كسر الأقلام الحرة هي رسالة السلطة لجميع الصحفيين الذين يشتغلون في مجال الصحافة الاستقصائية (جيس أزنار - غيتي).

عن أسباب تعثر الصحافة الاستقصائية في العالم العربي

كان الصحفي الاستقصائي سيمور هيرش، مفجر فضيحة عار أمريكا في فيتنام "مذبحة ماي لاي" التي كشفت عن ارتكاب أفراد من الجيش الأمريكي جرائم ضد المدنيين الفيتناميين، يتساءل لماذا لم تَنشر الصحافة الأمريكية مثل تلك القصص والتقارير في أوقات حدوثها؟ ويقول: "لو تم ذلك لأصبح بالإمكان إنقاذ حياة آلاف الفيتناميين" (1).  

السؤال ذاته إضافة إلى أسئلة أخرى في بلادنا العربية؛ لماذا تُنشر العديد من المواد الصحفية عن رجال السياسة والاقتصاد والأمن عندما يغادرون مناصبهم، أو تنهار مؤسساتهم؟ ولماذا تنشر القصص والتقارير "الاستقصائية" عن دولة ما من وسيلة إعلامية خارج حدودها، في المقابل تتحاشى وسيلة الإعلام "الشجاعة خارجيًا" ممارسة ذات الدور في مسقط رأسها؟ ولماذا يبقى الرؤساء والزعماء والقادة محط التشريف والتبجيل في وسائل الإعلام؟ ولماذا الجيش والمخابرات وأجهزة الأمن خطوط حمراء لا تُمسّ في الصحافة العربية، مع أن ممارساتها على تماس مباشر مع الناس؟

 

أينما يولِّي الصحفي العربي وجهه فثمة قضية مهمة للناس تستحق الكشف والتقصي، وفضح المتسببين فيها والمسؤولين عنها ومحاسبتهم بهدف تحقيق العدالة والإنصاف للضحايا والناجين، وتكريس سيادة القانون والشفافية والحكم الرشيد. أفكار التحقيقات الاستقصائية على قارعة الطريق في البلاد العربية، لكنها تبقى في الأغلب بعيدة عن الإنتاج والنشر والنثر في الفضاء العام، رغم كثرة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلا إنّ هناك القليل من الصحافة المعيارية الجادة، وشُحّا مزمنا في التحقيقات الاستقصائية ذات الكشف الجديد والمتفرد، والبحث المعمق والتوثيق الدقيق، والأهمية والقيمة المضافة، ففي دراسة أكاديمية يعتقد 63.5% من الصحفيين العراقيين المستطلعة آراؤهم أن الصحافة الاستقصائية ضعيفة في بيئتهم، فيما يرى 18% أنها غير موجودة مطلقا (2) وهذه النسب متقاربة في دراسات عربية أخرى.

 

عند الحديث عن التحقيقات الاستقصائية في المنطقة العربية، لا نقصد تحقيقات استقصائية غيرت سياسات دولها كليا، أو أطاحت بالزعماء مثل ووترغيت، إنما المقصود تحقيقات تكشف انتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة، وسوء الإدارة، وتجاوزات القانون، والفساد المالي والإداري المتوسط والصغير، والقضايا المحلية التي تمس المواطن بشكل يومي، كضعف الخدمات العامة والبنى التحتية في الصحة والتعليم والنقل، والكهرباء وحماية المستهلك...  حيث الفئة الأولى على شاكلة ووترغيت أقرب إلى العنقاء في المرحلة الراهنة،  لأسباب ذاتية وموضوعية.

 

يعتقد 63.5% من الصحفيين العراقيين المستطلعة آراؤهم أن الصحافة الاستقصائية ضعيفة في بيئتهم، فيما يرى 18% أنها غير موجودة مطلقا، وهذه النسبة متقاربة في دراسات عربية أخرى.

 

سنناقش مشاكل الصحافة الاستقصائية عربيًا في أربع مستويات، أولًا: البيئة السياسية والقانونية، ثانيًا: بنية المؤسسات الصحفية وثقافتها المؤسساتية ومكانتها الاقتصادية، ثالثًا: الصحفي الاستقصائي العربي المكانة والإمكانية، رابعًا: الصحافة الاستقصائية والمجتمع المدني والناس. في هذه المقالة نناقش المناخ السياسي والبيئة القانونية المؤثرة على الصحافة الاستقصائية العربية.

 

 

1
الكثير من الدول العربية سنت تشريعات متقدمة لحماية حق الصحفيين في الحصول على المعلومات لكن ممارسات السلطة أقوى من الوثائق (شترستوك).

