حين نسأل كيف غطينا الحرب على قطاع غزة في ظل كل ما يحيط بنا من ظروف قاسية واستهداف مباشر، وسعي الاحتلال لمنع خروج أي صوت أو صورة من القطاع، فإن السؤال لا يتعلق بالتقنيات الصحفية بقدر ما يتعلق بفلسفة البقاء؛ فخلال أكثر من سبعمئة يوم، خضنا أطول تغطية صحفية متواصلة في التاريخ الحديث شهوداً فضلا عن كوننا صحفيين.
وخلال هذه الحرب مررنا بتجارب فريدة، وطورنا خبراتنا للبقاء على قيد الحياة ومواصلة العمل، في وقت كنا نفقد كل يوم زميلا صحفيا، حيث قتل الاحتلال منهم أكثر من 255 صحفيا بشكل ممنهج وتحريض مسبق لأنهم شهود الحقيقة.
وها أنا اليوم أكتب جزء من تجربتي العملية التي عشت فصولها على مدار عامين في غزة.
شهود على الإبادة
منذ البدء بالحرب على غزة، كنا نتنقل بين الشوارع لرصد القصف ونقل الحدث، ولكن مع تحول الاحتلال يوماً بعد آخر إلى إبادة كل ما في غزة، تغير الهدف، ولم يعد السبق مهماً بقدر ما كان التوثيق هو الأهم، وبات دور الصحفي توثيق حدث تاريخي، وشهادات شعب يباد.
هذا التحول هو حجر الزاوية في تغطية الحروب الممتدة، إنه التحول من السؤال ماذا حدث اليوم؟ إلى كيف سأوثق ما حدث لاستخدامه كدليل إدانة، ومن أجل هذه المهمة اشتغل صحفيو غزة بناء على مجموعة من التدابير الجديدة.
كان لزاماً علينا تجاوز إحصائيات الضحايا؛ ففي هذا النوع من التغطيات، تأسرنا الأرقام وتوقعنا في فخ يجرّد الحدث من إنسانيته، ولذا كان العمل الأهم هو مقاومة تحويل الضحايا إلى مجرد أرقام، وذلك عبر ذكر أسمائهم وقصصهم والبحث عن تفاصيل استشهادهم.
وانتقل تركيزنا إلى البحث عن التفصيل الصغير الذي يروي القصة كاملة، وعدم الاكتفاء باللقطات الواسعة للدمار، والبحث عن تفاصيل تكسر حاجز الاعتياد وتجبر المشاهد على التفكير، أدركنا ضرورة ألا نوثق الدمار فحسب، بل نوثق الحياة كذلك، حياة ما قبل الحرب والدمار، كنا نعرض صور وفيديوهات لقطاع غزة قبل الحرب، جنباً إلى جنب مع مشهد الركام، فهذا التناقض له أثر قوي ويرسخ في ذاكرة المشاهد.
الأهم من ذلك كله، هو التعامل مع الفيديوهات على أنها دليل، فعند تصوير موقع القصف، كنا نحرص على توثيق المكان والزمان بدقة، وتصوير بقايا الأسلحة والصواريخ المستخدمة، وشهادات المصابين والناجين من عمليات القصف، هذا الإجراء يحول المادة المصورة أو البث المباشر من مادة إخبارية إلى وثيقة أو دليل.
كان لزاماً علينا تجاوز إحصائيات الضحايا؛ ففي هذا النوع من التغطيات، تأسرنا الأرقام وتوقعنا في فخ يجرّد الحدث من إنسانيته، ولذا كان العمل الأهم هو مقاومة تحويل الضحايا إلى مجرد أرقام، وذلك عبر ذكر أسمائهم وقصصهم والبحث عن تفاصيل استشهادهم.
السلامة أولا
عند الحديث عن السلامة المهنية، فأنت تتحدث عن شيء مفقود، ففي غزة لم يكن هناك مكان آمن، بل إن قوات الاحتلال تجاوزت كل الخطوط الحمراء، فقصفت المستشفيات ودور العبادة، وكل المؤسسات حيوية كانت أم صحفية، بل استهدفت الطواقم الطبية والدفاع المدني والصحفيين، وباتت السترة والخوذة مجرد رموز لا تمثل أي حماية للصحفيين، بل إن التجربة بينت أن ارتداءها قد يشكل خطرا عليك أكثر من أنها وسائل للحماية.
