الصحافة في الصين.. الجذور والواقع

منذ خمسينيّات القرن التاسع عشر، شهدت مدن صينيّة -مثل هونغ كونغ وشنغهاي- ولادة أوائل الصحف في الصين، وكان معظم الذين أسّسوها آنذاك علماء تقليديين، لم يتمكنوا من اجتياز امتحانات سلك الوظيفة في الإمبراطورية التي تخولهم الاشتغال مع أجهزة الدولة. ومن خلال احتكاكهم بالصحف الأجنبية، أتقنَ هؤلاء تدريجيًّا أساليبَ إدارةِ الصُّحف، وأدركوا أهميّتَها.

كان المثقّفون الصينيون -حينها- يولون اهتمامًا أكبرَ لامتحانات الإمبراطورية، وكانت هي الخيار الأوّل لهم، وفي المقابل كان العمل في صحيفة عملا غيرَ موثوقٍ به وغير مستقرّ. وجراء ذلك، لم يُنْظَرْ للصينيين الذين عملوا في هذه الصحف على أنهم محررون رئيسيّون، رغم ما قدّموه من مساهمات كبيرة في ظهور صناعة الصحافة الصينية الحديثة. 

تحدّث "جي جهونزهين" عن جهود المبشر البروتستانتيّ "ليانغ فا" في أعمال الطباعة والإصدار التي قام بها في المجلة الشهرية الصينية، ووصفه بأنّه "أوّل شخص صيني يعمل في صناعة الصحف"، فما جذور الصحافة في الصين؟ وإلى من تعود ملكيتها؟ وما هي السياسات التحريرية داخلها؟ 

 

الجذور التبشيرية للصحافة الصّينية 

قام الغرب بتأسيس لبنات الصحافة الأولى في الصين قبل قرن من تأسيس جمهورية الصين الشعبية؛ إذ عُدّت الصحافة عنصرًا ضامنًا لاستقرار الحالة الاستعمارية الغربية في الصين.

ويمكن وصف تطور الصحف الأجنبية في الصين الحديثة بأنها تتميز بثلاث خصائص أساسية؛ الأولى تتمحور حول انتشارها الذي بدأ من الساحل وانتقل إلى الداخل؛ ففي عهد أسرة "تشينغ" مُنع على غير الصينيين إدارة الصحف داخل البر الرئيسي الصيني؛ ونتيجة لذلك، لم يتمكن المبشرون من إنشاء الصحف والمجلات الدورية داخل البر الرئيسي، لكن بسبب توقيع معاهدة "نانجينغ" سُمح للبريطانيين الإقامة والتبشير داخل مدن وبلدات مثل قوانغدونغ وفوتشو وشيامن ونينغبو وشنغهاي.

وعلى إثر ذلك، بدأ العديد من المبشرين بالقدوم إلى الصين عبر موانئ هذه المدن والبلدات الخمس؛ وشرعت هذه الموجة الجديدة من المبشرين في إدارة الصحف وبناء الكنائس والقيام بأنشطة دينية في الصين. وبحلول تسعينيّات القرن التاسع عشر، أنشأ البريطانيون شبكة صحف حديثة، تركّزت في المدن الكبرى؛ مثل شنغهاي ووهان وهونغ كونغ.

ولجذب القراء الصينيين، ترجمت العديد من الصحف الأجنبية محتواها إلى اللغة الصينية، وعمدت إلى تغيير هويتها لتتواءم مع التراث الصيني؛ إذ حاول المبشرون المسيحيون دمج العقائد المسيحية مع الثقافة التقليدية الصينية؛ وعلى سبيل المثال قامت إحدى الصحف بطباعة أعدادها على شكل كتاب صيني تقليدي. 

لكن تزايد أعداد الصحف في الصين، ساهم في تغيير المحتوى؛ ففي البداية كانت الصحف تُستخدم أساسًا لشرح العقائد المسيحية، لكن سرعان ما بدأت في توسيع المحتوى؛ كإضافة التقارير الإخبارية والتجارية والمالية، أي بدأت الصحف تُعلِّقُ على الشؤون والقضايا السياسية في الصين.

