حين أتصفح شريط ذكرياتي خلال سنوات الحرب في اليمن منذ عام 2015، يحضرني دائما بيت الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري:
تعبٌ كلها الحياة فما أعجبُ إلا من راغبٍ بازديادِ
عاش المعري حياة قاسية لُقِّب على إثرها برهين المحبسين (العمى والبيت)، لكنني بصفتي صحفيا ميدانيا عشت واقعا شديد القسوة، ووجدت نفسي رهينا لمحابس متداخلة: النزوح والحرب والإقصاء الوظيفي وصولاً إلى المحبس الأكثر ضراوة "مرض الاكتئاب". لقد خضت مع هذا المرض حربا حقيقية لا تقل وحشية عن الحرب الميدانية؛ إذ إنني أعيش أصعب تفاصيلها بشكل يومي.
إن الدخول في أروقة التغطية الصحفية داخل مناطق النزاعات المسلحة لا يضع الصحفي تحت مقصلة الانتهاكات والمخاطر الجسدية فحسب، بل يجعله هدفا مباشرا لصدمات نفسية غير مرئية، وهو ما يجعله يتوجع بصمت. واليوم أسرد لكم جزءا من تلك المعاناة بعد أن كنت لسنوات عنوانا لها، باعتباري أحد ضحاياها القابعين تحت وطأة الحرب وآثارها.
قبل سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على العاصمة صنعاء وسقوط مؤسسات الدولة في سبتمبر/ أيلول 2014، كنت أعيش في صنعاء حياة شبه مستقرة مليئة بالتفاؤل بمستقبل أفضل بدأت تظهر ملامحه مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني اليمني، والإجماع على خيار بناء دولة مدنية حديثة كعنوان رئيس لأهداف ثورة 11 فبراير 2011، وعلى المستوى الشخصي كنت أكثر تفاؤلا خاصة بعد نيلي وظيفة حكومية في مكتب رئاسة الجمهورية، ورزقي بمولودي البكر "مازن".
بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، بدأت الصدامات المباشرة مع قياداتهم وأفرادهم في مقر العمل، ومع انطلاق عاصفة الحزم نهاية مارس 2015 أدركت أن البقاء في صنعاء بات يمثل خطرا يهدد سلامتي الشخصية، فقررت بعد حوالي أسبوعين فقط العودة إلى مسقط الرأس في جبل صبر بتعز مع زوجتي وطفلي، وبعد وصولي إلى القرية تلقيت تحذيرات أمنية بتوخي الحذر لتوفر معلومات مؤكدة بأني أحد المطلوبين أمنيا للحوثيين.
خلال هذه الفترة توقفت وسائل الإعلام المحلية بشكل شبه كامل، وبدأت آثار الحرب تتسلل إلى حياتي خاصة مع توقف الرواتب واتساع رقعة المواجهات، لكن الحدث الأبرز كان وصولها إلى قريتي في 15 يوليو/ تموز 2015 حيث بقيت شهرا كاملا، عايشت خلاله تفاصيل وأوجاع الحرب وكنت أحد ضحاياها. شاهدت جثثا لأقاربي وأصدقائي، والدماء التي سالت، وعشت أياما صعبة على وقع أصوات القذائف والمدافع والرصاص، وكانت هذه هي الصدمة النفسية الأكبر التي وقعت وبدأت تكبر بداخلي.
وجدت نفسي رهينا لمحابس متداخلة: النزوح والحرب والإقصاء الوظيفي وصولاً إلى المحبس الأكثر ضراوة "مرض الاكتئاب". لقد خضت مع هذا المرض حربا حقيقية لا تقل وحشية عن الحرب الميدانية؛ إذ إنني أعيش أصعب تفاصيلها بشكل يومي.
فَرضت عليّ الحياة في القرية عزلة حقيقية؛ حيث صعوبة توفير الحد الأدنى من الاحتياجات والخدمات اليومية مثل التيار الكهربائي وشبكات الإنترنت، كما ازدادت حياتي تعقيدا جراء البطالة وتراكم الالتزامات والمسؤوليات الأسرية، فدفعني ذلك إلى توجه إلى المدينة باحثا عن عمل. لم أجد غايتي فاضطررت للعمل مساعدا ميدانيا لمراسل وسيلة إعلام خارجية، بأجر لا يوفّر لي قوت يومي.
