لم تعد المنافسة في الصحافة الرياضية أثناء تغطية كأس العالم مقتصرة على الصحفيين في المؤسسات المختلفة كما جرت العادة؛ فقد دخل إلى الساحة منافسون جدد، وتوسعت المنافسة لتشمل صناع المحتوى بهواتفهم المحمولة وخوارزميات المنصات الرقمية التي لا تميّز بين صحفي وغيره، وجمهور يريد معرفة ما وراء اللقطة بمجرد أن تنتهي اللقطة نفسها.
على امتداد عقود طويلة كانت قيمة الصحفي عموما تُقاس بقدرته على الوصول إلى المعلومة ونقلها إلى الجمهور؛ فمنذ ظهور الصحافة المكتوبة ثم الإذاعة فالتلفزيون بقيت المؤسسات الإعلامية هي البوابة الرئيسية التي تعبر من خلالها الأخبار الرياضية إلى المتابعين، وكانت هي التي تملك أدوات السرد ووسائل النشر والقدرة على تحديد ما الذي يستحق أن يروى وكيف يروى.
لكن عوامل مثل انتشار الإنترنت وما تلاه من صعود للمنصات الرقمية ثم الطفرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، أعادت رسم المشهد الإعلامي بصورة جذرية، فلم تعد المؤسسات وحدها قادرة على صناعة الرواية، ولم يعد الجمهور يتسمر أمام التلفاز وحده في انتظار أن يتلقى الرسالة الإعلامية كيفما كانت.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على واقع الصحافة الرياضية اليوم:
هل كان مونديال قطر 2022 آخر كأس للعالم هيمنت فيه المؤسسات الإعلامية التقليدية على رواية الحدث؟
قطر 2022.. عندما بدأ الإعلام التقليدي يفقد احتكار الرواية
شهدت بطولات كأس العالم في جنوب إفريقيا 2010 والبرازيل 2014 وروسيا 2018 توسعا تدريجيا في دور المنصات الرقمية داخل التغطية الرياضية، غير أن بطولة كأس العالم قطر 2022 شكّلت نقطة تحول فارقة في العلاقة بين الجمهور والحدث الرياضي ووسائل متابعته.
فبحسب تقرير الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA حول جماهير البطولة، بلغ إجمالي التفاعل مع كأس العالم قطر 2022 نحو 5 مليارات شخص عبر التلفزيون والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما وصلت مشاهدات المباراة النهائية بين الأرجنتين وفرنسا إلى نحو 1.5 "مليار" شخص حول العالم، لتصبح المباراة النهائية الأكثر مشاهدة في تاريخ البطولة. وسجلت البطولة أكثر من 93.6 "مليون" منشور عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وحققت ما يقارب 5.95 "مليار" تفاعل رقمي.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في دلالتها الإعلامية، فللمرة الأولى لم يعد نجاح كأس العالم يقاس بعدد المشاهدين أمام شاشة التلفزيون فحسب، وإنما أيضاً بعدد المشاركين في صناعة المحتوى والتفاعل معه وإعادة نشره والتعليق عليه.
وفي هذه الحالة لم يكن مونديال قطر مجرد بطولة عالمية ناجحة تنظيميا وجماهيريا، بل كان أول كأس للعالم يعيش بالكامل داخل بيئة إعلامية متعددة المنصات تراجعت فيها الحدود التقليدية بين المرسل والمتلقي، وبين الصحفي والجمهور، وبين المؤسسة الإعلامية وصانع المحتوى المستقل.
شهدت بطولات كأس العالم في جنوب إفريقيا 2010 والبرازيل 2014 وروسيا 2018 توسعا تدريجيا في دور المنصات الرقمية داخل التغطية الرياضية، غير أن بطولة كأس العالم قطر 2022 شكّلت نقطة تحول فارقة في العلاقة بين الجمهور والحدث الرياضي ووسائل متابعته.
من المشاهدة إلى المشاركة.. كيف تغير سلوك الجمهور؟
إذا كان مونديال قطر قد كشف حجم التحول، فإن أبرز مظاهره تجلت في تغيّر سلوك الجمهور الرياضي نفسه.
