من يثير الدهشة يجذب الانتباه.. الصحافة في مواجهة الغرائبية

من يثير الدهشة يجذب الانتباه.. الصحافة في مواجهة الغرائبية

أخضعَ "المؤثر" الفرنسي أنطوني لوفريدو الملقب بـ"الفضائي الأسود" جسده منذ سنوات لسلسلة من التعديلات المتطرفة؛ إذ شقّ لسانه على هيئة الزواحف، وحقن مقلتيه بالحبر الأسود، وبتر أنفه وأذنيه وبعض أصابعه سعياً لتحويل نفسه إلى كائن فضائي. وبُثت هذه التجربة الغريبة أمام جمهور يناهز 1.4 مليون متابع، وحصدت ملايين المشاهدات وتغطية صحفية شملت شريطا وثائقيا على قناة Channel 4 تخطى عتبة ثلاثة ملايين مشاهدة. ويتّخذ لوفريدو من ملامحه وسيطا فنيّا يستعرض عبره تحولاته المتطرفة، معيداً إلى الأذهان تقليد "عروض المسوخ" في القرن التاسع عشر بحلة رقمية معاصرة.

راكم صاحب هذا الحساب وسواه من صناع المحتوى المتطرفين طفرة مستمرة في المتابعات بالارتكاز على سلوكات غريبة وخارجة عن المألوف، وذلك ضمن بيئة رقمية تقيس القيمة بحجم التفاعل أياً كانت طبيعته ونوعيته، لتغدو الغرائبية رأسَ مال يستثمر في انتباه الناس ويحوله إلى أرباح طائلة.

يأتي انتشار هذه المقاطع القصيرة ضمن سياق استهلاكي يقضي فيه المستخدم العادي ما يزيد عن ساعتين، وهو معدل يومي للتصفح، وتخلق المقاطع المرئية (ريلز) الغريبة والمثيرة لحظة فارقة لقطع التدفق البصري يمكن تشبيهها بـ"دهشة الانتباه"؛ أي تلك اللحظة التي يتوقف خلالها الدماغ عن التمرير الآلي ليقرّر إن كان يستحق هذا المحتوى مشاهدته أم لا.

لا تتوقف مسألة الانتباه عند حدود صنّاع المحتوى الأفراد، وإنما تمتدّ لتطال أيضا المهنة الصحفيّة؛ إذ تجد المنصات الصحفية الرقمية نفسها تحت ضغط دائم يدفعها إلى منافسة محتوى المنصات بأساليب تقوم على الغرابة والإثارة بدلا من الاعتماد على أدوات التحقق والعمق. ومع الوقت، يزداد خطر تماهي الصحافة مع منطق الاستعراض الذي يقيّم المادة بعدد المشاهدات، وليس بمعيار المعنى أو القيمة المعرفية التي تقدمها.

يطرح هذا السياق الرقمي الشائك أسئلة تمس كل صحفيّ ومؤسّسة إعلاميّة اليوم: كيف تحوّلت الغرائبيّة من هامشٍ وفرجة عابرة إلى رأس مالٍ رقميّ يُنتَج ويُتداوَل ويُدرّ الأرباح؟ وما الذي يجعل الخوارزميّة تكافئ ما يُدهش المتابع؟

تفرض هذه التساؤلات ضرورة تفكيك المنطق الاستعراضي الغرائبي في فهم الجانب العصبي وتقاطعاته الاقتصادية وجذوره التاريخية،  سعيا لفهم البيئة التي تخوض داخلها الصحافة الجادة معركتها غير المتكافئة على أثمن موارد العصر المتمثل في انتباه الجمهور.

لا تحتاج الغرائبية إلى محاولات الإقناع أو تقديم الحجج  كي تلفت الانتباه، وبذا تغدو أداةً فعالة لمن يجيد استغلالها في ساحة رقمية تتنافس بشراسة لانتزاع انتباه المستخدم وبيعِه.