وأول صحيفة صينية أصدرها المبشرون الغربيون كانت المجلة الشهرية الصينية، التي أنشأها المبشر البروتستانتي روبرت موريسون (Robert Morrison) لغرض التبشير المسيحي، وذلك أثناء خدمته في جمعية لندن التبشيرية. وفي 5 أغسطس 1815م، أسس موريسون ومساعده ويليام ميلن أول مطبعة صينية حديثة في مدينة ملقا الماليزية، وذلك بعد أن أسس الصحيفة في ملقا عام 1813م؛ نظرا لأن المدينة كانت تقطنها جالية صينية كبيرة. 

كما أنشأ المبشرون الأجانب مطبوعات متخصصة لأغراض مختلفة، مثل المجلة العلمية الصينية التي تأسست في فبراير 1876م، وكانت أول مجلة صينية متخصصة في العلوم، وتضمنت في أعدادها الأولى مراجعات لكتب وتقارير من إعداد رئيس تحريرها.

وبعد معاهدة نانجينغ، وما تبعها من ازدهار في التجارة والأعمال في هونغ كونغ في أربعينيات القرن التاسع عشر؛ ظهرت الصحف التجارية الصينية لأول مرة هناك، وكانت جريدة "قيمة هونغ كونغ" -التي تأسست عام 1857م- أول صحيفة تنشأ هناك، ولاحقا غُيّر اسمها إلى "الجريدة الصينية الأجنبية".

 

أشكال ملكية الصحف في الصين

لم تكن ملكية وسائل الإعلام في الصين القديمة حكرا على الدولة، وكان المجال مفتوحا للإعلام الخاص، فكانت وسائل الإعلام الحكومية أو الحزبية الصينية مثل Central Daily News ومحطة الإذاعة المركزية ووكالة الأنباء المركزية تتعايش مع وسائل الإعلام الخاصة مثل تا كونغ باو وشين باو. 

إلا أنه -في مرحلة تأسيس الدولة الشيوعية في الصين عام 1949م- اتخذت الحكومة المركزية واللجنة المركزية للحزب إجراءات حازمة؛ للسيطرة على جميع الصحف والدوريات والمحطات الإذاعية ووكالات الأنباء التي كانت تحت إمرة إدارة الجيش والحزب القومي الصيني. كما تقرر إغلاق وكالات الأنباء الأجنبية كافة وطردها من الصين. 

شهدت مرحلة ملكية الدولة لوسائل الإعلام في الصين مجموعة من التحولات؛ إذ أصبحت الحكومة هي التي تمول الصحف برأس المال اللازم لتشغيلها، وتصدرها من خلال مكتب البريد على أساس آلية "الجمع بين التوزيع والبريد". وقد تولت الحكومة مسؤولية تعيين الصحفيين والموظفين اللازمين لإدارة الصحيفة؛ في حين تم تشكيل الهيئات التحريرية للصحف من قبل لجنة من الحزب الشيوعي الصيني الحاكم.

ينظر الحزب الشيوعي الحاكم إلى وسائل الإعلام عمومًا على اعتبارها أداة للحزب والحكومة، غير أن سياستهما تعرضت لتحولات مهمة. التحول الأول كان في الفترة بين 1949-1956م، أي منذ تأسيس الصين الشيوعية حتى اكتمال التحول الاشتراكي للزراعة والتجارة؛ إذ تبنت الحكومة المركزية في هذه الفترة سياسة "إدارة المشاريع" للصحف وحققت نتائج مهمة. في ذلك الوقت، كان بإمكان العديد من وسائل الإعلام أن تعتمد على نفسها.  

إلا أن هذه السياسة توقفت بعد عام 1957؛ حيث شهدت الصين التحول الثاني لمنظومة الصحافة في ظل الحزب الشيوعي؛ وذلك بفعل مخرجات الجلسة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب. نصت تلك المخرجات على ضرورة انخراط الإعلام في ثلاث مراحل رئيسية؛ امتدت الأولى في الفترة بين 1979-1988م، والتي تمثلت في تطبيق وسائل الإعلام الإخبارية لمبدأ التشغيل المطابق لسياسة "المؤسسات العامة". أما المرحلة الثانية (1988-1992م) تمثلت في البدء نحو تحقيق أنماط تشغيل متعددة وبدء تقديم الخدمات الإخبارية المدفوعة. في المرحلة الثالثة -والتي كانت في حقبة دنغ شياو بينغ ابتداء من عام 1992م حتى الوقت الحاضر- التزمت بشعار "شكل واحد للملكية، وأنماط متعددة في التسيير".

