هل كان العالم يحتاج إلى فيلم إسرائيلي للتأكيد على ارتكاب تل أبيب القتل الممنهج في قطاع غزة؟ ما الجدوى من أن يفضح إسرائيليون بأنفسهم ما قامت به حكومتهم وجيشهم في القطاع خلال السنوات الثلاث الأخيرة؟ هل تحاول إسرائيل أن تُجمّل صورتها بفيلم "نازا" عبر تصوير نفسها دولة ديمقراطية تسمح بحرية التعبير عن الرأي؟ هذه بعض التساؤلات الجدلية التي أثارها فيلم "نازا - Naza" الاستقصائي بعد عرضه في مهرجان البندقية السينمائي في 10 أيلول/ سبتمبر 2026، وحصوله على تصفيق الجمهور لنحو 25 دقيقة وجائزة لجنة التحكيم.
لكنّ السؤال الأهم يكمن فيما بعده: هل يكون "نازا" خطوة حقيقية على طريق فتح باب الملاحقة والمساءلة لإتمام العدالة لآلاف المدنيين الذين قُتلوا واعتُبروا مجرد "أضرار جانبية"، أم سيظل مجرد عمل سينمائي صادم يصفق له الجمهور دون ملاحقة قضائية نافذة؟
فيلم نازا
يقع الفيلم في ساعة وعشرين دقيقة، ويكشف عن منظومة القتل الممنهج والمقصود التي اعتمدتها تل أبيب في حربها على القطاع، بالاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات وتعقب الهواتف والشاشات، حيث يستند الفيلم إلى شهادات 24 ضابطاً وجندياً ممن انخرطوا في هذه المنظومة ومارسوا القتل -عن بُعد- كما لو أنهم يمارسون لعبة فيديو حسب وصفهم. أخرجه الصحفيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور بالشراكة الإنتاجية مع صحيفة الغارديان البريطانية، والمخرج جوناثان غلايزر، وكانا سابقاً قد أخرجا فيلم "لا أرض أخرى" (No Other Land)، الحائز على الأوسكار.
"نازا" (נז"א) هو اختصار استخباراتي عسكري لعبارة "أضرار جانبية"، وفي سياق الفيلم يُشير إلى الآلية التي كان يعتمدها الجيش والمخابرات لتحديد أعداد المدنيين المسموح بقتلهم خلال ملاحقة هدف معين، واعتبارهم "أضراراً جانبية" لعملية الاستهداف. وبصرياً، يعتمد الفيلم أسلوباً يقارن بين مشاهد القصف والدمار في غزة، وبين الحياة الروتينية والرفاهية في تل أبيب، حيث يجلس المشغّلون "القتلة" خلف الشاشات لإعطاء أوامر القتل دون أن يُحرّك الأمر فيهم أي مشاعر أخلاقية. أثار الفيلم غضباً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية، حيث طالبت قيادات سياسية بسحب الجنسية من المخرجين واتهامهما بـ "الخيانة"، مما يعكس حجم تأثير الفيلم على الرواية الرسمية حول الحرب.
هناك وجهات نظر تنتقد إعطاء الفيلم بعض الضباط مساحة للتعبير عن حالة الصراع النفسي الذي يعيشونه نتيجة مشاركتهم في القتل؛ وهو ما يعيدنا إلى ظاهرة "صدمة القاتل" (Shoot and Cry / يُطلق النار ويبكي)، حيث تتركز الدراما على عقدة الذنب لدى الجاني وليس على معاناة الضحايا.
ما جديد "نازا"؟
من حيث المضمون، لم يأت "نازا" بمعلومات جديدة؛ حيث عمل الصحفيون الفلسطينيون في القطاع ليل نهار على توثيق الجرائم المرتكبة في القطاع خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهو ما كلفهم حياة أكثر من 260 صحفياً استُهدفوا لمنع نقل الحقيقة.
