حين نشاهد فيلماً وثائقياً نشعر دائما أننا أمام الواقع نفسه، وكأنه مرآة: نخالهم أشخاصاً حقيقيين وأحداثاً تاريخية وأماكن موجودة فعلاً خارج الشاشة. (1)
يُنظر عادة إلى الفيلم الوثائقي بوصفه الشكل السينمائي الأكثر صدقاً وواقعية مقارنة بالفيلم الروائي القائم على التخييل والتمثيل؛ حيث اعتاد المهتمون أن يقابلوا بينهما على سبيل التعريف بالمقابل أو النقيض، هذا التصور أضحى اليوم تقليدياً نظراً لقصوره المعرفي؛ أي عاجزاً عن فهم ماهية الفيلم الوثائقي المعاصر.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تنقل السينما الوثائقية الواقعَ كما هو، أم أنها تعيد تشكيله وفق رؤية صانعها؟
لقد أظهرت الدراسات السينمائية والإعلامية الحديثة أن الوثائقي لا يكتفي بتسجيل العالم، بل ينتج خطاباً بصرياً يختار زاوية نظر محددة ويقترح تفسيراً للأحداث من وجهة نظرها؛ فالكاميرا لا ترى وحدها، بل ترى عبر وعي إنساني ينتقي ويؤطر ويمنح المعنى.(2)
تتزايد أهمية هذا النقاش في زمن أصبحت فيه الصورة المصدر الأول للمعلومة، خصوصاً لدى طلبة الإعلام والصحفيين الذين يعتمدون على الوسائط البصرية لفهم الواقع ونقله، مع العلم بأن التفكير في علاقة الصورة بالحقيقة لم يعد قضية جمالية وإنما صار مسألة معرفية وأخلاقية تمس جوهر العمل الإعلامي نفسه، خاصة أن الظاهرة الغالبة اليوم هي الانتقال من المضامين إلى الأشكال، ومن التأثير بالفكر إلى الإبهار بالصورة.(3)
قدر الكاميرا أن تكون طرفاً منحازاً
يبدو التصوير في ظاهره عملية تقنية بسيطة؛ فالكاميرا توضع أمام الواقع فتقوم بتسجيله او استنساخه، غير أن كل عملية تصوير تقتضي بداية سلسلة من الاختيارات الحاسمة:
أين توضع الكاميرا؟ من يدخل الإطار؟ ماذا يُحذف؟ ومتى يبدأ التسجيل؟ ومتى يتوقف؟ وكلما أطرت الكاميرا العالم الخارجي سلطت الضوء على جانب وحجبت جوانب أخرى لدواعٍ موضوعية وذاتية. (4)
هذه القرارات ليست تقنية فحسب، بل هي فكرية وأخلاقية أيضاً؛ إذ يجد المخرج نفسه مجبراً على أن يحدد - بشكل مسبق - ما ينبغي أن يراه المتفرج، وبذلك يحدد الطريقة التي سيفهم بها الواقع من زاوية نظره الذاتية التي تتوزع بين الكفاءة والإنجاز.
ولهذا يرى كثير من منظّري السينما أن الصورة لا تعكس العالم ولا تعيد إنتاجه، ما دامت اللقطة - أصغر وحدة في اللغة السينمائية - هي غير الواقع تماما، بالمقابل هي رؤية وموقف منه تجعله محكوما بقيود الوسيط التعبيري (الصورة+ الصوت+ الحركة).
في هذا السياق يلتقي العمل الوثائقي مع العمل الصحفي؛ فكلاهما يشتغل على الوقائع والأحداث، لكنهما في الوقت نفسه يبنيان خطابين حولها. إن اختيار زاوية واحدة للرؤية يقتضي بالضرورة استبعاد زوايا أخرى، وهو ما يجعل الحياد المطلق أمراً مستحيلاً ودليلاً على تباين الآراء حول المعطى الموضوعي الواحد.