لقد انخرط رأس المال الخارجي في تفاعله مع وسائل الإعلام الإخبارية الصينية، مما أدى إلى تغيرات في أشكال ملكية هذه الوسائط الإخبارية؛ فبعد إلغاء الحكومة الصينية بعض المعونات المخصصة لوسائل الإعلام وتقليل أخرى، أصبحت هذه المنابر راغبة بشكل كبير في البحث عن رأس مال أجنبي؛ وفي هذا الصدد تعاونت مجموعة البيانات الدولية (International Data Group)، مع الصين في نشر 12 صحيفة مطبوعة، كان أبرزها في عالم الحاسوب. 

بيد أن التمويل الأجنبي لوسائل الإعلام الصينية كان محدودا جدا. في المقابل، تم استثمار رأس المال المحلي في وسائل الإعلام الصينية بشكل أكبر؛ فعلى سبيل المثال: ساهمت شركة شانغهاي جونسون بمبلغ 2.99 مليون يوان (قرابة نصف مليون دولار أميركي) لشراء 20٪ من أسهم مجلة New Finance Economics. كما استثمرت مليوني يوان لتأسيس شركة Shanghai Money Weekly Advertising Distribution بالاشتراك مع Shanghai Century Publishing Group وتمثل 20٪ من الأسهم. واستحوذت شركة Chengdu B-ray Media المدرجة في البورصة على حصة مهمة في Chengdu Economic Daily. وفي ذات السياق حصلت مجموعة Three Nine على حصة الأغلبية في New Weekly، واستثمرت مجموعةBeda Jade Bird and Culture في بكين تايمز.

 

السياسات التحريرية للصحف الصينية بعد عام 1949

مع بدء مرحلة حكم الحزب الشيوعي للصين، عدّلت وسائل الإعلام في الصين الكثير في سياساتها التحريرية، وأقبلت قيادة الحزب الشيوعي عليها لتوظفها في الدعاية لسياسات الحزب؛ فكانت هذه هي السمة المشتركة للسياسات التحريرية لوسائل الإعلام.

صحيفة الشعب اليومية (الصحيفة الرسمية التابعة للجنة المركزية للحزب) وهي أكبر صحيفة في الصين، تتقاطع سياستها التحريرية مع الماركسية اللينينية وفكر "ماو تسي تونغ" والدعاية السياسية للحزب الشيوعي الصيني. وتستعرض السياسات الداخلية والخارجية للحكومة الصينية، وتنتقد الأفكار والسلوكيات التي تضر بمصالح الشعب الصيني؛ وفق تصور الحزب الشيوعي الحاكم.

فيما تتبنى صحيفة "يومية الجيش الحر" -الصحيفة الرسمية للجنة العسكرية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني- السياسةَ القائمة على تأكيد دعاية نظرية "دنغ شياو بينغ" لبناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وترويجها للعقيدة العسكرية الصينية، فضلا عن الترويج للإنجازات العسكرية الصينية.

أما جريدة "يومية شباب الصين" فهي الصحيفة الرسمية للجنة المركزية للشبيبة الشيوعية، والهدف منها هو: خدمة تأطير الشباب بشكل خاص. ومبادئها المحددة هي "تثقيف الشباب بالروح الشيوعية، وتحفيز الشباب على المضي قدما في طريق بناء دولة اشتراكية ذات خصائص صينية؛ وإرشاد الشباب لدراسة الماركسية اللينينية وفكر ماو تسي تونغ، وإتقان العلوم والثقافة الحديثة".

كما تركز صحيفة "الاقتصادية اليومية" التابعة لمجلس الدولة بشكل مباشر على الدعاية الاقتصادية، وتقدم السياسات التحريرية القائمة على اتباع التوجيه الكلي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة بشأن العمل الاقتصادي الوطني.

أما سياسة جريدة Xinmin Evening News فتقوم على تغيير العادات الحالية، ونشر المعرفة بين الناس، واستهداف مجموعة واسعة من القراء على جميع المستويات الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و80 عامًا. كما تولي "أخبار بيجين المسائية" (Beijing Evening News) أهمية للمعرفة والثقافة، وتركز على العاصمة باعتبارها مركزًا سياسيًا وثقافيًا. أما سياسة "أخبار اليوم المسائية"(Today Evening News) فتتمحور حول منطقة تيانجين، والدعاية لأطروحة الحزب الشيوعي الصيني.

