أخلاق متأرجحة في صحافة المواطن الصحفي باليمن

 انتشر مؤخراً وعلى إطار واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، خبر اغتصاب فتاة يمنية من قبل جندي سوداني في معسكر التحالف العربي بمنطقة الخوخة في محافظة الحديدة غربي اليمن. أثيرت هذه القضية بعاطفة جياشة، وأثارت غضباً عارماً على نطاق واسع من ناشطين على مواقع التواصل، تضامناً مع الفتاة الضحية، خصوصا أن المجتمع اليمني مجتمع محافظ لا يتهاون في مسألة يعتبرها مساسا بالشرف.

وسعى الناشطون بكل الوسائل المختلفة لإثبات الحادثة، بينما شكك البعض في وقوعها واعتبرها مجرد إشاعة تستخدم غطاء لتحقيق أغراض سياسية وعسكرية معينة. ولإثباتها سعى الناشطون لنشر تسجيل لمقابلة صوتية نُسبت للفتاة التي تحدثت عن تعرضها للاغتصاب، ثم عادت بفيديو آخر تنفي وقوع الاغتصاب مشيرةً إلى أنه كان تحرشا فقط. وفي تطورات هذه القضية نشر صحفيون وثائق رسمية صادرة عن قيادة اللواء بمعسكر التحالف، تثبت أن الفتاة لم تتعرض للاغتصاب وإنما كانت محاولة تحرش، وأن ادعاءها الأوّلي كان مجرد ردة فعل غاضبة على تصرف الجندي تجاهها.

 فوضى التواصل

بعيداً عن هذه الحادثة، لا بد من القول إنه بعد الطفرة الرقمية التي أحدثتها الثورة التكنولوجية، والتطورات التي أفرزتها في طبيعة عملية الاتصال، وتحويلها من اتجاه أحادي يقوم على قطبَي المرسل والمستقبِل، إلى عملية تواصلية من كلٍّ إلى كل كما يسميها الباحثون في حقل الإعلام والاتصال، وتعزيزاً لنظرية "يروغن هابر ماس" في التواصل الفعال والخطاب التواصلي فيما يسميه بالمجال العام، حيث أدى الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي إلى تمكين الجميع من الاشتراك في العملية الاتصالية، وأن يكونوا جزءا أساسياً في إنتاج الرسالة ضمن ما بات يعرف بالمواطن الصحفي، أي المواطن الذي يصبح صانعاً لمحتوى الرسالة الاتصالية ونشرها من موقعه في مختلف وسائل التواصل سواء المكتوبة أو المرئية، أو عبر تقنية البث المباشر التي أصبحت -كما تبدو- بديلاً منافساً للبث الفضائي الذي يغطي الخبر وقت وقوعه وبأدنى كلفة وبكل سهولة ويسر..

بعد هذه الطفرة، بدأت المؤسسات والشبكات الإعلامية تتكيف مع البيئة الإعلامية الجديدة في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وتسعى إلى تدريسها ضمن برامجها ضمن ما بات يعرف بصحافة الموبايل، في محاولة لاستيعاب كل هذه المتغيرات وقولبتها في إطار إضفاء الطابع المهني على ما يمكن تسميته "الفوضى التواصلية" التي تسمح بمرور المحتوى دون ضوابط تحريرية تجعله مناسباً، حتى تتماشى مع معايير المؤسسة للتعاطي الإعلامي.. هذه القضية تطرح سؤالاً واضحاً مفاده: أين تقع صحافة المواطن في ميزان أخلاقيات وقيم المهنة الصحفية؟

ظاهرة المواطن الصحفي برزت في اليمن مع ثورات الربيع العربي واستمرت خلال الحرب التي يشنها التحالف العربي ضد مليشيات الحوثي. تصوير: أنيس مهيوب - رويترز.
ظاهرة المواطن الصحفي برزت في اليمن مع ثورات الربيع العربي واستمرت خلال الحرب التي يشنها التحالف العربي ضد مليشيات الحوثي. تصوير: أنيس مهيوب - رويترز.

 بين الخبر والتشهير

شيوع فكرة المواطن الصحفي يفتح جدلاً واسعاً حول الكثير من المخالفات الناجمة عنها، فهي بالتأكيد تعتمد على المعلومة والسبق الصحفي ولا تعتمد على المعالجة، وشتان بين الحصول على المعلومة التي يتحصل عليها المواطن، ومعالجة المعلومة التي هي مهمة الصحفي المحترف.