إن المصور لا يرى العالم كما هو فقط، بل يراه ذاتاً منفصلة عن الموضوع ومتصلة به في الوقت نفسه، ذلك أن النص الفيلمي الوثائقي هو فسيفساء نصوص سابقة ومعاصرة داخل بناء تفاعلي. (5)
يلتقي العمل الوثائقي مع العمل الصحفي؛ فكلاهما يعمل على الوقائع والأحداث، لكنهما في الوقت نفسه يبنيان خطابين حولها. إن اختيار زاوية واحدة للرؤية يقتضي بالضرورة استبعاد زوايا أخرى، وهو ما يجعل الحياد المطلق أمراً مستحيلاً ودليلاً على تباين الآراء حول المعطى الموضوعي الواحد.
الوثائقي والروائي.. حدود متحركة
اعتاد الجمهور الفصل الصارم بين الوثائقي بوصفه حقيقة، والروائي بوصفه تخييلاً، إلا أن السينما الحديثة كشفت سذاجة هذا التقسيم؛ لأن كليهما يستلهم الواقع ويعيد بناءه باعتمادهما معاً على تقنيات السرد الدرامي نفسها: بناء الشخصيات، وخلق التوتر، وتنظيم الزمن، وصناعة لحظات التأثير العاطفي، والسير في الغالب على خطى الأفعال الثلاثة، نذكر منها فيلم "كفر ناحوم" للمخرجة اللبنانية نادين لبكي (6) الذي يطرح بوضوح فكرة الحدود الوهمية بين النوع الروائي والنوع الوثائقي، فكل منهما فيلم تخييلي، قد يحكيان نفس القصة لطفل يعيش في فقر قاسٍ في بيروت، يعتمدان نصاً مرجعيّاً واحداً يمكّن من تأويل العالم القصصي حسب الصيغة القرائية، وقد يخال القارئ أو المتفرج ألّا اختلاف بينها، وكأنها مجرد تنويع في الأشكال التعبيرية (روائية، وثائقية أو تسجيلية) التي لا تعدو كونها أوعية حاملة للمعنى.
إن معظم شخصيات فيلم "كفر ناحوم" هي حقيقية لها وجود سابق ومعاصر للفيلم، ويمكن التأكد من ذلك بشتى الطرائق، لكنها خلف الكاميرا تفقد بعضا من هويتها؛ عليها أن تتحرك وتتصرف وفق صناعة أو بناء له قواعد صارمة، حيث من الصعب الاشتغال خارج منطقها الداخلي وإلا اعتبرت خارج لعبة النوع الصارمة.
إذن تتراوح تجارب الشخصيات بين الواقع الخام وبين التخييل الروائي، وكأن على العالم الخارجي أن يكتفي بالإجابة عن أسئلة المخرج أو المؤلف الذي يعيد بناء العالم، يعيد تقطيعه وتركيبه حسب إملاءاته التقنية؛ الفنية والجمالية، فيوهم بالواقعية ويخفي التمييز بين المعطى الموضوعي والبناء الفني.
مع هذه الأعمال يصبح الواقع مادة أولية، بينما تتولى السينما إعادة تنظيمه درامياً، وهكذا يتجاور الوثائقي والروائي داخل منطقة مشتركة تتجاوز التصنيفات التقليدية.
الوثائقي - كالروائي - تجربة ذاتية
لم يعد المخرج الوثائقي مراقباً يقف خارج الأحداث، بل أصبح جزءاً منها، ويتجلى ذلك بوضوح في فيلم "من أجل سما" للمخرجة وعد الخطيب (7) الذي يعرض الحرب الأهلية السورية الأخيرة من منظور وثائقي درامي. لم يقف هذا العمل عند التقارير الإخبارية عن مدينة حلب، بل احتواها كجزء من العالم القصصي وحولها بفضل كاميرا محمولة في الغالب إلى عمل سينمائي يمزج بين الحدّين؛ حيث جعلت المخرجة من علاقتها بابنتها سما بنية عميقة للمحكي الوثائقي والروائي على حد سواء، ولا يمكن البتة الحديث عن هذا المحكي من السيرة الذاتية خارج عين الكاميرا المحمولة وإكراهاتها التقنية والفنية. إن كل الصور والتعليقات هي نتاج تركيب بصري وسمعي متحرك بإيقاع ذاتي، لا يؤرخ لهذه الحرب بقدر ما يعبر عن حالة نفسية قد تمتد من الأنا المفرد إلى الأنا الجمع.
