود محاسب قانوني مسؤول عن تزويد مصلحة الضرائب التركية بجميع حسابات المؤسسة، المرخصة أصولاً كـ "مؤسسة غير ربحية".
قدّر عدد وسائل الإعلام المساندة للثورة خارج سوريا حتى عام 2019 بـ 55، بواقع 31 في تركيا، و11 في أوروبا، إلا أن عددها في تركيا انخفض عام 2023 ليصل إلى 22 مؤسسة إعلامية مع إغلاق قناة "أورينت" آخر مكاتبها في إسطنبول، وإعلان موقع "شبكة بلدي نيوز" توقفه عن العمل، فيما تم نقل مقر قناة "حلب اليوم" من غازي عينتاب إلى حلب عام 2020.
أحصت الكاتبة (2025) 16وسيلة إعلام تنشط خارج سوريا، تركزت غالبيتها بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، تعمل خمسة منها بترخيص نشط في تركيا، وتعمل 5 أخرى بترخيص نشط في ألمانيا، فيما تعمل وسيلة واحدة في فرنسا وأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية. بعد عام 2015 آثرت وسائل إعلام أخرى ترخيص نشاطها في دول أوروبية نظرا لسهولة الحصول على الترخيص فيها، ولضمان استمرارية عملها وصونها عن أي قرارات حكومية مفاجئة قد تعيق نشاطها في أي من الدول التي تعمل فيها. ووفق هذا النطاق، تعمل 4 مؤسسات إعلامية بتراخيص سارية، في آن واحد، في كل من تركيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
يعتقد فاضل، المنسق الإداري السابق لراديو روزنة، أن "حصول مؤسسات إعلام سورية على تراخيص عمل كـمؤسسات غير ربحية، والتباين القانوني في الهيكلية الناظمة لعمل كلّ منها، مكّن غالبيتها، وتحديداً العاملة في تركيا، من بناء هيكليّة خاصّة ذات طبيعة مركزية، تعمل وفق رؤى فردية. سهّل هذا التفرد التنظيمي السائد بين عامي 2013- 2017 على مؤسسات إعلامية الالتفاف على حقوق الصحفيين، وتسبّب في غياب أولى ركائز الأمان الوظيفي، ممثلة بعقود العمل والتأمينات الصحية".
2. غياب الأمان الوظيفي
استندت عملية سبر الآراء وتجارب صحفيات وصحفيين حول الأمان الوظيفي إلى معيارين هما: 1) عقود العمل 2) الأجور الشهرية، المكافآت، الترقيات والتعويضات. بعضهم عملوا في مؤسسات إعلام سورية، وآخرين لا يزالون على رأس عملهم، امتنعوا عن ذكر أسمائهم لدواعٍ مهنية واعتبارات شخصية.
يعرف عقد العمل بأنه اتفاق قانوني مبرم بين طرفين، ينص على حقوق وواجبات، تخضع لقانون العمل المعمول به في الدولة. في الحالة السورية كان الوضع مغايراً. تصف أروى الباشا، وهي صحفية سورية، عملت في وسائل إعلام مختلفة، الواقع الإداري والقانوني داخلها بأنه عشوائي يفتقر إلى المؤسساتية، "معظمها أنشئ على عجل، فلا عقود عمل تُبرَم، ولا تأمينات تذكر".
يتفق الصحفي السوري، يحيى الحاج نعسان، مع رأي الباشا في الإقرار بأن ثقافة العمل بالتراضي عمّت معظم المشاريع العاملة باسم الثورة، وليس فقط المشاريع الإعلامية. عمل يحيى صحفياً في وكالة "سانا" للأنباء حتى اندلاع الثورة عام 2011، فانشقّ وأسس مع زملاء له مجلات وصحف فردية نشطت في الغوطة الشرقية، ليلتحق عام 2018 بالعمل في قناة "أورينت" محررا ثم مديرا للموقع الإخباري حتى إغلاقها عام2023.
