في الثلاثين من أبريل/نيسان، نشرت منظمة «مراسلون بلا حدود» (RSF) مؤشرها السنوي لحرية الصحافة في العالم (WPFI)الذي يُصنِّف الدول استنادا إلى مستوى حرية الصحافة فيها.
ووفقا للموقع الرسمي للمنظمة، يهدف المؤشر إلى تقديم "انعكاس دقيق للواقع في وقت النشر"، ورغم ما يحظى به المؤشر من موضوعية مُتصوَّرة، يُقدّم هذا المقال تحليلا نقديا للانحياز الغربي الكامن في منهجيته واختيار عيناته وحساباته المتعلقة بالصحفيين الذين قُتلوا ونظام تصنيفه ولغته المستعملة. ونظرا لأن المؤشر يُعد مرجعا متكررا لوسائل الإعلام العالمية السائدة بوصفه تقييما موثوقا به لحرية الصحافة عالميا، فإن من صميم العمل الصحفي المبدئي تسليط الضوء على العيوب الجوهرية في منهجيته، وغياب الشفافية في المعايير المتبعة لاختيار المشاركين وتوزيع الاستبانة وكيفية تقييمها.
يصنّف مؤشر المنظمة لهذا العام 180 دولة استنادا إلى مستوى حرية الصحافة على مقياس من 0 إلى 100؛ حيث تمثل 100 أعلى مستوى ممكن لحرية الصحافة و0 أسوأها. ويتألف تحليل المؤشر من حصرٍ كميّ للانتهاكات واستبانة نوعية، وتستند بياناته إلى خمسة مؤشرات هي: السياق السياسي، والإطار القانوني، والسياق الاقتصادي، والسياق الاجتماعي والثقافي، وسلامة الصحفيين. وتتولى ملء الاستبانة مجموعة غير معلنة الهوية من الصحفيين والأكاديميين والناشطين الحقوقيين تختارهم المنظمة، بينما تشرف لجنة تضم سبعة خبراء أوروبيين على احتساب البيانات لضمان مصداقية المؤشر.
يشير الموقع الرسمي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» إلى أنها تضع العدالة والمساواة في مقدمة أولوياتها. وتنعكس هذه المبادئ - إلى حد ما - في عملها الميداني؛ كتقديم الدعم القانوني للصحفيين المحتجزين لدى حكوماتهم وتوفير معدات السلامة للصحفيين العاملين في المناطق عالية الخطورة. ومع ذلك، من الضروري تسليط الضوء على نشأة المنظمة وتاريخها المثير للقلق الذي يطرح تساؤلات أعمق حول مصداقيتها؛ إذ إن أحد مؤسسيها روبرت مينارد، سياسي فرنسي بارز ينتمي إلى أقصى اليمين ومعروف بمواقفه المعادية للإسلام والمتحالفة مع الأحزاب المناهضة للهجرة، وقد واجه دعاوى قضائية بتهم التحريض على الكراهية والتمييز. ورغم أنه لم يعد يشغل منصبا رسميا داخل المنظمة، فإنه شارك في صياغة آليات عملها على مدى 23 عاما. ويعد هذا الأمر باعثا على القلق البالغ ولكنه ليس مفاجئا؛ لكون المنهجية التي يطبّقها المؤشر لتصنيف الدول تترك مجالا واسعا للاجتهادات والتأويلات الذاتية؛ فالمنظمة - على سبيل المثال - تنتقي الصحفيين والباحثين والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان للجزء الخاص بالتحليل النوعي دون الكشف عن معايير اختيار هذه العينة.
من الضروري تسليط الضوء على نشأة المنظمة وتاريخها المثير للقلق الذي يطرح تساؤلات أعمق حول مصداقيتها؛ إذ إن أحد مؤسسيها روبرت مينارد، سياسي فرنسي بارز ينتمي إلى أقصى اليمين ومعروف بمواقفه المعادية للإسلام والمتحالفة مع الأحزاب المناهضة للهجرة، وقد واجه دعاوى قضائية بتهم التحريض على الكراهية والتمييز.
