بعد أن شاهدت أفلام مؤسسة السينما الفلسطينية وتعرفت إلى مخرجيها في مهرجان لايبزيغ للأفلام الوثائقية في ألمانيا الشرقية حملت المخرجة الألمانية مونيكا ماورير كاميرتها الـ 16 ملم وسافرت إلى بيروت عام 1978، وهناك شاهدت مدى التطور في المؤسسات الصحية التي أنشأتها منظمة التحرير الفلسطينية، لتبدأ بتوثيق ما أنشأته المنظمة من مؤسسات اجتماعية وتعليمية وثقافية، والتقاط تفاصيل الحياة اليومية للاجئين الفلسطينيين. وهكذا أنجزت ستة أفلام منها "الحرب الخامسة" الذي شاركت فيه وقدمته الممثلة البريطانية الحائزة على الأوسكار فانيسا ريدغريف، وفيلم "وُلدت من الموت" عن مجزرة منطقة الفاكهاني في بيروت عام 1981 وعن قصة الشهيدة اللبنانية فاطمة الصغير التي كانت حاملا في شهرها التاسع عندما حاولت الهرب من القصف الإسرائيلي ولم تستطع النجاة لكن الشظية التي أصابت خاصرتها أدت إلى خروج طفلتها من رحمها لتنجو الطفلة، وسماها والدها فلسطين، واستعادت مونيكا قصتها في هذا الفيلم الذي تحكي عنه بأنه "الأكثر عفوية ويحمل احتجاجا صاخبا"(1)، من خلال ما توفر من صور أرشيفية لفاطمة وعائلتها ومما صورته حول الحرب والمجزرة لتخلق توليفة بصرية مؤثرة.
الأرشيف كذاكرة حية
غادرت مونيكا لبنان عام 1982 مع خروج منظمة التحرير والفدائيين من بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي، وكان من نتائجه سرقة ونهب جيش الاحتلال للأرشيف الفلسطيني الذي يتضمن مواد سينمائية عديدة، كُشف عن حجمها ومدى أهميتها في مقالة لعوفر عوديت في صحيفة هآرتس، تحت عنوان "لماذا دفنت صور وأفلام فلسطينية لا تُحصى في الأرشيفات الإسرائيلية" التي ترجمتها مجلة رُمان الثقافية(2)، وتسلط الضوء على جهود الباحثة الإسرائيلية رونا سيلا في البحث عن هذا الأرشيف. وقد وثقت ذلك في فيلم "المنهوب والمخفي"، وتشير المقالة إلى عدد الأفلام التي سرقتها دولة الاحتلال خلال الاجتياح والتي بلغت 158 فيلما من بين مئات الآلاف من المواد التي نهبتها منذ نكبة 1948 واعتبرتها غنائم حرب.
نجحت مونيكا في إنقاذ أكثر من 90 ساعة مصورة، لتصبح هذه المواد بعد سنوات طويلة من الاجتياح ذاكرة حية لا مجرد أرشيف يُحفظ، ذاكرة يمكن أن تُصنع منها أفلام تؤرخ للفلسطينيين وحكاياتهم، واحتفظت مونيكا بهذه المواد لأنها تأمل بأنه سيكون هناك أرشيف وطني فلسطيني يوما ما، كما سعت إلى رقمنة ما صورته تحت مظلة فيلم "تصوير الثورة" حيث استخدمته"بهدف القيام بأرشفة رقمية واسعة لأكبر عدد من المواد المصورة للأفلام".(3)

وفي هذه العودة لقصة من زمن سينما الثورة الفلسطينية محاولة للوقوف على أهمية الأرشيف وكيف يتحول إلى ذاكرة حية في الأفلام، وقد تنبه الفلسطينيون منذ بداية ثورتهم، التي انطلقت عام ١٩٦٥، إلى أهمية السينما في معركتهم ضد عدو يحاول محو هويتهم، وسعيا منهم لإضفاء المزيد من الشرعية على قضيتهم، فكانت سينما الثورة - التي بدأت بقسم صغير للتصوير الفوتوغرافي أواخر عام ١٩٦٧ قبل أن تتشكل مؤسسة السينما ضمن إطار الإعلام الموحد التابع لمنظمة التحرير– غنية بإنتاج بصري وأفلام وثائقية ترتكز على رصد للحياة اليومية وتستعيد أرشيف ما يتم توثيقه من أحداث مختلفة.
