ثمة أسئلة لا تطرحها الأزمات بل تفرضها. ومنها سؤال يظل معلقاً في صمت مريب كلما تأملنا مشهد الحرب السودانية: لماذا تختفي بعض النزاعات عن أجندة التغطية الإعلامية رغم ضخامتها الإنسانية، بينما تحتل أخرى أقل كلفةً بشريةً مركز اهتمام تلك التغطية؟
السودان ليس مجرد حالة للإجابة على هذا السؤال بل هو اختبار لحدوده: هل غياب السودان عن الأجندة العالمية شعور كامن في ذات الضحية، أم ظاهرة مرصودة وموثقة تستحق النقاش والبحث عن تفسير؟
الوقائع تُرجِّح الثانية؛ فقد قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان توم بيريلو صراحةً إن "حجم الأزمة في السودان لم يُقابَل بالاهتمام العالمي اللازم، ولا بالاهتمام الإعلامي اللازم؛ سواء في الصحافة الغربية أو الإفريقية أو العربية أو سواها" وفي السياق ذاته، وصفت مجلة The Economist حرب السودان بـ "الحرب التي نسيها العالم" وهو وصف لم يأتِ تعاطفاً بل توثيقاً لمفارقة باتت موضع إجماع؛ فبَيْن ضخامة الكارثة الإنسانية وضآلة الاهتمام الإعلامي الدولي بها مسافةٌ لا تُفسَّر بالصدفة.
تتمادى الأزمة السودانية وتمتد جغرافياً وتاريخياً لتصنع واقعاً غريباً عن تاريخ المنطقة وطبيعة العلاقة بين مكوناتها. ويبدو جلياً أن التصور التاريخي لشبكة علاقات الدولة السودانية في الإقليم والعالم قد تبدّل على نحو شامل، وهو ما يجعل مدخلاً جديداً للتعاطي مع هذا الشأن ضرورةً وجودية قبل أن يكون مطلباً آنياً. ومع غياب أي نقاش جدّي حول مراجعة علاقة السودان بالمنظومات الإقليمية والدولية التي أسهمت في تفاقم أزمته، تبقى حقيقة لا تقبل التأجيل: هذه المنظومات لم تعجز عن إدارة الأزمة فحسب، بل أسهمت في تشكيل البيئة التي سمحت باستدامتها. وهنا بالضبط يصبح السودان نموذجاً كاشفاً لما يحدث حين يتقاطع الصمت الدولي مع التغييب الإعلامي.
مسافة الصمت وأبعاد التجاهل
ولعل الدليل الأكثر كشفاً عن عمق هذه الأزمة لا يأتي من ميادين القتال بل من أرقام الإعلام. في مايو 2024، نشرت مجلة The Economist تحليلاً بيانياً موسّعاً تحت عنوان "
والأرقام تُجسّد هذا التجاهل بدقّة لا تقبل الجدل
600 مقابل 100,000، ليس رقماً إحصائياً فحسب، بل قياسٌ لمسافة الصمت التي تفصل بين حجم المأساة السودانية وما يصل منها إلى الوعي الإعلامي العالمي.
والأكثر دلالةً ليس حجم التغطية بل توزيعها الجغرافي داخل السودان ذاته؛ فبينما نالت الخرطوم وولاية الجزيرة نصيباً من الاهتمام، ظلت مناطق أخرى في شبه ظلام إعلامي. والأخطر أن الاهتمام الدولي بدارفور - وإن بدا مكثفاً - يستند في معظمه إلى أطر توثيقية موروثة من نزاعات 2003 لا من قراءة الحرب الأخيرة بعيون جديدة؛ إذن فالأمم المتحدة ترى السودان بعيون دارفور 2003، والإعلام الدولي يرى السودان بعيون الأمم المتحدة، والنتيجة حرب جديدة تُقرأ بمفاتيح خاطئة.
كشفت بيانات شركة Chartbeat للتحليلات الإعلامية أن التغطية الإخبارية للسودان بلغت ذروتها في أبريل 2023 بنحو 7,000 مقال نشرتها 3,000 مؤسسة في 70 دولة، ثم انهارت منذ مطلع 2024 إلى 600 مقال شهرياً فقط؛ في حين لم تنخفض تغطية أوكرانيا وغزة عن 100,000 مقال شهرياً
أنظمة الحجب والتوصية الرقمية
يفرِّق علم الاتصال بين مفهومين متكاملين: الغياب بصفته حالة طبيعية تُنتجها بنية قيم الأخبار؛ إذ تقوم فرضية الاستبعاد عند غالتونغ وروغ على أن الأحداث التي لا تستوفي معايير الأخبار لن تصير خبراً أصلاً (2).
والمفهوم الثاني هو التغييب الناتج عن التأطير بمعناه عند إنتمان؛ وهو "اختيار بعض جوانب الواقع وجعلها أكثر بروزاً" على حساب جوانب أخرى تُحجب بشكل ممنهج (3). وفي العصر الرقمي، انضمت الخوارزميات إلى المحررين بوصفها فاعلاً في هذا الحجب؛ إذ باتت أنظمة توصية المحتوى تُشارك في بناء السرديات وتوزيع الرؤية (4).