منهجية معيبة وعينات انتقائية
ثمة غياب للشفافية حول كيفية اختيار المنظمة للمشاركين في استبانتها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى تمثيل البيانات وحياديّتها، وكما ذكرنا سابقا، تتضمن منهجية التصنيف تحليلا نوعيا يستند إلى إجابات "متخصصين في حرية الصحافة" مجهولي الهوية، من بينهم صحفيون وباحثون وأكاديميون ومدافعون عن حقوق الإنسان. بيد أن المنظمة لا تفصح عن تفاصيل جوهرية مثل عدد المستجيبين في كل بلد، وتوزيعهم الجغرافي، وانتماءاتهم المهنية أو المؤسسية، وتوجهاتهم السياسية، وعلاقتهم بالمناطق الخاضعة للتقييم، أو المعايير المعتمدة في اختيارهم. ورداً على أسئلة وُجهت إليها لإعداد هذا المقال قالت المنظمة "إن هويات الخبراء والمستجيبين المشاركين في المؤشر سرية لدواعٍ أمنية للحفاظ على نزاهة العملية؛ إذ يُعد هذا الأمر مسألة حيوية لسلامتهم، لا سيما في البلدان التي يمكن أن يؤدي فيها الجهر بالرأي وممارسة المهنة إلى السجن أو القتل". ورغم وجاهة هذه الحجج، أخفقت المنظمة في معالجة التفاصيل الجوهرية المثارة حول المنهجية، والتي لا تتطلب كشف هويات المستجيبين بأي حال.
إن غياب هذا الإفصاح يجعل من الصعب تقييم ما إذا كانت العينة متنوعة ومستقلة بما يكفي أو ملمة بالسياق. ولأن المؤشر يعتمد جزئيا على تقييمات ذاتية، فإن غياب معايير الاختيار الشفافة يفسح مجالا كبيرا للتفاوت والانحياز، لا سيما عند تقييم دول ذات وقائع سياسية معقدة أو ظروف تختلف كليا عن البيئات الإعلامية الغربية. ونتيجة لذلك، يخاطر المؤشر بتقديم تقديرات محل خلاف بوصفها قياسات موضوعية لحرية الصحافة.
وقد راجعت كاتبة المقال استبانة المؤشر لعام 2025؛ وفيها تشير صياغة الأسئلة إلى التحيز الغربي، وهو ما يجعلها غير مفيدة في قياس حرية الصحافة في الدول غير الغربية؛ حيث تختلف الممارسات الإعلامية والواقع الاجتماعي والاقتصادي عن المعايير التي أرساها المؤشر، وذلك يؤدي إلى تقديم صورة مشوهة لواقع الصحافة في الجنوب العالمي.
فعلى سبيل المثال، يبدو أن الأسئلة الخمسة والثلاثين المتعلقة بالسياق السياسي تحصر التهديدات الموجهة لحرية الصحافة أساسا في الضغوط التي تمارسها الحكومات الوطنية أو المحلية، متجاهلة حقيقة أن الاعتداءات على حرية الصحافة في الجنوب العالمي قد تنبع من أطراف داخلية وخارجية على حد سواء. قد يبدو التركيز على الحكومات المحلية والوطنية مبررا في سياق دول الشمال العالمي كألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة التي تتمتع بدرجة أكبر من السيادة على أراضيها وقدرة على الحد من التدخل الخارجي المباشر إلى حد معين.
إلا أن الأمر يختلف بالنسبة لدول الجنوب العالمي؛ حيث تخضع السيادة غالبا لضغوط سياسية خارجية، ونفوذ المانحين، والاحتلال العسكري، والنفوذ الإعلاني والتبعية الاقتصادية، أو نفوذ الشركات متعددة الجنسيات والجهات الخارجية المموِّلة للإعلام. وفي هذا السياق، قد تُقمع الحرية الصحفية بالمثل من خلال الضغوط الأجنبية على المؤسسات لحجب روايات بعينها. وعليه، فإن المنهجية التي تركّز على الفاعلين الحكوميين بشكل ضيّق للغاية تخاطر بإغفال هذه الأشكال الهيكلية والمرتبطة بعلاقات النفوذ والمصالح من الرقابة.
يعتمد المؤشر جزئيا على تقييمات ذاتية، لذا فإن غياب معايير الاختيار الشفافة يفسح مجالا كبيرا للتفاوت والانحياز، لا سيما عند تقييم دول ذات وقائع سياسية معقدة أو ظروف تختلف كليا عن البيئات الإعلامية الغربية. ونتيجة لذلك، يخاطر المؤشر بتقديم تقديرات محل خلاف بوصفها قياسات موضوعية لحرية الصحافة.