لم يكن هذا التوثيق بدافع تسجيل اللحظة ولا مجرد حفظ لصور الماضي، بل انطلاقا من وعي مبكر بكون هذا الأرشيف ضروري للمستقبل. وفي النشرة الأولى لمؤسسة السينما الفلسطينية، التي كتبها المصور السينمائي هاني جوهرية – الذي استشهد عام 1976 في عينطورة بلبنان أثناء تصويره للمعارك - يحكي كيف كانوا يستعيرون كاميرا 16 ملم في بداية نشاطهم السينمائي لتصوير ما يمكن تصويره من أحداث؛ لأنهم كانوا يعلمون أن "الثورات افتقدت بعد التحرير إلى أفلام تسجل قبل التحرير" وتوثيقهم اليومي سيكون في المستقبل مادة متاحة للجميع "دون اللجوء إلى جهات خارجية لشراء مثل هذه تلك المواد بأثمان باهظة، إلى جانب أن تسجيل كل ما يحدث سيكون مادة وثائقية لا نقدرها إلا بعد سنوات".(4)
وفي تجربة سينما الثورة الفلسطينية تبرز أفلام تبين كيفية توظيف الأرشيف ليحكي الفلسطينيون قصصهم واستعادة الماضي لفهم واقع القضية وتعقيداتها، كما في فيلم "سجل شعب" الذي أخرجه قيس الزبيدي وأنتجته دائرة الإعلام والثقافة في منظمة التحرير عام 1984، ليسرد مسارات القضية الفلسطينية وتطوراتها وتحولاتها على مدى سبعين عاما - منذ أوائل القرن العشرين- "اتّكاءً على وثائق بصرية نادرة مسبوكة في سياق بصري محكم الصنعة" و"استثمارا لأرشيفات عالمية نادرة.." (5)
في تجربة سينما الثورة الفلسطينية تبرز أفلام تبين كيفية توظيف الأرشيف ليحكي الفلسطينيون قصصهم واستعادة الماضي لفهم واقع القضية وتعقيداتها، كما في فيلم "سجل شعب" الذي يسرد مسارات القضية الفلسطينية وتطوراتها وتحولاتها على مدى سبعين عاما
إعادة تشكيل الذاكرة
يمتلك الفيلم الوثائقي مساحة يتقاطع فيها توثيق لقطات الماضي مع إعادة تشكيلها، بحيث لا تقتصر قيمة الأرشيف على تتبع أحداث تاريخية بعينها، بل باعتباره مادة تُعاد صياغتها في المونتاج بما يخدم رؤية المخرج وتفسيره للأحداث والوقائع، متجاوزا كونه مجرد مخزون بصري يحفظ الذاكرة من المحو والضياع. وتبرز قوة توظيف الأرشيف من قدرة الفيلم على إحياء ما لم يعد موجودا، إذ تُستعاد الأحداث من خلال ما تبقى من تسجيلات عنها تعزز مصداقية الوثائقي وتمنحه قوة إثباتية دون شرط الالتزام بسرد زمني خطي بل عبر بناء يعيد توليفها ليرى المتفرج أثر التاريخ على الواقع، وبذلك لا يكون الأرشيف في الفيلم محايدا بل وإنما مادة قابلة للتأويل، ويمكن عبر المونتاج خلق دلالاتٍ ومعانٍ قد تكون غير واضحة في الواقع الأصلي، وأن يفتح آفاقا جديدة للتفكير ورواية الجانب غير المرئي للكثير من الأحداث والقصص.