كما تقوم سياسات وكالة أنباء شينخوا على الالتزام بمبادئ "الأصالة والشمولية والموضوعية والعدالة". وتشمل هذه السمات: الإصرار على مبدأ الطابع الحزبي للأخبار البروليتارية، والالتزام بالمسؤولية تجاه الحزب والشعب؛ واستيفاء الخط الأيديولوجي المتمثل في البحث عن الحقيقة من الحزب فيما ينتجه من تقارير. أما السياسة التحريرية لـ "الصين للخدمات الإخبارية"China News Service فهي قائمة على الدعاية لعقيدة الحزب الشيوعي، وتقديم السياسة الخارجية للصين، وتسليط الضوء على الصينيين المغتربين. 

 

الصحافة الاستقصائية في الصين 

ربما يكون مفاجئا للبعض معرفة حقيقة أن الصحافة الاستقصائية الصينية الحديثة ظهرت وازدهرت بدعم من الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، هذه الحقيقة تثير سؤالًا عن كيفية ظهور الصحافة الاستقصائية من عباءة الحزب الشيوعي الحاكم.

الإجابة عن هذا السؤال تدفعنا للعودة إلى التقليد الأيديولوجي للحزب الشيوعي المتمثل في "النقد" و "النقد الذاتي"، والمعروف أيضًا باسم "النضال داخل الحزب"، وهو الآلية الرئيسة التقليدية للحزب الشيوعي الصيني للسيطرة على الكوادر والنخب السياسية. 

ويمكن أن يُعزى صعود الصحافة الاستقصائية في التسعينيات إلى اختيار الحزب التقليدي للنقد والنقد الذاتي، ولاحقًا لـ "الإشراف الإعلامي"، ومن المفارقات أن فكرة "الإشراف والنقد الإعلامي" المتضمنة في ممارسة الصحافة الاستقصائية كانت متأصِّلة في الخطاب السياسي للحزب منذ البداية. 

يقدم هذا التقليد الموجود في الخطاب السياسي للحزب، مبررات أيديولوجية رسمية لممارسة هذا النوع من الصحافة تحت سلطة الحزب الشيوعي؛ فالتقليد الأيديولوجي لفكرة "النقد الذاتي" للحزب الشيوعي له جذور تنتمي إلى الموروث الكونفوشيوسي القديم.

هذه الرؤية تتوقع من الصحفيين تقديم النقد من أجل التحسين، وربط الحزب الشيوعي بالشعب؛ إذ يشارك الحزب الشيوعي أفكار الكونفوشيوسية في النقد؛ لأنه يعتبر النقد مقياسًا فعالًا لتحسين الذات بين الأنظمة وحافظا لاستمراريته.

روّج ليانج كيشاو للفكرتين القائمتين على "تقديم النقد السياسي" و"الإشراف الإعلامي"، كإطار للحزب الشيوعي الحاكم في تفاعله مع الصحافة؛ إذ يتبنى الحزب الشيوعي ما روّج له ليانج كيشاو في القرن العشرين بأن الصحف والصحفيين يجب أن يمثلوا الشعب لمراقبة الحكومة أو الحزب، ولكن أيضا يدحض فكرة "حرية الصحافة" في الصين.

ومنذ عام 1950م، بدأت الصحافة بلعب دور النقد لسياسات الحزب الشيوعي؛ إذ أُسست الصحف لتكون الساحة الرئيسة لممارسة النقد الذاتي. وفي العام ذاته أطلق الحزب المركزي وثيقة بعنوان "قرار ممارسة النقد والنقد الذاتي في الصحف"، وهي وثيقة تدعم مقولة: "تقوم الصحف بتوجيه النقد لكل المخالفات التي يقوم بها الحزب في وضعه للسياسات العامة". 

وفي عام 1954م، شدد الحزب المركزي على الرأي القائل بأن "الصحف هي أقوى سلاح يمكن للحزب استخدامه لممارسة النقد الذاتي"؛ وذلك في وثيقة حول تحسين العمل الصحفي في الصين.