ويتجسد هذا القصور بوضوح في حالة فلسطين؛ إذ إن قدرة الصحفيين الفلسطينيين على الحصول على المعلومات الضرورية - مثل البيانات الدقيقة حول الأنشطة الاقتصادية للمستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة وروابطها الاقتصادية مع دول الشمال العالمي - لا تقيّدها السلطات الفلسطينية المحلية، بل الاحتلال الإسرائيلي الذي يتحكم في حركة التنقل والحدود والوصول والمعلومات.
ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أنه منذ عام 2024، تواصل المحكمة العليا الإسرائيلية المماطلة في البت بالالتماس المقدم من رابطة الصحافة الأجنبية (FPA) في القدس للمطالبة بالوصول غير المقيد لوسائل الإعلام الدولية إلى غزة. وقد منحت المحكمة الحكومة الإسرائيلية أكثر من ست تمديدات لتقديم ردها؛ لترد الحكومة في يناير/كانون الثاني 2026 مؤكدة تمسكها بحظر دخول وسائل الإعلام الأجنبية بدعوى "المخاطر الأمنية"، وهو ما أقرته المحكمة. وفي عام 2024، أقر الكنيست أيضا "قانون منع إضرار هيئة بث أجنبية بأمن الدولة"، وصوّت لتمديد العمل به حتى عام 2027. يسمح القانون بالإغلاق "المؤقت" للقنوات الإخبارية التي "تضر بالأمن القومي" فضلا عن مصادرة معداتها، وقد استهدف بالدرجة الأولى شبكة الجزيرة ولُقّب على إثر ذلك بـ"قانون الجزيرة" بعد أن اتهم مسؤولون إسرائيليون القناة - دون تقديم أدلة - بإلحاق الضرر بأمن إسرائيل وجنودها.
ورغم ممارسات الرقابة والحظر - على الصحفيين الفلسطينيين وعلى الإعلام الإسرائيلي ووسائل الإعلام الدولية - وقتل مئات الصحفيين الفلسطينيين واللبنانيين وتقويض حريتهم الصحفية وقدرتهم على التغطية داخل أراضيهم، لم ينخفض تقييم إسرائيل في مؤشر عام 2026 سوى 4 نقاط مقارنة بمؤشر 2025، مما يضع مصداقية بيانات المنظمة وتحليلاتها وتصنيفاتها موضع تساؤل. ورداً على أسئلة لهذا المقال، قالت المنظمة "إن إسرائيل كانت في المرتبة 86 عام 2022 وتراجعت 30 مرتبة منذ ذلك الحين". ومع ذلك، لم توضح المنظمة أسباب بقاء تصنيف إسرائيل في المرتبة 116 في خضم إبادة جماعية مستمرة منذ عامين ونصف، في حين صُنفت دول أخرى في المنطقة وخارجها - لا ترتكب إبادة في حق الصحفيين- في مراتب أدنى. ورغم ذلك، يظل التصنيف مثيرا للشكوك حول صحة بيانات المنظمة وتحليلاتها.
وتوضح يارا هواري المديرة المشاركة لشبكة السياسات الفلسطينية (الشبكة) الأمر بقولها "تتماشى منظمة «مراسلون بلا حدود» مع القيم المتمحورة حول المركزية الأوروبية والغربية للديمقراطية والحرية، ولا تأخذ في الاعتبار الوقائع المختلفة للشعوب الخاضعة للاحتلال وشعوب الجنوب العالمي؛ فعند تصنيف بلد مثل فلسطين يقع تحت الاحتلال العسكري والاستعماري ولا يملك سيطرة سيادية على حدوده، يصبح من الخلل المنهجي تطبيق المقاييس ذاتها المستخدمة لتقييم دول مثل النرويج أو السويد؛ إذ لا يمكن تقييم حرية الصحافة من خلال قالب موحد للجميع".
كما يخفق النطاق المحدود لاستبانة المؤشر في مراعاة التهديدات غير الحكومية والعابرة للحدود التي تواجه الصحفيين بشكل كافٍ، بما في ذلك تقنيات المراقبة والتجسس؛ فقد اتُّهمت شركات متعددة الجنسيات - مثل شركة برمجيات التجسس الإسرائيلية (NSO Group) - بتمكين اختراق أجهزة الصحفيين وتقويض حريتهم. وهذه الأشكال من القمع لا تندرج بسهولة ضمن إطار يركز على ضغوط الحكومات المحلية وحدها، رغم أنها تؤثر تأثيرا مباشرا على سلامة الصحفيين، ومصادرهم، وقدرتهم على التنقل والتغطية بحرية.