في فيلم "من أجل سما" نرى الحرب من الداخل لا من مسافة صحفية باردة؛ حيث يتحول الخوف والأمومة والحب والفقد إلى عناصر سردية أساسية تجعل الفيلم أقرب إلى اليوميات الحميمية منه إلى التغطية الإخبارية، وهو ما يزكّي فكرة أن الوثائقي لا يعكس الواقع وإنما يكشفه ويعيد تشكيله من جديد.
في الوثائقي تحديداً تنشأ علاقة ثقة بين الفيلم والمتلقي؛ إذ يفترض المشاهد أن ما يراه مرتبط بالواقع حتى وإن كان مبنياً فنياً، يسمى ذلك «عقد التلقي»، وعندما يشعر المتفرج بأن الفيلم تلاعب بالوقائع ينكسر هذا العقد ويظهر الإحساس بالزيف أو الكذب
الواقع يحتاج إلى سرديات
الواقع في الحياة اليومية فوضوي ومنفلت يفتقر إلى بداية واضحة أو نهاية محددة، بينما يجنح الفيلم إلى بنية سردية خالصة؛ كي يصبح قابلاً للفهم والإدراك، حيث يتدخل المونتاج باعتباره الأداة الأساسية لصناعة المعنى.
يقوم المونتاج بترتيب الأحداث، وبناء العلاقات بين اللقطات وخلق إيقاع عاطفي، فالمعنى لا يوجد داخل الصورة منفردة، بل يولد جراء تركيب الصور والأصوات. قد يتماس الفيلم الوثائقي مع الكتابة الصحفية السردية الطويلة التي تنظّم الوقائع داخل قصة درامية واضحة.
تذهب بعض الأفلام - منها فيلم " ملح هذا البحر" (8) - أبعد من ذلك فتجعل الواقع نفسه أساساً للتخييل الفني الذي ينطلق من سياق سياسي وتاريخي حقيقي مرتبط بالهوية الفلسطينية والمنفى والعودة؛ إذ يعتمد الفيلم على شخصيات روائية داخل تجربة جماعية واقعية، لكن بأسلوب روائي درامي.
لا يسأل المتفرج في هذا السياق عن دقة التوثيق بقدر ما يتفاعل مع الإحساس بالواقع الفيلمي، من هنا يبرز مفهوم الواقعي الروائي بديلاً عن الواقعي التسجيلي؛ فالفيلم وهو ينزع نحو البناء الذاتي لا يبتعد عن العالم القصصي المناصر لرؤية سردية ملتزمة بالقضية الفلسطينية.
يثوي خلف المتخيل الغنائي اكتشاف جديد لحقيقة إنسانية هي أعمق من التسجيل المباشر.
المتفرج بصفته شريكا في المعنى
لا يكتمل الفيلم عند انتهاء التصوير أو المونتاج؛ لأن المعنى الحقيقي يتشكل أثناء المشاهدة، فكل متفرج يفسر الفيلم انطلاقاً من ثقافته وتجربته ومواقفه الاجتماعية والسياسية، لذلك يمكن لفيلمين متطابقين أن ينتجا قراءات مختلفة لدى جمهورين مختلفين.
في الوثائقي تحديداً تنشأ علاقة ثقة بين الفيلم والمتلقي؛ إذ يفترض المشاهد أن ما يراه مرتبط بالواقع حتى وإن كان مبنياً فنياً، يسمى ذلك «عقد التلقي»، وعندما يشعر المتفرج بأن الفيلم تلاعب بالوقائع ينكسر هذا العقد ويظهر الإحساس بالزيف أو الكذب (9).
يقف الفيلم الوثائقي في منطقة وسطى بين العمل الصحفي والعمل السينمائي؛ تبحث الصحافة عن المعلومة الدقيقة بينما تسعى السينما إلى خلق تجربة جمالية، ويتميز الوثائقي بالجمع بين الوظيفتين معاً: يمثل معرفة عن العالم ويعرض لغة وأسلوبا فنيين في الآن نفسه.
لهذا يصعب أحياناً تصنيف بعض الأعمال المعاصرة: هل هي تحقيقات صحفية مطوّلة أم أفلام سينمائية؟ أم هي محكيات قصصية سردية؟
كثيرة هي الوثائقيات التي تستخدم أساليب التحقيق الإعلامي، ورغم ذلك تُعرض في المهرجانات السينمائية، وهو ما يدل على أن الحدود بين الإعلام والفن مرنة ونسبية.