 

 

لا صحافة استقصائية في ظل حكم مستبد

إن الوعاء الحيوي لتطور الصحافة الحرة واستمرارها وتأدية رسالتها الحقيقية، كسلطة رابعة هو المناخ السياسي الحر، والصحافة الاستقصائية على وجه الخصوص تحتاج هذا الوعاء، وإلا تموت في الرحم قبل المخاض، والمناخ السياسي الحر يرتبط ارتباطًا عضويًا بطبيعة النظام السياسي، وفي بلاد العرب تقبع 17 دولة عربية من أصل 23 في مستنقع الدول الاستبدادية على مؤشر الديمقراطية لعام 2022، في حين لم تدرج أربعة منها على المؤشر، فيما صُنِّفت دولتان فقط في خانة الديمقراطية الهشة.

 

الاستبداد السياسي والحرية لا يلتقيان، والصحافة الحرة والمستقلة، والاستقصائية منها أبرز شهداء الأنظمة الديكتاتورية المستبدة. عام 2021 كان العام السادس عشر الأسوأ على التوالي في انخفاض الحرية العالمية، وفقا لتقرير فريدوم هاوس، وجميع الدول العربية غير حرة، وتقبع في أدنى سلم الحريات، عدا أربعة دولة عربية صنفت حرة جزئيا. أما في تصنيف مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة العام المنصرم، فقد ذُيّلت القائمة بجميع الدول العربية، لأن الصحافة فيها غير حرة، عدا ثلاثة دول وصفت فيها الحرية الصحفية بالهشة، والمهددة بانتظام.

 

بعد وأد الربيع العربي في مهده، وفشل مسار التحول أو الانتقال الديمقراطي بفعل الثورة المضادة، والصراع السياسي على السلطة والثروة، والحروب الأهلية والاحتراب الداخلي، والعوامل الخارجية التي تفاعلت مع الظروف الداخلية، عادت الأنظمة عبر بوابة الدولة العميقة إلى عادتها القديمة في تجريف الحياة العامة. وكانت الصحافة والإعلام مطلوبي الرأس في أعلى القائمة، للعودة بها إلى بيت الطاعة ترغيبًا وترهيبًا، ورغم اختلاف حدة الإجراءات بين بلد عربي وآخر إلا إن ثمة روابط  مشتركة ساهمت في إسكات الصحفيين، وعسرت نشر تحقيقات استقصائية تكشف المستور، وتظهر الخلل والانتهاك.

 

تفاوتت الإجراءات بدرجة القمع وحدوده بين بلد وآخر، في استخدام القضاء وتسيسه في قضايا الصحافة والحريات، وتوقيف الصحفيين احتياطيًا أو إداريًا دون محاكمات أو سجنهم في المعتقلات والسجون بأحكام عالية بين المؤبد والأشغال الشاقة، والتعذيب بين منهجي وغيره، والتجسس الرقمي بين بيغاسوس وتقليدي، واختراق الخصوصية والتهديد والابتزاز، والضغط الاجتماعي والاقتصادي، وإغلاق وسائل الإعلام المحلية والأجنبية بحجة الأمن القومي أو المصلحة الوطنية، وحجب المواقع الإلكترونية بالجملة والمُفرق، وشراء المؤسسات الإعلامية، أو تمويلها، أو إنشاء أخرى جديدة بألوان زاهية، ومضامين باهتة.. وأصبح الخوف سيد الموقف، وعنوان المرحلة، والحياد السلبي هو خَيار الصحفيين، أو الانضمام إلى جوقة "كُتّاب التدخل السريع" الذين يقلبون الحق باطلًا والباطل حقًا، ويعزفون على سيمفونية الرئيس والقائد الرمز والعسكر وجهاز الأمن ورجال المال والأعمال.

 

إن الصحافة الاستقصائية لا تنشأ إلا في ظل حكم ديمقراطي رشيد، يوفر الحماية للصحافة والصحفيين (3) وإن حرية الصحافة مبدأ أساسي للديمقراطية، وهي العنصر الأكثر أهمية فيها، وإن النقاش الحر في البرلمان والشارع أو في الصحافة، هو بمثابة دم الديمقراطية (4)، ويرى الفيلسوف الفرنسي أوكتاف ميربو أن حرية الصحافة يجب ألا تُمسّ ولا يصح الحد منها؛ لأنه لا يمكن التمتع بالحريات الأخرى دونها، إن مستقبل الصحافة الاستقصائية في المنطقة العربية مرهون بنجاح نظام ديمقراطي حقيقي، يُشيع مناخ الحريات والحقوق.

 

 

الاستبداد السياسي والحرية لا يلتقيان، والصحافة الحرة والمستقلة، والاستقصائية منها أبرز شهداء الأنظمة الديكتاتورية المستبدة.