وفي عام 2018، رفع صحفيون من شبكة الجزيرة وصحفيون وناشطون قطريون ومكسيكيون وسعوديون دعاوى قضائية في إسرائيل وقبرص تتهم باستخدام برنامج التجسس "بيغاسوس" لاختراق أجهزتهم.
وتحاجج هواري بأن المنهجية التي تتبعها المنظمة مبنية بطبيعتها على افتراضات متمركزة حول الرؤية الغربية والأوروبية؛ فمن خلال الاعتماد على الحالات المتحقق منها فرديا واختيار المستجيبين بشكل انتقائي، بدلا من الاعتماد على المؤسسات الإعلامية المستقلة، أو انتشار الوسيلة الإعلامية، أو التعددية الصحفية، يسلّط المؤشر الضوء على رؤية خاصة لحرية الصحافة تتماشى مع المنظور الغربي. وتضيف هواري أن "تعريف المنظمة للعمل الصحفي قد يستبعد العديد من العاملين في الحقل الإعلامي في فلسطين من الصحفيين المستقلين (freelancers)الذين يساهمون بأدوار رئيسية في المؤسسات الإعلامية المحلية".
وقد تواصلت مع صحفيَّين فلسطينيَّين بارزَين يقيمان في فلسطين لسؤالهما هل كانت المنظمة قد تواصلت معهما للمشاركة في استبانة المؤشر، وأكّد كلاهما - رغم نشاطهما في مجموعات صحفية دولية متعددة - عدم تلقيهما أي تواصل. ورغم أن هذا الأمر وحده لا يثبت عدم تمثيل العينة للفئات المستهدفة، فإنه يجعل من الصعب التيقن من كون الاستبانة ممثلا أو محايدا بما فيه الكفاية.
وبينما تشير المنظمة إلى أن تعريفها للصحفي هو مجرد مقترح وليس معيارا إلزاميا، فإنها تُعرّف الصحفي بأنه "كل شخص يجمع المعلومات والأفكار ويعالجها وينشرها للجمهور بصفة منتظمة أو مهنية، عبر أي وسيلة اتصال، وباستخدام أساليب مهنية للتثبت من الوقائع والتحقق منها". بيد أن هذا التعريف يغفل توضيح المقصود بكلمة "مهنية"، وما إذا كان ذلك ينعكس على طريقتها في جمع وتوثيق البيانات الخاصة بالصحفيين العرب الذين قُتلوا.
إن الاعتماد على الاستبانات النوعية في العلوم الاجتماعية يقتضي تركيزا أكبر على الفروق الدقيقة، والسياق، والأسئلة المفتوحة بدلا من الركون التام إلى الإجابات المقيدة بالجداول. وبعبارة بسيطة، فإن ما يُسمى استبانةً نوعيةً لدى المنظمة لا يستوفي المعايير الأساسية للبحث النوعي.
بين فجوة الأرقام وتعريف الضحية
أبرزت هواري أن المنهجية المعيبة للمنظمة أسهمت في إسقاط أعداد الضحايا وتوليد تباينات في أعداد الصحفيين الذين قُتلوا مقارنة بالمصادر الفلسطينية. وفيما يتعلق بالصحفيين الفلسطينيين الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تفيد المنظمة بمقتل "أكثر من 220" صحفيا في غزة، من بينهم ما لا يقل عن 70 صحفيا تؤكد مقتلهم "بسبب عملهم" أو أثناء أداء مهامهم الصحفية. ويختلف هذا التصنيف اختلافا حادا عن الأرقام الصادرة عن المصادر الفلسطينية والإقليمية؛ إذ نشرت كل من شبكة الجزيرة ونقابة الصحفيين الفلسطينيين (PJS) أسماء 274 عاملا في الحقل الإعلامي قُتلوا في غزة، من بينهم 260 صحفيا.
كما عبرت نضال رافع - وهي صحفية فلسطينية مقيمة في حيفا - عن الموقف ذاته مؤكدة أن المؤشرات ووسائل الإعلام الغربية تقلل من شأن الصحفيين الفلسطينيين وتنظر إلى عملهم بدونيّة أو بوصفهم أقل مصداقيّة من "الصحفيين الحقيقيين". ووفقا لرافع التي عملت سابقا في شبكتي «CNN» و«فرانس 24»، فإن تبرير مقتل 260 صحفيا فلسطينيا والتشكيك في مصداقيتهم يُعد مؤشرا رئيسيا على الانحياز الغربي الذي يحمل آثارا مضاعفة؛ فعلى سبيل المثال، يخشى المدنيون في فلسطين تأجير المنازل للصحفيين ويتجنّبون أي صلة بهم خشية تعرضهم للخطر عندما تستهدف إسرائيل الصحفيين بشكل سافر وعنيف.