يقف الفيلم الوثائقي في منطقة وسطى بين العمل الصحفي والعمل السينمائي؛ تبحث الصحافة عن المعلومة الدقيقة بينما تسعى السينما إلى خلق تجربة جمالية، ويتميز الوثائقي بالجمع بين الوظيفتين معاً: يمثل معرفة عن العالم ويعرض لغة وأسلوبا فنيين في الآن نفسه.
لماذا تبدو الصورة صادقة؟
يرتبط إحساسنا بصدق الوثائقي بقوة الصورة المتحركة التي تمنح انطباع الحضور المباشر وكأن المشاهد يعيش الحدث بنفسه، غير أن هذا الإحساس مضلّل؛ لأن كل صورة تختار زاوية واحدة للرؤية وتختصر الزمن وتخفي ما يقع خارج الإطار، ولأن السينما عموما تشتغل على المونتاج الجدلي بين المرئي وغير المرئي.
وبصيغة أدق، فإن كل صورة تكشف وتخفي في آن واحد؛ فالكاميرا تُظهر العالم لكنها أيضاً تحجبه، وهو ما يجعل الصدق البصري نتيجة بناء سينمائي وليس انعكاساً آلياً للواقع.
يميز بعض النقاد بين "الواقع" باعتباره ما يوجد خارج الفيلم سابقاً له و"الواقعي" بوصفه إحساساً بالحقيقة داخل الفيلم؛ فالسينما لا تستطيع امتلاك الواقع كاملاً، لكنها قادرة على خلق شعور قوي بالواقعية.
ولهذا، قد يبدو الفيلم الروائي أكثر صدقاً من وثائقي ضعيف البناء؛ لأن الصدق السينمائي لا يعتمد على الموضوع وحده، بل على الشكل والرؤية والأسلوب.
يمثل كل فيلم - وثائقياً كان أو روائياً - محاولة لإعادة خلق العالم؛ حيث ينتقي المخرج لحظات معينة يمنحها معنى ويقترح طريقة خاصة لرؤية الحياة خلالها، وبالتالي تصبح السينما أداة معرفة بقدر ما هي أداة تعبير جمالي.
إن السينما لا تخبرنا فقط بما حدث، بل تساعدنا على فهم إحساسنا تجاه ما حدث، وهو ما يمنح الصورة قوتها الفكرية والعاطفية معاً(10).
في عصر الشبكات الاجتماعية والفيض الهائل من الصور، لم يعد السؤال كيف نصوّر الواقع بل كيف نفهمه؛ وذلك نظراً لتحوّل الفيلم الوثائقي إلى فضاء للتفكير النقدي في العالم وفي علاقتنا به، مذكّراً إيانا بأن الحقيقة ليست معطى جاهزاً، بل هي بناء وإنتاج مشترك بين صانع الصورة والمتلقي.
تكشف أعمال مثل "من أجل سما" و"كفر ناحوم" و"ملح هذا البحر" أن العلاقة بين الوثائقي والروائي متغيرة وأن حدودها عابرة لجغرافية الأنواع؛ لأن السينما المعاصرة تتحرك داخل منطقة مركبة أو هجينة يمتزج فيها الواقع بالذاكرة، والتاريخ بالتجربة الشخصية، والتوثيق بالتخييل.
إذن لا تكمن قوة الفيلم الوثائقي في ادّعاء امتلاك الحقيقة، بل في القدرة على مساءلتها؛ فالفيلم الوثائقي هو دعوة إلى مشاهدة العالم بوعي نقدي، وإلى إدراك أن كل صورة تحمل رؤية، وأن كل رؤية تمثل تأويلاً ممكناً للواقع.
بهذا المعنى يصبح المتفرج - كالصحفي وصانع الفيلم - شريكاً في بناء الحقيقة لا مجرد متلقٍ لها، ويصبح إدراك الواقع في جوهره تأويلاً متجدداً بين الدلالة والرمز.
الوثائقي ليس مرآة للواقع، بل خطابٌ يدّعي الإحالة إليه، بينما الروائي خطابٌ يقوم على التخييل، حتى عندما يستلهم الواقع.
المراجع