أحد أكثر المفاهيم الإعلامية التي استحوذت على الاهتمام خلال العقدين الماضيين هو مفهوم "المواطن الصحفي" (Citizen Journalist): ذلك الفرد الذي أصبح، بفضل الثورة الرقمية، قادراً على جمع الأخبار وتصويرها ونشرها خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية. وقد تناولت مئات الدراسات أثر هذه الظاهرة في توسيع المجال العام، وكسر احتكار المؤسسات الإعلامية للمعلومة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وخاصة في أوقات الأزمات والحراكات المجتمعية والحروب والكوارث.
غير أن الانشغال ببريق الصعود المتسارع لـ"المواطن الصحفي" لم يقابله اشتغال بظاهرة مقابلة تستحق الدراسة والاهتمام: تراجع دور "الصحفي المواطن". ففي الوقت الذي أتاحت فيه الثورة الرقمية للمواطن الاقتراب من بعض وظائف الصحافة، أخذ قطاع من الصحفيين يبتعد عن الوظيفة العامة للمهنة، منجذباً إلى منطق المنصات والخوارزميات، وإغراء الشهرة، واقتصاد الانتباه. وهنا تتجلى مفارقة الإعلام المعاصر: مواطن يتقدم نحو ممارسة الدور الصحفي، وصحفي يتراجع عن مسؤوليته المدنية وعن موقعه بوصفه حارساً للمجال العام.
ظهور المواطن الصحفي
ارتبط شيوع مفهوم "المواطن الصحفي" بالتحولات التي أحدثها الإنترنت في إنتاج الأخبار وتداولها، مع أن جذوره تسبق البيئة الرقمية، ويمكن تلمسها في الصحافة البديلة، والإذاعات المجتمعية، ومساهمات الجمهور في وسائل الإعلام. وقد مثّلت تجربة موقع (OhmyNews) في كوريا الجنوبية محطة رئيسية في بلورة المفهوم بصورته المعاصرة، عندما أسّس الصحفي الكوري أوه يون-هو (Oh Yeon-ho) الموقع عام 2000، رافعاً شعار "كل مواطن مراسل"، وأتاح للجمهور إنتاج مواد إخبارية تخضع للمراجعة والتحرير قبل نشرها. ورغم صعوبة تعقب التاريخ الدقيق لظهور المفهوم ونسبته إلى أصل كوري بصورة مطلقة، يصح القول إن التجربة الكورية أسهمت في تحويله إلى نموذج إعلامي رقمي منظم ذاع عالمياً.
وفي أبسط صوره، يمكن النظر إلى المواطن الصحفي بوصفه شاهد عيان يحمل كاميرا بدلاً من الاكتفاء بالعين المجردة. فقد حوّل الهاتف المحمول المواطن من شخص يشاهد الحدث إلى شاهد رقمي يستطيع توثيقه ونقله فوراً إلى المجال العام. ويمكن التمييز بين أربعة أنماط من المواطنين الذين يمارسون أدواراً صحفية بدرجات متفاوتة. أولها المواطن الصحفي بالصدفة (Accidental Citizen Journalist)، وهو الشخص الذي يوجد في المكان والزمان المناسبين عندما يقع حدث استثنائي، فيلتقطه بهاتفه وينشره. أي إنه لم يذهب بحثاً عن الخبر، وإنما جاء الخبر إليه، فتحول بفعل المصادفة من شاهد على الحدث إلى مصدر للمعلومات والصور المتعلقة به. ويقترب منه المواطن الصحفي المشارك في الحدث، الذي يكون طرفاً في الواقعة أو منتمياً إلى الجماعة المتأثرة بها، فيقدم شهادة من الداخل تمنحه قرباً معرفياً وإنسانياً استثنائياً. غير أن هذا القرب قد ينعكس على زاوية رؤيته وطريقة انتقائه للمعلومات، نتيجة تداخل موقعه بوصفه شاهداً مع موقعه بوصفه طرفاً متأثراً بالحدث. أما النمط الثالث فهو المواطن المتقمص للدور الصحفي، الذي يتوجه عمداً إلى مكان الحدث، ويتابع تطوراته، ويصور الوقائع، ويجري المقابلات، ويقدم بثاً مباشراً سعياً إلى السبق والوصول إلى الجمهور. وهنا ينتقل المواطن من التوثيق العرضي إلى ممارسة مقصودة لبعض وظائف الصحافة، حتى وإن ظل خارج المؤسسة الإعلامية وغير خاضع لضوابطها المهنية والتحريرية. وقد تتطور هذه الممارسة إلى نمط رابع هو المواطن الصحفي المنظم، الذي يغطي الأحداث بصورة منتظمة، ويتخصص في مجال معين، ويبني شبكة من المصادر والمتابعين، ويكتسب مع الوقت حضوراً عاماً ومصداقية لدى جمهوره. ويقع هذا النمط في منطقة وسطى بين المواطن العادي والصحفي المحترف، وقد يؤدي عملياً كثيراً من وظائف الصحافة من دون أن يحمل صفتها المهنية أو ينتمي إلى إحدى مؤسساتها.
