الصحافة والنضال.. الحدود الرمادية

كلما عاد السجال عن الحدود الفاصلة بين الصحافة والنضال إلى دائرة الأضواء، طفا على السطح طرحان متباينان حدّ التنافر، يؤشران على صعوبة الجزم بوجاهة أحدهما أو غلبته على الآخر.

ولئن ذهب البعض إلى أن مهمة الصحفي الأصيلة تُختزل ضرورةً في البحث عن الخبر ونقله إلى الناس يتداولونه فيما بينهم، ويستقرون على رأي بشأنه بمعزل عن أي تأثيرات خارجية، يرى البعض الآخر أن الصحفي لا يمكن أن يضع مسافة بينه وبين الشأن العام، ولا يسعه الخوضُ في قضايا تهمّ عموم الناس دون أن يكون له نصيب في النقاش الدائر بشأنها، يؤثر فيه بقدر ما يتأثر به.

هي إذن حدود مبهمة، ملتبسة، وقد تكون مضللة، ولا أحسب أن الجدال بخصوصها حُسم لهذا الطرف أو ذاك.

فالصحفي من موقعه كمراقب لبيئته الاجتماعية والسياسية والثقافية مطالَب بتعرية الواقع، وفضح الاختلالات، والتنبيه إلى النواقص، وهذه مهام تتماهى قطعا -وفي مستويات عدة- مع مفهوم الالتزام. وفي الطرف الآخر ثمة صنف من الإعلام اختار التواطؤ والتضليل وتجميل الواقع القبيح.

وبهذا المعنى، فإن الصحافة نوع من النضال والالتزام، كما عرفه الفيلسوف الفرنسي صاحب مفهوم الوجودية جون بول سارتر في بسطه لمفهوم الكاتب أو المثقف الملتزم الذي يجد نفسه في مواجهة دائمة مع السلطة. 

وقد أسوق في هذا الباب نموذج مخرج الأفلام الوثائقية الأميركي مايكل مور صاحب الرؤية النقدية اللاذعة للسياسات الأميركية، والذي جعل من أفلامه التسجيلية منصة للتعبير عن مواقفه من قضايا العولمة وحرب العراق والليبرالية المتوحشة ومثيلاتها. 

وسط كل هذا، أين يقع مفهوم الحياد؟ وكيف نحافظ على الموضوعية؟

لا ريب أننا حيال حقل ألغام يصعب تلمس السبيل في دروبه، فالمنافحون عن حياد الصحفي وحصر دوره في نقل الوقائع والتثبت من صدقية الأخبار، يرون أن الموضوعية والنضال ضدان لا يلتقيان. والرأي عندهم أن السعي وراء الحقيقة ونقلها إلى الرأي العام يشكل في حد ذاته نضالا لا يقل نبلا ولا سموا عن بقية أشكال النضال.

يتعلق الأمر هنا بحرص واضح على الدفاع عن المهنة، وعدم الزج بالصحافة في متاهة الأجندات السياسية، والنأي بها عن المواجهات الأيدولوجية أو الاشتباكات الفكرية. 

لم يجد هذا النقاش -على أهميته وراهنيته- سبيله إلى العالم العربي إلا في وقت متأخر، وتحديدا مع التحولات العميقة التي أحدثتها موجات الاحتجاجات الشعبية التي اصطلح على تسميتها باسم "الربيع العربي".

في لجة هذه التحولات، لم يعد ممكنا التذرع بالحياد أو التدثر برداء الموضوعية، وكان لزاما على الصحفيين -وقد باتوا في صلب هذه الأحداث- الاصطفاف إلى جانب ما يرونه تطلعات شعبية مشروعة نحو التغيير والديمقراطية. 

فالصحافة في العالم العربي لم تكن يوما حرة، ولا مستقلة أو محايدة. كما لم ترق في يوم من الأيام إلى مرتبة السلطة الرابعة مثلما فعلت نظيراتها في مجتمعات أخرى وجدت سبيلها مبكرا إلى الديمقراطية وحرية التعبير، وجعلت من الصحافة سلطة معنوية بالمعنى الأخلاقي.

وكان بديهيا أن تختار الصحافة العربية -بعضها لا كلها- الانحياز إلى الشعوب، وتتحول إلى منبر ينقل تطلعاتها.