كما أوضح الحزب الشيوعي دور الصحفيين في الإشراف وتقديم النقد السياسي، وذلك في عامي 1987 و1989م. وقد ورد ذكر "مراقبة الرأي العام" لأول مرة في الخطاب الرسمي للحزب في المؤتمر الوطني الثالث عشر للمجلس الوطني لنواب الشعب؛ مقترِحًا أنه "يجب إطلاع الناس على القضايا المهمة وإعطاؤهم الفرصة لمناقشتها". لكن "الرقابة على الرأي العام" هي في الحقيقة رقابة من خلال وسائل الإعلام التي تمثل الشعب. وبحسب لي روي هوان -مدير إدارة الدعاية السابق- فإن الإشراف على وسائل الإعلام هو في الواقع إشراف الشعب على الحزب وعمل الحكومة وموظفيها من خلال وسائل الإعلام؛ فالأخيرة هي أداة ممارسة الحزب والشعب لنظام الإشراف الاجتماعي. 

وعلى الرغم من أن ما يقصده الصحفيون الاستقصائيون والمؤسسات الإعلامية بالصحافة الاستقصائية يختلف قليلًا عما يعنيه الحزب، فإن فكرة "الإشراف على وسائل الإعلام والنقد" في الخطاب الرسمي للحزب، تقدم تبريرًا أيديولوجيًا للصحافة الاستقصائية في الصين.

كان للحزب رغبة في "الإشراف الإعلامي" و"النقد" منذ إنشائه، وما يعنيه الحزب بـ "الإشراف والنقد الإعلامي" هو نقد الرفاق والنقد الذاتي داخل النظام؛ وهذا يعني أن "الإشراف على وسائل الإعلام والنقد" يحدّده الحزب بشكل أو بآخر كأداة للتصحيح الذاتي، ووظيفة الصحفيين هنا تتمثل بمساعدة الحزب الشيوعي الصيني على الحكم.

بهذا المعنى، يرحب الحزب الشيوعي الصيني الحاكم بالصحافة الاستقصائية؛ بغية مساعدة النظام الشيوعي السلطوي الحالي. لذا فإن التوقعات التي وضعها الحزب الشيوعي الصيني الحاكم من الصحافة الاستقصائية هي بالضبط تلك التي أرادتها القوة الإمبريالية من المثقفين الكونفوشيوسيين؛ لتعزيز حكمها من خلال تقديم النقد البناء دون إحداث ثورة. 

ويمكن العثور على سمتين للصحفيين الصينيين المعاصرين، والتي تشير إلى الآثار المترتبة على الوظيفة الاجتماعية للصحافة الاستقصائية؛ أولًا: أن لدى الصحفيين الاستقصائيين الصينيين رغبة غريزية في التعبير بحرية، وهو استمرار لكل من الكونفوشيوسية والتقليد الصحفي الليبرالي في القرن العشرين. ومع ذلك، فإن مثل هذه الرغبة يتم قمعها بأوامر من السياسيين. ثانيًا: أنه يحق للصحفيين الاستقصائيين الصينيين التحدث نيابة عن الناس وتقديم التماس لهم وتقديم النقد للحاكم. 

مع ذلك، تظل التجربة الصينية في الصحافة معقدة جدا، بحكم طبيعة النظام السياسي، وبحكم رغبة السلطة في السيطرة على الشعب.

 

المراجع المعتمدة:

-Bing Tong, Journalism and Communication in China and the West A Study of History, Education and Regulation, China Renmin University Press ,2020.

-Jingrong Tong, Investigative Journalism, Environmental Problems and Modernisation in China, Palgrave Macmillan,2015.

-Jingrong Tong, Investigative Journalism in China: Journalism, Power, and Society, The Continuum International Publishing Group,2011.

-Yunze Zhao, Ping Sun, A History of Journalism and Communication in China, Routledge ,2018.

 

المزيد من المقالات

الصحافة الاقتصادية أو الوساطة بين عالم المال والجمهور

هل من الممكن أن يصبح رجل الاقتصاد صحفيا أم أن الصحفي عليه أن يكتسب المعارف الاقتصادية؟ التخصص في العالم العربي ما يزال يبحث لنفسه عن موطئ قدم أمام ضعف التدريب وعدم مواكبة التطور الرقمي.

نوال الحسني نشرت في: 13 يونيو, 2021
الأخلاقيات الجديدة للصحافة في العصر الرقمي

لم تكن أخلاقيات المهنة يوما مفهوما ثابتا. وقد أفضى ظهور المنصات الرقمية إلى توليد حاجة لإعادة تعريف المعايير الأخلاقية واستنباط أخرى، وفَرَض تحديا جديدا على غرف الأخبار التي أصبحت تتعامل مع منظومة ديناميكية ومتغيرة.