لذا أدركنا أن السلامة الحقيقية تكمن في الحالة الذهنية، لا في المعدات، وبات من المهم للبقاء على قيد الحياة، إفراد بعض الوقت للتخطيط، والتحليل الميداني، والعمل على الانضباط الصارم. تطلب هذا الأمر فهم الوعي الظرفي الذي يشير إلى القدرة على فهم ما يحدث حولك، وتفسير معاني تلك المعلومات، والتنبؤ بما قد يحدث في المستقبل القريب، ويشمل ذلك مراقبة البيئة باستمرار، والانتباه، وتقييم الوضع، وقد كان ذلك من خلال قراءة ما يدور حولنا، وسؤال السكان المحليين باستمرار، أو سائقي الإسعاف ورجال الدفاع المدني، لكن الصحفي يجب أن يشك دائماً ويتساءل، هل الشوارع فارغة بشكل غير معتاد؟ هل تحليق الطائرات المسيرة مختلف هذه المرة؟ هل صوت الطائرات المسيرة أعلى؛ مما قد ينبئ بغارة؟ هذه كلها مؤشرات خطر قد تسبق القصف أو عمليات التوغل.
ويضاف إلى ذلك، استيعاب أن الظروف الميدانية تتغير باستمرار، فالطريق الذي تتجه منه لمكان ما، قد لا يكون سالكا للعودة، والتنقل في ساعات المساء ليس خيارا متاحا، وما تجده اليوم في السوق أو ما هو متوفر من معدات لن يكون متاحاً غداً في ظل الحصار الإسرائيلي المطبق على القطاع، فلا تؤجل شيئاً للغد وتوقع أن يحدث الأسوأ، وأنجز جميع مهامك اليوم.
نتيجة لذلك، حرصنا على ألا نضع كل معداتنا في سيارة واحدة أو حتى في مكان واحد، سواء كان ذلك خيمة أو مكتبا أو سيارة، كنا نوزعها على أفراد الفريق وفي مواقع مختلفة، وهذا يضمن أنه في حال تعرض جزء من الفريق للاستهداف، يمكن للجزء الآخر الاستمرار في العمل.
ولأن استمرار التغطية مرتبطة أيضا بتوفير مقومات الحياة، وليس المعدات وبالتالي يجب على الفريق أن يخطط لتخزين كميات كافية من الغذاء والماء والوقود والعلاج، والأهم، القدرة على نقل هذه الكميات، ففي الحروب الطويلة، يصبح تأمينها جزءا من العمل الصحفي.
ولعل النقطة الأهم في منظومة السلامة هذه، هي ضرورة وجود قائد للفريق، فالديمقراطية في لحظات الخطر تساوي الموت، فاختلاف الآراء حول هل ننسحب الآن أم ننتظر يمكن أن يكون الفارق بين الحياة والموت، ويجب الاتفاق على القائد مسبقاً، والاتفاق كذلك على أن قراره يجب أن يطاع فوراً وبدون نقاش في لحظة الخطر، ويأتي النقاش لاحقاً بعد العودة إلى منطقة آمنة.
أدركنا أن السلامة الحقيقية تكمن في الحالة الذهنية، لا في المعدات، وبات من المهم للبقاء على قيد الحياة، إفراد بعض الوقت للتخطيط، والتحليل الميداني، والعمل على الانضباط الصارم.
أخلاقيات صحفية تحت النار
خلال الحرب على غزة، الشهداء والمصابون ليسوا غرباء، هم جيران، أصدقاء، وأحيانا أفراد من العائلة، وبالتالي، فإن مفهوم أخلاقيات الصحافة والموضوعية، قد يكون مختلفا ونسبيا ويسري عليها عدة اعتبارات. ولعل القاعدة الأسمى هي أن كرامة الضحية فوق كل اعتبار، حيث كنا نتساءل دائماً، هل تصوير هذا الوجه الدامي ضروري للقصة، أم أنه مجرد استغلال للصدمة؟ وهل هذا المشهد يوثق الجريمة، أم ينتهك كرامة الضحية؟
لهذا، بدلا من التركيز على ملامح الضحية، ركزنا على تفاصيل المشهد كاملة: المسعفون ورجال الدفاع المدني يعملون بتفانٍ لإنقاذ الأرواح، الشهداء والمصابون يُنقلون بوسائل بدائية، والدمار الواسع الناتج عن استخدام صواريخ ضخمة. كان ذلك، في رأينا، توثيقًا للجريمة بشكل أعمق وأقوى، من دون استغلال الألم الإنساني الفردي.