ومن هذا المنطلق، صار الصحفي طرفا في المواجهة، حيث اختار دورا وموقعا فيها عن وعي مسبق وإدراك جلي لطبيعة هذا الدور وتبعاته كذلك.

كما أن فعل التجريف السياسي الذي انتهجته الأنظمة العربية على مدى عقود من تدجين النخب وتبخيس الفعل السياسي، جعل الصحافة في مواجهة مباشرة مع الأنظمة، فتحولت -مثلما هو الحال في مصر وتونس والمغرب- إلى قوى تجسد دور المعارضة دون أن تمتلك فعليا الأدوات التنظيمية ولا المؤسساتية للقيام بهذا الدور. 

وإذ يصعب التوفيق بين مختلف هذه التصورات أو الانتصار لبعضها على حساب البعض الآخر، بما فيها تلك التي تدفع باتجاه تبني القضايا العادلة تحريريا دون اتخاذ موقف منها، انضاف إلى المشهد عنصر جديد حمل قدرا من التشويش والتشويق أيضا لهذا النقاش. 

ففي عالم باتت فيه المعلومة متاحة على نحو غير مسبوق بفضل كثافة استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت الحدود بين الصحافة والنضال التباسا، فانزلقت إلى رقعة رمادية!!

وفي مقابل تراجع الإقبال على الصحافة التقليدية، تعاظم استهلاك ما تتيحه مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من مواد وأخبار، وأفرز هذا الواقع الجديد ما بات يعرف باسم "المواطن الصحفي".

وتأسيسا على ما سلف، يجوز التساؤل: هل ثمة تعارض بين أن يكون المرء صحفيا يلاحق الخبر ويبحث عن الحقيقة، وأن يكون مناضلا يتحمس لقناعاته وللقضايا العادلة؟

أسوق مرة أخرى نموذجا أراه معبرا عن هذه الحالة أكثر من غيره. الصحفي في جريدة "الغارديان" البريطانية غرين غرينوالد كان أول من فتح صفحات الجريدة أمام موظف وكالة الأمن القومي الأميركي إدوارد سنودن لفضح برامج التجسس في الولايات المتحدة. وقد كان لهذا السبق الصحفي أثره العميق عليه، إذ جعل منه واحدا من أشد المدافعين عن الحريات المدنية واحترام خصوصية الأفراد. وهذا الالتزام في بعده الأخلاقي، لا ينزع عنه أبدا صفة الصحفي.

ثمة مسألة غابت أو غُيبت عن هذا النقاش، إذ ينسى من يثير مثل هذه الأسئلة -وهي وجيهة على كل حال- أن الصحفي في نهاية المطاف جزء من المجتمع يتفاعل مع قضاياه ويتألم لهمومه ويشاركه تطلعاته، ومن غير المنصف تجريده من إنسانيته بحجة الدفاع عن الحياد والموضوعية والاستقلالية، خاصة أنها جميعها مفاهيم تكاد تكون هلامية ومغرقة في النسبية إلى أبعد الحدود.

 

المزيد من المقالات

الصحافة الاستقصائية العلمية.. البحث عن الحقيقة وسط كومة أرقام

في العلم كما في الاقتصاد، تفسر الأرقام بمنطق "الرأسمال جبان"، ووسط الأرقام والمعطيات تضيع الحقائق وتزدهر أرباح الشركات. في هذه المساحة تجد الصحافة الاستقصائية العلمية موطئا لها. وهذه قصة تحقيق استقصائي بدأ بلقاء مع "تاجر سلاح" وانتهى في مختبر علمي.

محمد أحداد نشرت في: 8 سبتمبر, 2020
الصحافة العلمية.. "كيف تشرح فكرة لطفل في الخامسة"؟

بأسلوب سردي وكلمات بسيطة وبقدرة عميقة على الاستقصاء وتوظيف ملكات النقد، ينبغي أن يدخل الإعلاميون غمار الصحافة العلمية، دون الحاجة إلى بنية الخبر التقليدي، فالسبق في الخبر العلمي لا يعني شيئا.

علي شهاب نشرت في: 1 سبتمبر, 2020
ثقافة الشاشة.. تاريخ من "الدعاية"

"ثقافة الشاشة" لريتشارد بوتش، كتاب يستعرض مسارا طويلا من سطوة الشاشة وقدرتها على إحداث التأثير في المجتمع كنسق ثقافي رمزي قابل للتصدير.