محمد خمايسة نشرت في: 7 يونيو, 2021
الصحافة تحت رحمة شركات التقنية العملاقة

يحتل المحتوى الإخباري لدى الشركات التقنية الكبرى صدارة اهتمامات الجمهور، ورغم ذلك، فإن مئات المؤسسات الصحفية الصغيرة تموت سنويا بسبب انعدام التمويل. جشع الشركات الكبرى، يصطدم بحراك إعلامي عالمي باحث عن الأرباح انتهى بـ "انتصار"، ولو صغير، في أستراليا.

سامية عايش نشرت في: 3 يونيو, 2021
المنبهرون بالصحفي الغربي.. في الحاجة إلى فهم السياق والخلفيات

هناك حالة انبهار دائمة بالصحافة الغربية رغم أن المقارنة بالبيئة العربية لا تستقيم أمام استبداد السلطة وإغلاق منافذ الوصول إلى المعلومات. لقد تورط صحفيون غربيون كثر في اختلاق قصص انتهت باعتذار صحف كبيرة مثل "دير شبيغل".

محمد عزام نشرت في: 31 مايو, 2021
ضد الحياد في الصحافة

أعادت التغطية الصحفية للاعتداءات الإسرائيلية على فلسطين نقاش الحياد في الصحافة إلى الواجهة. بين من يرى في الصحفي ناقلا محايدا لا يتأثر بأي شيء، وبين من يراه شاهدا ينبغي عليه أن ينحاز للطرف الأضعف، تبدو الطبيعة الملتبسة للإشكالية مرتبطة، بالأساس، بصعوبة تحديد تعريف دقيق للصحافة كمهنة.

محمد أحداد نشرت في: 23 مايو, 2021
شبكات التواصل الاجتماعي والحرب على المحتوى الفلسطيني

طيلة أيام عدوان الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين، كانت شبكات التواصل الاجتماعي تقيد أو تحجب المحتوى الذي يحاول إيصال الرواية الفلسطينية للعالم. يرصد هذا المقال المترجم من Columbia Journalism Review، ازدواجية المعايير في التعامل مع السردية الفلسطينية والرقابة المفروضة عليها، وعن التضييق "الذي لا يحدث صدفة".

ماثيو إنغرام نشرت في: 21 مايو, 2021
"حكم" الغارديان ووعد بلفور.. الاعتذار الذي لا يغتفر

كانت جريدة "الغارديان" العريقة مدافعا شرسا عن وعد بلفور. اليوم، وهي تتذكر مسيرة 200 سنة من تجربتها الصحفية تعترف أنها كانت مخطئة في رؤيتها التحريرية قائلة: "لقد كتب معنا أنصار الصهيونية وهذا ما أعماهم عن حقوق الفلسطينيين" هل يكفي الاعتذار عن هذا "الحكم" التحريري؟

سمية اليعقوبي نشرت في: 18 مايو, 2021
تغطية الإعلام الغربي لفلسطين.. عن قتل الضحية مرتين

كان المفكر الراحل إدوارد سعيد يوظف عبارة (PEP) أي Progressives Except for Palestine "تقدميون إلا في حالة فلسطين"، وهو يعري مواقف المثقفين والصحفيين الغربيين في التعامل مع القضية الفلسطينية. في تغطية اعتداءات القدس، لم تشذ الصحافة الغربية، التي ساوت بشكل سافر بين الضحية والجلاد، عن هذه القاعدة هذه المرة أيضَا.

محمد خمايسة نشرت في: 11 مايو, 2021
الرواية الفلسطينية في بث حي على إنستغرام

بينما كانت بعض القنوات التلفزيونية تساوي بين الضحية والجلاد في أحداث القدس، كان مؤثرون ونشطاء صحفيون يقدمون الرواية الفلسطينية للعالم. لقد تحولت المنصات الرقمية، رغم كل التضييق، إلى موجه للقرارات التحريرية، وإلى مصدر رئيسي للتحقق مما يجري على الأرض.

