أخضعَ "المؤثر" الفرنسي أنطوني لوفريدو الملقب بـ"الفضائي الأسود" جسده منذ سنوات لسلسلة من التعديلات المتطرفة؛ إذ شقّ لسانه على هيئة الزواحف، وحقن مقلتيه بالحبر الأسود، وبتر أنفه وأذنيه وبعض أصابعه سعياً لتحويل نفسه إلى كائن فضائي. وبُثت هذه التجربة الغريبة أمام جمهور يناهز 1.4 مليون متابع، وحصدت ملايين المشاهدات وتغطية صحفية شملت شريطا وثائقيا على قناة Channel 4 تخطى عتبة ثلاثة ملايين مشاهدة. ويتّخذ لوفريدو من ملامحه وسيطا فنيّا يستعرض عبره تحولاته المتطرفة، معيداً إلى الأذهان تقليد "عروض المسوخ" في القرن التاسع عشر بحلة رقمية معاصرة.
راكم صاحب هذا الحساب وسواه من صناع المحتوى المتطرفين طفرة مستمرة في المتابعات بالارتكاز على سلوكات غريبة وخارجة عن المألوف، وذلك ضمن بيئة رقمية تقيس القيمة بحجم التفاعل أياً كانت طبيعته ونوعيته، لتغدو الغرائبية رأسَ مال يستثمر في انتباه الناس ويحوله إلى أرباح طائلة.
يأتي انتشار هذه المقاطع القصيرة ضمن سياق استهلاكي يقضي فيه المستخدم العادي ما يزيد عن ساعتين، وهو معدل يومي للتصفح، وتخلق المقاطع المرئية (ريلز) الغريبة والمثيرة لحظة فارقة لقطع التدفق البصري يمكن تشبيهها بـ"دهشة الانتباه"؛ أي تلك اللحظة التي يتوقف خلالها الدماغ عن التمرير الآلي ليقرّر إن كان يستحق هذا المحتوى مشاهدته أم لا.
لا تتوقف مسألة الانتباه عند حدود صنّاع المحتوى الأفراد، وإنما تمتدّ لتطال أيضا المهنة الصحفيّة؛ إذ تجد المنصات الصحفية الرقمية نفسها تحت ضغط دائم يدفعها إلى منافسة محتوى المنصات بأساليب تقوم على الغرابة والإثارة بدلا من الاعتماد على أدوات التحقق والعمق. ومع الوقت، يزداد خطر تماهي الصحافة مع منطق الاستعراض الذي يقيّم المادة بعدد المشاهدات، وليس بمعيار المعنى أو القيمة المعرفية التي تقدمها.
يطرح هذا السياق الرقمي الشائك أسئلة تمس كل صحفيّ ومؤسّسة إعلاميّة اليوم: كيف تحوّلت الغرائبيّة من هامشٍ وفرجة عابرة إلى رأس مالٍ رقميّ يُنتَج ويُتداوَل ويُدرّ الأرباح؟ وما الذي يجعل الخوارزميّة تكافئ ما يُدهش المتابع؟
تفرض هذه التساؤلات ضرورة تفكيك المنطق الاستعراضي الغرائبي في فهم الجانب العصبي وتقاطعاته الاقتصادية وجذوره التاريخية، سعيا لفهم البيئة التي تخوض داخلها الصحافة الجادة معركتها غير المتكافئة على أثمن موارد العصر المتمثل في انتباه الجمهور.
لا تحتاج الغرائبية إلى محاولات الإقناع أو تقديم الحجج كي تلفت الانتباه، وبذا تغدو أداةً فعالة لمن يجيد استغلالها في ساحة رقمية تتنافس بشراسة لانتزاع انتباه المستخدم وبيعِه.