يُضاف إلى ذلك مثال الصحفيين اللبنانيين الثلاثة الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية في 28 مارس/آذار 2026؛ حيث لم يُدرج المرصد المباشر للمنظمة الصحفي علي شعيب من قناة المنار (التابعة لحزب الله) والذي قُتل في الهجوم ذاته الذي قُتلت فيه الصحفية فاطمة فتوني من قناة الميادين مع شقيقها المصور الصحفي المستقل محمد فتوني اللذين أُدرج اسماهما في الحصيلة. ووفقا لـ"بيروت ريفيو" قتلت القوات الإسرائيلية ما مجموعه 22 صحفيا لبنانيّا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما لا يظهر مقياس المنظمة سوى 8 صحفيين فقط.
ووفقا لمشروع "تكاليف الحرب" التابع لجامعة براون والذي أُعد بناءً على بيانات ومقابلات مع كوادر المنظمة، فإن عدد الصحفيين الذين قُتلوا في غزة منذ بدء حرب الإبادة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يفوق أعداد الصحفيين القتلى في الحرب الأهلية الأمريكية والحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الكورية وحرب فيتنام وحروب يوغوسلافيا السابقة وحرب أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر مجتمعةً. وهذا يفرض تساؤلا جوهريا: لماذا توجد هذه الفجوة في إحصاءات المنظمة لأعداد الصحفيين القتلى؟
وبحسب المنظمة، فإن التباين بين أرقامها وأرقام نقابة الصحفيين والجزيرة فيما يخص "الإعلاميين الذين قتلوا" ينبع أساسا من فروق منهجية وليس من انحياز سياسي، مستندة إلى تعريفها الذي تزعم أنه متجذر في معيار معترف به دوليا، لا سيما "ميثاق ميونيخ". وهذا يطرح تساؤلا حول سبب تطبيق تعريف متمركز حول أوروبا بصورة تعميمية على الصحافة والعاملين في الإعلام في الجنوب العالمي، لا سيما عندما يؤدي هذا التعريف إلى إسقاط مقتل 40 صحفيا فلسطينيا و14 صحفيا لبنانيا من سجلات المنظمة. وقد يقود هذا التباين صحفيي المنطقة إلى الاعتقاد بأن المنظمة ربما تبنّت انحيازا مؤيدا لإسرائيل عبر قبول الرواية الإسرائيلية غير المستندة إلى أدلة والتي تدّعي أن بعض الصحفيين لم يكونوا صحفيين حقيقيين، بل مسلحين أو متعاونين مع فصائل مسلحة.

تصنيفات منحازة للغرب
يُعد تاريخ تمويل المنظمة عنصرا حاسما في أي تقييم لمصداقية المؤشر؛ ففي عام 2006 أفاد تقرير بتلقيها تمويلا من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، وهي منظمة تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها وتُموَّل من خلال مخصصات الكونغرس، وهو ما أثار تساؤلات حول الحياد السياسي للمنظمة. وتُظهر التقارير المالية الأحدث أن جزءا كبيرا من الدخل التشغيلي للمنظمة يأتي من مِنَح القطاع العام، بما في ذلك حكومات أوروبية والاتحاد الأوروبي ووكالات تنموية مرتبطة بالحكومات.
في عام 2022، جاء 54% من تمويل المنظمة من منح القطاع العام، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية. وفي عام 2024، بلغت نسبة التمويل من هذه الجهات العامة 65%. للوهلة الأولى، قد تبدو طريقة مألوفة للحصول على الدعم المالي، بيد أن نظرة على مؤشر عام 2022 تكشف أن المنظمة صنفت السويد وفرنسا في المرتبتين 3 و26، ثم وضعتهما في عام 2024 في المرتبتين 3 و21 على التوالي.