وحتى في خضمّ الحدث، كانت هناك طريقة للحصول على الموافقة عبر الاقتراب دون تصوير مسبق؛ فمجرد نظرة عين أو إيماءة كانت كافية للبدء بالتصوير. وفي المقابل، كان التوقف عن التصوير واجبا فوريا إذا طلب ذلك من المصابين أو من أهالي المنطقة التي تعرضت للقصف، أو حتى داخل المستشفى؛ لأن إنسانية الصحفي جزء لا يتجزأ من مهنيته.
لعل النقطة الأهم في منظومة السلامة هي ضرورة وجود قائد للفريق، فالديمقراطية في لحظات الخطر تساوي الموت، فاختلاف الآراء حول هل ننسحب الآن أم ننتظر يمكن أن يكون الفارق بين الحياة والموت.
ولعل أصعب المواقف تلك التي كان يصاب فيها الأطفال، وفي كثير من الأوقات اتخذت قرارا بعدم إجراء مقابلات مع الأطفال إلا في حالات خاصة جداً، وحتى عند إجراء مقابلات، لا نسأل الطفل عن شعوره بعد فقد عائلته، أو بعض الأسئلة التي تكون قاسية على طفل دون أي أساس مهني، بل يمكن سؤاله عما حدث، عمن يبحث، وإتاحة الفرصة له ليروي قصته بكلماته هو.
الموبايل هو الحل
شكل تدمير المكاتب وانقطاع الكهرباء والإنترنت عائقاً أساسياً أمام التغطية، وبات الهاتف المحمول هو غرفة الأخبار المتكاملة. منذ عامين، لم ألمس ورقة، وأغلب الأحيان تقاريري، تصويري، ومونتاجي يتم بهذا الموبايل، لكن هذا يتطلب إعداداً مسبقاً.
القاعدة هي أنه لا وقت للتجربة في الميدان، لذا يجب ضبط إعدادات كاميرا الموبايل مسبقاً، يجب أيضاً تحميل تطبيق مونتاج والتدرب عليه، ففي وقت الأزمة، لا وقت للتعلم، ويجب أن تكون قادراً على القص والدمج ووضع تعليق صوتي وتصدير تقريرك في دقائق.
اكتشفنا أن الفيديو الرديء بصريا لكنه واضح الصوت يمكن استخدامه، أما الفيديو المتقن بصريًا وصوته مشوش فهو عديم الفائدة. لذلك، يُعد وجود ميكروفون مخصص للهاتف ضرورة لا ترفا، إلى جانب امتلاك مخزن طاقة (باور بانك)، خاصة في ظل انقطاع الكهرباء طوال فترة الحرب. كما أن وجود شاحن شمسي صغير أو شاحن سيارة قد يشكل إنقاذًا حقيقيًا في مثل تلك الظروف.
وفي ظل انعدام الإنترنت، من المهم دائماً أن تتوفر في الموبايل خدمة الشريحة الإلكترونية (eSIM)، فقد تكون الحل الوحيد للتواصل، كما أن تبادل الموارد مع زملاء آخرين قد يتوفر لديهم إنترنت فضائي هو مفتاح إيصال القصة للعالم، وأخيراً، بمجرد العودة من الميدان، أول ما تفعله هو تفريغ موادك على "هارديسك" خارجي، مع ضرورة الاشتراك في خدمة سحابية لرفع الملفات بشكل مستمر، فلا يجب ترك المواد على الهاتف فقط.
هذه الخلاصات التي تعلمتها في حرب كان كل يوم فيها صراعاً من أجل البقاء، والاستمرار على قيد التغطية، حرب علمتنا أن أهم معدات الصحفي ليست الكاميرا باهظة الثمن، بل هي قدرته على الصمود، والابتكار، والإصرار على مواصلة العمل.