أعصابنا تميل نحو الغرائبي
لفهم البيئة الرقمية التي يُختطف فيها الانتباه بسهولة، يمكن الانطلاق من نقطة أن أعصابنا تميل نحو الغرائبي (المثيرات غير المتوقعة)؛ إذ وصف العالم النفساني والفيسلوف الأمريكي وليام جيمس الانتباه بأنه "استحواذ الذهن - بشكل واضح وحيّ - على شيء واحد من بين عدة أشياء"(1)، غير أنّ ما أضافته المنصات الرقمية إلى هذا التعريف أنها حوّلت هذا الاستحواذ إلى عملة قابلة للقياس والبيع والاستثمار؛ فكلما كان المحتوى أسرع إلى جذب الانتباه، ترتفع فرص مكافئته من الخوارزميات. وما تقوم به المنصّات الرقميّة اليوم ليس سوى تطبيق لقاعدةٍ أرساها قبل عقود عالِم الحاسوب والمتخصّص في علمَي النفس والاجتماع هيربرت سايمون في دراسته "تصميم المنظّمات لعالمٍ غنيٍّ بالمعلومات"، التي نبّه فيها إلى أنّ كلّ وفرةٍ في مورد تقابلها ندرةٌ في مورد آخر، وقال "في عالم غني بالمعلومات، تعني وفرة المعلومات شُحّاً في شيء آخر؛ أي شُحّاً فيما تستهلكه المعلومات، وما تستهلكه المعلومات أمرٌ واضحٌ تماما، فهو انتباه متلقّييها. ومن ثمّ فإنّ وفرة المعلومات تُفرز فقرا في الانتباه".
لتفوّق المحتوى الغرائبي تفسير عصبي يسبق الدواعي الثقافيّة أو الأخلاقيّة والقيمية؛ إذ إنّ الانتباه يُدار بشبكتين عصبيّتين متمايزتين: شبكةٍ ظهرية تتولّى الانتباه الإرادي الموجَّه بالأهداف "من أعلى إلى أسفل"، وشبكةٍ ثانية بطنية مُلتصِقة بنصف الكرة الأيمن متخصّصة في "اكتشاف المثيرات ذات الصلة السلوكية، ولا سيما عندما تكون بارزة أو غير متوقَّعة"، تعمل بوصفها "قاطعاً للدائرة" circuit breaker ؛ إذ يُقاطِع النشاط الذهني الجاري ويُجبر الانتباه على التحوّل نحو الحدث المفاجئ قبل تدخّل المعالجة الواعية.
يقوم المنطق الغرائبي على توجيه التحكّم التصاعدي بالانتباه نحو ما تسمّيه دراسات علم الأعصاب المعرفي بـ"المثيرات الغرائبية"Oddball stimuli أي تلك المثيرات النادرة داخل سلسلة متكررة، وهي التي تستدعي استجابة تلقائية من الدماغ؛ إذ يستهدف هذا النمط المسار البطني اللاإرادي إثر أي صورة مقلقة أو صوت صادم يكسر أفق التوقع. لذا، تنشط آلية "قطع الدائرة" مخضعةً الانتباه لسيطرتها، وموقفةً أي مهمة ذهنية جارية قبل تدخل القشرة الجبهية لممارسة دورها النقدي. وبناءً عليه، لا تحتاج الغرائبية إلى محاولات الإقناع أو تقديم الحجج كي تلفت الانتباه، وبذا تغدو أداةً فعالة لمن يجيد استغلالها في ساحة رقمية تتنافس بشراسة لانتزاع انتباه المستخدم وبيعِه.
كيف تُكافَأُ الغرائبية؟
لا يمكن فهم أسباب حضور الغرائبية لواجهات المنصات الرقمية دون تشريحٍ لبنية الخوارزميات. فعلى سبيل المثال، تعتمد منصة تيك توك في تقييمها على منظومة مؤشرات ترتكز على نسبة وقت مشاهدة المقاطع المصورة ومعدلات إكمالها وتكرارها من قبل المستخدم. ويحظى فيديو مدته خمس عشرة ثانية شوهد حتى نهايته بتصنيفٍ يتجاوز ذلك الممتد لستين ثانية ولم تكتمل مشاهدته، متجاهلةً أي اعتبارات تتعلق بالقيمة المعرفية أو الصحفية لأي منهما.