وفضلا عن ذلك، فإن اثنين من الخبراء السبعة الذين يقدمون الخبرة المنهجية والإشراف لضمان رصانة المؤشر ومصداقيته يرتبطان ارتباطا وثيقا بألمانيا منذ عام 2022، حينما طوّرت المنظمة منهجيتها واستحدثت لجنة الخبراء. ومن هنا، ليس غريبا أن يُصنّف المؤشر ألمانيا ضمن أفضل 25 دولة على مدى السنوات العشرة الماضية. وبمعزل عن تصنيف المؤشر، فإن واقع حرية الصحافة في ألمانيا لا يبدو متطابقا مع هذه المرتبة؛ ففي عام 2023 أُبلغ عن ارتكاب 320 عملا إجراميا ضد الصحفيين في ألمانيا، شملت 46 اعتداءً عنيفا، و41 تهديدا، و31 حالة إتلاف ممتلكات، وسجلت الجرائم الموجهة ضد الصحافة أعلى ذروة لها في ذلك العام منذ 2021. ومع ذلك، صنف مؤشر المنظمة لعام 2023 ألمانيا في المرتبة 21 عالميا من أصل 180، مقدما تصويرا زائفا لمستوى عالٍ من حرية الصحافة.
كما وضع مؤشر 2024 ألمانيا في المرتبة العاشرة عالميا؛ على الرغم من أنه منذ 2023، فُصل صحفيون في ألمانيا من وظائفهم بسبب انتقادهم لدولة إسرائيل وسلوكها في غزة بدعوى "معاداة السامية". وحتى قبل حرب الإبادة الحالية في فلسطين وحملة القمع الأوسع للخطاب المؤيد لفلسطين في مؤسسات إعلامية غربية عديدة، كان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد أثار مخاوف بشأن ما وصفه بحملة تطهير ضد العرب داخل غرف الأخبار الألمانية؛ ففي عام 2021 فصلت إذاعة غرب ألمانيا (WDR) صحفية ألمانية فلسطينية، وفي 2022 فصلت إذاعة دويتشه فيله عددا من الصحفيين العرب من قسمها العربي إثر مزاعم بمعاداة السامية ارتبطت جزئيا بمنشورات سابقة على منصات التواصل الاجتماعي تنتقد إسرائيل. ورغم ذلك، حافظت ألمانيا على تصنيف متقدم في المؤشر فجاءت في المرتبة 13 عام 2021 و16 عام 2022. وفي الآونة الأخيرة، صرح ماتياس دوبفنر الرئيس التنفيذي لشركة « Axel Springer» - التي تشمل ملكيتها الإعلامية صحيفة بيلد وموقع بوليتيكو - لموظفيه بأن دعم إسرائيل يعد شرطا للعمل في الشركة.
وقد تواصلتُ مع المنظمة للتعليق على تصنيف ألمانيا، إلا أنني لم أتلقَ أي رد.
يُعد تاريخ تمويل المنظمة عنصرا حاسما في أي تقييم لمصداقية المؤشر؛ ففي عام 2006 أفاد تقرير بتلقيها تمويلا من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، وهي منظمة تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها وتُموَّل من خلال مخصصات الكونغرس، وهو ما أثار تساؤلات حول الحياد السياسي للمنظمة.
التحيز اللغوي
علاوة على الانحياز في استبانات الأعوام السابقة، يرتكز تحليل المنظمة على انتقائية في الألفاظ تطمس سياق إبادة الصحفيين (journacide) المستمرة في فلسطين.
فالتحليل المرئي الذي نشرته المنظمة لتلخيص نتائج التقرير يشير إلى الاحتجاز التعسفي، والسجن، وإدانة الصحفيين عند تسمية أنظمة بعينها وصحفيين محددين. كما يسلط الضوء على تصاعد الدعاوى القضائية الإستراتيجية ضد المشاركة العامة (SLAPPs)، مشيرا تحديدا إلى غواتيمالا والصحفي خوسيه روبين زامورا. غير أن الجزء المخصص للحديث عن القتل الإسرائيلي المستهدِف للصحفيين الفلسطينيين يوحي بأنهم يُقتلون جراء "نزاع" دائر وليس نتيجة إبادة جماعية، وتعد هذه الصياغة انتقائية للغاية وتخفق في تقديم السياق الدقيق.
وتؤكد هواري ضرورة الوضوح قائلة "إن «مراسلون بلا حدود» منظمة يديرها صحفيون يدركون اللغة الدقيقة جيدا، وهذا ليس خيارا تحريريا ثانويا؛ فاللغة هي البنية التأسيسية للواقع السياسي، والمنظمة تدرك ذلك أكثر من غيرها؛ إذ يقوم كيانها بأسره على سلطة الكلمات وحجبها. وبالتالي، فعندما تختار بوعي وصف ما يجري بأنه نزاع بدلا من كونه إبادة جماعية، فإنها تتخذ قرارا سياسيا".
