في مشهدٍ مربك، تطلّ على الشاشة الطفلة ديمة الياسين ابنة الدكتورة رانيا العباسي؛ لتحكي قصة العائلة التي عُرف مصيرها مؤخراً بعد اختفائها قسريا لمدة ثلاثة عشر عاما في سجون النظام السوري.
يعيد الفيديو المولّد بالذكاء الاصطناعي أفراد العائلة إلى الحياة عبر الشاشة، فيما تروي ديمة عن حياتهم قبل الاعتقال وتفاصيل ما جرى لهم بنبرة تضامنية. يظن المتلقي أنه يشاهد مادة سردية وجدانية لقصة واقعية، هدفها إحياء الضحايا في الذاكرة والتضامن معهم والمطالبة بالعدالة ومحاسبة الجناة.
هذا المشهد ليس حالة فريدة، بل يمثل واحدا من نماذج متعددة تكشف كيف تحوّلت تقنيات (الإحياء الرقمي) (Digital Resurrection) عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أداة إعلامية متنازع عليها، بين من يراها امتدادا نبيلا للتوثيق الحقوقي، ومن يحذّر من انزلاقها نحو تسليع الألم وتضليل الجمهور ببناء سرديات لم تصدر عن الضحايا.
هنا يبرز سؤال أخلاقي ومفهومي ملحّ: أين ينتهي التضامن الإبداعي الذي يخدم قضايا العدالة، وأين يبدأ التأليف الدرامي الذي ينتزع الخصوصية ويضلل الجمهور ويعيد الضحايا إلى الحياة افتراضيا دون ضوابط ومعايير واضحة؟
الإحياء الرقمي وآليات التوليد
الإحياء الرقمي (Digital Resurrection) هو توظيف للتقنيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ لإعادة إنتاج ملامح الشخص المتوفى أو صوته أو أسلوب حديثه وشخصيته في صور أو تسجيلات صوتية أو فيديوهات أو بيئة تفاعلية.
ومن أمثلته المبكرة مشروع الصحفي الأميركي جيمس فلاهوس الذي بدأ عام 2016 بتسجيل ذكريات والده المحتضر، ثم طور روبوت محادثة عُرف باسم Dadbot يحاكي شخصيته وذكرياته وطريقة كلامه وانتقلت هذه التقنيات لاحقا إلى المجال العام والسياسي، حين استخدمت منظمة أميركية عام 2020 تقنية التزييف العميق لإحياء المراهق خواكين أوليفير - وهو ضحية مجزرة مدرسية - في حملة سياسية لحث الناخبين على التصويت لصالح قوانين ضبط السلاح.
تتم عملية (الإحياء الرقمي) عبر دمج ثلاث آليات تقنية متكاملة: الأولى استنساخ الصوت؛ حيث قد تكفي بضع دقائق من تسجيل صوتي حقيقي لتدريب النموذج على محاكاة نبرة الشخص وطريقة نطقه. والثانية تحريك الصور الثابتة؛ إذ تحوّل الخوارزميات صورة فوتوغرافية واحدة إلى شخصية متحركة ناطقة مع تزامن دقيق لحركة الشفاه وتعابير الوجه. أما الثالثة - وهي الأكثر حرجا وتطرح معضلة أخلاقية بارزة - فتتمثل في توليد النصوص والسيناريوهات؛ حيث تُصاغ حوارات كاملة بلسان المتوفى، قد تستند إلى شهاداته الموثقة، وقد تكون من نسج خيال صانع المحتوى وتصوره لما يمكن أن يقال.
تكشف دراسة أجراها الباحثان توم ديفون وكريستيان بنتزولد(1) أن الإحياء الرقمي لا يقتصر على إعادة إنتاج صور الموتى أو أصواتهم، بل قد يحول آثارهم الرقمية إلى موارد تُستخرج وتُعاد صياغتها وتداولها داخل الاقتصاد الإعلامي، ويصف الباحثان هذه العملية بمفهوم (العمل الطيفي) (Spectral Labor) حيث يصبح الموتى - بصورة لا إرادية - مصادر للبيانات والشبه والصوت والعاطفة، ويمكن إعادة توظيف هذه العناصر دون موافقتهم.
ومن بين أنماط الإحياء الرقمي التي رصدتها الدراسة، تبرز إعادة استحضار ضحايا العنف في سياقات سياسية أو تذكارية؛ بحيث يمكن أن يُمنح الضحية حضورا رقميا جديدا بوصفه شاهدا على الماضي، لكن هذا الحضور قد يصبح في الوقت نفسه خاضعا لأهداف الجهات التي تعيد إنتاجه.