 

إن الفساد هو الابن المدلل للاستبداد، والفساد عدو شرس للحريات الصحفية والصحافة الاستقصائية، وقد تسبب الفساد بإزهاق أرواح العديد من الصحفيين الاستقصائيين حول العالم، فالعديد من الأنظمة السياسية الفاسدة ترتبط بعصابات الجريمة المنظمة، وتتعاون معها في كسر القوانين الدولية وتساعدها في التهرب من مسؤولياتها عن الجرائم وبحسب منظمة الشفافية الدولية فإن الفساد في الدول العربية ممنهج، ويضرب جذورا عميقة في المؤسسات والحياة اليومية، وبلغ معدله الإجمالي في المنطقة العام الفائت 39 درجة من أصل 100 للعام الرابع على التوالي، ولقد سمح سوء السلوك السياسي الممنهج، وطغيان المصالح الخاصة على المصلحة العامة للفساد بتدمير منطقة مدمرة أصلا بسبب مختلف الصراعات، واستمرار انتهاكات حقوق الإنسان (5). 

 

 

2
لا تثني التحديات التي يواجهها الصحفيون في العالم العربي من كشف موضوعات تفيض دائما من هامش مقص الرقيب (شترستوك).

 

 

 

التشريعات أداة المستبد في وجه صحافة الاستقصاء

تنص أغلب دساتير الدول العربية على احترام وصون حرية الرأي والتعبير والصحافة، لكن هذه المواد الدستورية لا تحترمها الدولة ومؤسساتها، والسلطويات العربية سابقة على الدستور نفسه وأسمى منه، وهي وليدة الشرعية التاريخية أو الدينية، أو الثورية أو الحزبية، كما يراها الخبير الدستوري حسن طارق، وهي تريد الدستور كما القانون خادمًا طيعًا لأهدافها السياسية، لذا فإنها تلتف على الدستور وتتحايل عليه بإصدار القوانين التي تفرغه من مضمونه وجوهره (6) فمثلا شكلت قوانين الجرائم الإلكترونية في المنطقة العربية تشوهات بنيوية، وقيودًا قانونية مخالفة لبنود الدساتير والمعاهدات الدولية، ومنعت نشر معلومات تمس المصلحة العامة (7).

 

إن ترسانة التشريعات الناظمة للعملية الصحفية، تكرس مصلحة السلطة، وتضعها فوق مصلحة المجتمع، وهي أداة سياسية وليست تنظيمية لدول الاستبداد العربي، غايتها ضبط إيقاع الصحافة، وعدم شق عصا الطاعة، أو الخروج عن وصاية السلطة، وغدت هذه التشريعات عقبة بارزة أمام تطور صحافة استقصائية عربية جادة، وفي الوقت الذي "تُظهر فيه الدراسات الغربية ضعف العامل القانوني على مسار الصحافة الاستقصائية تحت ضغط متغيرات سياسية واقتصادية ومجتمعية بعد عام 2001 (8) إلا إن العامل القانوني في المنطقة العربية يزداد قوة وخشونة وضغطًا على الصحافة الاستقصائية بعد عام 2013، وعلو كعب الثورة المضادة، وسن وتعديل التشريعات واستخدامها. إذ أصبح الكثير من الصحفيين الاستقصائيين يقضي أوقاتًا في أروقة المحاكم، أو جلسات التحقيق، أو في المعتقلات والسجون، ومراكز التوقيف، بتهم أغلبها كيدية أو ملفقة، وفضفاضة من قبيل التعرض للنظام العام، وإهانة الشعور القومي، وتعكير السلام العام، ونشر ما يتعارض مع مبادئ الحرية والمسؤولية الوطنية، ونشر ما يتعارض مع قيم الأمة العربية والإسلامية، وتعكير صفو العلاقات مع دولة أجنبية، وذم هيئة رسمية، وإطالة اللسان على مقامات عليا، وتعطيل سير القضاء... إلخ.

 

إن هذه التشريعات على غرار قوانين العقوبات، والمطبوعات والنشر، والجرائم الإلكترونية، ومنع الإرهاب، والاتصالات، وحماية وثائق وأسرار الدولة، وغيرها، تتشابه في المضمون وإن اختلفت في التسمية بين بلد عربي وآخر، فهي تجرم المؤسسات الإعلامية والصحفيين عبر تُهم قانونية فضفاضة، يحكم بها القضاء المسيّس بفرض العقوبات السالبة للحرية، والغرامات المالية والتعويضات الباهظة، رغم أن الأصل أن تساعد أغلب هذه القوانين في تنظيم المهنة، وترسيخها وتوفير الحماية للصحفيين ومصادرهم والمبلغين عن الفساد، والمسربين عنه، وفتح الباب الواسع أمام تدفق المعلومات طوعًا.