فعلى سبيل المثال، تعد وسائل التواصل الاجتماعي من أهم مصادر الأخبار في المجتمع اليمني، خاصة في ظل الحرب الحالية. ونتيجة للوضع المأساوي الذي تعيشه البلاد في مختلف الجوانب، سيجد المتابع لوسائل التواصل كمًّا هائلا من الصور ومقاطع الفيديو التي يتم تداولها بشكل مستمر للحالات الإنسانية المختلفة، حيث يتسابق الناشطون على هذه المواد ليحظوا بقدر كبير من المتابعات لحساباتهم الشخصية، على حساب سمعة وكرامة الآخرين، ودون الاكتراث بالأخلاقيات المهنية التي تخضع لها عملية النشر والتناول في وسائل التواصل الاجتماعي. وتلك بطبيعة الحال من جرائم النشر، لدخولها ضمن باب الإضرار بسمعة الشخص الذي تم تصويره والتشهير به، بيد أن الناشطين يبررون ذلك بأن الحالات الإنسانية تعمل على استعطاف الآخرين. وهنا يبرز بشكل واضح الفرق بين الصحفي المحترف والمواطن الصحفي، فالأول ينتبه بوعي كامل إلى أخلاقيات النشر وقيم المهنة، ويتحرى الطرق المناسبة لمعالجة هذه المعلومات ونقلها إلى الجمهور بصورة لائقة، بينما لا يراعي الثاني كل ذلك.

إن إشكاليات تناول المواطن الصحفي للمواضيع التي يعرضها لا تقتصر على النواحي الإنسانية فقط، بل تمتد إلى جوانب متعددة، فالمشاهد المروعة وصور الأشلاء والدماء، وحالات القتل المباشر، والحوادث وغيرها، تجد لها طريقاً إلى الناس دون التفريق بين ما يجوز نشره وتداوله وبين ما هو غير صالح للتناول، دون مراعاة مَن سيتابع هذه المواد، والآثار والأضرار التي قد تحدثها لدى الجمهور.

والمثال التالي يضعنا في صورة تطبيقية لهذا العرض:

"في محافظة الحديدة غربي اليمن، وقعت مجزرة مروِّعة بمخيم للنازحين، راح ضحيتها عدد كبير من المدنيين بينهم سبعة أطفال". لعرض هذه المعلومة اجتاحت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو للغارة الجوية التي نفذتها قوات التحالف العربي، كما عُرضت أشلاء الأطفال وهي ممزقة، متفحمة، متناثرة، ومختلطة ببعضها البعض. يمكن ملاحظة تحفّظ الصحفيين المحترفين على نشر هذه المواد المصورة كما وردت على مواقع التواصل لأنها مشاهد غير لائقة للتناول أمام الجمهور نظراً للأضرار التي تسببها في نفسية المشاهدين.

 أمثلة واقعية

الموضوعات الأمنية أكثر الموضوعات حساسية في التناول الإعلامي والصحفي، وذلك نتيجة لما قد يترتب عليها من مخاطر ومضايقات واعتداءات يواجهها الصحفيون المحترفون، رغم حماية القانون لهم وضمان إمكانية الوصول والحصول على المعلومات نظرياً.

في المقابل، لا يقع المواطن الصحفي تحت أي مظلة حماية قانونية كالصحفي المحترف، وهذا ما يعرضه قانونياً لإجراءات جزائية مختلفة، فضلاً عن المخاطر المباشرة التي قد يتعرض لها. ولتوضيح هذه النقطة أستحضر هذا المثال.. "مغترب يمني في المملكة العربية السعودية سجَّل بثًّا مباشرا من سجن يضم عددا من اليمنيين المُزمَع ترحيلهم من المملكة، عارضاً كيفية وآلية التعامل معهم". على الفور قُبِض عليه مِن قبل السلطات الأمنية وحكم بالسجن خمس سنوات في السعودية. بالمقابل نفترض هنا أن الصحفي المحترف يمتلك الوعي الأمني للتعامل مع مثل هذه الملفات وطرائق عرضها ومعالجتها بشكل يحفظ حق الجمهور في المعلومة، ويحمي نفسه من أي ملاحقة قانونية.

يمكن القول إن مثل هذا التسرع في التفاعل مع القضايا دون التأكد من مصداقيتها والتثبت قبل نشر القصص والأخبار من قبل الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي؛ يضر بمصداقيتهم لدى جمهورهم، وهذا بالطبع يأتي معاكساً للتناول الصحفي لأي قضية حيث تمتاز التغطية الصحفية المهنية بالتثبت ومحاولة الحصول على مصادر رسمية وموثوقة تؤكد أو تنفي ما حدث، إضافة إلى إخضاع القضية موضوع النشر لأخلاقيات العمل وقيم المهنة التي يعيها الصحفي المحترف، تفادياً للإضرار بمصداقيته وحق الناس في الحصول على المعلومة، إلى جانب عدم الإضرار بالضحية والتشهير بها على نطاق كوني لا على نطاق محلي فحسب.