عوالم استخدام الإحياء الرقمي
تستخدم هذه الأدوات اليوم في مساحتين مختلفتين جذريا؛ فهي تستخدم في المؤسسات التعليمية والأكاديمية وفي الصحافة الجادة والمؤسسات الثقافية، وهي تُخضع إنتاج هذا النوع من المحتوى لموافقات موثقة ومراجعة تحريرية قبل النشر. أما في الفضاء الرقمي المفتوح فتغيب في كثير من الأحيان آليات المراجعة التقليدية؛ إذ يمكن لأي مستخدم إنتاج محتوى مماثل ونشره مباشرة، دون تقييم أخلاقي ودون مراجعة أو مساءلة مهنية.
إن استخدام هذه الأدوات في الإعلام الرقمي دون الالتزام بمعايير أخلاقية واضحة، يصبّ مباشرة في مصلحة منصات التواصل الاجتماعي التي تحكمها خوارزميات تكافئ المحتوى الذي يؤجج المشاعر ويثير التعاطف ويحفّز على التفاعل؛ فهذا النوع من المحتوى لا ينفصل عن منطق اقتصاد الانتباه (Attention Economy) الذي يحرّك تلك المنصات.
يقدم مشروع (In Event of Moon Disaster) مثالا مهما لفهم الحدود الأخلاقية لإعادة إحياء الشخصيات التاريخية رقميا. أُنتج المشروع في مركز Advanced Virtuality التابع لمعهد MIT، واعتمد على تقنيات التزييف العميق (Deepfake) لإنتاج فيديو اصطناعي يظهر فيه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون (1913-1994)، وهو يلقي خطابا لم يُلقه فعليا. يستند الخطاب إلى بيان صاغه الكاتب ويليام سافاير عام 1969 تحسبا لفشل مهمة الهبوط على سطح القمر (أبولو 11) ووفاة رائدَي الفضاء؛ ليخلق المشروع مشهدا إعلاميا يبدو واقعيا رغم أنه لم يحدث تاريخيا.
وتكمن أهمية هذه الحالة في تقديمها خطا فاصلا بين إعادة الإحياء الرقمي المسؤول وبين استخدام التقنية بأسلوب يعوزه الضبط التحريري؛ فالمشروع لم يطرح نيكسون باعتباره قال الخطاب فعلا، بل أعلن بوضوح عن طبيعة المحتوى الاصطناعي، محولا التلاعب الرقمي ذاته إلى أداة تعليمية لتوعية الجمهور بقدرة الـتزييف العميق على إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية.
حفاظا على الذاكرة الجمعية أم استهلاكا للسردية؟
يقف الفيديو المولَّد بالذكاء الاصطناعي لأطفال الدكتورة رانيا العباسي في منطقة رمادية تجمع بين غاية إنسانية من أجل صورة الضحايا في الذاكرة، وبُعد آخر أكثر إشكالية يتمثل في إعادة إنتاج قصتهم بصوت لم يصدر عنهم في حياتهم.
فحين تُستخدم تقنيات التوليد الاصطناعي لجعل الضحية تتحدث عبر سيناريو لم تنطق به فعليا - حتى وإن كان مستوحى من قصتها أو من معلومات موثقة عنها - تنتقل العملية من استعادة الأثر التاريخي إلى إنتاج خطاب جديد باسم الضحية. وتزداد حساسية هذا الاستخدام عندما لا يكون هناك إذن صريح وموثق من أصحاب الحقوق أو ذوي الضحية؛ إذ تبرز أسئلة تتعلق بملكية السردية وخصوصية الذاكرة وحق العائلة في تقرير كيفية تمثيل فقيدها.
في المقابل تكشف هذه التقنية عن قدرة مهمة على أنسنة الأرقام والتقارير الحقوقية؛ إذ يمكن أن تنقل ضحايا الاختفاء القسري من موقعهم داخل الإحصاءات والتقارير إلى حضور بصري وسمعي يجعل قصتهم أكثر قابلية لإدراك الجمهور لها وتفاعلهم معها، وقد يسهم هذا النوع من التمثيل في تعزيز الذاكرة الجمعية وإبقاء الضحايا حاضرين في المجال العام بدل أن تختزل حياتهم في أرقام أو سجلات حقوقية. غير أن القيمة التذكارية لا تلغي المخاطر الأخلاقية الملازمة لإعادة بناء صوت الضحية وشخصيتها رقميا.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدا عندما تُستخدم سيناريوهات افتراضية أو نصوص متخيلة على لسان الضحية؛ إذ يمكن لمثل هذا الاستخدام أن يطمس الحدود بين ما قالته الضحية فعلا وما نسب إليها بعد وفاتها، كما قد يحوّل المعاناة الفردية إلى مادة قابلة للتداول ضمن مفهوم اقتصاد الانتباه؛ حيث تتنافس القصص المؤثرة على المشاهدة والمشاركة والانتشار. ومن هنا لا تكمن المعضلة في قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة إحياء الضحية فحسب، بل بمن يملك حق إعادة روايتها، وبأي شروط، ولأي غاية.