بعد أن كان المشاهد يتابع المباراة، ثم ينتظر الأستوديو التحليلي أو النشرة الرياضية لمعرفة تفاصيل ما جرى. أصبحت تجربة متابعة الأحداث الرياضية موزعة بين شاشات متعددة في الوقت نفسه؛ فالمشجع يشاهد المباراة على التلفزيون من خلال إحدى القنوات الفضائية أو أحد التطبيقات التي تمتلك حقوق البث أو حتى البث المقرصن، ويتابع الإحصائيات عبر الهاتف، ويقرأ التعليقات وردود الفعل والكواليس عبر المنصات الرقمية، ويستهلك عشرات المقاطع القصيرة خلال المباراة وبعدها مباشرة.
ولم يعد التنافس الإعلامي يدور حول الوصول إلى المعلومة؛ لأن المعلومة أصبحت متاحة للجميع تقريبا في اللحظة نفسها، بل أصبح التنافس الحقيقي على جذب انتباه الجمهور وجودة المحتوى الذي أصبح يتدفق بشكل غير مسبوق.
صناع المحتوى.. لاعبون جدد في صناعة الرواية
في السنوات الأخيرة برزت مجموعة من صناع المحتوى الرياضي القادرين على الوصول إلى ملايين المتابعين خارج الأطر الإعلامية التقليدية؛ فشخصيات مثل محمد عدنان ومحمد عواد وبلال حداد وعمرو نصوحي ومساعد الفوزان وغيرهم، استطاعت بناء علاقة مختلفة مع الجمهور قائمة على العفوية والتفاعل المباشر وقوة السرد وسرعة النشر.
ولا يعود نجاح هؤلاء إلى امتلاكهم حقوق بث أو أستوديوهات ضخمة أو شبكات مراسلين، بل إلى قدرتهم على فهم طبيعة المنصات الرقمية والتحدث بلغة جمهورها.
وخلال مونديال قطر استطاع هؤلاء الوصول إلى جماهير واسعة خارج الأطر الإعلامية التقليدية، حيث نجحوا عبر أسلوبهم السردي الحديث وحضورهم الرقمي في بناء علاقة مباشرة مع جمهور كرة القدم العربي خارج النموذج التقليدي للمذيع أو المحلل الرياضي. ولا تكمن أهمية هذه الظاهرة في شخص بعينه بقدر ما تعكس انتقال جزء من سلطة السرد من المؤسسة إلى الفرد، ومن الشاشة الواحدة إلى المنصات المتعددة.
والأهم من ذلك أن صناع المحتوى لم يعودوا مجرد ناقلين للأحداث الرياضية، بل أصبحوا مشاركين في صناعة الرواية نفسها، فالجمهور لم يعد ينتظر منهم نقل ما حدث فقط، بل تفسيره وتحليله وتقديمه ضمن قصة قريبة من اهتماماته وتوقعاته.
وهنا يبرز سؤال مهم أمام المؤسسات الإعلامية الرياضية: إذا كانت القنوات تمتلك الحقوق الحصرية والإمكانات التقنية والكوادر المهنية، فلماذا يذهب قطاع من الجمهور إلى صانع محتوى مستقل للحصول على القصة الكروية؟
الإجابة لا تتعلق فقط بالسرعة، بل أيضاً بالشعور بالقرب وبناء العلاقة الشخصية والقدرة على تقديم المحتوى بلغة أقل رسمية وأكثر تفاعلا.
لقد كشفت هذه الظاهرة أن التحدي الذي يواجه المؤسسات الإعلامية لم يعد مقتصرا على منافسة مؤسسات أخرى، بل أصبح يشمل أفرادا يمتلكون القدرة على التأثير وصناعة الرأي والوصول إلى الجمهور مباشرة.
لم يعد التحدي الذي يواجه المؤسسات الإعلامية مقتصرا على منافسة مؤسسات أخرى، بل أصبح يشمل أفرادا من صناع المحتوى يمتلكون القدرة على التأثير وصناعة الرأي والوصول إلى الجمهور مباشرة.