فقد كشفت تحقيقات سابقة لصحيفة الغارديان ومجلة 972+ بالتعاون مع (أبراهام وزور)، عن توظيف إسرائيل لأنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي لقتل الفلسطينيين في غزة، لكنّ "نازا" هنا، يُحوّل تلك المواد المكتوبة إلى شهادات بشرية مصورة. إلى جانب ذلك، يأتي مصدر المعلومات من داخل المنظومة الأمنية والعسكرية للجيش الإسرائيلي الذي لطالما روجت له المؤسسة السياسية والعسكرية بأنه "الأكثر أخلاقية حول العالم". لذا، هنا تكمن أهم نقاط قوة الوثائقي الاستقصائي باستناده إلى شهادات من داخل المؤسسة. بالإضافة إلى ذلك، تمثل مشاركة الغارديان البريطانية إلى جانب الصحفيين الإسرائيليين مصدراً موثوقاً لدى الرأي العام العالمي، خصوصاً في مواجهة تهم قد تتعلق بـ"الانحياز" والتشكيك بالمعلومات الواردة فيه.
سؤال الأهمية
رغم أن فيلم "نازا" وجه ضربة إعلامية وأخلاقية للسردية الرسمية لتل أبيب، إلا أن هناك وجهات نظر نقدية تنتقد إعطاءه بعض الضباط مساحة للتعبير عن حالة الصراع النفسي الذي يعيشونه نتيجة مشاركتهم في القتل؛ وهو ما يعيدنا إلى ظاهرة "صدمة القاتل" (Shoot and Cry / يُطلق النار ويبكي)، حيث تتركز الدراما على عقدة الذنب لدى الجاني وليس على معاناة الضحايا. كما أن تغطية وجوه الضباط وتغيير أصواتهم لحمايتهم وإخفاء هوياتهم يثير الشكوك حول دور الفيلم في حماية مجرمي حرب مفترضين من الملاحقة القانونية والقضائية الدولية. والأهم من ذلك، يعتقد كثيرون أن صياغة الرواية بشأن الإبادة يجب أن تكون على أيدي من عاشوا أهوالها عن قرب، وليس على أيدي إسرائيليين يحاولون كسب الجوائز على حساب الفلسطينيين. وهنا، يرى البعض أن المحافل الدولية لا تقبل الحقائق عن معاناة الفلسطينيين إلا إذا أتت من مصادر إسرائيلية؛ أي منح الشرعية الأخلاقية وتصديق رواية الآخر مقابل شيطنة رواية الضحية.
وبالنظر في السياق التاريخي المقارن، وعند العودة –على سبيل المثال– إلى نكبة عام 1948، نجد أن أهم الوثائق التي تدحض رواية الاحتلال بشأن أحداثها صدرت على أيدي مؤرخين إسرائيليين استندوا في كتاباتهم ومصادرهم إلى الأرشيف الإسرائيلي. ويُعد كتاب بيني موريس "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947-1949" (The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947–1949)، واحداً من أهم الأعمال التأريخية التي وثقت عمليات الطرد الممنهجة والمذابح التي أجبرت الفلسطينيين على النزوح، ومنعتهم من العودة إلى ديارهم بعد انتهاء المعارك. وفي كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، الصادر عام 2006، وصف المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه ما جرى في النكبة بأنه "تطهير عرقي"، استهدف إقامة دولة ذات أغلبية يهودية. اعتُبرت كتابات كل من بابيه وموريس مراجع قوية وثّقت ما ارتكبته العصابات الصهيونية في عام النكبة، وقوّضت أساسات السردية الإسرائيلية حولها عبر تفنيد الادعاء بأن الفلسطينيين غادروا أراضيهم طواعية وبناءً على أوامر من الجيوش العربية.
يخاطب "نازا" الرأي العام الغربي بأدواته ورموزه؛ كونه أُنتج بالتعاون مع جهات دولية بارزة كصحيفة "الغارديان" ومخرجين حائزين على جوائز عالمية، وقُدم في مهرجانات سينمائية مرموقة (مثل البندقية ونيويورك)؛ لذا يصعب تجاهل الحقائق الواردة فيه.
في هذا الإطار، يمكن قراءة فيلم "نازا" بوصفه امتداداً وثائقياً بصرياً يدعم السردية الفلسطينية من عدة زوايا؛ أولها: أن صحفيين إسرائيليين يقفان خلف إخراج الفيلم، والشهادات التي يستند إليها صادرة من قلب المنظومة الأمنية المشاركة بعملية القتل. هذه الاعترافات تُسقط الرواية الرسمية الإسرائيلية تماماً، وتثبت صحة ما كان يوثقه الصحفيون الفلسطينيون والمنظمات الحقوقية حول عمليات الاستهداف الممنهجة في أثناء الحرب؛ وبالتالي، يقطع الفيلم الطريق أمام من يحاول التشكيك بما ورد فيه أو اتهام صُنّاعه بالانحياز وعدم المصداقية من قبل الرأي العام والمؤسسات الإعلامية الغربية.