وتضيف هواري أنه إذا كان هدف تقارير المنظمة وتوثيقها هو الوصول إلى جمهور واسع، فإنها تختار الوصول والانتشار على حساب الدقة، كما أنها تفضّل علاقاتها مع الغرب على حساب الواقع وزملائها الفلسطينيين، و "من الإشكالي أن تصوغ المنظمات موقفها السياسي في قالب الحذر المهني أو الحياد.
"إن تقارير مثل مؤشر حرية الصحافة ومنظمات مثل «مراسلون بلا حدود» لا تسهم كثيرا في محاسبة النظام الإسرائيلي". ورغم تقديم المنظمة خمس شكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم حرب ارتُكبت بحق الصحفيين في غزة، يرى صحفيون ومحللون إعلاميون فلسطينيون أن تقرير المنظمة بمصطلحاته ولغته المنحازة للغرب يشكل جزءا من المشكلة عندما يتعلق الأمر بالمساءلة في الخطاب العام. وتوضح هواري أنه على الرغم من القيمة التوثيقية لجرائم استهداف الصحفيين، فإن ثمة مشكلات حقيقية في البيانات الصادرة، لا سيما في اللغة المستخدمة لوصف الطريقة التي تقتل بها القوات الإسرائيلية الصحفيين؛ إذ "لا توجد في الواقع آلية للمساءلة"، معربةً عن عدم يقينها بالهدف المرجو من هذه التقارير، وتختم قائلة "إن كان الهدف هو المحاسبة فهذا بالتأكيد ليس ما تحققه".
ومن جهتها قالت رافع "المشكلة في هذه الاستطلاعات أنها تصدر في وقت بذل فيه الناس والصحفيون أقصى ما في وسعهم. لقد تمكن البعض من النجاة ورواية قصصهم وما رأوه، لكن لا شيء يتغير. كنت أعتقد يوما أنني أغيّر الرأي العام، لكنني لم أعد أعتقد ذلك؛ لأنهم يعلمون ولا يكترثون بصرف النظر عمن نعمل لصالحه. يذكرون من يموت ليومين أو ثلاثة ثم ينتهي الأمر. تلوم العديد من المنافذ الغربية الضحية؛ يلومون الصحفيين ويلومون الفلسطينيين. ولكن ألا يمكنهم الخروج والقول (إنّ هناك مجرما يجب إيقافه، وهناك مُستعمِر ومُستعمَر)؟! لماذا لا يقولون (إن هناك احتلالا ويجب إنهاء هذا الاحتلال)؟! لقد قلنا كل ما يجب أن يُقال، وفعلنا كل ما كان ينبغي فعله، وذهبنا إلى كل مكان كان علينا الذهاب إليه، والآن نال منا التعب".
يُعد مؤشر حرية الصحافة أداة مفيدة لتوثيق واقع الحريات الإعلامية حول العالم، إلا أن منهجيته وميوله المنحازة للغرب تتطلب مراجعة نقدية جادة. إن الاعتماد على الاستبانات النوعية في العلوم الاجتماعية يقتضي تركيزا أكبر على الفروق الدقيقة، والسياق، والأسئلة المفتوحة بدلا من الركون التام إلى الإجابات المقيدة بالجداول. وبعبارة بسيطة، فإن ما يُسمى استبانةً نوعيةً لدى المنظمة لا يستوفي المعايير الأساسية للبحث النوعي.
ورغم مساهمة المؤشر في رفع الوعي بالتحديات الإعلامية، فإن عيّنته ومنهجيته الحالية تُفرطان في تبسيط القضايا المعقدة وتتجاهلان العوامل الهيكلية الحاسمة التي تؤثر على حرية الصحافة وتعيقها في الجنوب العالمي. وحتى تتمكن منظمة «مراسلون بلا حدود» من تحقيق رسالتها بفاعلية - إن كانت غايتها حقا مساءلة الهيئات الحكومية وغير الحكومية -فإن عليها تبني نظام أخذ عينات أكثر شفافية، ومنهجية متكاملة ترتكز على استبانات تراعي السياقات وتستخدم لغة دقيقة وواقعية.