ما يتعرض له السودان يتجاوز الغياب البسيط إلى التغييب البنيوي، لثلاثة عوامل متشابكة:
أولها: اقتصاديات الانتباه الرقمي
وثانيها: الجغرافيا السياسية للاهتمام الإعلامي؛ فالمؤسسات الإعلامية الكبرى تعمل وفق مبدأ القرب الجغرافي والثقافي، وبما أن السودان لا يقع على حدود أوروبا، ولا تربطه بالغرب علاقة استعمارية مباشرة، ولا يملك ثقلاً اقتصادياً يهدّد مصالح القوى الكبرى، فإنه يقع في أقصى هوامش منطقة الاهتمام الإعلامي.
وثالثها: تدمير البنية الإعلامية المحلية
تعمل أنظمة توصية المحتوى في المنصات الكبرى من Meta وGoogle إلى YouTube وTikTok وفق منطق مشترك، تضخيم ما يحصل على تفاعل وتقليص ما لا يحصل عليه. والصراعات التي تملك "ضحية مثالية" — وجه محدد وقصة فردية مؤثرة — تحصل على انتشار أوسع مما تحصل عليه الصراعات ذات الطابع الجماعي المعقد، كما هو حال الصراع في السودان.
تغطية "حروب ما بعد الدولة الوطنية"
يكشف التأمل في أزمة التغطية السودانية عن معضلة أعمق تواجهها الصحافة العالمية في تغطية ما بات يُسمى "حروب ما بعد الدولة الوطنية". تتسم هذه الحروب بثلاث سمات تجعلها عصيَّةً على الأطر الإعلامية التقليدية: أُولاها انهيار احتكار العنف من الداخل؛ إذ نَمَت قوات الدعم السريع في أحشاء الدولة ثم انقلبت عليها في نمط يتكرر في مالي وأفريقيا الوسطى وميانمار
الصحافة التقليدية نشأت في سياق حروب كلاسيكية بجبهات واضحة. والحرب في السودان تكسر هذه الأطر جميعاً، وتضع الصحافة العالمية أمام تحدٍّ مهني لم تجد له إجابة مقنعة بعد.
المطلوب مراجعة جذرية تطرح أسئلة لم تعتد المؤسسات الإعلامية العربية والأفريقية طرحها: كيف تُبنى شبكات مراسلين قادرة على تغطية حروب بلا جبهات؟ وكيف تُطوَّر أطر تأطير بديلة تجعل معاناة الملايين قابلةً للرؤية في عصر تتحكم فيه أنظمة توصية المحتوى في توزيع الاهتمام الإنساني؟
نحو تأطير جديد
ما يجري في السودان نموذج متقدم لنوع من النزاعات بات يتكرر في مناطق متعددة من العالم دون أن تمتلك الصحافة العالمية أدوات تأطير كافية للتعامل معه. ومن يتقن تأطير السودان إعلامياً اليوم يمتلك مفاتيح تغطية نزاعات الغد. غير أن هذا الإتقان لن يأتي بالأدوات الصحفية الموروثة ذاتها. والمطلوب هو مراجعة جذرية تطرح أسئلة لم تعتد المؤسسات الإعلامية العربية والإفريقية طرحها: كيف تُبنى شبكات المراسلين القادرة على تغطية حروب بلا جبهات؟ وكيف تُطوَّر طرق تأطير بديلة تجعل معاناة الملايين مرئيّة في عصر تتحكم فيه أنظمة توصية المحتوى في توزيع الاهتمام الإنساني؟ وهل يمكن للتحالفات التحريرية بين مؤسسات الجنوب أن تملأ الفراغ الذي تتركه الصحافة الغربية؟
هذه أسئلة لا تخص السودان وحده، لكن السودان بحجم كارثته وعمق صمته الإعلامي هو الاختبار العملي لمدى جدية من يطرحها.
والجواب - بعد كل ما سبق - ليس أحد شِقَّي الاستفهام الذي يطرحه عنوان المقال دون الآخر. إنّ ما يعانيه السودان أزمةٌ مركّبة: دبلوماسية في جذورها، إعلامية في تجلياتها، وخوارزمية في آلياتها؛ فالفشل الدبلوماسي أنتج فراغاً سياسياً، والفراغ السياسي أضعف الضغط الإعلامي، وضعف الضغط الإعلامي أطال أمد الأزمة وهكذا تدور الحلقة.
التغطية الإعلامية ليست مجرد انعكاس للواقع إنما هي جزء من صناعته. وما لا تراه الخوارزمية لا يُحسب في موازين الضغط الدولي، ولا يحرّك إرادة الحل السياسي.
والحرب التي لا تراها الخوارزمية، حرب لا يتوقف عندها أحد.
المراجع:
-
Galloway, M. (2024, June 20). The Challenge of Reporting Neglected Crises. International Broadcasting Trust. https://ibt.org.uk/opinion/the-challenge-of-reporting-neglected-crises/
-
Galtung, J. & Ruge, M. (1965). The Structure of Foreign News. Journal of Peace Research, 2(1), 64-91
-
Entman, R.M. (1993). Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm. Journal of Communication, 43(4), 51-58
-
Borah, P. (2011). Conceptual Issues in Framing Theory. Journal of Communication, 61(2), 246-263
-
Tom Perriello (2024). Special Online Briefing with Special Envoy for Sudan Tom Perriello — U.S. Department of State, March 2024. https://2021-2025.state.gov/special-online-briefing-with-special-envoy-for-sudan-tom-perriello/
-
مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها (ACLED)، تقرير السودان، 2024
-
مركز الجزيرة للدراسات (2024). الاتحاد الأفريقي وأزمة السودان: الجهود والسيناريوهات
-
الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، بيان اليوم العالمي لحرية الصحافة، مايو 2024
-
تقرير الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا)، السودان، يناير 2025