وتصف صحفية أخرى (تحفظت عن اسمها لاعتبارات مهنية)، عقود عملها السابقة مع عدد من الوسائل بـ "عقود إخلاءٍ بالمسؤولية، تنصّ بصيغة بدائية على شروط العمل دون ضمان يحمي حقوق الصحفيين أو يصونهم من الفصل التعسفي". لكن عقود العمل حالياً باتت أكثر مؤسساتية على نحو ملموس، بحسب تعبيرها، بينما، يكشف صحفي آخر أن تغييراً خجولاً طرأ على عقود العمل في بعض مؤسسات الإعلام، تمثّل في اعتماد العقود مكتوبة، مع بقائها غير مسجلة في الدولة التي تنشط فيها المؤسسة الإعلامية حتى اليوم.
أما المكافآت، فتكاد تكون منعدمة في غالبية المؤسسات الإعلامية، لاسيما وأنها تبقى مرهونة أولا بعلاقة مهنية وطيدة مع المدير، وهذا العرُف القائم أفسد مهنة الصحافة، وجعل لغة "الوساطة" أقوى من المؤهل العلمي واللغة السليمة والخبرة، بحسب الباشا والحاج نعسان، فيما يعتقد قلة من الصحفيين الذين حاورتهم أن معيار الكفاءة هو الذي يحكم الترقية وتقدير الجهد.
الرؤية الإدارية: "هل من يموّل يقرر؟"
تميل المنظومة الإدارية الحاكمة لعمل مؤسسات إعلام سورية إلى التمايز عن بعضها البعض تبعاً لمقر عملها. في تركيا، تسود الرؤى الفردية على القوانين الداخلية لمعظم وسائل الإعلام، ما يجعلها تبدو كمؤسسات الفرد الواحد، وهو ما تسبب بحدوث شرخ في هويتها، فبينما تنطوي الهوية الأولى على تعريف الوسيلة أمام الجمهور والجهات المانحة بصفتها ملك للشعب السوري وناطق بلسان حاله، يسبغ المدير سمة "الوصائية" على هويتها الداخلية، فتبدو أقرب ما تكون إلى ملكية فردية. إنّ هذا النهج بحسب المنسق الإداري السابق لراديو روزنة، عمرو فاضل، كرّس مع الوقت اعتقاداً بأن مدير المؤسسة هو المالك الحصري لها، وبأن التفكير بتغييره أو بمناقشة الفكرة هو أمر غير مطروح للنقاش، "فطوال فترة عملي السابقة لم أسمع بتغير مدير تنفيذي ضمن الوسط الإعلامي إلاّ قلّة قليلةٍ جدّاً لا تتجاوز 1 بالمئة من وسائل الإعلام السورية".
تميل المنظومة الإدارية الحاكمة لعمل مؤسسات إعلام سورية إلى التمايز عن بعضها البعض تبعاً لمقر عملها. في تركيا، تسود الرؤى الفردية على القوانين الداخلية لمعظم وسائل الإعلام، ما يجعلها تبدو كمؤسسات الفرد الواحد، وهو ما تسبب بحدوث شرخ في هويتها.
ولعل أبرز تجلّيات هذا النهج تمثّلت في رسم بعض الإداريين سياسةً تحريرية تحاكي تطلعات الجهات المانحة. يفيد مسؤول سابق عن تمويل مؤسسات الإعلام في الشرق الأوسط بأنه "في حين تفصح جهات عن تمويل مؤسسات معنية بقضايا محددة؛ كالنساء أو الأطفال، تسعى مؤسسات إعلامية، بداعي رفع فرص تمويلها، إلى توسيع نطاق أجندتها الإعلامية بما ينسجم وأهداف المانحين، ويفضي هذا إلى استنتاج ميل الجهات المانحة بالنأي عن التدخل في إدارة شؤون مؤسسات الإعلام السوري، "باستثناء إدارة الأموال تلافياً لأي خلل".
على الجانب الآخر، وجدت مؤسسات إعلام سورية في أوروبا أن دمج الأدوار الإدارية بالمهام التحريرية هو إجراء أكثر مرونة وأقل بيروقراطية.. تمكّن هذه الإستراتيجية من اتساق الرؤى التحريرية والإدارية، والتي قد تمنح للإداريين فهماً أعمق لاحتياجاتهم كصحفيين، وتلبي حاجتهم للبقاء على قيد العمل وفق تكاليف محدودة.