 

وفي هذا المقام تعتبر المجالس البرلمانية التي شرعت تلك القوانين السالبة للحريات الصحفية، ملحقًا "ديكوريًا" في هيكل السلطة، فقد ساهمت هندسة القوانين الانتخابية والمحاصصة والجهوية وشراء الأصوات، والتزوير الصريح لنتائج الانتخابات في إنتاج مجالس نيابية لا تعبر عن الشعوب وآمالها وأحلامها. لذا نجد أن الثقة بالمؤسسات البرلمانية العربية تتراوح بين 9% في ليبيا و32% في اليمن بحسب الباروميتر العربي في دورته الخامسة عام 2019 (9) وعليه فإن مصلحة البرلمانات العربية تتقاطع مع مصلحة حكوماتها في الحؤول دون وجود صحافة استقصائية جادة تراقب أعمالها، وتكشف تضارب مصالحها، ومحاباتها للحكومات، وتسترها على أخطاء الحكم، فإن الصحافة الاستقصائية الجادة والقوية تشكل كابوسًا يحول دون استمرارها، لذا تشرعن تلك المجالس رغبتها ورغبة الحكم في خنق الصحافة والحريات.

 

3
 لقطة من برنامج "يسقط حكم الفاسد" وهو برنامج استقصائي يعرض على قناة الجديد اللبنانية (فيسبوك).

 

 

لا صحافة استقصائية دون تدفق سلس للمعلومات العامة

إن المفهوم الأساسي خلف حق الحصول على المعلومات، وهو أن الجهات الرسمية لا تحتفظ بالمعلومات لنفسها فقط، بل إنها تحتفظ بها نيابة عن الشعب ككل، الذي فوضها بهذا العمل (في الدول الديمقراطية على الأقل (10) وبالتالي فإن للجميع حق الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها السلطات والهيئات العامة، ويشكل الحق في الحصول على المعلومات إكسير الصحافة الاستقصائية، وسبيل تطويرها، لما يساعدها في تحقيق أهدافها في مساءلة الحكومات وأجهزة الدولة، وتقييم عملها، ومحاربة الفساد، وكشف انتهاكات حقوق الإنسان، والمحافظة على كرامته الإنسانية، ومساعدته في اتخاذ القرارات الشخصية.

 

 

الصحافة الاستقصائية لا تنشأ إلا في ظل حكم ديمقراطي رشيد، يوفر الحماية للصحافة والصحفيين.

 

رغم وجود نصوص دستورية في أربع دول عربية (المغرب وتونس ومصر والجزائر)  تنصّ على ضمان تدفق المعلومات، إضافة إلى ثماني دول لديها قوانين ناظمة للحصول على المعلومات وهي الأردن، واليمن وتونس ولبنان والسودان والمغرب، وفي عام 2020 أصدرت السعودية اللائحة المؤقتة لحرية المعلومات، كما أصدر الكويت في العام ذاته قانون الحق في المعلومات. ورغم إيجابية وجود القوانين، إلا إن أغلبها ضعيفة وهشة، ولا تمكن من تدفق المعلومات بسلاسة، وبعضها يشرعن حجب المعلومات لا كشفها، وتتراوح جودة القوانين العربية بحسب التصنيف العالمي لحق الحصول على المعلومات بين (54 من 150) في الكويت وهو القانون الأضعف و(120 من 150) في تونس وهو القانون الأفضل عربيًا، يليه القانون اليمني (103 من 105) وباقي القوانين العربية ضعيفة وهشة، وحصلت على أقل من 70.

 

تشكل جودة قوانين الولوج إلى المعلومات عاملًا حاسمًا في مسار تطور الصحافة الاستقصائية، لكن وجود ستة قوانين هشة وضعيفة من أصل ثمانية، عقبة أمام كشف المعلومات للصحفيين الاستقصائيين والعامة، ولا ننسى أن الواقع يلعب دورًا في تدفق المعلومات وليس جودة القانون فقط؛ ففي اليمن قانون جيد، لكن هناك صراع عسكري وسياسي، وانقسام عطل عمل القانون، وفي البلدان الأخرى الأكثر استقرارًا، كان التطبيق سيئًا؛ إذ إن أجهزة الدولة تربت وترعرعت على ثقافة السرية وأن المعلومات ملك لها وليس للمجتمع، فهي تسيطر عليها ولا تسمح بتدفقها إلا بما يتطابق مع مصلحتها، عبر تمريرها لصالح صحف داعمة لتوجهات الحكومة وسياساتها، فيما تحجبها عن المؤسسات الأخرى التي تتسم بالحياد والتوازن والاستقلالية. وفي مناخ كهذا تنعدم قيمة وأهمية القوانين المفروضة، وتتشابه الممارسة الميدانية للدول العربية التي فيها قوانين لحق المعلومات مع أغلب الدول العربية التي تفتقر لهذه القوانين.