والفيلم التسجيلي -رغم استناده إلى وقائع حقيقية- قادر على أن يؤثر كدراما، ويشير الناقد السينمائي والمخرج عدنان مدانات، الذي عمل مساعدا للمخرج في فيلم "سجل شعب" إلى أهمية "تعامل المخرج مع مونتاج المواد المصورة والوثائق السينمائية" فالفليم "إذا أراد أن يتجاوز وظيفته الإعلامية ليصبح فنّا ينبغي عليه أن يعكس سيروة حياتية، ولكن ليس ببساطة تعتمد السرد والتسلسل الواقعي، بل عن طريق الوصول إلى حالة من التصادم، كما في الدراما، بين المواد والمواضيع والشخصيات الموجودة في الفيلم، بما يؤدي إلى خلق بنية درامية للفيلم تترافق مع إيصال الشحنات الانفعالية لجماهير المشاهدين وليس فقط المعلومات"(6)
التأويل والمسؤولية الأخلاقية
يمنح الفيلم الوثائقي، بما يتيحه من مساحات للخيال والإبداع، إمكانية أن يُبنى اعتمادًا على أرشيف كامل من دون الحاجة إلى تصوير جديد، تبعًا لرؤية المخرج وتأويله. وهو ما يفتح الباب أحيانا أمام إشكالات أخلاقية حول احتمال التلاعب باللقطات وإخراجها من سياقها بما قد يفضي إلى قراءة مضللة للواقع؛ لذلك على المخرج أن يكون حذرا ويتحمل مسؤوليات مضاعفة في تعامله مع الأرشيف، وعليه أن يوازن بين حريته في البناء الفني والتزامه بالصدق والحقيقة، فانتقاء ما يعرض من لقطات أرشيفية وما يُهمش ليس قرارا تقنيا فقط، فاللقطة الأرشيفية الواحدة يمكن أن تتبنى مواقف وأفكارا معينة وأن تكتسب معنىً جديدا بحسب تركيبها في السياق السردي وكيفية توظيفها ومدى اشتباكها مع الحاضر، وبذلك يمكن للأرشيف أن يُصبح جزءا من روايات مختلفة وصراعا على المعنى وعلى الحقيقة.
يمتلك الفيلم الوثائقي مساحة يتقاطع فيها توثيق لقطات الماضي مع إعادة تشكيلها، بحيث لا تقتصر قيمة الأرشيف على تتبع أحداث تاريخية بعينها، بل باعتباره مادة تُعاد صياغتها في المونتاج بما يخدم رؤية المخرج وتفسيره للأحداث والوقائع
في السياق الفلسطيني اليوم - وضمن مواجهة السردية الإسرائيلية التي تتلاعب بالحقائق - تصبح استعادة الأرشيف المسروق المهمل المنسي وحفظ كل ما يُصور يوميا كأرشيف للمستقبل ضرورة، وتبرز أهمية ذلك من خلال الأفلام لا بكونها في هذه الحالة فعلا سياسيا وإعلاميا فقط بل بوصفه فنا يعيد الاعتبار لصوت تم غيبت روايته، وكشاهد على حياة الفلسطيني في ظل الاحتلال. وهنا نسجل مفارقة لافتة وهي أن البحث عن الأرشيف الفلسطيني، الضائع والمسروق، واستعادته تحول إلى موضوع لأفلام وثائقية حاولت تتبعه، كما في أفلام مثل "خارج الإطار" لمهند اليعقوبي، وقبله "ملوك وكومبارس" لعزة الحسن، ليصير الغياب مادة بحد ذاته.
هذا الغياب، لا يرتبط فقط بضياع الأرشيف أو نهبه بل بعدم استغلاله، وفي حرب الإبادة على غزة التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023، قدم مخرجون وصحفيون أرواحهم في سبيل توثيق الحقيقة وشهدنا تدفقا هائلا من المواد المصورة عبر الشاشات والمنصات المختلفة، وتفاعل معها العالم بوصفها أحداثا جارية في لحظتها، غير أن هذه المواد وإن حُفظت لاحقا في أرشيف وطني أو أرشيفات وسائل الإعلام المختلفة، لن تستعيد حياتها إلا عبر أفلام قادرة على أن تبقيها في الذاكرة وربطها بواقع الفلسطينيين وقضيتهم حتى وإن انتهت نكبتهم ورحل الاحتلال عن بلادهم.