عثمان كباشي نشرت في: 12 أغسطس, 2020
الصحافة بعد كورونا.. خيارات الصحفيين الحتمية

ضيقت أزمة كورونا كثيرا من خيارات الصحافة والصحفيين، وبدا واضحا أن البحث عن نموذج اقتصادي يجمع بين منطق المقاولة والبحث والتقصي، أمر صعب. لكن الأزمة بيّنت أيضا، إلى أيّ حد صار امتلاك مهارات جديدة أمرا ضروريًّا، خاصة في المجال الرقمي.

علي شهاب نشرت في: 9 أغسطس, 2020
الحب والفقدان في زمن الثورة

انتهت المغامرة الصحفية على ظهر خيل.. داهمه الموت وهو يحاول عبور الحدود التركية السورية. ندى بكري تسرد قصة تمتزج فيها لحظات الفرح والمأساة لصحفي جرّب أن يخاطر بحياته بحثا عن الحقيقة.

ندى بكري نشرت في: 21 يوليو, 2020
"الإعلام الجديد".. لماذا استفادت الأنظمة العربية وفشلت الشعوب؟

"الشبكات الاجتماعية صنعت الربيع العربي، لكنها فشلت في المحافظة عليه"..

يونس مسكين نشرت في: 8 يوليو, 2020
الصحافة كوسيلة للدعاية الإيديولوجية

في بلد يمتزج فيه كل شيء بالسياسة، تمثل الصحافة اللبنانية نموذجا أصيلا "للمناضل الصحفي". ولفترة طويلة، لم يكن الفرز ممكنا بين "القبعتين"، ولا يظهر أنهما سيفكان الارتباط عما قريب.

سميح صعب نشرت في: 6 يوليو, 2020
الإعلام الغربي.. الاستشراق عدوًّا للحقيقة

يصر جزء كبير من الإعلام الغربي على تناول قضايا حساسة بنظرة استشراقية، فتُبتَر السياقات وتُقصى الحقائق لتشبع خيالات قارئ مهووس بالعجائبية. والدليل: التغطية السطحية لقضية زراعة الحشيش في المغرب.

محمد أحداد نشرت في: 1 يوليو, 2020
مقتل جورج فلويد.. "حراك أخلاقي" في غرف التحرير

لم يفض مقتل جورج فلويد في أميركا إلى احتجاجات صاخبة فقط، بل أحدث شرخا كبيرا داخل غرف التحرير التي وجدت نفسها في قلب نقاش أخلاقي حول التغطية الإعلامية لقضايا السود، انتهى باستقالات واتهامات بالتمييز وكثير من الجدل حول المعايير التحريرية.

عثمان كباشي نشرت في: 23 يونيو, 2020
أبطال بلا مجـد

الصحفي شاهدٌ يبحث عن الحقيقة، ومن شروط الشهادة المهنية والموضوعية. لكن حينما يتدثر السياسي بالصحافة تتقلص مساحة الحرية وتبدأ الأيدولوجيا التي من وظائفها معاداة الحقيقة.

جمال بدومة نشرت في: 16 يونيو, 2020
أساتذة الصحافة.. "فاقد الشيء لا يعطيه"

يشكّل الأستاذ ركنا رئيسيا في عملية تكوين صحفي قادر على ولوج سوق العمل. لكن بعضهم لم يتخلص من "استبداده" داخل القسم الدراسي، لتنشأ علاقة "صارمة" لا تساعد على التعلم. كما أن بعضهم لا يتوفر على المناهج الحديثة في التدريس. كيف ينظر الطلبة إلى أساتذتهم؟ وما تقييمهم للمناهج التي يدرسون بها؟ وما الذي يحتاجه الطلبة للتمكن من المهارات الصحفية الحديثة؟

صلاح الدين كريمي نشرت في: 1 يونيو, 2020
كيف يحمي الصحفي نفسه من السياسة التحريرية؟

في الكثير من الأحيان تتحول السياسة التحريرية لوسائل الإعلام إلى نوع من الرقابة الشديدة على قناعات الصحافيين ومبادئهم. هل ثمة فرق بين "الخط التحريري" وبين الانصياع خدمة للدعاية؟

أحمد طلبة نشرت في: 20 مايو, 2020
كيف تدمّر الصحافة حياتك في 88 يوما؟

بمشرط جارح ودون تجميل الواقع أو تطييب الخواطر، يناقش المخرج الأميركي كلينت إيستوود قضايا "الجنس مقابل المعلومات"، والأخبار الزائفة، وأخلاقيات المهنة التي تنتهك كل يوم.