 

المزيد من المقالات

من أكثر المناطق المحظورة... كيف نروي القصة؟

يسلط فيلم "العيش في المجهول"، وهو وثائقي منتج بتقنية الواقع الافتراضي؛ الضوء على مخاوف وآمال الإيغور في المهجر، وكفاحهم من أجل البقاء على اتصال مع أقاربهم في شينجيانغ، وهي مقاطعة في غرب الصين معروفة بحجم التعتيم الذي تمارسه السلطات تجاه كل ما يحدث فيها.

كونتراست الجزيرة نشرت في: 2 يوليو, 2019
قراءة في تقرير معهد رويترز حول الأخبار على المنصات الرقمية

نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجماعة أوكسفورد البريطانية؛ تقريره السنوي عن الأخبار في المنصات الرقمية الذي يعده مجموعة من الباحثين في جامعة أكسفورد وصحفيين مختصين في الإعلام الرقمي. في هذه المادة نلخص أبرز النتائج التي جاءت في هذا التقرير.

محمد خمايسة نشرت في: 17 يونيو, 2019
الخصوصية في العصر الرقمي .. ثقب أسود في حياة الصحفيين

نسبة كبيرة من الصحفيين لازالوا حتّى اليوم يعتقدون أن حفظ أمنهم الرقمي يندرج في إطار "الكماليات والرفاهية"، إذ أن ثقافة الحماية الأمنية حتى الآن غائبة عن حسابات عدد لا بأس به من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأفراد، ويرجع ذلك إلى عدّة اعتبارات

أحمد حاج حمدو نشرت في: 13 يونيو, 2019
أكثر من شهود: صحافة المواطن خلال الثورة المصرية

في الفترة التي سبقت ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كان لأحداث رئيسية دور في تحديد ما قاد إلى الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس المصري في العام 2011.

خالد فهيم نشرت في: 4 يونيو, 2019
مقدمة في مونتاج قصص الواقع الافتراضي (1)

عندما يتعلق الأمر بإنتاج أفلام الواقع الافتراضي، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا من المونتاج التقليدي للفيلم. بناءً على الكاميرا المستخدمة، قد يكون لديك عدة ملفات للقطة واحدة.

كونتراست الجزيرة نشرت في: 15 أبريل, 2019
بين الآنية والمتأنية.. هل تنجح الصحافة الرقمية؟

إذا أردنا تحديد موقع الصحافة الآنية داخل مساحةٍ يُحتمل فيها قبول المستويات المختلفة من العمق والتفريعات الصحفية، فيجب أن نتقبل حقيقة الإعلام الرقمي.. إنه المساحة الوحيدة التي يمكن خلالها للصحافة المتأنية أن تزدهر بجانب الصحافة الآنية.

محمد الشاذلي نشرت في: 8 أبريل, 2019
كيف تصمم ”إنفوغرافا“ احترافيا؟

 الإنفوغرافيك (information graphic) هو فن تحويل البيانات والمعلومات إلى صور ورسوم يسهل فهمها بوضوح، وإضفاء شكل آخر لعرض هذه المعلومات والبيانات بأسلوب جديد يبسّط الأرقام المعقدة ويعرضها بطريقة جميل

خالد كريزم نشرت في: 12 ديسمبر, 2018
الواقع الافتراضي في الصحافة

غالبا، تقدمنا نشرات الأخبار على أننا أرقام، عشرون شهيداً، ثلاثون أسيراً ومئات المصابين ربما.

إيليا غربية نشرت في: 25 نوفمبر, 2018
ترتيب الأولويات.. هل فقدنا جهاز التحكّم؟

في عام 1972، اكتشف عالما الاتصال "ماكّومبس" و"شو" (McCombs and Shaw) وجود علاقة ارتباطية بين طبيعة الأحداث التي يشاهدها العامة في الأخبار، وبين منظورهم تجاه الأحداث المهمة دون غيرها.

محمد خمايسة نشرت في: 23 أكتوبر, 2018
تقنين الإعلام الرقمي.. تنظيم أم تقييد؟

تناولت وسائل الإعلام، خاصة الرقمية منها، خبر انتشار وباء الكوليرا في الجزائر بإسهاب، وتناقله مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة فائقة.

