لم تكن رحلة تنقيب روتينية في أرشيف الصحافة الأوربية، قصد إنجاز دراسة تاريخية تخص مرحلة معينة من تاريخ المغرب، توحي بأن الأمر سينتهي إلى طرح سؤال مقلق حول مستقبل الكتابة التاريخية التي تعتمد على الأرشيف الصحفي. ذلك أنه يمثل مادة مصدرية أساسية فيما يتعلق بالتأريخ لبعض التحولات والأحداث الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث تطورت الصحافة الأوربية والأمريكية مبكّرا مستفيدة من سياقات عديدة بدأت إرهاصاتها منذ التحولات الفكرية بأوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وصولا إلى الانتشار الواسع للصحافة منتصف القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
الأرشيف الصحفي مصدرا أساسيا لكتابة التاريخ
انتبه المؤرخون إلى الأهمية البالغة للأرشيف الصحفي، خصوصا مع الطرح الجديد الذي تبناه روّاد مدرسة الحوليات الفرنسية، وعلى رأسهم المؤرخ الفرنسي مارك بلوخ المتمثل في ضرورة توسيع مفهوم الوثيقة التاريخية وعدم حصرها فيما كتبه المؤرخون القدماء، لتطال أنواعا أخرى تشمل أي وثيقة تحوي معطيات من شأنها المساعدة على كتابة التاريخ، ويندرج في هذا الصنف الأرشيف الصحفي(1)، الذي يؤدي دور "الشاهد المباشر" بتعبير عبد الله العروي في كتابه "مفهوم التاريخ"، في حين يؤدي المؤرخ دور "الراوي الذي يأتي بعده" بتعبير العروي دائما، وهو ما يبرز في نظره ذلك التشابه بين وظيفتي الصحفي والمؤرخ وإن كان في فترات مختلفة، فالصحفي مؤرخ اللحظة، والمؤرخ صحفي الماضي (2)، الشيء الذي خلّف للمؤرخين مادة أرشيفية غنية ساعدتهم على كتابة التاريخ من زوايا متعددة، سواء تعلق الأمر بتاريخ الأحداث الكبرى، أو تاريخ الهامش والبنى الاجتماعية المختلفة.
يبرز لنا رينيه مازيديي من خلال النموذج الباريسي، كيف تحولت الصحافة منذ أواخر القرن 19 إلى قوة أساسية في توجيه الرأي العام الفرنسي (3)، وبفضل الأرشيف الصحفي استطاع المؤرخون رصد تطور القوميات الحديثة في أوربا وبعض دول آسيا، إذ يذهب بينديكت أندرسون إلى أن رواج الصحافة وإيصالها اليومي للخبر إلى الآلاف من الناس، ساهم في توحيد شعورهم ومواقفهم نحو مجموعة من القضايا التي أفضت إلى تشكل فكرة الدولة القومية، وتقوية الشعور بالانتماء إلى الدولة بدل الانتماء إلى الجماعة الدينية أو الهوياتية، ويستحضر أندرسون حالة تركيا، التي يرجع بذور القومية التركية فيها إلى ظهور صحافة عامية نشطة في إسطنبول خلال سبعينيات القرن التاسع عشر (4)، الشيء الذي يجعل من الأرشيف الصحفي لتلك الفترة، مادة مهمة وأساسية لكتابة تاريخها.
إن ما يعطي قوة للمادة الأرشيفية الصحفية الأوربية باعتبارها مصدرا للكتابة التاريخية، أنّ الممارسة الصحفية كانت ممارسة مؤسساتية تخضع لضوابط مهنية صارمة على مستوى نقل الأخبار وشكل تقديمها، رغم ما يمكن أن يقال عن تحكم الخطوط التحريرية في انتقاء الأخبار وطريقة تقديمها للقارئ والمصطلحات المستعملة وغيرها.