 

لا صحافة استقصائية دون قضاء مستقل

القضاء المستقل ضمانة أساسية لحريات المواطنين وحقوقهم، دونه تغدو حريات الناس وحقوقهم هيكلًا بلا معنى، والقضاء المستقل يوقف أي سلطة في الدولة تعتدي على هذه الحريات والحقوق، والصحافة الاستقصائية تزدهر طالما كان القضاء عادلًا مستقلًا، وتتراجع بتراجعه (11). 

 

فإذا طغت السلطة التنفيذية على حرية الرأي والتعبير والصحافة والنشر عبر قراراتها اليومية أو تنفيذها للقوانين، أو عن طريق التدابير الاستثنائية في الظروف الطارئة، كما حصل في جائحة كورونا عندما استغلتها الكثير من الدول العربية سياسيًا، وضيقت على الصحافة والصحفيين تحت يافطة الصحة العامة، وفي هذه الحالة لا يوجد إلا القضاء المستقل لكبح جماح التعسف وانحراف السلطة عن جادة الصواب، وبهذا تصان الحريات وتحمى حقوق الناس في صحافة حرة مستقلة (12).  

القضاء المستقل يتصدّى لتوقيف الصحفيين الاستقصائيين دون محاكمات، ويجرم تفتيش منازلهم دون إذن قضائي، ويمنع استمرار توقيفهم دون مذكرة قضائية، ويحمي حقهم في حماية مصادر معلوماتهم، وينصفهم إذا سحبت تصاريح مزاولة المهنة، أو أغلقت مؤسساتهم، أو حجبت مواقعهم الإخبارية عن شبكة الإنترنت، أو تجسس العسس على هواتفهم الشخصية، أو امتنعت السلطة عن تزويدهم بالمعلومات التي يحتاجونها.

 

القضاء المستقل ضمانة لعدم طغيان السلطة التشريعية، في سن قوانين تزهق روح الدستور، أو تقيد الحريات والحقوق أو تنقص منها، أو تعطل حق الصحافة في الوصول إلى المعلومات، أو ترفع الحماية عن مصادر المعلومات، والمبلغين عن الفساد. القضاء المستقل يفرض رقابته على جميع القوانين والأنظمة بحيث لا يشوبها عيب عدم الدستورية.

 

وتتراوح الثقة بالقضاء وعدالته في البلدان العربية بين 25% في لبنان، و79% في مصر بحسب الباروميتر العربي لعام 2019 (13) لكن هذه الثقة المرتفعة في بعض البلدان لا تعكس بالضرورة الواقع، كون القضاء يعتبر من ملحقات السلطة في العديد من السلطويات العربية، ونقده والتقليل من شأنه يعرض الشخص للمساءلة والعقاب، فما زالت في معظم التشريعات العربية عقوبات مغلظة على ازدراء القضاء، والتطاول على هيبته، إذا لا يسمح بالتعليق على قرارات المحاكم إلا للمحامي المترافع في الدعوى.

 

إن عدم استقلال القضاء يعني الويل والثبور للصحافة الاستقصائية، والصحفيين المستقلين، وللفضاء العام، يعني مزيدًا من العقبات والمشاكل والغرامات والسجون... ويعني عدم وجود رقابة على قرارات ممارسات الحكومة وأجهزة الأمن والعسكر، وعدم وجود رقابة على القوانين والتشريعات الصادرة عن البرلمان، ما يعني أنه لا قيمة للحقوق والحريات، ولا مستقبل للصحافة الحرة والمستقلة بما فيها صحافة الاستقصاء.

 

ترسانة التشريعات الناظمة للعملية الصحفية، تكرس مصلحة السلطة، وتضعها فوق مصلحة المجتمع، وهي أداة سياسية وليست تنظيمية لدول الاستبداد العربي، غايتها ضبط إيقاع الصحافة.

 

يقول الفقيه القانوني الراحل، فاروق الكيلاني: "النصوص المكتوبة وحدها لا تكفي لحراسة حقوق المواطنين وحرياتهم، فهذه النصوص تتهاوى أمام قوى البطش والإرهاب التي يمكنها أن تطأها بأقدامها عندما تتعارض مع مصالحها".

 

خلاصة القول إن هذا الواقع السياسي القاتم المحيط بالصحافة الاستقصائية العربية يجب أن يكون حافزًا للإنجاز رغم الصعاب والتحديات، وهذا المقال ليس دعوة إلى الانكفاء على الذات، والهروب من الميدان، والتسليم لسوط وصوت السلطة، بل هو إضاءة على المستوى السياسي المحيط بنا، وتأكيد على أن وظيفة الصحافة الاستقصائية هي "تصعيب مهمة من يحكمون عن طريق الحذر من كيفية ممارستهم للسلطة التي يقبضون عليها باسم الشعب" كما قال الصحفي البريطاني الراحل جريمي ريد.