 

أعصابنا تميل نحو الغرائبي

لفهم البيئة الرقمية التي يُختطف فيها الانتباه بسهولة، يمكن  الانطلاق من نقطة أن أعصابنا تميل نحو الغرائبي (المثيرات غير المتوقعة)؛ إذ وصف العالم النفساني والفيسلوف الأمريكي وليام جيمس الانتباه بأنه "استحواذ الذهن - بشكل واضح وحيّ - على شيء واحد من بين عدة أشياء"(1)، غير أنّ ما أضافته المنصات الرقمية إلى هذا التعريف أنها حوّلت هذا الاستحواذ إلى عملة قابلة للقياس والبيع والاستثمار؛ فكلما كان المحتوى  أسرع إلى جذب الانتباه، ترتفع فرص مكافئته من الخوارزميات. وما تقوم به المنصّات الرقميّة اليوم ليس سوى تطبيق لقاعدةٍ أرساها قبل عقود عالِم الحاسوب والمتخصّص في علمَي النفس والاجتماع هيربرت سايمون في دراسته "تصميم المنظّمات لعالمٍ غنيٍّ بالمعلومات"، التي نبّه فيها إلى أنّ كلّ وفرةٍ في مورد تقابلها ندرةٌ في مورد آخر، وقال "في عالم غني بالمعلومات، تعني وفرة المعلومات شُحّاً في شيء آخر؛ أي شُحّاً فيما تستهلكه المعلومات، وما تستهلكه المعلومات أمرٌ واضحٌ تماما، فهو انتباه متلقّييها. ومن ثمّ فإنّ وفرة المعلومات تُفرز فقرا في الانتباه".

لتفوّق المحتوى الغرائبي تفسير عصبي يسبق الدواعي الثقافيّة أو الأخلاقيّة والقيمية؛ إذ إنّ الانتباه يُدار بشبكتين عصبيّتين متمايزتين: شبكةٍ ظهرية تتولّى الانتباه الإرادي الموجَّه بالأهداف "من أعلى إلى أسفل"، وشبكةٍ ثانية بطنية مُلتصِقة بنصف الكرة الأيمن متخصّصة في "اكتشاف المثيرات ذات الصلة السلوكية، ولا سيما عندما تكون بارزة أو غير متوقَّعة"، تعمل بوصفها "قاطعاً للدائرة" circuit breaker ؛ إذ يُقاطِع النشاط الذهني الجاري ويُجبر الانتباه على التحوّل نحو الحدث المفاجئ قبل تدخّل المعالجة الواعية.

يقوم المنطق الغرائبي على توجيه التحكّم التصاعدي بالانتباه نحو ما تسمّيه دراسات علم الأعصاب المعرفي بـ"المثيرات الغرائبية"Oddball  stimuli أي تلك المثيرات النادرة داخل سلسلة متكررة، وهي التي تستدعي استجابة تلقائية من الدماغ؛ إذ يستهدف هذا النمط المسار البطني اللاإرادي إثر أي صورة مقلقة أو صوت صادم يكسر أفق التوقع. لذا، تنشط آلية "قطع الدائرة" مخضعةً الانتباه لسيطرتها، وموقفةً أي مهمة ذهنية جارية قبل تدخل القشرة الجبهية لممارسة دورها النقدي. وبناءً عليه، لا تحتاج الغرائبية إلى محاولات الإقناع أو تقديم الحجج  كي تلفت الانتباه، وبذا تغدو أداةً فعالة لمن يجيد استغلالها في ساحة رقمية تتنافس بشراسة لانتزاع انتباه المستخدم وبيعِه.

 

كيف تُكافَأُ الغرائبية؟

لا يمكن فهم أسباب حضور الغرائبية لواجهات المنصات الرقمية دون تشريحٍ لبنية الخوارزميات. فعلى سبيل المثال، تعتمد منصة تيك توك في تقييمها على منظومة مؤشرات ترتكز على نسبة وقت مشاهدة المقاطع المصورة ومعدلات إكمالها وتكرارها من قبل المستخدم. ويحظى فيديو مدته خمس عشرة ثانية شوهد حتى نهايته بتصنيفٍ يتجاوز ذلك الممتد لستين ثانية ولم تكتمل مشاهدته، متجاهلةً أي اعتبارات تتعلق بالقيمة المعرفية أو الصحفية لأي منهما.

يخضع  كل محتوى مرئي جديد لاختبار أولي أمام عينة جمهور تتراوح بين مئتين وخمسمئة مستخدم،  إذا تخطت مؤشرات التفاعل حاجز المتوسط المتوقع  تدفعه الخوارزمية ليصل إلى جمهور أكبر،  بينما لا تولي اهتماما للجهود التحريرية أو التحقّق من الدقة ؛ إذ تحصر مهمتها في قياس سلوك استهلاكي مُلحّ  حول مدى مشاهدة المحتوى وإعادة مشاهدته من قبل المستخدم.