هكذا يبرز المؤرخ الفرنسي بيير رونوفان أهمية نشرات الصحافة التي كانت تعدها حكومات أطراف الحرب العالميتين الأولى والثانية، لفهم الحدث وإعادة كتابة تاريخه ونقده باستمرار على مستوى ما يستجد في المادة الأرشيفية الصحفية، رغم تأكيده على بعض العوائق التي شابتها، من قبيل تشديد الرقابة على المعلومات المنشورة وتوجيهها بما يخدم هذا الطرف أو ذاك، غير أن ذلك لم يمنع من توفر النشرات على معطيات مهمة، مرتبطة بالتطورات اليومية للحرب وتأثيرها على مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفهم اتجاهات الرأي العام، ومن خلال هذه النشرات والصحافة بشكل يمكن للمؤرخ بلوغ "الروح العامة" بتعبير رنوفان (5)، فضلا عن أن هذه النشرات كانت تتيح للمؤرخ التمييز بين المواضيع المعلنة أو المسكوت عنها لدواع مختلفة، وهو ما يعتبره العروي من صميم عمل المؤرخ، الذي يجب أن يكشف الأحدث غير المعلنة من خلال تتبع آثارها. (6)
إن ما يعطي قوة للمادة الأرشيفية الصحفية الأوربية باعتبارها مصدرا للكتابة التاريخية، أنّ الممارسة الصحفية كانت ممارسة مؤسساتية تخضع لضوابط مهنية صارمة على مستوى نقل الأخبار وشكل تقديمها، رغم ما يمكن أن يقال عن تحكم الخطوط التحريرية في انتقاء الأخبار وطريقة تقديمها للقارئ والمصطلحات المستعملة وغيرها. إلا أن وضوح هوية الصحف وحرصها الكبير على سمعتها وتنافسها في تقديم الخدمة الصحفية من حيث دقة الأخبار ومصداقيتها، وسعيها لضمان أكبر قدر ممكن من الانتشار بالطرق التقليدية آنذاك، وفر للمؤرخين مادة أرشيفية مهمة ساعدتهم كثيرا على كتابة تواريخ متعددة، والأكثر من ذلك، كانت الصحافة مادة أساسية لتشجيع بعض المباحث التاريخية، من قبيل التاريخ الاقتصادي وتاريخ الذهنيات والتواريخ المحلية، وغير ذلك من مباحث التاريخ التي أظهرت الأدوار المهمة لبعض العناصر التي همشتها التواريخ العامة في صنع الأحداث الكبرى التي كان يكتبها مؤرخو الدول والبلاطات والدول وغيرها مما خلفته النخب من كتابات.
الإعلام الرقمي وهواجس المؤرخين
يستحضر المؤرخ في اعتماده على المادة الأرشيفية الصحفية مجموعة من الشروط والضوابط، على رأسها أن تكون الجهة الصحيفة منشورة باسم معروف وصحفيين معروفين، فضلا عن تاريخ النشر ومكانه وغير ذلك من العناصر التي تعزز مصداقية المعلومة المعتمدة، وهذا ما كانت تتيحه الصحافة الورقية في الماضي، فأرشيف الصحافة الإسبانية أو الفرنسية أو الإنجليزية مثلا، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، يبرز أنه كان يوجد لكل صحيفة عنوان واضح مع إظهار الجهة الناشرة، وأعضاء هيئة التحرير، ومكان الإصدار، والرقم التسلسلي، والتاريخ، وغير ذلك من العناصر التي تعكس المهنية والمسؤولية التي يتحلى بها القائمون على الصحيفة، وبالتالي فإن المؤرخ يكون أمام مصدر معلوم يتحمل المسؤولية الأخلاقية فيما يقدمه للمؤرخ، وهذا الأخير يبني عليه تحليله وتوثيقه للوقائع.
الأرشيفات الصحفية أظهرت الأدوار المهمة لبعض العناصر التي همشتها التواريخ العامة في صنع الأحداث الكبرى التي كان يكتبها مؤرخو الدول والبلاطات والدول وغيرها مما خلفته النخب من كتابات
إن الاعتبارات السالفة هي التي ولدت السؤال المقلق حول مستقبل الكتابة التاريخية على ضوء التحولات التي عرفتها الصحافة، والتراجع المستمر في تداول الصحافة الورقية، بعدما اتجهت مختلف الصحف إلى الفضاء الرقمي واعتمادها على النسخ الإلكترونية عوض الورقية، فضلا عن ظهور أجناس (أنماط) صحفية أخرى مرتبطة بالفضاء الرقمي، مستفيدة من سهولة الولوج وبث المحتوى الإعلامي، وضمان انتشاره الواسع والسريع. وفي العقد الأخير، حقق الإعلام الرقمي تراكما هائلا في الفضاء الرقمي، وأصبح توثيق الأحداث يتم بشكل لحظي مع تعدد الزوايا والخلفيات، وتداخل الإعلام المهني مع الإعلام الهاوي، وصولا إلى ما يعرف بـ "صحافة المواطن" التي حولت كل فرد في المجتمع إلى "صحفي" على أساس ما يقوم به من توثيق لحظي للأحداث ومن مكانها.
غير أن سؤال المصداقية يطرح نفسه بإلحاح في ظل التحولات الجديدة التي طالت الحقل الإعلامي وطريقة تقديم الأحداث والأخبار، إذ رافقت هذا التحول ظواهر وضعت الإعلام الرقمي محل مساءلة قوية على مستوى التحقق من الأخبار أو تعمد تشويه الأحداث وتزوير المعطيات المرتبطة بها، كما دفعت سهولة الولوج إلى الفضاء الرقمي وسرعة وصوله إلى المتلقي - وعلى أوسع نطاق- ، الأطراف الفاعلة في الأحداث إلى تكثيف حضورها بشكل يرجح روايتها أو رؤيتها للوقائع حتى وإن كانت غير صحيحة، وهو ما يتجسد مثلا في ظاهرة الأخبار الزائفة (Fake News) التي تخضع لمنطق الانتشار وليس لمنطق الحقيقة بالشكل الذي يجعل تطويقها في الفضاء الرقمي صعبا في الكثير من الحالات.