مجلة الصحافة نشرت في: 9 مايو, 2021
الإعلانات.. الرقابة والحب

لم يفهم ساعتها الصحافي عبارة "امنح بعض الحب لهذا المقال، إنه التزام مؤسسي"، لكن غالبية الصحافيين اليوم، يدركون جيدا من هو المعلن: رجل بشارب عظيم يشبه جلادا، يراقب كل شيء من أعلى، ومن لا يطيع الأوامر سيؤول إلى النهاية المعروفة.. الإفلاس.

ماريانو خامي نشرت في: 6 مايو, 2021
في قبضة الجيش.. "الإعلام وحيدا في متاهته"

الجيش يتمدد في التجارة وفي السياسة، يجهض آمال الشعوب في التغيير، يقمع، يستثمر، يستحوذ على الامتيازات، لكنه لا يجد إلا الثناء والاحتفاء به في وسائل الإعلام. بمنطق "العصا الغليظة" يسيطر على الإعلام، وما يفتأ عن التدخل في غرف التحرير للتستر على هزائمه وفضائحه، ومن يقرر في لحظة جرأة نادرة أن يخدش هذه "السيمفونية" يحال إلى القضاء.. والتهمة جاهزة طبعا.

محمد أحمد نشرت في: 5 مايو, 2021
لماذا تنحاز وسائل الإعلام إلى الأخبار السلبية؟ 

هل على الصحافة أن تنحاز دائما إلى الأخبار السلبية؟ وكيف يمكن للصحفيين إيجاد قصص ملهمة بعيدا عن الرؤية التقليدية لمفهوم الإخبار؟ وماهي الأدوات التي يجب أن يتوفروا عليها لصياغة قصص بأساليب جديدة؟

أروى الكعلي نشرت في: 25 أبريل, 2021
في زمن أمواج "الترند".. عندما يتخوّف الصحفي من رد فعل الجمهور!

في الكثير من الأحيان يضطر الصحفي أن يمارس رقابة ذاتية شديدة على نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي. في القضايا الكبرى، لاسيما التي تكون مشحونة بالعواطف، تنتشر الأخبار المزيفة، ويصبح التعبير عن تصوراتك أمرا صعبا. في زمن طغيان الشعبوية، كيف يدبر الصحفي هذه العلاقة المتوترة مع "فيالق" السوشال ميديا؟

إسماعيل عزام نشرت في: 21 أبريل, 2021
فيلم "وراء الحقيقة".. كلفة الأخبار الزائفة

فيلم "وراء الحقيقة.. التضليل وتكلفة الأخبار الزائفة"، هو مرافعة ضد الأخبار الزائفة وشرح عميق كيف صارت أداة سياسية لتدمير المجتمعات، وكيف يمكن للصحافة الجادة وحدها أن توقف النزيف.

شفيق طبارة نشرت في: 20 أبريل, 2021
مسلسل لوبين.. الموت دفاعا عن "المصادر"

نوقش المسلسل من كل أبعاده، انتشرت المقاطع في وسائل التواصل الاجتماعي، لكن لا أحد تحدث عن إحدى تيماته الأساسية: شجاعة الصحافة. لوبين، "وثيقة" تؤرخ للحرب غير المتكافئة بين لوبيات الفساد والسلطة، بكل ألوانها، وبين الصحافة كمهنة، تتقصى، وتبحث عن الرواية المفقودة، ولو كلفها حياتها.. وهذا مصير بطلة الفيلم.

ملاك خليل نشرت في: 13 أبريل, 2021
الصحافة في القارة الأمريكية.. "الفساد" كفلسفة حياة

الصحافة سلطة، وهي سلطة تحتمل التعسف والشطط؛ لذا فإن لوبيات الفساد دائما ما تجد المنفذ لشراء الملاك أو الصحفيين بطرق مختلفة، والنتيجة: تزوير الحقيقة.

نوا زافاليتا نشرت في: 11 أبريل, 2021
الصحافة والسوسيولوجيا.. الحوار الحذر

لا يمكن أن توجد الصحافة والسوسيولوجيا على طرفي نقيض، لأنهما تنطلقان من نفس المبدأ: بناء الحقيقة الاجتماعية بتوظيف نفس الأدوات تقريبا. لكن بينهما سوء فهم، وكثير من الحذر. عالم الاجتماع يقول إن الصحفي اختزالي وسطحي، والصحفي يقول إن السوسيولوجي يغلق على نفسه في البيت.