يكمن خلف هذا القياس السلوكيّ قائمة رصدها الباحث تيم وو  حين وصف المنصّات بأنّها "وسطاء انتباه"؛ أي كيانات تجذب الانتباه الإنساني بتقديم خدمات مجانية، ثمّ تعيد بيعه لصالح المعلنين في هذه الصفقة. لذا، يشكل المحتوى الغرائبي البضاعة الأكثر ربحية؛ لأنه يضخ في الخوارزمية ما تحتاج إليه: انتباها مستداما قابلا للتحويل إلى عوائد إعلانية.

تترجم بيانات الاقتصاد الرقمي حجم هذه الصفقة، مسجلة رقما غير مسبوق عام 2024 باختراق إيرادات الإعلانات حاجز التريليون دولار، وذلك تزامنا مع إحكام ثلاث شركات تقنية كبرى (ألفابيت، أمازون، ميتا) سيطرتها على ما يفوق 56% من إجمالي الإنفاق الإعلاني خارج الصين. ويقف داخل هذه الدورة صانع المحتوى في موقع المورِّد الأصغر؛ إذ لا ينال حصّته من العائد إلا بقدر ما يضخ في المنصة انتباها قابلا للبيع، وهو ما يدفعه إلى الاشتغال وفق منطقٍ خوارزمي يحصد فيه القادر على كسر رتابة العرض بصدمة غرائبية مكافأةً فورية.

يواجه صانع المحتوى في اقتصاد المنصات الراهن مفارقة حادة؛ إذ يترنح بين صفة العامل المستقل ودور المورد، فالخوارزمية لا توفر له الظهور بناء على خلفيته الإبداعية بقدر ما  تمنحه إياه بمقدار ما يُولّد تفاعلا سريعا وآنيا ومثيرا للانتباه.

 

من يُثير الدهشة يُرى، ومن يُرى يربح

يعكس المشهد الرقمي الحالي امتدادا لتقليد ثقافي واقتصادي قديم يسمى عرض المسوخ "freak show" الذي شهدته أوروبا خلال منتصف القرن التاسع عشر. في هذا السياق، توثّق الباحثة نادية دورباخ في تأريخها لهذه الظاهرة انتباهَ مجلّة "بنش" البريطانيّة في عام 1847 لطلبٍ شعبيّ متنامٍ على "الطرائف الحيّة"، منتقدةً تحت عنوانٍ "هوس التشوّه" The Deformito-Mania "الذوق السائد للتشوّه الذي يبدو أنّه ينمو بما يتغذّى عليه"؛ إذ استقطبت قاعات العرض الشعبيّة حينها جماهير غفيرة لمشاهدة عروضٍ تتأسس على الشذوذ الجسدي وتجاوز المألوف.

ينزع الباحث في علم الاجتماع روبرت بوغدان في كتابه "عروض المسوخ: تقديم الغرائب البشرية من أجل التسلية والربح" عن هذه العروض قناعها التثقيفيّ والعلميّ، مشدّداً على أنّها كانت "دائماً في المقام الأوّل والأخير نشاطاً ربحيّاً". وعلى هذا الأساس، كان صاحب العرض يظهر بصورة "المسخ" أو "المشوّه" التي تُخفي هويته وتُضخّم غرابته؛ لأنّ هذه الصورة وحدها هي ما يجذب الجمهور ويدرّ الربح.

يستدعي تفكيك ظاهرة تسليع الاستعراض الغرائبي العودةَ إلى تحليلات الناقد الأدبي والمنظر الثقافي الروسي ميخائيل باختين وتحليله لثقافة الضحك الشعبي في كتابه "رابلي وعالمه"؛ إذ رأى باختين في مفهوم "الجسد الغروتسكي" (أي الغرائبي) تعبيرا عن منطق ثقافي شعبي أقدم وأعمق مما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فهو جسدٌ "ليس وحدةً مغلقةً مكتملة، بل هو غيرُ مكتمل، ويتجاوز ذاته ويتخطّى حدوده".