فضاء خالٍ من الرقابة
في أوائل عام 2023 انتشر على منصات مثل تيك توك تريند مثير للجدل وصادم أخلاقيا؛ استخدم فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي لإعادة إنشاء صور متحركة وفيديوهات لأطفال حقيقيين راحوا ضحايا لجرائم قتل شهيرة ومروعة وهم يروون تفاصيل مقتلهم بلسانهم. وقد اعتمد صناع المحتوى على صور حقيقية للضحايا من الأخبار، ثم استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي لتحريك وجوههم وتوليد أصوات تحاكي أصواتهم. ظهرت الضحايا في صورة شخصية رقمية تتحدث في الفيديو بعبارات مثل: "مرحباً، أنا (اسم الضحية) واليوم سأخبركم كيف تعرضت للقتل..." وتبدأ بسرد تفاصيل مرعبة وصادمة عن لحظاتها الأخيرة. وكان الهدف الرئيسي خلف هذه الفيديوهات هو إثارة الصدمة والفضول لجذب المشاهدات والتفاعلات.
تسبّبت هذه المقاطع بصدمات نفسية حقيقية لعائلات الضحايا؛ ففي كندا، فوجئت الأم أميلي ليميو بمقطع يُظهر نسخة اصطناعية لابنتها نورا (11 عاماً) التي قُتلت مع شقيقتها على يد والدهما عام 2020 وهي تتحدث عن تفاصيل مقتلها. تصف ليميو الصدمة بأنها "أسوأ من أسوأ لكمة يمكن تخيّلها". أما البارونة بيبان كيدرون عضو مجلس اللوردات البريطاني فوصفت هذا المحتوى بأنه بمثابة "هجوم عاطفي" مباشر على الأسر الثكلى.
زادت حدة الانتقادات الصارخة تجاه هذا المحتوى مما دعا منصة تيك توك لحذف المحتوى وأعلنت أن هذه الفيديوهات تنتهك سياساتها الصارمة المتعلقة بالتحرش التنمر واستخدام صور الأشخاص الحقيقيين دون إذن وتقوم بحظر الحسابات وحذف الفيديوهات بمجرد الإبلاغ عنها.
غير أن تحقيقا لـ "بي بي سي" كشف أن مقاطع مماثلة ظلت متاحة لأشهر وحققت ملايين المشاهدات رغم إعلان تيك توك حظر هذا النوع من المحتوى؛ إذ أفاد أحد مراقبي المحتوى بالمنصة بأنه لم يُبلَّغ بالحظر رغم مرور أربعة أشهر على صدوره وهذا دليل إضافي على أن غياب المساءلة ليس فقط من صنّاع المحتوى، بل من المنصات ذاتها.
ويرى خبراء الإعلام والعدالة الجنائية أن هذا السلوك يمثل شكلا بالغ التطرف من الاستغلال غير الأخلاقي للمآسي الإنسانية وتحويلها إلى مادة للترفيه الرقمي؛ فبحسب بول بليكلي Paul Bleakley الأستاذ المساعد بالعدالة الجنائية بجامعة نيوهيفن، تُصمَّم هذه الفيديوهات خصيصا لإثارة ردود فعل عاطفية قوية لأنها وسيلة مضمونة لجذب المشاهدات والتفاعل، مع خطر حقيقي بإعادة تعريض عائلات الضحايا للصدمة من جديد.
من إعادة التمثيل إلى الفبركة
يضعنا هذا الجدل أمام إشكال مهني حاسم في صميم الرسالة الصحفية؛ فبينما يمكن تفهّم استخدام الإحياء الرقمي في الحملات التوعوية أو السياسية المعلنة، تظل ممارسته داخل المؤسسات الإخبارية أكثر إشكالية؛ لأنها تصطدم مباشرة بمبدأ التوثيق والتحقق، فالصحافة لا تكتفي بإنتاج محتوى مؤثر، بل تقوم على نقل الشهادات والتحقق من مصادرها، لا على توليد أقوال جديدة على لسان شخصيات رحلت.