شفيق طبارة نشرت في: 19 مايو, 2020
كيف أصبحت الصحافة تحت رحمة الشبكات الاجتماعية؟

وسائل التواصل الاجتماعي أحكمت قبضتها على الصحافة. ولا شيء قادر اليوم على الحد من تأثيرها على المحتوى الإخباري ولا على النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية..

إسماعيل عزام نشرت في: 27 أبريل, 2020
الصحافة الصحية.. لم تعد قضية "ترف"

كان ينظر إلى الصحافة الصحية في السابق على أنها مجرد "مكمل" تؤثث به البرامج الصباحية لكن أزمة كورونا أثبتت أنه لا محيد عنها في غرف التحرير.

دعاء الحاج حسن نشرت في: 26 أبريل, 2020
أين ينتهي عمل الصحفي ويبدأ دور الناشط؟

بين الصحافة والنشاط السياسي مساحة توتر ومنطقة سلام.. يتنافران، لكن يتقاطعان في آن. هذه قصص عن حدود التماس بينهما.

مايكل بلاندينغ نشرت في: 22 أبريل, 2020
السادسة مساء بتوقيت كورونا

توقف زحف صحافة الفضائح والتشهير أثناء أزمة كورونا. وسائل الإعلام الجادة، بدأت تستعيد جزءاً من "الساحة"، وصار الصوت الأعلى، هو صوت المعلومة الصحيحة من مصادرها الدقيقة.

يونس الخراشي نشرت في: 12 أبريل, 2020
الدعاية السياسية على غوغل وفيسبوك.. البحث عن حفظ ماء الوجه

"لو كان الفيسبوك موجودا في الثلاثينيات لسمح ببث الخطاب النازي لهتلر".. عبارة لممثل كوميدي مشهور تختصر مأزق وسائل التواصل الاجتماعي مع الدعاية السياسية.

محمد موسى نشرت في: 29 مارس, 2020
الرقابة الذاتية.. "الأنا الأعلى الصحفي"

داخل غرف التحرير، ليست الأنظمة وحدها من تستثمر في الخوف، أو تصادر الحق في التعبير، بل إن المعلنين، والشعور العام، والتقاليد، والأعراف، والدين، والعلاقات الخاصة مع رجال السياسة، كلهم يمارسون تأثيرا بالغا على عمل الصحفيين.

محمد أحداد نشرت في: 23 مارس, 2020
تغطية أزمة كورونا.. العلم ضد الإشاعة

الداء القديم/الجديد الذي صاحب أزمة كورونا هو الأخبار المزيفة. الصحافي لا يملك سوى طوق نجاة وحيد: الاحتماء بالعلم والمختصين أثناء تغطيته اليومية..

عبد الكريم عوير نشرت في: 19 مارس, 2020
كيف تختار ضيف فيلمك الوثائقي؟

في الفيلم الوثائقي، لا يمكن اختيار الضيوف بطريقة عبثية. الانسجام مع الموضوع، وإضافة أبعاد وحقائق جديدة للقصة الصحفية، وعدم تقييد حرية الفيلم؛ مواصفات يجب أن تتوافر في الضيف. هذه قصص حقيقية عن النقاش بين معدي الأفلام والمنتجين حول شروط المشاركة في الوثائقيات.

خالد الدعوم نشرت في: 15 مارس, 2020
التحقيقات من المصادر المفتوحة.. ضيف جديد على غرف الأخبار

كشف حقيقة إسقاط الطائرة الأوكرانية بإيران، وإثبات تورط مصر في دعم جيش حفتر، دلائل على فعالية التحقيق من المصادر المفتوحة. فهل ستجد هذه الأداة طريقها سالكة إلى غرف الأخبار خلال العام 2020؟

لحسن سكور نشرت في: 8 مارس, 2020
التهويل هو الوباء

"طبيعتنا المولعة بالإحصاء هي من أثار الأمر بهذا الشكل"، تختصر نزعة البشر نحول التهويل من انتشار فيروس كورونا.. الصحافيون، اطمأنوا للأحكام الجاهزة، ومع قليل من الاستعراض وكثير من التهويل، ضاعت الحقيقة في كومة من الأخبار الكاذبة.

أليخاندرو لوكي دييغو نشرت في: 3 مارس, 2020