صورية بوعامر نشرت في: 2 سبتمبر, 2018
خمسة أسئلة عن المواطن الصحفي على طاولة الاتحاد الدولي للصحفيين

 لا تزال قضية الاعتراف بالمواطن الصحفي تتردد في أروقة المنظمات الدولية، باعتبارها حالة طارئة على عالم الصحافة الاحترافية القائمة على حدود واضحة، فهذا الوصف لا يقتصر على الشخص الذي يسعى للتعبير عن ن

عبد الله مكسور نشرت في: 31 يوليو, 2018
قائمة هونغ كو للأخبار الموثوقة وتعزيز ثقافة المواطن الصحفي

ترجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورت - جامعة هارفارد  

بيتسي أودونوفان نشرت في: 28 يوليو, 2018
مواقع وأدوات وتطبيقات تُعالج المحتوى الرقمي

منذ سنوات اعتدت على تسليم المواد الصحفية المكتوبة للصحف المطبوعة وللمواقع الإلكترونية الإعلامية، لكن اليوم ومع التطور التقني في عصر الثورة التكنولوجية وخلال الثلاث سنوات الماضية تحديداً، أصبحت مجبر

محمد ناموس نشرت في: 15 يوليو, 2018
”تكرير“ البيانات الخام في القصة الصحفية

مطلع مارس/آذار 2013، زُرت الولايات المتحدة الأميركية للمرة الأولى في رحلة دراسية استغرقت ثلاثة أسابيع، ضمن برنامج أعده المركز الدولي للصحفيين.

عمرو العراقي نشرت في: 13 يوليو, 2018
الصحافة الاستقصائية في عصر السوشيال ميديا

 مرت الصحافة الاستقصائية عبر تاريخها بمراحل عديدة أثبتت خلالها دورها الحيوي في المجتمعات، فكانت صوت المواطنين وأداة لكشف ما يحدث في الظل وجلب المتهمين للعدالة.

عمر مصطفى نشرت في: 12 يوليو, 2018
غرف الأخبار.. موسم الهرولة إلى بيت الطاعة الرقمي

 في عام 1998 كتب جاكوب نيلسن -الاسم الأبرز في مجال دراسات استخدام الإنترنت- مقالا بعنوان "نهاية الإعلام التقليدي"، خلص فيه إلى أن معظم وسائط الإعلام "التقليدية" ستتلاشى وتستبدل بوسيط شبكي متكامل في

عثمان كباشي نشرت في: 15 يونيو, 2018
”إنفوتايمز“ العربي يتفوق بصحافة البيانات

"وسط بيئة صعبة، استطاع هذا الفريق الشاب الوصول للبيانات واستخدام برمجيات مفتوحة المصدر لسرد قصص صحفية رائعة لا تقل جودة عن ما تقدمه غرف الأخبار العالمية".

خالد كريزم نشرت في: 11 يونيو, 2018
الهواتف المحمولة والوعي.. أدوات المواطنين الصحفيين في الأردن

 أجهضت الهواتف النقالة للمواطنين الأردنيين جميع الكليشهات الإعلامية بأن الاعتماد على المواطن الصحفي كمصدر لنقل المعلومة يجر البلاد إلى الهاوية.

غادة الشيخ نشرت في: 9 يونيو, 2018
الإعلام والتكنولوجيا.. مَن يقود مَن؟

ليس مطلوباً من الإعلام أن ينأى بنفسه وجمهوره وأدواته عن مسيرة التطور التي لا تتوقف؛ بل أن يستثمر التكنولوجيا المتاحة في تطوير أدائه وتجويد محتواه.

محسن الإفرنجي نشرت في: 15 مايو, 2018
الاختراق الإسرائيلي للشباب العربي عبر الإعلام

تحتل الدعاية الإعلامية لأي حزب أو كيان سياسي مكانة لا تقل أهمية عن الجهوزية الحربية، فهي بيانات ورسائل دبلوماسية مختارة ومُنمَّقة بعناية لتحقيق تغيير ناعم تعجز الحروب العسكرية عن تحقيقها.

رامي الجندي نشرت في: 5 مايو, 2018
المواطن الصحفي وفخ الاستخبارات المفتوحة المصدر

بكل وضوح يقول رئيس شركة غوغل ومديرها التنفيذي السابق إيرك شميت: "إن الإنترنت أكبر تجربة فوضوية عرفها التاريخ".

معاذ العامودي نشرت في: 2 مايو, 2018