من التأثير المستقل إلى الشراكة الرسمية.. تعاون فيفا وتيك توك في كأس العالم 2026
ولعل أبرز مؤشر على حجم التحول الذي يشهده الإعلام الرياضي جاء مع إعلان الشراكة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومنصة تيك توك لتغطية كأس العالم 2026، في خطوة تعكس انتقال صناع المحتوى من هامش التغطية إلى قلب المنظومة الإعلامية للبطولة؛ فالاتفاقية لا تقتصر على نشر المقاطع القصيرة، بل تشمل الوصول إلى كواليسها من خلال برنامج عالمي للمبدعين، وإنتاج محتوى أصلي وحصري، وإتاحة إمكانات للبث المباشر، إلى جانب توفير فرص لتحقيق العائدات للمذيعين وصناع المحتوى عبر المنصة.
وتتجاوز أهمية هذه الشراكة الجوانب التقنية والتجارية؛ لأنها تمثل اعترافا مؤسسيا من فيفا بأن الجمهور لم يعد يستهلك البطولة عبر القنوات التقليدية فقط، بل من خلال منظومة رقمية يقودها أيضاً المؤثرون وصناع المحتوى. ويبرز ذلك بوضوح في إطلاق برنامج "مراسلو كأس العالم 2026" الذي يضم ثلاثين صانع محتوى من أربع قارات، مُنحوا إمكانية الوصول إلى لحظات حصرية خلف الكواليس والمؤتمرات الصحافية والتدريبات، مع السماح لهم باستخدام مواد أرشيفية رسمية من فيفا في إنتاج محتواهم. وبهذا لم يعد صانع المحتوى مجرد مراقب أو معلق على الحدث، بل أصبح جزءا من إستراتيجية فيفا نفسها في رواية البطولة وتسويقها عالميا.

تأثير الذكاء الاصطناعي على الإعلام الرياضي
إذا كانت المنصات الرقمية قد غيرت طرق النشر، فإن الذكاء الاصطناعي يعيد اليوم تشكيل مراحل العمل الصحفي نفسها، وشكل المحتوى البصري المقدم للجمهور.
فقد بدأت منذ وقت مبكر مؤسسات إعلامية كبرى مثل Reuters وAssociated Press وBBC توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في البحث والتحقق وتفريغ المقابلات والمؤتمرات الصحفية والترجمة الفورية وتحليل البيانات وتلخيص المعلومات وأتمتة بعض المهام التحريرية وإنتاج أشكال جديدة من السرد البصري.
وفي المجال الرياضي تحديدا أتاحت هذه التقنيات للصحفيين إنتاج محتوى أسرع وأكثر تنوعا، وتطوير الرسوم البيانية، وتحليل البيانات والإحصائيات، وتصميم محتوى بصري أكثر جاذبية سواء كان صورة أو فيديو.
لكن التحول لم يقتصر على المؤسسات الإعلامية وحدها، فصناع المحتوى أنفسهم أصبحوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور والفيديوهات والترجمات والرسوم التوضيحية، وهو ما ساهم في تقليص الفجوة التقنية التي كانت تفصل صناع المحتوى بصفتهم أفرادا عن المؤسسات الكبرى.
وبالتالي فإن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تحديا جديدا للصحافة الرياضية فحسب، بل يسرّع التحول الذي بدأ بالفعل مع المنصات الرقمية، ويجعل المنافسة على الانتباه أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.
هل ما زالت القنوات الرياضية تملك ما يميزها؟
لفترة طويلة كانت القيمة الأساسية للقنوات الرياضية تكمن في امتلاك الحقوق وأستوديوهات التحليل وشبكة المراسلين والوصول الحصري للمدربين واللاعبين والقدرة على الإنتاج الإخباري المتكامل.
لكن التحولات الرقمية الأخيرة أظهرت أن كثيرا من هذه الوظائف لم تعد حكرا على المؤسسات الإعلامية التقليدية. فاليوم يستطيع صانع محتوى أن يقدم تحليلا تكتيكيا أو قصة رياضية أو مقابلة حصرية مع مدرب أو نجم أو نقاشا جماهيريا يحقق انتشارا وتأثيرا يفوق في كثير من الأحيان بعض البرامج التلفزيونية التقليدية.