فاقم هذا الوضع شعوري بالإحباط والخوف من المجهول، وفي هذه الفترة بدأت أعراض الاكتئاب بالظهور؛ مثل: غياب الدافع، وسيطرة الشعور بالخوف والحزن والملل، وجلد الذات. ورغم عثوري عام 2017 على فرص عمل محدودة وغير مجزية، إلا أنني قبلت بها تحت وطأة الحاجة وعدم شعوري بالأمان الشخصي والوظيفي. واضطررت حينها للكتابة بأسماء مستعارة حماية لنفسي. وبالتزامن مع هذا كانت أعراض الاكتئاب تتفاقم عندي، وسط استغراب من حولي من تغير طباعي.
إن ما عشته ليس مجرد استثناء شخصي، بل هو انعكاس لواقع مأساوي يوثقه التقرير السنوي لنقابة الصحفيين اليمنيين للعام 2025؛ حيث رصد التقرير 127 حالة انتهاك طالت الحريات الإعلامية، تنوعت بين 31 حالة حجز حرية (تشمل الاعتقال والاختطاف والملاحقة)، و24 حالة محاكمة وإجراءات قضائية مسيّسة، و19 حالة قطع رواتب، فضلاً عن 16 جريمة قتل طالت صحفيين وفنيين، و12 حالة اعتداء على الصحفيين ومنازلهم ومؤسساتهم.
وتتجاوز الأزمة مجرد الانتهاكات الميدانية لتطال الاستقرار الوظيفي والمعيشي للصحفيين؛ حيث كشفت استبانة النقابة - التي شارك فيه 213 صحفيا وصحفية - عن هشاشة غير مسبوقة في بيئة العمل: 48.4% يعملون بلا عقود عمل مكتوبة، بينما يتقاضى 47.4% منهم أجورا أدنى من 150 دولارا شهريا، وتتوقف أو تتأخر رواتب نحو 60.6% منهم، وتصل نسبة من لا يحصلون على أي مزايا وظيفية أو تأمين صحي إلى 85.4%، وهذ كله أجبر 70% من الصحفيين على العمل في مهن إضافية خارج الصحافة لتأمين لقمة العيش، فأثر ذلك على أوضاعهم الصحية والنفسية وسط بيئة عمل عالية المخاطر، وتغطيات ميدانية بلا حماية قانونية أو سلامة جسدية ونفسية.
بين عامي 2017 و2020 تنقلت بين أكثر من جهة عمل، لكن ظروف العمل كانت سلبية إلى درجة فاقمت سوء حالتي، فوصلت إلى حدّ التبلد الذهني التام، والعجز حتى عن صياغة خبر صحفي بسيط. تمكّن مني المرض حتى أصبحت غريبا عن نفسي، تغيرت طباعي وقدرتي على العطاء المهني، حتى وجدت نفسي أعيش ضائقة مالية واضطر للاستدانة من أجل النجاة.
رغم عثوري على فرص عمل محدودة وغير مجزية، إلا أنني قبلت بها تحت وطأة الحاجة وعدم شعوري بالأمان الشخصي والوظيفي. واضطررت حينها للكتابة بأسماء مستعارة حماية لنفسي.
أثّر هذا الوضع على استقرار أسرتي وعلاقاتي الاجتماعية، ولم أجد حلا إلا أن اتخذ القرار الصعب بالذهاب إلى الطبيب النفسي، ومن حسن الحظ أن أحد أشهر الأطباء النفسيين كان صديقا لي، فذهبت إليه وأنا لا أملك حتى مقابل المعاينة في العيادة. شخّص الطبيب حالتي بـ "اكتئاب حاد" وهو أقصى درجات المرض، فبدأت بعدها رحلة العلاج والأدوية.
كنت أتجنب الخروج من البيت أو لقاء الناس، ووجدت مهربي في النوم وكتابة الشعر. خلال هذه الفترة تركزت كتاباتي حول: الاكتئاب والخذلان والموت. وفي عام 2022 أصدرت ديوانا شعريا يضم هذه القصائد تحت عنوان "فراغات الوحشة".
رغم وطأته الثقيلة، كنت أحارب مرضي بشجاعة؛ فعملت على كتابة منشورات توعوية في عن الصحة النفسية في صفحتي على "فيس بوك" دونما خجل من تجربتي، وعملت على محو الوصمة الاجتماعية التي تلصق بالمريض النفسي، ودحض المفاهيم المغلوطة وحفزت المرضى على زيارة العيادات النفسية.
شجاعة الاعتراف وكتابة يومياتي مع الاكتئاب جذبتا اهتمام العديد من وسائل الإعلام العربية والدولية لمقابلتي والكتابة عن تجربتي التي منحت - برأيي - الأمل لكثيرين ممن كانوا يعانون بصمت؛ فمع كل منشور كنت أكتبه كنت أرى التفاعل والتواصل من الناس الذين اقتنعوا بالذهاب إلى عيادات الطب النفسي وتلقي العلاج.