وقد احتفى كرنفال العصر الوسيط بهذا الجسد غير المألوف بوصفه تفريغا للضغوط الاجتماعية وقلبا وتمردا مؤقتا للتراتب القائم؛ إذ كان - على حدّ تعبير باختين - احتفاءً بـ"تحرّرٍ مؤقّت من الوضع السائد ومن النظام القائم"، سمح بـ"تعليق كلّ مرتبة هرمية وكلّ الامتيازات والأعراف والمحظورات". وعلى ذلك، تُعيد الفضاءات الرقمية إنتاج هذا المفهوم الكرنفالي عينه على نطاق عالمي.

شغلت برامج الواقع التلفزيوني إبان التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة موقع الحلقة الوسطى الناظمة للتحول التاريخي، من المسار الكرنفالي القديم نحو الفضاء الرقمي الحالي؛ إذ وظّفت واستثمرت تجارب إعلامية ترفيهية مثل "Big Brother" و"Jerry Springer Show" المشاكل الشخصية لمشاركي هذه البرامج والصدام والسجال القيمي المجتمعي الذي تقدمه هذه الإنتاجات كركائز أساسية لجذب انتباه المشاهدين. وبعدها أحدثت شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة طفرة تقنية عبر تعميم الصيغة الاستعراضية وإتاحتها للعموم، مُنهيةً زمن انفراد القنوات الضخمة بصناعة الغرابة، ومُحيلةً إنتاج المثير والمدهش إلى ممارسة مشاعة يمتلك زمامها أي فرد يحوز هاتفا ذكيا ورغبة بالانتشار والظهورالسريع.

لا تتوقف مسألة الانتباه عند حدود صنّاع المحتوى الأفراد، وإنما تمتدّ لتطال أيضا المهنة الصحفيّة؛ إذ تجد المنصات الصحفية الرقمية نفسها تحت ضغط دائم يدفعها إلى منافسة محتوى المنصات بأساليب تقوم على الغرابة والإثارة بدلا من الاعتماد على أدوات التحقق والعمق. ومع الوقت، يزداد خطر تماهي الصحافة مع منطق الاستعراض الذي يقيّم المادة بعدد المشاهدات، وليس بمعيار المعنى أو القيمة المعرفية التي تقدمها.

 

الغرائبية تخنق الصحافة

يواجه صانع المحتوى في اقتصاد المنصات الراهن مفارقة حادة؛ إذ يترنح بين صفة العامل المستقل ودور المورد، فالخوارزمية لا توفر له الظهور بناء على خلفيته الإبداعية بقدر ما  تمنحه إياه بمقدار ما يُولّد تفاعلا سريعا وآنيا ومثيرا للانتباه. وقد صار هذا المنطق يفرض نفسه بقوة على أنماط الإنتاج الرقمي؛ فقد يدفع الكثير من صناع المحتوى (بمن فيهم الصحفيّون والإعلاميّون) إلى تقديم المزيد من المواد المرئية القائمة على الصدمة والإثارة بغية الحفاظ على حضورهم الرقمي. والأمر نفسه بات يشمل نسبيا بعض المؤسسات الإخبارية، ويشير الباحث في الصحافة والاتصال السياسي الرقمي دييغو غارسيا راميريث، ضمن دراسة نشرتها "مجلة البحوث الصحفية البرازيلية" إلى تحول بوصلة الأخبار؛ إذ "لم تعد تُنتج لخدمة الاهتمام العام حصرا، وإنما سُخرت لإرضاء الخوارزميات الكفيلة بضمان انتشار أوسع وحضور أبرز وجمهور أكبر".

تُعزز الأرقام الضخمة لاقتصاد صناعة المحتوى التفاوت الناجم عن أولوية التفاعل الرقمي وانتشاره؛ إذ قفزت التقديرات الإجمالية لعام 2026 لتبلغ 234 مليار دولار، مقترنةً بإخفاق نصف صناع المحتوى في تحقيق عائد سنوي يلامس عتبة خمسة آلاف دولار. وتستأثر النخبة الرقمية المتقنة لسبل جذب الانتباه بجني الحصة الكبرى من عوائده، دافعةً صناع المحتوى الصغار نحو منافسة تفرض توظيف الغرائبي والصادم بصفتهما ضرورة للبقاء والانتشار.