تخضع "الجمهورية"، وهي منصة إعلامية سورية مرخصة في أوروبا، لقانون العمل الألماني من حيث العقود وساعات العمل، ومتوسط الأجور، الخبرات والمهارات. وخلافاً لعقود العمل في تركيا، يبين قاسم البصري، الصحفي والعضو في مجلس إدارة منصة "الجمهورية" في حديث لمجلة الصحافة أن "لكل وظيفة في الجمهورية عقد عمل يعرف باسم " TOR" في ألمانيا، يحدد الحقوق والمسؤوليات، وعندما تتغير المهام بموجب اتفاق مع الموظف/ة أو منحه منصباً معيناً، يتم تغيير الـ TOR". وحول نية "الجمهورية" بدء العمل في سوريا، يجيب البصري "لقد بدأنا ذلك بالفعل".
تحريرياً، ينفي المسؤول السابق عن تمويل مؤسسات الإعلام في الشرق الأوسط تدخل الجهات المانحة في تحديد السياسة التحريرية لأي من مؤسسات الإعلام السورية، وهو ما أكده الصحفي قاسم البصري بخصوص منصة "الجمهورية"، إلا أن المنسق الإداري السابق لراديو روزنة عمرو فاضل يؤكد أن وصائية المانحين على السياسة التحريرية تنعكس في إلزام الوسائل بتغطية أحوال السوريين خلال الحرب في سوريا لا بمجرياتها العسكرية، والنأي بالنفس عن التدخل في شؤون البلدان المضيفة، حيث تعمل فيها.
رهان الاستدامة
أحيا تمويل الجهات المانحة النشاط الإعلامي، ومكّن الكثير من الشباب من "كسب لقمة العيش"، وأعاد الاعتبار للصحافة السورية بصفتها مهنة تكسّب مجزية ماديا. يجري التمويل عادة وفق طريقتين؛ الأولى عبر إعلان الجهات المانحة عن رغبتها في تمويل مؤسسات إعلامية، تسبقها دراسة لوضع البلاد التي تنتمي إليها مرفقة بمسح شامل عن المؤسسات الفاعلة منها. أما الطريقة الثانية - بحسب المسؤول السابق عن تمويل مؤسسات الإعلام في الشرق الأوسط - فهي أكثر نجاعة؛ لأنها مرهونة بمهارة الصحفيين في التشبيك وتوطيد علاقات مهنية مع الجهات المانحة والمشاركة في مؤتمرات صحفية عالمية.
أصبح التمويل عاملاً هاماً في تحديد التبعية الإدارية لمؤسسات الإعلام المساندة للثورة. طوال السنوات السابقة حظيت غالبية مؤسسات الإعلام السورية في الخارج بنوعين من التمويل هما: ١) التمويل الشخصي: القائم على شخص أو رجال أعمال، ذات هدف ربحي أو سياسي ٢) التمويل الخارجي والذي يتفرع إلى مصدرين: أ) التمويل الأوروبي، ب) التمويل الأمريكي.
لاحقاً، أصبح التمويل عاملاً هاماً في تحديد التبعية الإدارية لمؤسسات الإعلام المساندة للثورة. طوال السنوات السابقة حظيت غالبية مؤسسات الإعلام السورية في الخارج بنوعين من التمويل هما: ١) التمويل الشخصي: القائم على شخص أو رجال أعمال، ذات هدف ربحي أو سياسي ٢) التمويل الخارجي والذي يتفرع إلى مصدرين: أ) التمويل الأوروبي، ب) التمويل الأمريكي.
يتسم التمويل الأوروبي بأنه بعيد المدى، يشترط حصول المؤسسة على ترخيص قانوني يسمح لها بمزاولة العمل الإعلامي، وحساب مصرفي باسم الجهة المانحة لتنظيم ورقابة التمويل. في الحالة السورية، أسهمت الجهات الأوروبية المانحة في نشوء عدد لا بأس به من وسائل الإعلام تقوم على منح تمويل جزئي يغطي جانباً من نشاطات كل مؤسسة؛ كأن يجري تمويل برنامج إذاعي، أو نشرات الأخبار، أو تمويل أجور الإداريين، أو تغطية النفقات اللوجستية.