يخضع كل محتوى مرئي جديد لاختبار أولي أمام عينة جمهور تتراوح بين مئتين وخمسمئة مستخدم، إذا تخطت مؤشرات التفاعل حاجز المتوسط المتوقع تدفعه الخوارزمية ليصل إلى جمهور أكبر، بينما لا تولي اهتماما للجهود التحريرية أو التحقّق من الدقة ؛ إذ تحصر مهمتها في قياس سلوك استهلاكي مُلحّ حول مدى مشاهدة المحتوى وإعادة مشاهدته من قبل المستخدم.
يكمن خلف هذا القياس السلوكيّ قائمة رصدها الباحث تيم وو حين وصف المنصّات بأنّها "وسطاء انتباه"؛ أي كيانات تجذب الانتباه الإنساني بتقديم خدمات مجانية، ثمّ تعيد بيعه لصالح المعلنين في هذه الصفقة. لذا، يشكل المحتوى الغرائبي البضاعة الأكثر ربحية؛ لأنه يضخ في الخوارزمية ما تحتاج إليه: انتباها مستداما قابلا للتحويل إلى عوائد إعلانية.
تترجم بيانات الاقتصاد الرقمي حجم هذه الصفقة، مسجلة رقما غير مسبوق عام 2024 باختراق إيرادات الإعلانات حاجز التريليون دولار، وذلك تزامنا مع إحكام ثلاث شركات تقنية كبرى (ألفابيت، أمازون، ميتا) سيطرتها على ما يفوق 56% من إجمالي الإنفاق الإعلاني خارج الصين. ويقف داخل هذه الدورة صانع المحتوى في موقع المورِّد الأصغر؛ إذ لا ينال حصّته من العائد إلا بقدر ما يضخ في المنصة انتباها قابلا للبيع، وهو ما يدفعه إلى الاشتغال وفق منطقٍ خوارزمي يحصد فيه القادر على كسر رتابة العرض بصدمة غرائبية مكافأةً فورية.
يواجه صانع المحتوى في اقتصاد المنصات الراهن مفارقة حادة؛ إذ يترنح بين صفة العامل المستقل ودور المورد، فالخوارزمية لا توفر له الظهور بناء على خلفيته الإبداعية بقدر ما تمنحه إياه بمقدار ما يُولّد تفاعلا سريعا وآنيا ومثيرا للانتباه.
من يُثير الدهشة يُرى، ومن يُرى يربح
يعكس المشهد الرقمي الحالي امتدادا لتقليد ثقافي واقتصادي قديم يسمى عرض المسوخ "freak show" الذي شهدته أوروبا خلال منتصف القرن التاسع عشر. في هذا السياق، توثّق الباحثة نادية دورباخ في تأريخها لهذه الظاهرة انتباهَ مجلّة "بنش" البريطانيّة في عام 1847 لطلبٍ شعبيّ متنامٍ على "الطرائف الحيّة"، منتقدةً تحت عنوانٍ "هوس التشوّه" The Deformito-Mania "الذوق السائد للتشوّه الذي يبدو أنّه ينمو بما يتغذّى عليه"؛ إذ استقطبت قاعات العرض الشعبيّة حينها جماهير غفيرة لمشاهدة عروضٍ تتأسس على الشذوذ الجسدي وتجاوز المألوف.
ينزع الباحث في علم الاجتماع روبرت بوغدان في كتابه "عروض المسوخ: تقديم الغرائب البشرية من أجل التسلية والربح" عن هذه العروض قناعها التثقيفيّ والعلميّ، مشدّداً على أنّها كانت "دائماً في المقام الأوّل والأخير نشاطاً ربحيّاً". وعلى هذا الأساس، كان صاحب العرض يظهر بصورة "المسخ" أو "المشوّه" التي تُخفي هويته وتُضخّم غرابته؛ لأنّ هذه الصورة وحدها هي ما يجذب الجمهور ويدرّ الربح.