محمد أحداد نشرت في: 6 أبريل, 2021
أثر الـ "سي أن أن".. عن المفهوم وأبعاده في عالم الصحافة اليوم

في العراق -كما في الصومال- كانت وسائل الإعلام محدِّدا أساسيا في التدخلات المسلحة للولايات المتحدة الأمريكية. صورُ النازحين من جحيم صدّام أو الفارين من مجاعة الصومال، تماهت مع الرواية الرسمية، أي مع رواية السلطة. "أثرُ سي أن أن" نظريةٌ تقتفي تأثير وسائل الإعلام في السياسة وصناعة القرار والرأي العام، بتوظيف هذا المفهوم الساحر" القصة الإنسانية".

كوثر بن عبيد نشرت في: 30 مارس, 2021
التسريبات في تونس.. الصحافة تدخل "الغرف المظلمة"

تحول جزء من الصحافة التونسية إلى فضاء للتسريبات والتسريبات المضادة، لكن نادرا ما طرح السؤال عن المعايير الأخلاقية والمهنية في التحقق منها، ومدى ملاءمتها للمصلحة العامة..

أمين بن مسعود نشرت في: 28 مارس, 2021
أخلاقيات الصحافة الرقمية.. تحولات دائمة

 نشرت صحيفة "إلباييس" الإسبانية يوم 8 فبراير/شباط 2021، مقالا مطولا حول فاجعة إنسانية أليمة حصلت شمال المغرب،

يونس مسكين نشرت في: 22 مارس, 2021
آلان جريش: الصِّحافة في فرنسا يتحكَّمُ فيها رجالٌ بيضٌ يمينيون "لا يُحِبُّون الإسلام"

للصّحفيّ "آلان جريش" تاريخٌ طويل في الدفاع عن القضية الفلسطينية وعن الإسلام في وسائل الإعلام؛ إذ كان دائمًا مُعارِضًا للصورة التنميطيّة التي تصوِّرُ المسلمين على أنّهم يحتضنون الإرهاب. وفي كلّ القضايا الهُويّاتيّة الحادّة التي عاشَتها فرنسا، كان "جريش" -الذي يُدير اليوم مجلة "أوريان 21"- يقفُ وأحزاب اليمين والحكومة الفرنسية على طرفَي نقيض. والأهمُّ من ذلك، أنّه يُعَدُّ من الأصوات الصّحفية القليلة التي لا ترغبُ في النَّظَر إلى المسلمين وقضاياهم وفق أحكام جاهزة مُسَبَّقًا. في هذا الحوار مع "مجلة الصِّحافة"، يشرح جريش الأسبابَ التي تجعلُ الصِّحافة الفرنسيّةَ تستعدي المسلمين؛ مُتغذِّيَةً بخطابِ اليمين المتطرِّف، قبلَ سنةٍ واحدةٍ فقط من الانتخابات الرئاسية.

حنان سليمان نشرت في: 21 مارس, 2021
بايدن والصِّحافة.. هل هي حِقْبَةٌ جديدة؟

بات جلياً أن الرئيس الأميركي جون بايدن يعمل جيداُ لرأب الصدع الذي أحدثه سلفه ترامب بعلاقة الرئيس مع الإعلام، ولكن هل سيتعاملُ الإعلامُ مع بايدن على أساس أنّ ولايته هي الولاية الثالثة لأوباما؟

نوال الحسني نشرت في: 2 مارس, 2021
تمويل الدورات التدريبية.. حق قد يراد به باطل

في الظاهر، الدورات التدريبية للصحفيين لا محيد عنها لامتلاك مهارات جديدة، لكن حين تمول من دول أجنبية، بتركيز شديد على قضايا محددة، يصبح مشروعا طرح السؤال: هل تريد المنظمات أن تخلق صحفيا مقولبا مفصولا عن بيئته الثقافية والاجتماعية؟

يونس مسكين نشرت في: 23 فبراير, 2021
قصة الطرد "المسموم" ولعنة الرواية الرسمية

في تونس، وبينما كان الرئيس يروّج لقضية الظرف المسموم، كان الصحفيون في الجهة الرسمية، يتبنون هذه الرواية دون تحقق أو تشكيك. في عصر التواصل الاجتماعي، لم يعد للصحفيين من مبرر لاحتضان الرواية الرسمية سوى السقوط في فخ الدعاية.

أروى الكعلي نشرت في: 14 فبراير, 2021