وتمتدّ آثار هذه الدينامية الرقمية لتطال البيئة الإعلامية الصحفية على نحو ملموس؛ فقد كشفت دراسةٌ نشرتها مجلة البحوث الصحفية البرازيلية أنّ المنصات الرقمية باتت تحتلّ موقعا مهيمنا في توزيع المحتوى الإخباري، حتى تحوّلت المؤسسات الصحفية نفسها "من منتِجةٍ للأخبار إلى مورِّدةٍ للمحتوى لصالح فيسبوك وغوغل"؛ إذ بُني هذا التحوّل كما يقرّ الباحث غارسيا "على اقتصاد الانتباه ومفهوم الجمهور-السلعة" audience commodity، الذي يُستوعَب فيه الانتباه الجمعي ويُباع لصالح المعلنين، وهو ما أخلّ بالنموذج الاقتصادي للمؤسسات الصحفية.

بالموازاة، كشف تقرير منصة "إنبابليشين" مفارقة لافتة؛ إذ يطالع 96% من البالغين في المملكة المتحدة الأخبار، بينما لا يبدي سوى 46% منهم اهتماما فعليا بمضامينها. ويعكس هذا التباين تحوّل التعرض للمادة الإخبارية إلى مجرد عادة رقمية يومية بمعزل عن أي فعل معرفي واعٍ، حيث يطغى التمرير والاستهلاك السريع، يوازيه تراجع ملحوظ في مستوى التركيز والانخراط الذهني، وتتولى الخوارزميات تسليع الانتباه متخذة إياه وحدة قياس خاضعة للبيع والاستثمار، وتفرض على الإعلام الجاد معركة غير متكافئة يصعب الصمود فيها.

من ناحية أخرى، يرصد الفيلسوف الكوريّ بيونغ-تشول هان في كتابه "مجتمع الاحتراق النفسي" بنيةً أشمل من استنزاف الفرد وحده، قوامُها اقتصادُ الأداء الذي يتحوّل فيه الأفراد إلى "رياديّين لذواتهم"؛ إذ "يتصاعد فائض العمل والأداء إلى استغلالٍ ذاتيّ"، ليصير معه "المُستغِلُّ هو نفسه المُستغَلّ". تنطبق هذه الصورة بشكل ملموس على صانع المحتوى الرقمي الذي يحسّن حضوره بلا انقطاع تحت الضغط الخوارزمي، مُسَخِّرا طاقته لخدمة منظومة تمتص انتباه المشاهدين ثمّ تعيد إليه فتاتا منه، محتفظةً لنفسها بالحصّة الكبرى من كعكة الأرباح.

  يتقاطع المشهد الاستعراضي الحالي مع استشراف الكاتب والسينمائي الفرنسي غي ديبور في كتابه "مجتمع الفرجة": "كلّ ما كان معيشاً بصورة مباشرة قد انزاح إلى تمثيل واستعراض" بيد أنَّ مرحلة "ما بعد الفرجة" تجاوزت تلك الرؤية؛ فأضحى المشاهد ذاته موضوعا للعرض والأداء".

 

التأني مُقاوِم للانتباه

بيد أن المشهد لا يخلو من محاولات مقاومة تستحق التوقف عندها؛ فقد أفرز اقتصاد الانتباه ردة فعل تتجسد في تيار "الصحافة المتأنية" Slow Journalism الذي يتخلى عمدا عن سباق اللحظة، ويستثمر بدلا منه في العمق والتحقق. وتُجسّد المجلة البريطانية "ديليد غراتيفيكيشن" هذا التوجه بوضوح؛ إذ تنشر موادها بعد ثلاثة أشهر من وقوع الحدث، رافعةً شعار "آخر من ينقل الأخبار العاجلة"Last to Breaking News لتؤكد أن جمهورا ما زال مستعدا للانتظار حين يُضمَن له المعنى بدل الصدمة.

بالمثل، اتجهت منصات أخرى إلى قطع التبعية لاقتصاد الإعلانات وسطوة خوارزميات الانتباه والغرائبية عبر إعادة بناء علاقتها بالجمهور على أساس الثقة بعيدا عن منطق الاستهلاك الفجّ. ويمكن الاستشهاد في هذا الصدد بنموذج منصة "ذا كوريسبوندنت" الهولندية De  Correspondent التي مُوِّلت من اشتراكات أزيد من 63 ألف عضو حتى عام 2024، بما يجعل انتباه القارئ غاية وليس سلعة.