في كتابه "بماذا تحلم الخوارزميات؟" يطرح دومينيك كاردون إشكاليات مهمة، مرتبطة بمدى تحكم الخوارزميات في كتابة التاريخ مستقبلا، فهذه الأخيرة تجعل من الروايات الأكثر انتشارا هي الصحيحة عوض الروايات الأصح أو الأكثر دقة (7)، وهو ما سيكون له تأثير كبير على المادة الخام التي سيوفرها الفضاء الرقمي للمؤرخ في المستقبل، كما أن اعتماد الإعلام الرقمي على الخوارزميات لتحقيق الانتشار الواسع، يمكن أن يساهم في تشكيل ذاكرة رقمية قائمة على كثرة التفاعل لا على الدقة في المعطيات، ويدفع إلى تعزيز سرديات معينة وإقصاء أخرى، وهو ما يمكن أن يدعم بتطور العديد من التقنيات التي تسهل عملية التزييف والتضليل، مثل تقنيات تعديل الفيديو واستخدام الذكاء الاصطناعي، ليصبح إنتاج المادة الإعلامية في الفضاء الرقمي، خاضعا لمنطق الانتشار والتفاعل الربحي على حساب المنطق المعرفي (8).
في نفس السياق، يطرح الأرشيف الصحفي الرقمي إشكالية أخرى على مستوى صمود الأرشيف في ظل خاصية الحذف والتعديل، بالشكل الذي يجعل المعلومة موجودة اليوم قبل أن تحذف غدا أو تعدل لسبب من الأسباب، كما أن مصادر بعض المعلومات يكون غير واضح أو مجهول. وهو ما ينبه إليه إرنست وولفغانغ، عبر إبراز الفرق بين الأرشيف التقليدي والأرشيف الرقمي. فالأرشيف التقليدي يتميز بكونه ماديا وزمنيا وهذا ما يمنحه خاصية الثبات، بينما الأرشيف الرقمي متغير لتميزه بخاصية القابلية للتعديل، ويرى وولفغانغ أن الأرشيف الرقمي لا "يحفظ الماضي" بل يعيد إنتاجه عند كل عملية استرجاع، وهو ما يجعل الزمن في نظره زمنا آليا وليس زمنا إنسانيا، وهذا ما يغيّر العلاقة بين التاريخ والوثيقة، وفي البيئة الرقمية، فإن التاريخ المستقبلي سيعتمد على ما تسمح الخوارزميات بإظهاره. (9)
الأرشيف التقليدي يتميز بكونه ماديا وزمنيا وهذا ما يمنحه خاصية الثبات، بينما الأرشيف الرقمي متغير لتميزه بخاصية القابلية للتعديل
وفر الفضاء الرقمي للإعلام مجالا للتنافس في إنتاج المعلومات والسرديات بالاعتماد على ما تتيحه الخورازميات من إمكانيات للنشر على أوسع نطاق، كما أن السعي نحو أكبر قدر من التفاعل من طرف الجماعة الرقمية، دفع الإعلام إلى تأويل الأحداث التاريخية بما يتماشى مع هويتها، والتحول بشكل تدريجي إلى فاعل معرفي بعد الوصول إلى قدر معين من التراكم، ولعب دور الوسيط الذي يعيد إنتاج السرديات بصيغ قد تشوهها أو تحرفها أو تقصيها أو تعززها، وبذلك تعيد الصحافة الرقمية تشكيل المعرفة التاريخية بدل أن تحررها بالكامل[10]، ويقترح جيرالد برونير في هذا السياق مجموعة من الوقائع - المتخيلة أو المختلقة أو الكاذبة تماما - التي حققت انتشارا واسعا في الفضاء الإلكتروني، وأصبحت تؤثر في قرارات السياسيين بل وتسهم في تشكيل جزء من العالم الذي نعيش فيه (11).
إن بعض الجوانب السلبية في الإعلام الرقمي تجعل المؤرخين أمام إشكالية عويصة مرتبطة بمدى الاستمرار مستقبلا في اعتبار الأرشيف الصحفي وتحديدا الرقمي مصدرا مهمّا من مصادر كتابة التاريخ، فالمادة الأرشيفية الرقمية بما تحتمله من مخاطر عالية ذات علاقة بمصداقية المعلومة المقدمة، قد يفضي اعتمادها بشكل مكثف إلى إنتاج تواريخ مزيفة، خصوصا وأن هذه المادة الإعلامية سوف تتحول - مع تسارع وتيرة تحول الصحافة من الورقي إلى الإلكتروني - إلى مادة أرشيفية أساسية لدى مؤرخي الأجيال المقبلة، والحال أننا قد نكون أمام تواريخ مزيفة على قدر تأثير الصحافة غير المسؤولة وقوة حضورها في الفضاء الإلكتروني، لاسيما أن المؤرخ لن تكون لديه الأدوات اللازمة لتمييز المعلومات الصحيحة عن الكاذبة في الفضاء الرقمي بعد مرور فترة زمنية طويلة.
المراجع