ومع ذلك، لا تزال المؤسسات الإعلامية تمتلك عناصر قوة مهمة، أبرزها البث الحصري، والموارد التقنية والمادية والبشرية، والمصداقية المؤسسية، والمهنية العالية.
ولهذا فإن مستقبل الإعلام الرياضي لا يبدو صراعا بين التلفزيون والمنصات الرقمية بقدر ما يبدو عملية إعادة توزيع للأدوار داخل بيئة إعلامية جديدة تتشارك فيها المؤسسات والمنصات وصناع المحتوى والجمهور نفسه صناعة الرواية.
لكن الميزة الأكبر والأكثر حسماً التي طالما احتمت بها القنوات الرياضية - وهي "البث المباشر والحصري" - لم تعد منيعة أمام زحف المنصات الرقمية. فقد شهدنا مؤخرا تحولا جذريا يتمثل في استحواذ منصات وتطبيقات البث التدفقي (Streaming) على حقوق النقل الحصري لبطولات كبرى ومهمة، مثل TOD وشاهد وشاشا وثمانية وSTARZPLAY على الصعيد العربي، وعالميا كـ DAZN وApple TV+ وAmazon Prime Video، لتُعرض عبر الإنترنت بدلا من شاشات التلفزيون الكلاسيكية. هذا الاختراق المباشر لصلب الصناعة الرياضية يعني أن المنصات لم تعد تكتفي بمزاحمة التلفزيون في التحليل أو التغطية، بل أصبحت هي الملعب الرئيسي لمشاهدة المباراة نفسها، وهو ما يسحب البساط تدريجيا من تحت النماذج التقليدية.
في مثل هذا الواقع لن يكون مطلوبا من الصحفي أن ينافس المنصات في السرعة؛ لأن هذه المعركة حسمت تقنيا منذ سنوات، بل أن يوظف أدواته المهنية في التحقق وصناعة محتوى جاذب ذو عمق ومعنى ودلالة.
ماذا ينتظر الصحافة الرياضية في كأس العالم 2026؟
إذا كان مونديال قطر 2022 قد كشف بداية التحول، فإن كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك قد يكون أول اختبار كامل لهذه المتغيرات؛ فالبطولة ستقام للمرة الأولى بمشاركة 48 منتخباً وفي ثلاث دول مختلفة، ما يعني زيادة حجم المباريات والأحداث والمحتوى المطلوب إنتاجه ومتابعته، كما ستدور المنافسة في بيئة رقمية أكثر ازدحاما، وهو ما كانت عليه في قطر مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي واتساع نفوذ المنصات وصناع المحتوى.
وفي مثل هذا الواقع لن يكون مطلوبا من الصحفي أن ينافس المنصات في السرعة؛ لأن هذه المعركة حسمت تقنيا منذ سنوات، بل أن يوظف أدواته المهنية في التحقق وصناعة محتوى جاذب ذو عمق ومعنى ودلالة.
لم تتحول غرف الأخبار وأستوديوهات القنوات الرياضية بعدُ إلى غرف رقمية بالكامل، لكن مونديال قطر غيّر شكل المحتوى المطلوب من المراسل الصحفي، فبات مطالبا بالقرب أكثر من الجمهور في الشوارع والمقاهي والملاعب، وبات ينتج عدة نسخ من المحتوى: خبر عاجل على الموقع والشاشة والمنصات، ومداخلة مباشرة للقناة، وتقرير مفصل، ومقابلات آراء وردود فعل جماهيرية، وفيديو طولي قصير لحساب القناة على إنستغرام وتيك توك وYouTube Shorts التي تساهم في زيادة الوصول لأكبر شريحة ممكنة بالإضافة إلى حسابات الصحفي الشخصية.