أما مجلة "تورتويز ميديا" Tortoise فتذهب أبعد من ذلك؛ إذ توظف منتديات "ثينكِن" ThinkIn الحوارية المفتوحة التي يشارك فيها الأعضاء في صياغة الأجندة التحريرية للمنصة، وذلك انطلاقا من تصوّرها لحضور هذه الجلسات بوصفه "واجبا مدنيا" يُعيد للجمهور حصته الفعلية في صناعة الخبر، عوضا عن تسليع انتباهه.

 

ماذا بعد؟

يواجه المحتوى الصحفيّ إثر تركز العوائد بيد الشبكات الاجتماعية مأزقا وجوديا تسيطر عليه آليات انتزاع الانتباه داخل بيئة رقمية تحتكم لسطوة الخوارزمية التي تفضّل الآني واللقطة الأقوى على حساب القيمة الصحفية والمعلوماتية الراسخة. يتقاطع المشهد الاستعراضي الحالي مع استشراف الكاتب والسينمائي الفرنسي غي ديبور في كتابه "مجتمع الفرجة" عام 1967 أن "كلّ ما كان معيشاً بصورة مباشرة قد انزاح إلى تمثيل واستعراض" بيد أنَّ مرحلة "ما بعد الفرجة" تجاوزت تلك الرؤية؛ فأضحى المُشاهِدُ ذاته موضوعا للعرض والأداء.

وتكتسي الفرجةُ في الفضاءات الرقمية طابعا تفاعليا منتجا ومُكافئا؛ إذ بيّن الباحث في الاتصال ماركو بريزياريللي والباحثة في علم الاجتماع إميليانا أرمانو في كتابهما "الفرجة 2.0" أن الفرجة تشتغل بوصفها "شبكة تفاعليّة تستوطن معظم مجالات الحياة الاجتماعيّة عبر التسليع والاستغلال" ليظل بذلك السؤال المعلق أمام المنصات الصحفية قائما ومفتوحا في الحاضر والمستقبل: هل يمتلك المحتوى الصحفي الرصين القدرة على صياغة معايير حضورٍ لا تمليها آليات الدهشة وإثارة الانتباه؟

 


المراجع

1) William James, The Principles of Psychology, Vol. 1, New York: Henry Holt, 1890, p 403

 

Related Articles

Moroccan Journalism Between State Support and Market Dominance: Can the “Information Economy” Save the Profession?

Moroccan journalism remains trapped between state dependency and market pressure, and its survival may depend on turning information into sustainable public value rather than cheap content for clicks.

Anas al-Shaara Published on: 24 Aug, 2026

More Articles

Will We Write A Falsified History In The Future?

The digital transition of journalism has exposed a growing archive reliability gap, where online news documents are often subject to fake news, content manipulation, and a lack of verification mechanisms, challenging their role as official historical records.

Said El Hajji
Said El Hajji Published on: 24 Sep, 2026
Docudrama: Aesthetic Narration as an Alternative to the Missing Camera!

The use of drama in documentaries sparks a debate between fears of fabrication and the celebration of filling gaps left by missing visual archives. This hybrid format occupies a middle ground, merging emotional impact with documentary reality. Its use requires strict ethical constraints to prevent deception. With the rise of digital platforms, "docudrama" has transcended the rigid limits of television, venturing into new creative and cinematic horizons.

Hani Bishr Published on: 13 Sep, 2026
Moroccan Journalism Between State Support and Market Dominance: Can the “Information Economy” Save the Profession?

Moroccan journalism remains trapped between state dependency and market pressure, and its survival may depend on turning information into sustainable public value rather than cheap content for clicks.

Anas al-Shaara Published on: 24 Aug, 2026
RSF's World Press Freedom Index: How Balanced Is the Ranking System?

The 2026 World Press Freedom Index analysis reveals a troubling gap between global media rankings and the violent reality facing journalists in Gaza. The pressure on the Index’s credibility appears set to intensify as critics argue that its Western-centric methods fail to accurately count Palestinian casualties or hold those responsible for the "journacide" accountable.

Sarah Samuel-Ayyash
Sarah Samuel-Ayyash Published on: 10 May, 2026
Journalism in Mauritania: Behind the Facade of Press Freedom Indicators

Mauritania holds the top position in the Arab world in the Press Freedom Index published by Reporters Without Borders. However, behind this favourable ranking, the media and journalists face significant challenges, chief among them the ambiguity surrounding the definition of a "journalist" and the capacity of media professionals to fulfil their roles in accountability and oversight. Despite official efforts, the defining feature of Mauritania’s media landscape remains its persistent state of fluctuation.