كما يُضفي الفيلم الطابع الإنساني (Humanization) على الضحايا المدنيين الفلسطينيين، عبر تحويل أرقام الشهداء والجرحى الواردة بشكل مجرد في النشرات الإخبارية إلى قصص تستحق أن تُروى لعائلات أبيدت بالكامل. وقد دحض الفيلم فكرة "الأخطاء الفردية" وفرضية "الدفاع عن النفس" اللتين لطالما روجت لهما المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية عند ثبوت تورط الجيش بقتل متعمد للمدنيين من النساء والأطفال؛ إذ أثبت "نازا" أن عمليات القتل مقصودة، وناتجة عن خوارزميات وبرمجيات ذكاء اصطناعي تُصمم قوائم الاستهداف وتحدد نسب "الأضرار الجانبية" المسموح بقتلها مسبقاً.
وأخيراً، يخاطب "نازا" الرأي العام الغربي بأدواته ورموزه؛ كونه أُنتج بالتعاون مع جهات دولية بارزة كصحيفة "الغارديان" ومخرجين حائزين على جوائز عالمية، وقُدم في مهرجانات سينمائية مرموقة (مثل البندقية ونيويورك)؛ لذا يصعب تجاهل الحقائق الواردة فيه. كما أن فوز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي وعرضه في المحافل العالمية ينقلان شهادة الضحية الفلسطينية إلى حقيقة سينمائية وتاريخية معترف بها، رغم كل المحاولات التي بذلتها تل أبيب والإعلام الغربي المساند لها لطمس حقيقة الإبادة في قطاع غزة.
ماذا بعد الفيلم؟
في حديث مع مجلة الصحافة، أكّد الدكتور محمود الحنفي، أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان، أن "فيلم نازا يعزز حالياً الإجراءات القائمة لدى المحكمة الجنائية الدولية في إطار ملاحقة مرتكبي الجرائم في غزة معنوياً أكثر منه مادياً"، ويؤكد أن "عمليات القتل لم تكن ذات مدلولات سياسية فقط، بل حقيقة واقعية؛ يمكن البناء على ما ورد فيه من إفادات داخلية لملاحقة الجناة". ويضيف الحنفي أن "الفيلم يوفّر مادة غنية جداً على المستوى الدولي ويزيد من العزلة الإسرائيلية، كما يشجع على تحرك قانوني وقضائي وطني ذي اختصاص عالمي، ويعطي الجنائية الدولية دفعة كبيرة لمتابعة القضايا المتعلقة بفلسطين وتعزيز دورها بهذا الشأن". ويرى الحنفي أنه يمكن أيضاً الاستفادة من الفيلم باللجوء إلى المحاكم الوطنية والمنظمات الدولية المختصة بحقوق الإنسان، والتحدي هنا يكمن "فيمن سيقوم بالخطوة الأساسية لمعاقبة الجناة". وفي هذا الإطار، يُعد الفيلم برأيه "إحراجاً للدول والمؤسسات التي ساندت الرواية الإسرائيلية طوال فترة الحرب". وفي تساؤل عمّا إذا كان يمكن استثمار الفيلم لتشكيل محكمة خاصة بشأن غزة على شاكلة ما جرى في رواندا عام 1994، يعلق الحنفي بالقول: "أنشأ مجلس الأمن محكمة خاصة تتعلق بجرائم الحرب في رواندا؛ أما فيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية فهي تخضع للمحكمة الجنائية الدولية. كنا نتمنى تشكيل محكمة خاصة تتعلق بفلسطين، لكن الولايات المتحدة الأمريكية تعيق ذلك بالفيتو الدائم داخل مجلس الأمن".
فهل تُستثمر شهادات الفيلم لفتح باب الملاحقة القضائية من جديد، أم سيبقى مجرد "صدمة بصرية" تقتصر مفاعيلها على قاعات السينما؟