مع امتداد الحرب، برز أفراد واصلوا التغطية بصورة منتظمة، وبنوا جمهوراً وشبكات من المصادر، وتحولوا عملياً إلى مواطنين صحفيين منظمين. وقد اكتسبت هذه الأدوار أهمية استثنائية في ظل القيود المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب بصورة مستقلة إلى قطاع غزة
وقد شكلت الحرب على غزة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تزال تداعياتها متلاحقة، حالة كاشفة عن اجتماع هذه الأنماط وتداخلها. فقد وجد مواطنون أنفسهم في مواقع الأحداث فتحولوا إلى صحفيين بالصدفة، بينما وثّق المتضررون والنازحون والمسعفون ما عاشوه بوصفهم مشاركين في الحدث وشهوداً عليه. وفي الوقت نفسه، توجه مواطنون وناشطون عمداً إلى مواقع الوقائع لتصويرها وإجراء المقابلات وبثها مباشرة، مجسدين نمط المواطن المتقمص للدور الصحفي. ومع امتداد الحرب، برز أفراد واصلوا التغطية بصورة منتظمة، وبنوا جمهوراً وشبكات من المصادر، وتحولوا عملياً إلى مواطنين صحفيين منظمين. وقد اكتسبت هذه الأدوار أهمية استثنائية في ظل القيود المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب بصورة مستقلة إلى قطاع غزة، فتحولت هواتف السكان وحساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي إلى نوافذ أساسية يطل منها العالم على ما يجري. واستخدمت المؤسسات الإعلامية جانباً من هذا المحتوى بعد إخضاعه للتحقق، فتداخلت شهادة المواطن مع عمل الصحفي المحترف. وقدمت غزة بذلك نموذجاً واضحاً لكيفية انتقال المواطن، أحياناً خلال الحدث نفسه، من شاهد يحمل كاميرا إلى منتج للمعلومة وفاعل في تشكيل الرواية الإعلامية العالمية.
تراجع الصحفي المواطن
إذا كان المواطن الصحفي قد اقترب تدريجياً من ممارسة الدور الإعلامي، فإن السؤال المقابل يتعلق بمدى محافظة الصحفي المحترف على الوظيفة المجتمعية والأخلاقية لمهنته. والمقصود بـ"الصحفي المواطن" هنا الصحفي المهني الذي يمارس عمله بوصفه مسؤولية عامة، ويجعل حق المجتمع في المعرفة مرجعيته الأولى، ملتزماً بقيم التحقق والاستقلال والمساءلة وخدمة المجال العام. فقد نشأت الصحافة الحديثة على أساس أن الصحفي يؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز نقل الأخبار. فهو حارس للمجال العام، ورقيب على السلطة، ووسيط بين المجتمع وصناع القرار. ولهذا ارتبطت المهنة تاريخياً بمبادئ التحقق والإنصاف والاستقلالية والمساءلة والالتزام بالحقيقة، حتى أصبحت هذه المبادئ جزءاً من العقد الأخلاقي بين الصحافة والجمهور.
ويتميز "الصحفي المواطن" عن "المواطن الصحفي" بخضوع الأول، من حيث المبدأ، لمنظومة مؤسسية ومهنية تفرض عليه التحقق والدقة والتوازن، والتمييز بين الخبر والرأي، واحترام الخصوصية، وحماية المصادر، وتصحيح الأخطاء، وتحمل المسؤولية القانونية والاجتماعية عن النشر. غير أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي شهدها الإعلام أعادت تشكيل مساحة التمايز هذه؛ فمع تراجع النماذج الاقتصادية التقليدية، وصعود المنصات الرقمية، وانخفاض عوائد الصحافة، أصبح بعض الصحفيين أكثر خضوعاً لمنطق السوق والخوارزميات.
ولم يقتصر أثر هذه الضغوط على أدوات العمل وأشكاله، وإنما امتد إلى مرجعيته ووظيفته العامة، وتمظهر ذلك في ثلاثة تحولات مترابطة تمس المسؤولية الاجتماعية، وحوكمة المحتوى، وهوية الصحفي المهنية.
يتجلى التحول الأول في تآكل مفهوم المسؤولية الاجتماعية؛ إذ ينتقل معيار النجاح لدى بعض الصحفيين من قيمة ما يضيفه العمل إلى المصلحة العامة، إلى عدد المشاهدات وسرعة الانتشار وحجم التفاعل. وتحولت الخوارزميات إلى محرر خفي يعيد ترتيب الأولويات، ويكافئ الإثارة والسرعة على حساب الدقة والأهمية. فالتثبت يحتاج إلى وقت، والتوازن قد يقلل من الجاذبية، والتحقيقات الرصينة مكلفة، بينما يحقق التعليق السريع والفيديو القصير انتشاراً أوسع بكلفة أقل. وهكذا أصبح جانب من العمل الصحفي أسيراً لاقتصاد الانتباه.