 Ahmed Mohamed El-Moustapha
Ahmed Mohamed El-Moustapha Published on: 6 Jan, 2026
Generative AI in Journalism and Journalism Education: Promise, Peril, and the Global North–South Divide

Generative AI is transforming journalism and journalism education, but this article shows that its benefits are unevenly distributed, often reinforcing Global North–South inequalities while simultaneously boosting efficiency, undermining critical thinking, and deepening precarity in newsrooms and classrooms.

Carolyne Lunga
Carolyne Lunga Published on: 2 Jan, 2026
Crisis of Credibility: How the Anglo-American Journalism Model Failed the World

Despite an unprecedented global flood of information, journalism remains strikingly impotent in confronting systemic crises—largely because the dominant Anglo-American model, shaped by commercial imperatives and capitalist allegiances, is structurally incapable of pursuing truth over power or effecting meaningful change. This critique calls for dismantling journalism’s subordination to market logic and imagining alternative models rooted in political, literary, and truth-driven commitments beyond the confines of capitalist production.

Imran Muzaffar
Imran Muzaffar, Aliya Bashir, Syed Aadil Hussain Published on: 14 Nov, 2025
Interview with Zina Q. : Digital Cartography as a Tool of Erasure in Gaza

Amid Israel’s war on Gaza, Zina Q. uncovers how Google Maps and satellite imagery are being manipulated; homes relabelled as “haunted,” map updates delayed, and evidence of destruction obscured, revealing digital cartography itself as a weapon of war. By exposing these distortions and linking them to conflicts from Sudan to Ukraine, she demonstrates how control over maps and AI surveillance influences not only what the world sees, but also what it remembers.

Al Jazeera Journalism Review
Al Jazeera Journalism Review Published on: 6 Sep, 2025
Monitoring of Journalistic Malpractices in Gaza Coverage

On this page, the editorial team of the Al Jazeera Journalism Review will collect news published by media institutions about the current war on Gaza that involves disinformation, bias, or professional journalistic standards and its code of ethics.

A picture of the Al Jazeera Media Institute's logo, on a white background.
Al Jazeera Journalism Review Published on: 11 Aug, 2025
The BBC Says It’s “Impartial.” But Its Own Staff Say Otherwise

BBC journalists and media professionals accuse the BBC’s leadership — and board member Robbie Gibb in particular — of blocking truthful reporting on Israel/Palestine through censorship, political bias, and a culture of fear that betrays the BBC’s duty to report “without fear or favour.”

Al Jazeera Journalism Review
Al Jazeera Journalism Review Published on: 2 Jul, 2025
Western Media Has Failed Their Palestinian Colleagues

A 2024 CPJ report revealed that nearly 70% of journalists killed that year were targeted by Israel, yet major Western media outlets largely ignored or downplayed the findings. The muted response to these targeted attacks and escalating press restrictions highlights a troubling double standard in the West’s commitment to press freedom.

Assal Rad
Assal Rad Published on: 21 Apr, 2025
‘A Massacre Unlike Any Before’: French Journalists Break Silence on Colleagues Killed in Gaza

Leading French and international institutions—foremost among them Reporters Without Borders and Agence France-Presse—have signed a letter published in Le Monde condemning the Israeli occupation’s actions against Palestinian journalists. In an unprecedented tone, journalists described the ongoing events as a 'massacre' unparalleled in the history of the profession.

Al Jazeera Journalism Review
Al Jazeera Journalism Review Published on: 16 Apr, 2025
Predicting the Future of Media in 2025

The rise of citizen journalism, the rethinking of long-form content, the evolution of video, and the exploration of AI opportunities are key elements of the media landscape forecast for 2025, according to a report from Harvard University's Nieman Lab.

Othman Kabashi
Othman Kabashi Published on: 15 Apr, 2025
Revisioning Journalism During a Genocide

Western media’s coverage of the Gaza genocide has revealed fundamental cracks in the notion of journalistic objectivity. Mainstream outlets have frequently marginalized or discredited Palestinian perspectives, often echoing narratives that align with Israeli state interests. In stark contrast, Palestinian journalists—reporting from within a besieged landscape—have become frontline truth-tellers. Through raw, emotional storytelling, they are not only documenting atrocities but also redefining journalism as a form of resistance and a reclaiming of ethical purpose.