يستدعي تفكيك ظاهرة تسليع الاستعراض الغرائبي العودةَ إلى تحليلات الناقد الأدبي والمنظر الثقافي الروسي ميخائيل باختين وتحليله لثقافة الضحك الشعبي في كتابه "رابلي وعالمه"؛ إذ رأى باختين في مفهوم "الجسد الغروتسكي" (أي الغرائبي) تعبيرا عن منطق ثقافي شعبي أقدم وأعمق مما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فهو جسدٌ "ليس وحدةً مغلقةً مكتملة، بل هو غيرُ مكتمل، ويتجاوز ذاته ويتخطّى حدوده".
وقد احتفى كرنفال العصر الوسيط بهذا الجسد غير المألوف بوصفه تفريغا للضغوط الاجتماعية وقلبا وتمردا مؤقتا للتراتب القائم؛ إذ كان - على حدّ تعبير باختين - احتفاءً بـ"تحرّرٍ مؤقّت من الوضع السائد ومن النظام القائم"، سمح بـ"تعليق كلّ مرتبة هرمية وكلّ الامتيازات والأعراف والمحظورات". وعلى ذلك، تُعيد الفضاءات الرقمية إنتاج هذا المفهوم الكرنفالي عينه على نطاق عالمي.
شغلت برامج الواقع التلفزيوني إبان التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة موقع الحلقة الوسطى الناظمة للتحول التاريخي، من المسار الكرنفالي القديم نحو الفضاء الرقمي الحالي؛ إذ وظّفت واستثمرت تجارب إعلامية ترفيهية مثل "Big Brother" و"Jerry Springer Show" المشاكل الشخصية لمشاركي هذه البرامج والصدام والسجال القيمي المجتمعي الذي تقدمه هذه الإنتاجات كركائز أساسية لجذب انتباه المشاهدين. وبعدها أحدثت شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة طفرة تقنية عبر تعميم الصيغة الاستعراضية وإتاحتها للعموم، مُنهيةً زمن انفراد القنوات الضخمة بصناعة الغرابة، ومُحيلةً إنتاج المثير والمدهش إلى ممارسة مشاعة يمتلك زمامها أي فرد يحوز هاتفا ذكيا ورغبة بالانتشار والظهورالسريع.
لا تتوقف مسألة الانتباه عند حدود صنّاع المحتوى الأفراد، وإنما تمتدّ لتطال أيضا المهنة الصحفيّة؛ إذ تجد المنصات الصحفية الرقمية نفسها تحت ضغط دائم يدفعها إلى منافسة محتوى المنصات بأساليب تقوم على الغرابة والإثارة بدلا من الاعتماد على أدوات التحقق والعمق. ومع الوقت، يزداد خطر تماهي الصحافة مع منطق الاستعراض الذي يقيّم المادة بعدد المشاهدات، وليس بمعيار المعنى أو القيمة المعرفية التي تقدمها.
الغرائبية تخنق الصحافة
يواجه صانع المحتوى في اقتصاد المنصات الراهن مفارقة حادة؛ إذ يترنح بين صفة العامل المستقل ودور المورد، فالخوارزمية لا توفر له الظهور بناء على خلفيته الإبداعية بقدر ما تمنحه إياه بمقدار ما يُولّد تفاعلا سريعا وآنيا ومثيرا للانتباه. وقد صار هذا المنطق يفرض نفسه بقوة على أنماط الإنتاج الرقمي؛ فقد يدفع الكثير من صناع المحتوى (بمن فيهم الصحفيّون والإعلاميّون) إلى تقديم المزيد من المواد المرئية القائمة على الصدمة والإثارة بغية الحفاظ على حضورهم الرقمي. والأمر نفسه بات يشمل نسبيا بعض المؤسسات الإخبارية، ويشير الباحث في الصحافة والاتصال السياسي الرقمي دييغو غارسيا راميريث، ضمن دراسة نشرتها "مجلة البحوث الصحفية البرازيلية" إلى تحول بوصلة الأخبار؛ إذ "لم تعد تُنتج لخدمة الاهتمام العام حصرا، وإنما سُخرت لإرضاء الخوارزميات الكفيلة بضمان انتشار أوسع وحضور أبرز وجمهور أكبر".