 

 


 

المراجع: 

(1) هرش، سيمور، مذكرات صحفي استقصائي، ترجمة محمد الأزرقي، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط 2019، ص218.

(2) حسن، هادي، الصحافة الاستقصائية في العراق محافظات (ذي قار، البصرة، المثنى، ميسان) أنموذجا، مجلة آداب ذي قار، العدد 8، مجلد (2)، 2012، ص 336.

(3) أبو حسن، صلاح، اتجاهات الصحفيين الفلسطينيين نحو ممارسات الصحافة الاستقصائية، كلية الآداب جامعة الخليل، ص 29، نقلا عن أبو الحمام 2014.

(4) منير، حماد، حرية الطباعة والنشر، الجامعة السورية، 1954، ص 16.

(5) تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام 2021.

(6) طارق، حسن، دستورية ما بعد انفجارات 2011، قراءات في تجارب المغرب وتونس ومصر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016، ص11.

(7) هيلات، خالد، وآخرون، إدراك القائمين بالاتصال في المواقع الإخبارية الإلكترونية الأردنية لقانون الجرائم الإلكترونية وعلاقته بالممارسة المهنية، المجلة المصرية لبحوث الإعلام، جامعة القاهرة، 2019، ص 428.

(8) قطب، شماء، رؤية القائم بالاتصال للعوامل المؤثرة على الصحافة الاستقصائية فى مصر بالتطبيق على موضوع موتى السجون، المجلة المصرية للبحوث، العدد 1، جامعة القاهرة، 2015، ص 220.

(9) https://2u.pw/DLFfM

(10) مندل، توبي، برنامج تدريبي لمسؤولي المعلومات الأردنيين حول حق الحصول على المعلومات، اليونسكو، ص6. 

(11) الكيلاني، فارق، استقلال القضاء، دار النهضة العربية، ط 1977، ص 7.

(12) المرجع السابق.

(13) https://2u.pw/DLFfM

 

المزيد من المقالات

"يحيا سعادة الرئيس"

لا تتحدث عن الاستعباد، أنت فتان، لا تثر الشرائحية، أنت عميل، لا تتحدث عن تكافؤ الفرص، سيحجب عنك الإعلان! هي جزء من قصص هذا البلد، يتدخل فيه الرئيس بشكل شخصي ليحدد لائحة الخطوط الحمراء بتوظيف مسؤولين عن الإعلام للحجر على الصحفيين المستقلين.

عبد الله العبد الله نشرت في: 24 يناير, 2023
 السّرد الصّحفيّ وصناعة اللّغة الجديدة

كيف يمكن للصحفي أن يستفيد من تقنيات الأدب في كتابة قصة جيدة؟ وأين تلتقي الصحافة والرواية وأين ينفصلان؟  الروائي العراقي أحمد سعداوي، الحاصل على جائزة البوكر للرواية العربية يسرد كيف أثرى الأدب تجربته الصحفية.

أحمد سعداوي نشرت في: 23 يناير, 2023
  عن ثقافة الصورة وغيابها في النشرات الإخبارية

جاء الجيل الأول المؤسس للقنوات التلفزيونية من الصحافة المكتوبة محافظاً على قاعدة "النص هو الأساس" في غياب تام لثقافة الصورة. لكن مع ظهور أجيال التحول الرقمي، برزت معضلة أخرى تتعلق بالتدريب والمهارات والقدرة على مزج النص بالصورة.

زينب خليل نشرت في: 22 يناير, 2023
بي بي سي حين خذلتنا مرتين!

في نهاية هذا الشهر، ستسدل إذاعة بي بي سي عربية الستار على عقود من التأثير في العالم العربي. لقد عايش جزء من الجمهور أحداثا سياسية واجتماعية مفصلية كبرى بصوت صحفييها، لكنها اليوم تقول إنها ستتحول إلى المنصات الرقمية.. هذه قراءة في "الخطايا العشر" للإذاعة اللندنية.

أمجد شلتوني نشرت في: 17 يناير, 2023
الإعلام في لبنان بين الارتهان السياسي وسلطة رأس المال

باستثناء تجارب قليلة جدا، تخلى الإعلام في لبنان عن دوره الأساسي في مراقبة السلطة ليس فقط لأنه متواطئ مع الطائفية السياسية، بل لارتهانه بسلطة رأس المال الذي يريد أن يبقي على الوضع كما هو والحفاظ على مصالحه. 

حياة الحريري نشرت في: 15 يناير, 2023
مستقبل الصحافة في عالم الميتافيرس

أثار إعلان مارك زوكربيرغ، مالك فيسبوك، عن التوجه نحو عالم الميتافيرس مخاوف كبيرة لدى الصحفيين. كتاب "إعلام الميتافيرس: صناعة الإعلام مع تقنيات الثورة الصناعية الخامسة والويب 5.0/4.0" يبرز أهم التحديات والفرص التي يقدمها الميتافيرس للصحافة والصحفيين.  