أما التمويل الأمريكي فيعرف باسم التمويل "الغاشم"، يعتبر المسبب الأبرز لإنهاء عمل عدد من مؤسسات الإعلام المساند للثورة. يقوم على تمويل مفتوح برأس مال ضخم لإنشاء مؤسسة إعلام حيث يحق لمدير المؤسسة التصرف بحرية في إنفاقه دون الالتزام بوقت محدد ودون رقابة على أوجه الإنفاق. وق تسبب السخاء المالي الأمريكي بتوثيق حالات من الفساد الإداري والمالي في مؤسسات إعلام عدة.
لكن التسليم بتوقف التمويل عن وسائل إعلام سورية كسبب رئيسي لتسويغ إغلاقها هو بحسب المسؤول السابق عن تمويل مؤسسات الإعلام في الشرق الأوسط غير دقيق؛ "فتمويل الجهات المانحة مستمر على نحو ثابت وبمقدار معين، دون نقصان، وإنما تتغير وجهته بانتظام نحو أكثر الدول حاجة لدعم مشاريعها الإعلامية. وطوال السنوات العشر الأخيرة، بدأ ضخ أموال الجهات المانحة لصالح الإعلام العامل من أجل سوريا، بينما توقف عن العراق وفلسطين، وتقلص خلال فترة كوفيد عام 2019 وانكمش على نحو كبير مع اندلاع مع الحرب الأوكرانية".
غير أن اتكال مؤسسات إعلامية على مصدر تمويل واحد، وانكفائها على نفسها دون السعي إلى خلق تعاون مشترك مع وسائل إعلام أخرى جعلها عرضة للإغلاق المفاجئ، ولعل أبرز الوسائل الإعلامية التي عملت بتمويل أمريكي وتوقفت بعد سقوط نظام الأسد، هي قناة "حلب اليوم" و"راديو الكل".
ورغم تعدد الأسباب، بقي التمويل عاملاً حاسماً يؤثر على فرص استمرارية الإعلام السوري المساند للثورة؛ فغالبية الإذاعات التي عملت بشكل فردي انتهت بالإغلاق، بينما تعمل أخرى مع منفذ رديف لها (موقع، قناة) ضمن منظومة إعلامية مشتركة. في حين أجبرت العديد منها على الاكتفاء بمواصلة النشر عبر منصاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي.
التمويل الأمريكي يعرف باسم التمويل "الغاشم"، يعتبر المسبب الأبرز لإنهاء عمل عدد من مؤسسات الإعلام المساند للثورة. يقوم على تمويل مفتوح برأس مال ضخم لإنشاء مؤسسة إعلام حيث يحق لمدير المؤسسة التصرف بحرية في إنفاقه دون الالتزام بوقت محدد ودون رقابة على أوجه الإنفاق. وق تسبب السخاء المالي الأمريكي بتوثيق حالات من الفساد الإداري والمالي في مؤسسات إعلام عدة.
تبدو قيادة المرحلة الانتقالية إعلامياً من وجهة نظر الصحفيين والصحفيات محفوفة بتحديات فرضها الواقع السوري، تتمثل في قلة عدد مؤسسات الإعلام وضعف الكفاءات، وغياب تماس معظمها مع الشارع السوري، وبالتالي الافتقار إلى فهم الجمهور السوري واحتياجاته وتطلعاته الإعلامية. كل ذلك يمكن احتواؤه بدراسة الجمهور المستهدف، ووضع سياسات إعلامية توافق احتياجاته ورؤية التغيير والنهوض بالبلاد، مع إشراك الصحفيين ممن عملوا داخل سوريا، ودعم العمل الصحفي بالدورات والورشات التدريبية، والاستفادة من تجربة الإعلام السوري في المهجر.
ملاحظة المحرر: جرى الاتفاق مع الكاتبة على إخفاء هويات بعض الصحفيين والمسؤولين الإداريين لمسوغات مهنية، مع احتفاظ المجلة بأسمائهم وصفاتهم الحقيقية.