Ana Maria Monjardino
Ana Maria Monjardino Published on: 4 Apr, 2025
Journalist Testimonies on Western Media Coverage of the Gaza War: The Other Narrative

In this article, we compile testimonies from journalists who have criticised their own media institutions as documented in reports, letters, or interviews. Most spoke anonymously out of fear of repercussions—because freedom of expression appears protected only until it reaches the borders of Israel. At that point, constraints emerge, editorial policies shift, and the system of double standards is activated.

Al Jazeera Journalism Review
Al Jazeera Journalism Review Published on: 29 Mar, 2025
Western Media Bias and Complicity with Israel is Beyond Borders

Once again, Western media framed civilians within the context of "collateral damage" while covering Israeli attacks on Syria. The language of international law was absent, and the tragedy of civilians affected by military strikes was completely obscured, while justifications and cover for the occupation prevailed under the banner of "maintaining national security."

Zainab Afifa
Zainab Afifa Published on: 23 Mar, 2025
Systematic Bias: How Western Media Framed the March 18 Massacre of Palestinians

On March 18, Israel launched a large-scale assault on Gaza, killing over 412 Palestinians and injuring more than 500, while Western media uncritically echoed Israel’s claim of “targeting Hamas.” Rather than exposing the massacre, coverage downplayed the death toll, delayed key facts, and framed the attacks as justified pressure on Hamas—further highlighting the double standard in valuing Palestinian lives.

Mei Shigenobu مي شيغينوبو
Mei Shigenobu Published on: 18 Mar, 2025
The Sharp Contrast: How Israeli and Western Media Cover the War on Gaza

Despite being directly governed by Israeli policies, some Israeli media outlets critically report on their government’s actions and use accurate terminology, whereas Western media has shown complete bias, failing to be impartial in its coverage of Israel’s aggression in Gaza.

Faras Ghani Published on: 5 Mar, 2025
Journalists in DR Congo Face New Threats, Censorship in a Decades-long Conflict

Countless journalists have been arbitrarily arrested, kidnapped or have disappeared in the fog of the protracted war tearing the eastern Democratic Republic of Congo apart. The renewed M23 offensive augurs a more uncertain future for these ‘soldiers of the pen’.

Nalova Akua
Nalova Akua Published on: 3 Mar, 2025
International Media Seek Gaza Access; What Do Palestinian Journalists Say?

As international media push for access to Gaza, Palestinian journalists—who have been the primary voices on the ground—criticize their Western counterparts for failing to acknowledge their contributions, amplify their reports, or support them as they risk their lives to document the war. They face systemic bias and exploitation, and continue to work under extreme conditions without proper recognition or support.

NILOFAR ABSAR
Nilofar Absar Published on: 26 Feb, 2025
Tweets Aren’t News: Why Journalism Still Matters

Twitter, once key for real-time news, has become a battleground of misinformation and outrage, drowning out factual journalism. With major newspapers leaving, the challenge is to remind audiences that true news comes from credible sources, not the chaos of social media.

Ilya إيليا توبر 
Ilya U Topper Published on: 10 Feb, 2025
Sound of Change: How Podcasting is Changing Journalism in India

India’s podcasting scene is on the rise, driven by affordable internet and changing content habits, yet still faces challenges like limited monetisation and urban-focused reach. Despite these hurdles, independent creators are using the medium to amplify grassroots narratives, shaping a more inclusive media landscape.

Hanan Zaffa
Hanan Zaffar, Jyoti Thakur Published on: 9 Jan, 2025
Bolivia’s Mines and Radio: A Voice of the Global South Against Hegemony

Miners' radio stations in the heart of Bolivia's mining communities, played a crucial role in shaping communication within mining communities, contributing to social and political movements. These stations intersected with anarchist theatre, educational initiatives, and alternative media, addressing labour rights, minority groups, and imperialism.

Khaldoun Shami PhD
Khaldoun H. Shami Published on: 16 Dec, 2024
Journalists and the Gen–Z protest in Kenya

Caught between enraged protesters and aggressive police officers, journalists risked their lives to keep the world informed about the Gen–Z protests in Kenya. However, these demonstrations also exposed deeper issues regarding press freedom, highlighting a troubling aspect of Ruto’s government.

Shuimo Trust Dohyee
Shuimo Trust Dohyee Published on: 12 Dec, 2024