منار البحيري نشرت في: 15 يناير, 2023
"جريمة عاطفية" أو قيد ضد مجهول

ساروا معصوبي الأعين في طريق موحشة، ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة أخطر تجار المخدرات. إنها قصة صحافيين، بعضهم اختفوا عن الأنظار، وبعضهم اغتيل أو اختطف لأنهم اقتربوا من المنطقة المحظورة، أما في سجلات الشرطة، فهي لا تعدو أن تكون سوى "جريمة عاطفية".

خوان كارّاسكيادو نشرت في: 10 يناير, 2023
هل يصبح رؤساء التحرير خصوما لملاك وسائل الإعلام؟

يتجه الاتحاد الأوروبي إلى توسيع سلطات رئيس التحرير لحماية استقلالية وسائل الإعلام عن الرساميل التي باتت تستحوذ على مؤسسات إعلامية مؤثرة بالفضاء الأوروبي.

محمد مستعد نشرت في: 9 يناير, 2023
أيها الزملاء.. إيّاكم والتورّط في صناعة الخبر 

تعد التغطية الإعلامية جزءا أساسيا في أي تحرك مدني، سواء كان على شكل مظاهرات أو حملات توعية أو مظاهر ثقافية، إذ إنها تجعل التحرك مرئيا لجمهور واسع ومن ثم فهي تثير الاهتمام وتشجع الناس على المشاركة. بيد أنّ التعجل في تغطية تحرك لا يزال في مهده يمكن أن يؤدي بالتغطية الإعلامية إلى أن تصبح هي المحرك الأساسي له، بل وحتى الطرف المسؤول عن صناعته.

إيليا توبر نشرت في: 28 ديسمبر, 2022
 إذاعة بي بي سي.. سيرة موت معلن

لعقود طويلة، نشأت علاقة بين إذاعة بي بي سي العربية ومتابعيها في المناطق النائية، وكان لها الفضل في تشكيل الوعي السياسي والثقافي فئة كبيرة من الجمهور. لكن خطط التطوير، أعلنت قبل أسابيع، عن "نهاية" حقبة "هنا بي بي سي".

عبدالصمد درويش نشرت في: 27 ديسمبر, 2022
الصحافة في شمال أفريقيا.. قراءة في التحولات

يقدم كتاب"فضاءات الإمكانيات: الإعلام في شمال أفريقيا منذ التسعينيات"، قراءة عميقة في التحولات التي عرفتها الصحافة في أربعة بلدان هي مصر، الجزائر، تونس والمغرب. وبتوظيف مناهج العلوم الاجتماعية، يستقرئ الباحثون أهم التغيرات التي طرأت على الإعلام وتقييم دور الأنظمة السياسية وباقي الفاعلين الآخرين. 

أحمد نظيف نشرت في: 22 ديسمبر, 2022
 التغطية الإعلامية الغربية لحفل افتتاح مونديال قطر

أفردت الصحافة الغربية مساحة واسعة لتغطية حفل افتتاح مونديال قطر 2022، لكنها مرة أخرى آثرت أن تنتهك المعايير المهنية والأخلاقية، بالتركيز على المقارنات غير الواقعية وترسيخ أحكام القيمة.

محسن الإفرنجي نشرت في: 19 ديسمبر, 2022
"حرب لم يحضر إليها أحد".. عن العنصرية في الإعلام الإسباني

 أظهرت توجهات بعض وسائل الإعلام عقب خسارة منتخب بلادها أمام المغرب، إلى أي مدى قد تجذرت العنصرية في الصحافة والإعلام الإسباني.

أليخاندرو لوكي دييغو نشرت في: 11 ديسمبر, 2022
تشجيع الفرق.. "موضة" الصحافة الرياضية الجديدة

هل يمكن أن يصبح الانتماء الرياضي مقوضا لمبادئ مهنة الصحافة؟ وكيف يلجأ الصحفيون إلى تشجيع فريق معين بحثا عن المتابعة على وسائل التواصل الاجتماعي؟

أيوب رفيق نشرت في: 16 نوفمبر, 2022
الصحافة الرياضية.. السياسة والتجارة

هل أصبحت الصحافة الرياضية محكومة بقيم الرأسمالية، أي الخضوع للعرض والطلب ولو على حساب الحقيقة والدقة؟ وكيف تحولت إلى أداة توظفها الشركات الرياضية ورجال الأعمال والسياسة لتصفية الخصوم؟ وهل أدى المنطق التجاري إلى استبدال الرأي بالخبر بعيدا عن كل قيم المهنة؟

أيمن الزبير نشرت في: 12 نوفمبر, 2022
الصحافة الرياضية في المناهج الدراسية.. الغائب الكبير

رغم أن الرياضة تطورت كممارسة وصناعة في العالم العربي، إلا أن الكليات والمعاهد لم تستطع أن تدمج تخصص الصحافة الرياضية كمساق دراسي، إما بسبب النظرة القاصرة بأن الرياضة مجرد ترفيه أو لافتقار طاقم التدريس للمؤهلات اللازمة.