تجربتي بصفتي صحفيا يعاني من الاكتئاب قادتني إلى القناعة بأن الصحة النفسية ليست ترفا، بل هي ضرورة لكل صحفي في الظروف الطبيعية نتيجة الضغوطات التي يواجهها طوال يومه، وتتحول إلى مسألة بقاء أو إنقاذ في بيئات شديدة الخطورة كالحروب والكوارث وآثارها التراكمية التي تطال الجميع.
والمؤسف أن السلامة النفسية تبقى واحدة من أكثر الجوانب المهملة في منظومة حماية الصحفيين اليمنيين، وفي هذا السياق، يلفت سكرتير لجنة الحريات في نقابة الصحفيين اليمنيين أشرف الريفي الانتباه إلى أن "توفير خدمات الدعم النفسي يتطلب إمكانات مالية وفنية تتجاوز قدرات نقابة الصحفيين اليمنيين وحدها، وهو الأمر الذي يستدعي شراكة حقيقية بين النقابة والجهات الرسمية المعنية والمنظمات الدولية الداعمة لحرية الصحافة ومراكز العلاج والدعم النفسي؛ لبناء برامج مستدامة تعزز صمود الصحفيين وتحافظ على صحتهم النفسية إلى جانب سلامتهم الجسدية".
تجربتي بصفتي صحفيا يعاني من الاكتئاب قادتني إلى القناعة بأن الصحة النفسية ليست ترفا، بل هي ضرورة لكل صحفي في الظروف الطبيعية نتيجة الضغوطات التي يواجهها طوال يومه، وتتحول إلى مسألة بقاء أو إنقاذ في بيئات شديدة الخطورة كالحروب والكوارث وآثارها التراكمية التي تطال الجميع.
إن العمل الميداني في قلب الصراعات والنزاعات والأزمات والكوارث يجعل الصحفي أكثر عرضة من غيره للصدمات النفسية الناتجة عن معايشته للأحداث من كثب، والتي تؤثر على صحته العقلية والجسدية، فتسبب له القلق والخوف ونوبات الفزع واضطراب ما بعد الصدمة، وهو ما يفرض التزاما أخلاقيا ومهنيا يقع على عاتق النقابات والاتحادات والمؤسسات الإعلامية بتبني برامج سلامة شاملة: أمنية ونفسية ورقمية وقانونية.
والتجربة الطويلة تقتضي ألا أقف عند حدود سرد حكايتي، لذلك أضع بعضا من الخطوات التي أراها مهمة لسلامة جميع الصحفيين، ويتطلب ذلك توجّها مؤسسيا متكاملا يبدأ بالتوعية والتثقيف، من خلال قيام الاتحادات والنقابات والمراكز والمؤسسات الإعلامية بتنفيذ حملات دورية لتعريف الصحفيين بأهمية الصحة النفسية وسبل حمايتها وكيفية التعامل مع مسببات الاضطرابات النفسية، بالتوازي مع جعل سلامة الصحفي - جسديا ونفسيا - أولوية في السياسات المؤسسية ومراجعة سياسات التغطية الإعلامية وفقا لذلك.
ويشمل هذا التوجه إلى إجراء تقييم منهجي للمخاطر النفسية، يستند إلى دراسة بيئة العمل والصدمات التي قد يتعرض لها الصحفي وآثارها المحتملة وسبل الحد منها، إلى جانب توفير الدعم النفسي والتدخل المبكر عبر تنظيم جلسات نفسية دورية، ومساعدة الحالات التي تستدعي العلاج من خلال تأمين صحي شامل يغطي تكاليفها.
إضافة إلى ذلك يجب ضمان حصول الصحفيين على إجازات تعافٍ دورية ومدفوعة الأجر تتيح لهم الانقطاع الكامل عن العمل دون تهديد استقرارهم الوظيفي أو المعيشي، فضلا عن توفير الدعم المالي للصحفيين المستقلين والمنقطعين عن العمل بسبب ظروف قهرية لا سيما في بيئات الحروب والكوارث؛ مثل فلسطين واليمن والسودان.
إن الصحفي اليوم لا يحتاج إلى الحماية الأمنية والأمان الوظيفي والاجتماعي فحسب؛ لأن حماية الصحفي تعني حماية الخبر الذي يكتبه والحقيقة التي ينقلها.