وفي هذا الإطار لا تبدو مسألة الأرشيف نظرية أو تقنية فحسب، بل جزءا أساسيا من مسؤولية التوثيق وإنتاج أفلام تحمي الذاكرة وتحملها إلى الحاضر والمستقبل بحيث لا تتحول الإبادة إلى مجرد حدث وقع في الماضي وانتهى. وقد بدا ذلك لي بصورة أكثر وضوحا خلال العمل، طوال عامين، بالتعاون مع عدد من الزملاء في غزة، حيث وصلنا منهم ما يزيد على ألف ومئة مادة بما فيها من قصص إنسانية استندت إلى أكثر من 20 ألف فيديو، كمواد خام، صُورت خلال أكثر من 420 يوما. وأمام هذه المواد وجدت نفسي مسؤولا وجدنا أنفسنا، كفريق عمل في الجزيرة، مسؤولين عن حفظها وتوثيقها على أمل أن نتمكن في يوم ما من تحويلها إلى أفلام لا لحفظ التاريخ وإنما لتحكي عن الإنسان الفلسطيني الذي سيحمل عبء الذاكرة طوال حياته، فهذه المواد التي وصلتنا لم تكن فقط لدواعي التغطية الإخبارية، بل نبشا عميقا في تفاصيل حياة تحت وقع الإبادة.
بعكس معتقد سائد بأن الفيلم الوثائقي المبني على الأرشيف مُملّ ويفقد قيمته الفنية والجمالية والإنسانية، فإن العلاقة بين الأرشيف والفيلم الوثائقي تكشف عن جوهر هذا الفن وقدرته على خلق التفاعل بين الماضي والحاضر
عن استهداف الصورة وطمس الأرشيف
يقول المصور الفلسطيني عبد الحافظ الأسمر (عمر المختار) في مقابلة معه، عندما سُئل عن الفرق بين عمله وعمل مراسلي الوكالات إن "عمل المراسل يتطلب تغطية الحدث بسرعة، واجبه أن يرسل خبرا سريعا؛ عملنا إنساني أكثر مما هو إخباري. البحث عن الحقيقة وليس عن الخبر المجرد، المهم هو تقديم الحدث بكل جوانبه الانسانية" والأهم هو "خلق أرشيف سينمائي عن نضال شعبنا" (7) أُصيب عبد الحافظ مع رفيقه المصور إبراهيم ناصر (مطيع إبراهيم) في عام 1978، عندما كانا يغطيان العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، ورغم إعلانهما بصوت مسموع أنهما مصوران جريحان ولا يحملان غير معداتهما السينمائية، لكن إلا أن جنود الاحتلال أطلقوا النار عليهما، مما أدى لاستشهادهما، واختطفوا جثتيمها وسرقوا معداتهما. (8)
بعكس معتقد سائد بأن الفيلم الوثائقي المبني على الأرشيف مُملّ ويفقد قيمته الفنية والجمالية والإنسانية، فإن العلاقة بين الأرشيف والفيلم الوثائقي تكشف عن جوهر هذا الفن وقدرته على خلق التفاعل بين الماضي والحاضر، فالأرشيف لا يحفظ الذاكرة فقط، بل يمنح الوثائقي مادته الخام لكنه لا يحدد معناه ولا يكتفي بالقول ماذا حدث، فعلى الفيلم أن يعيد قراءته لنفهم كيف حدث ولماذا، وما هي مآلاته وتأثيراته على الحاضر والمستقبل. يضعه المخرج في سياقات جديدة أو يخلق توليفة منه ويدمجه مع تصوير حديث ليصوغ سردا موضوعيا وبصريا مركبا يمتد أيضًا إلى الجانب الجمالي والإيقاعي، فالتباين بين اللقطات القديمة والجديدة، يخلق طبقات زمنية داخل الفيلم تتنقل بالمتفرج بين الماضي والحاضر، وتُبقي قصة الإنسان حيّة في ذاكرة الشعوب.
المراجع