وفاء أبو شقرا نشرت في: 10 نوفمبر, 2022
الحملة ضد مونديال قطر.. الإعلام الغربي حبيسا لخطاب الاستشراق والتضليل

مع اقتراب موعد مونديال قطر 2022، يصر الإعلام الغربي أن يبقى مرتهنا لخطاب الاستشراق الذي تغذيه ليس فقط المصالح السياسية، بل التحيزات الثقافية العميقة المتأتية بالأساس من الماضي الاستعماري.

سارة آيت خرصة نشرت في: 9 نوفمبر, 2022
كيف غطيت كأس العالم في أول مونديال أفريقي؟

حين وصلت الصحفية بياتريس بيريرا إلى جنوب أفريقيا لتغطية أول مونديال ينظم بالقارة السمراء، كانت تحمل في ذهنها قناعة راسخة بأن حقبة العنصرية انتهت في بلاد "مانديلا"، لكن الميدان أثبت عكس ذلك. تحكي بيريرا كيف جعلت من تغطية حدث رياضي فرصة لرصد التناقضات ورواية قصص الناس الذين أنهكهم الفقر.

بياتريس بيريرا نشرت في: 8 نوفمبر, 2022
لماذا يثير الإعلام الغربي القلق لدى مشجعي كرة القدم

من الطبيعي توجيه الانتقادات للدول المنظمة لبطولةٍ بحجم كأس العالم، فهذا أمر مفروغ منه، ولكن لا بد من الإشارة إلى بعض مظاهر النفاق التي بدت جليّة في مونديال هذا العام. 

نينا مونتاغو سميث نشرت في: 7 نوفمبر, 2022
 تويتر في عصر إيلون ماسك.. هل هو مخيف للصحفيين؟

سيطر الملياردير إيلون ماسك على منصة تويتر في صفقة قياسية. تزداد مخاوف الصحفيين من مصادرة حرية التعبير خاصة بعد مهاجمة وسائل الإعلام مثل نيويورك تايمز والغارديان ونشر محتوى لموقع إخباري يؤمن بنظرية المؤامرة.  

إسماعيل عزام نشرت في: 6 نوفمبر, 2022
هل تكفي الأدوات التقنية للتحقق من المعلومات؟

انتشرت في السنوات الأخيرة منصات كثيرة للتحقق من الأخبار لكن غالبية بقيت حبيسة "التحقق الشكلي والتقني" دون محاولة فهم سياق الأحداث ووضع المعلومات في إطارها العام. عدنان حسين، صحفي، بوحدة "سند" للتحقق من المعلومات التابعة لشبكة الجزيرة يقدم نماذج لم تكن فيها "التقنية" حاسمة للتأكد من صحة الأخبار.

عدنان الحسين نشرت في: 23 أكتوبر, 2022
 الأدب والأيديولوجيا و"فساد" السرد الصحفي

 اللغة وعاء الفكر، هكذا يقول الفلاسفة، لكن في الممارسة الصحفية العربية تحولت المعلومات إلى وعاء للغة. يرجع الاحتفاء باللغة في الصحافة العربية إلى تأثرها بالأدب في فترة أولى وإلى تسرب الأيديولوجيا والنضال السياسي إلى صفحات الجرائد في فترة لاحقة.

شادي لويس نشرت في: 18 أكتوبر, 2022
السرد الصحفي في المناهج الدراسية.. الحلقة المفقودة

من الأسباب التي تفسر ضعف السرد الصحفي في العالم العربي، هو ضعف المناهج الدراسية في معاهد وكليات الصحافة التي ما تزال مرتكنة لرؤية تقليدية في تلقين المهنة للطلبة. أدى ذلك إلى تخريج جيل كامل من الصحفيين غير واعين بتطور السرد كممارسة ضرورية في الصحافة الحديثة.

عبد الوهاب الرامي نشرت في: 12 أكتوبر, 2022
 المعالجة الصحفية للمأساة.. قصص من كشمير الباكستانية 

الاستماع إلى قصص الصدمات النفسية والفقد هو ما على الصحفيين فعله من أجل العثور على الحقيقة ونقلها، وتعد الطريقة التي نستمع للقصص من خلالها مع تنحية الأحكام المسبقة المتعلقة بالكيفية التي "يتوجب" على الضحايا التصرف وفقها أمرا بالغ الأهمية.

أنعام زكريا نشرت في: 6 أكتوبر, 2022