ففي عام 2025 أجرى الصحفي المستقل جيم أكوستا المذيع السابق بشبكة CNN مقابلة مع نسخة رقمية مولّدة بالذكاء الاصطناعي لخواكين أوليفير الشاب الذي سبق أن استُخدمت صورته بحملة سياسية عام 2020. أثارت المقابلة نقاشا واسعا حول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين إعادة التمثيل الإعلامي والممارسة الصحفية خصوصا حين يُقدَّم المحتوى ضمن إطار صحفي لا إعلاني.
ويكتسب هذا التمييز أهمية إضافية في ضوء مبادئ جمعية الصحفيين المحترفين (SPJ) التي تضع السعي إلى الحقيقة والتحقق منها في صميم المسؤولية الصحفية إلى جانب تقليل الضرر والشفافية مع الجمهور؛ فالإشكالية لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة، بل في إسناد كلام لم يقله شخص حقيقي إلى شخص متوفى، ثم تقديم هذا الكلام داخل قالب صحفي وهو ما يقترب من "الفبركة الصحفية" (Journalistic Fabrication) حين تتقوّل الصحافة على أشخاص بتصريحات لم يدلوا بها، خصوصا إذا لم يكن واضحا للجمهور أنه إعادة بناء اصطناعية. وهنا يصبح السؤال المهني الحاسم: إذا كان بالإمكان نقل قصة الضحية عبر شهاداتها الموثقة ووثائقها وصورها الأرشيفية وشهادات ذويها فما الضرورة الصحفية التي تسوّغ أن تُقوَّل شيئاً لم تقله؟ القدرة التقنية لا تعني بالضرورة وجود مسوِّغ صحفي لاستخدامها.
سباق التشريع الناقص
لم تقتصر هذه التجاوزات على مجرد سجال إعلامي، إنما امتدت إلى المجال التشريعي الفيدرالي؛ حيث يطالب حقوقيون وخبراء قانونيون بسنّ تشريعات صارمة تمنع استغلال صور الضحايا وتوليد محتوى رقمي لأشخاص متوفين دون موافقة خطية وموثقة من عائلاتهم.
في الولايات المتحدة أوصى مكتب حقوق النشر عام 2024 بأن يسنّ الكونغرس قانونا فدراليا لحماية الأفراد من الاستخدام غير المصرح به لنسخهم الرقمية، مؤكدا قصور القوانين الحالية وتضاربها (12). وتلا ذلك تقديم مشروع قانون (NO FAKES Ac) الذي يمنح كل فرد - بمن فيهم من تُوفي قبل أو بعد سنّ القانون - حقّا فدراليا على نسخته الرقمية، يؤول بعد الوفاة لورثته أو منفّذي وصيته مع آلية لإزالة المحتوى غير المصرح به فور الإبلاغ عنه (12). غير أن المشروع لا يزال قيد المداولة في الكونغرس حتى منتصف عام 2026، ولم يتحول بعدُ إلى قانون نافذ، وهو ما يعني أن هذا الفراغ التشريعي لا يزال قائما فعليا في أكبر سوق رقمي عالمي.
بين المسؤولية المهنية والفراغ الرقمي
بين مشهد ديمة الياسين الذي يستحضر الذاكرة، وفيديوهات تيك توك التي تعيد إنتاج الألم، فإن ما يفصل بين إحياء الذاكرة التضامنية وتسليع الألم ليس نوع التقنية بل من يقف خلفها ولأي غاية؛ فقد أثبت نموذج MIT أن الإحياء الرقمي يمكن أن يخدم الذاكرة والتعليم حين يخضع لإفصاح شفاف وموافقة موثقة، بينما يحوّل غياب هذين الشرطين الأداةَ نفسها إلى سلاح لإعادة صدمة العائلات واستغلال المحتوى للتفاعل.
فحين يُستخدم الإحياء الرقمي داخل الإعلام المؤسسي يبقى هناك من يحرس البوابة، ويُخضع السردية وصناعتها لأخلاقيات المهنة. أما حين تنتقل الأداة إلى الفضاء المفتوح حيث لا رادع مهني أو أخلاقي أو قانوني فتصبح المسؤولية مشتركة بين المشرّع الذي يجب أن يسدّ الفراغ التشريعي والمنصة التي يجب أن تطبّق سياساتها بجدية لا شكليا، قبل أن تتحول إعادة إحياء الضحايا إلى انتهاك جديد لكن هذه المرة رقميا.
المراجع