تُعزز الأرقام الضخمة لاقتصاد صناعة المحتوى التفاوت الناجم عن أولوية التفاعل الرقمي وانتشاره؛ إذ قفزت التقديرات الإجمالية لعام 2026 لتبلغ 234 مليار دولار، مقترنةً بإخفاق نصف صناع المحتوى في تحقيق عائد سنوي يلامس عتبة خمسة آلاف دولار. وتستأثر النخبة الرقمية المتقنة لسبل جذب الانتباه بجني الحصة الكبرى من عوائده، دافعةً صناع المحتوى الصغار نحو منافسة تفرض توظيف الغرائبي والصادم بصفتهما ضرورة للبقاء والانتشار.
وتمتدّ آثار هذه الدينامية الرقمية لتطال البيئة الإعلامية الصحفية على نحو ملموس؛ فقد كشفت دراسةٌ نشرتها مجلة البحوث الصحفية البرازيلية أنّ المنصات الرقمية باتت تحتلّ موقعا مهيمنا في توزيع المحتوى الإخباري، حتى تحوّلت المؤسسات الصحفية نفسها "من منتِجةٍ للأخبار إلى مورِّدةٍ للمحتوى لصالح فيسبوك وغوغل"؛ إذ بُني هذا التحوّل كما يقرّ الباحث غارسيا "على اقتصاد الانتباه ومفهوم الجمهور-السلعة" audience commodity، الذي يُستوعَب فيه الانتباه الجمعي ويُباع لصالح المعلنين، وهو ما أخلّ بالنموذج الاقتصادي للمؤسسات الصحفية.
بالموازاة، كشف تقرير منصة "إنبابليشين" مفارقة لافتة؛ إذ يطالع 96% من البالغين في المملكة المتحدة الأخبار، بينما لا يبدي سوى 46% منهم اهتماما فعليا بمضامينها. ويعكس هذا التباين تحوّل التعرض للمادة الإخبارية إلى مجرد عادة رقمية يومية بمعزل عن أي فعل معرفي واعٍ، حيث يطغى التمرير والاستهلاك السريع، يوازيه تراجع ملحوظ في مستوى التركيز والانخراط الذهني، وتتولى الخوارزميات تسليع الانتباه متخذة إياه وحدة قياس خاضعة للبيع والاستثمار، وتفرض على الإعلام الجاد معركة غير متكافئة يصعب الصمود فيها.
من ناحية أخرى، يرصد الفيلسوف الكوريّ بيونغ-تشول هان في كتابه "مجتمع الاحتراق النفسي" بنيةً أشمل من استنزاف الفرد وحده، قوامُها اقتصادُ الأداء الذي يتحوّل فيه الأفراد إلى "رياديّين لذواتهم"؛ إذ "يتصاعد فائض العمل والأداء إلى استغلالٍ ذاتيّ"، ليصير معه "المُستغِلُّ هو نفسه المُستغَلّ". تنطبق هذه الصورة بشكل ملموس على صانع المحتوى الرقمي الذي يحسّن حضوره بلا انقطاع تحت الضغط الخوارزمي، مُسَخِّرا طاقته لخدمة منظومة تمتص انتباه المشاهدين ثمّ تعيد إليه فتاتا منه، محتفظةً لنفسها بالحصّة الكبرى من كعكة الأرباح.