وقاد تراجع المسؤولية الاجتماعية إلى تحوّل ثانٍ مسّ فلسفة العمل الصحفي نفسها، تمثّل في انتقال الصحفي إلى موقع صانع المحتوى؛ أي الانتقال من سؤال: ماذا يحتاج الجمهور؟ إلى سؤال: ماذا يطلب الجمهور؟ وبذلك انقلبت المعادلة جزئياً؛ فبعد أن كان الإعلام يسهم في تشكيل أولويات الرأي العام، أصبحت تفضيلات الجمهور ومؤشرات تفاعله تؤثر بصورة متزايدة في أجندة الإعلام وتوجهاته. وأثّر هذا التحول في حوكمة المحتوى الصحفي، إذ تراجعت معايير الأهمية والتحقق والمسؤولية التحريرية أمام اعتبارات الجذب والانتشار.
مع تراجع النماذج الاقتصادية التقليدية، وصعود المنصات الرقمية، وانخفاض عوائد الصحافة، أصبح بعض الصحفيين أكثر خضوعاً لمنطق السوق والخوارزميات. ولم يقتصر أثر هذه الضغوط على أدوات العمل وأشكاله، وإنما امتد إلى مرجعيته ووظيفته العامة.
أما التحول الأكثر تعقيداً فطال هوية الصحفي واستقلاله المهني، وظهر في تحول بعض الصحفيين إلى "كتّاب تحت الطلب"، يصوغون المقالات والخطابات والمنشورات والحملات، وينتجون سرديات جاهزة لصالح أفراد أو شركات أو جهات سياسية، بما قد ينطوي عليه ذلك من تضارب في المصالح وتضليل للجمهور، خاصة عند غياب الإفصاح والفصل بين الصحافة والدعاية. واقترن ذلك بطغيان هاجس الشهرة وتضخم "الأنا" الشخصية، حتى غدت المهنة مشروعاً لبناء علامة شخصية وزيادة المتابعين وتعظيم الحضور الفردي؛ فيتراجع الانشغال بالقضايا العامة أمام الانشغال بصناعة الذات وتسويقها.
وأفضى مجموع هذه التحولات إلى نتيجة أعمق تمثلت في إعادة توزيع مواقع التأثير داخل المجال العام. فحتى وقت قريب، كان الصحفي المحترف يتقدم صفوف قادة الرأي، مستنداً إلى معرفته ومصداقيته وقدرته على تفسير الأحداث ووضعها في سياقها، ومساءلة أصحاب السلطة دفاعاً عن المصلحة العامة. وكان هذا الموقع امتداداً لوظيفة الصحافة بوصفها "سلطة رابعة" تراقب المؤسسات، وتغذي النقاش العام بالقضايا الجوهرية، وتحمي حق المجتمع في المعرفة. غير أن "الصحفي المواطن" بدأ يتخلى تدريجياً عن هذا الموقع، منجرفاً إلى غواية الإعلام الجديد ومفتوناً بسحر "المؤثرين"؛ فراح يستعير لغتهم وأدواتهم، ويقيس حضوره بعدد المتابعين وحجم التفاعل، ويقدم الإثارة وبناء العلامة الشخصية على عمق المعرفة وجدوى الرسالة. وفي المقابل، تقدم المؤثرون لشغل المساحة التي أخلاها الصحفي، فتحول جانب من اهتمام الجمهور من القضايا العامة إلى تفاصيل الحياة اليومية والاستهلاك والاتجاهات الرائجة والمحتويات الترويجية.
كما أسهم ظهور "المواطن الصحفي" في توسيع دائرة المشاركة الإعلامية، وكسر احتكار المعلومة، ومنح المجال العام شهوداً جدداً قادرين على توثيق الأحداث ونقلها لحظة وقوعها، فإن انجراف "الصحفي المواطن" وراء لمعان التأثير وبريق الإعجاب حمل خطراً على جوهر المهنة، حين تحولت المسؤولية العامة إلى بحث عن الانتشار، وتراجع الانشغال بالقضايا الحقيقية.
المهنة تبحث عن الصحفي
تكشف هذه التحولات عن مفارقة ينبغي التوقف عندها؛ فكما أسهم ظهور "المواطن الصحفي" في توسيع دائرة المشاركة الإعلامية، وكسر احتكار المعلومة، ومنح المجال العام شهوداً جدداً قادرين على توثيق الأحداث ونقلها لحظة وقوعها، فإن انجراف "الصحفي المواطن" وراء لمعان التأثير وبريق الإعجاب حمل خطراً على جوهر المهنة، حين تحولت المسؤولية العامة إلى بحث عن الانتشار، وتراجع الانشغال بقضايا المجتمع أمام إغراء الشهرة وتعظيم الحضور الشخصي.
لذلك، ينبغي ألا يشغلنا الاحتفاء بدور "المواطن الصحفي" عن الاشتغال على منع أفول "الصحفي المواطن". فإذا كان صعود الأول قد وسّع المشاركة وأغنى المجال العام، فإن تراجع الثاني يعني تخلي الصحافة عن موقعها بوصفها سلطة رابعة وحارساً لذلك المجال. ويغدو هذا التخلي أكثر خطورة في وقت تسعى فيه سلطات سياسية واقتصادية ورقمية إلى توسيع نفوذها والتغول على المجال العام.