يتقاطع المشهد الاستعراضي الحالي مع استشراف الكاتب والسينمائي الفرنسي غي ديبور في كتابه "مجتمع الفرجة": "كلّ ما كان معيشاً بصورة مباشرة قد انزاح إلى تمثيل واستعراض" بيد أنَّ مرحلة "ما بعد الفرجة" تجاوزت تلك الرؤية؛ فأضحى المشاهد ذاته موضوعا للعرض والأداء".
التأني مُقاوِم للانتباه
بيد أن المشهد لا يخلو من محاولات مقاومة تستحق التوقف عندها؛ فقد أفرز اقتصاد الانتباه ردة فعل تتجسد في تيار "الصحافة المتأنية" Slow Journalism الذي يتخلى عمدا عن سباق اللحظة، ويستثمر بدلا منه في العمق والتحقق. وتُجسّد المجلة البريطانية "ديليد غراتيفيكيشن" هذا التوجه بوضوح؛ إذ تنشر موادها بعد ثلاثة أشهر من وقوع الحدث، رافعةً شعار "آخر من ينقل الأخبار العاجلة"Last to Breaking News لتؤكد أن جمهورا ما زال مستعدا للانتظار حين يُضمَن له المعنى بدل الصدمة.
بالمثل، اتجهت منصات أخرى إلى قطع التبعية لاقتصاد الإعلانات وسطوة خوارزميات الانتباه والغرائبية عبر إعادة بناء علاقتها بالجمهور على أساس الثقة بعيدا عن منطق الاستهلاك الفجّ. ويمكن الاستشهاد في هذا الصدد بنموذج منصة "ذا كوريسبوندنت" الهولندية De Correspondent التي مُوِّلت من اشتراكات أزيد من 63 ألف عضو حتى عام 2024، بما يجعل انتباه القارئ غاية وليس سلعة.
أما مجلة "تورتويز ميديا" Tortoise فتذهب أبعد من ذلك؛ إذ توظف منتديات "ثينكِن" ThinkIn الحوارية المفتوحة التي يشارك فيها الأعضاء في صياغة الأجندة التحريرية للمنصة، وذلك انطلاقا من تصوّرها لحضور هذه الجلسات بوصفه "واجبا مدنيا" يُعيد للجمهور حصته الفعلية في صناعة الخبر، عوضا عن تسليع انتباهه.
ماذا بعد؟
يواجه المحتوى الصحفيّ إثر تركز العوائد بيد الشبكات الاجتماعية مأزقا وجوديا تسيطر عليه آليات انتزاع الانتباه داخل بيئة رقمية تحتكم لسطوة الخوارزمية التي تفضّل الآني واللقطة الأقوى على حساب القيمة الصحفية والمعلوماتية الراسخة. يتقاطع المشهد الاستعراضي الحالي مع استشراف الكاتب والسينمائي الفرنسي غي ديبور في كتابه "مجتمع الفرجة" عام 1967 أن "كلّ ما كان معيشاً بصورة مباشرة قد انزاح إلى تمثيل واستعراض" بيد أنَّ مرحلة "ما بعد الفرجة" تجاوزت تلك الرؤية؛ فأضحى المُشاهِدُ ذاته موضوعا للعرض والأداء.
وتكتسي الفرجةُ في الفضاءات الرقمية طابعا تفاعليا منتجا ومُكافئا؛ إذ بيّن الباحث في الاتصال ماركو بريزياريللي والباحثة في علم الاجتماع إميليانا أرمانو في كتابهما "الفرجة 2.0" أن الفرجة تشتغل بوصفها "شبكة تفاعليّة تستوطن معظم مجالات الحياة الاجتماعيّة عبر التسليع والاستغلال" ليظل بذلك السؤال المعلق أمام المنصات الصحفية قائما ومفتوحا في الحاضر والمستقبل: هل يمتلك المحتوى الصحفي الرصين القدرة على صياغة معايير حضورٍ لا تمليها آليات الدهشة وإثارة الانتباه؟
المراجع
1) William James, The Principles of Psychology, Vol. 1, New York: Henry Holt, 1890, p 403