قد لا يترك الجمهور متابعة الأستديو التحليلي المدجج بالنجوم قبل المباراة وبين شوطيها وبعد صافرة نهايتها، وقد لا يترك نشرة الأخبار التقليدية، لكن خلال المتابعة قد يمنح الكم الأكبر من تركيزه للهاتف الذي بين يديه بما يحمله من أخبار سريعة، ونقل لحظي من المؤثرين، وردات فعل جماهيرية من قلب الحدث.
بالتالي، من منطلق الوعي والفهم لعصر المحتوى القصير، وعصر التمرير السريع للمحتوى (Scrolling)، فإن أرباب الصحافة التقليدية مطالبين بالتجديد الواعي، مع الحفاظ على أصالة قيم العمل الصحفي.
إن حالة الضجيج الكروي والرقمي غير المسبوقة خلال هذه البطولة وما سيصحبها من تنافس ستحتم على الصحفي ألا ينساق وراء محاولة تقليد المؤثرين، وتستوجب - في الوقت نفسه - على المؤسسات أن تتقمص ثوب المنصات والخوارزميات لتقدّم القيمة التي لا تزال الصحافة قادرة على تقديمها ولكن بثوب أكثر حداثة وفهم للمتغيرات.
تحدٍّ جوهري أكبر
ولعل التحدي الأعمق الذي يتجاوز شكل البث إلى جوهر اللعبة نفسها، هو التراجع الحاد في "فترة الانتباه" (Attention Span) لدى الأجيال الجديدة؛ فمع الاعتياد اليومي على الإيقاع الخاطف للمقاطع القصيرة، بات الكثيرون يجدون أن التسمر لمتابعة مباراة تمتد لـ 90 دقيقة كاملة هو استثمار زمني طويل يتخلله الكثير من اللحظات "الميتة". هذه المعضلة السلوكية لم تعد خافية على دوائر القرار في "الفيفا" وغيرها من المؤسسات الرياضية الكبرى التي بدأت تبحث عن سبل لتسريع إيقاع اللعبة. كما أنها كانت المحرك الأساسي لولادة مشاريع موازية وثورية مثل "دوري الملوك" (Kings League)، الذي تبنّى مباريات قصيرة وقوانين ديناميكية مستوحاة من الألعاب الإلكترونية. فالهدف الحقيقي اليوم في هذه الصناعة لم يعد مجرد تقديم محتوى رياضي، بل الدخول في معركة شرسة للاستحواذ على أجزاء من انتباه مشاهدٍ بات مشتتاً في ألف اتجاه.
إن القوالب النمطية المألوفة لم تعد جاذبة للجمهور الجديد، وهنا نتحدث عن جيل زد وجيل ألفا؛ فالبدلة الرسمية وربطة العنق والأستديو التقليدي بالكرسي والطاولة والسرد التقليدي والتحليل النمطي فقدت قدرتها على جذبهم.
لا يمكن أن يعمل فريق السوشيال ميديا وفريق التلفزيون بعقلين مختلفين ومكانين منفصلين، بل يجب أن يتم الدمج بينهما وبين معارفهما ومداركهما وقدراتهما لإنتاج محتوى أكثر تكاملية وموائمة للجمهور الحالي، وهو نموذج تتبناه العديد من المؤسسات الإعلامية في الوقت الحالي.
إن حالة الضجيج الكروي والرقمي غير المسبوقة خلال هذه البطولة وما سيصحبها من تنافس ستحتم على الصحفي ألا ينساق وراء محاولة تقليد المؤثرين، وتستوجب - في الوقت نفسه - على المؤسسات أن تتقمص ثوب المنصات والخوارزميات لتقدّم القيمة التي لا تزال الصحافة قادرة على تقديمها ولكن بثوب أكثر حداثة وفهم للمتغيرات.
ربما لم يكن مونديال قطر 2022 آخر كأس للعالم تظهر فيه المؤسسات الإعلامية التقليدية بوصفها لاعبا رئيسيا في صناعة الرواية الرياضية، لكنه قد يكون آخر بطولة احتكرت فيها الجزء الأكبر منها؛ ففي عالم تتقاسم فيه الخوارزميات وصناع المحتوى والجمهور نفسه إنتاج المعنى وتداوله، لم يعد السؤال عمّن يملك المعلومة، بل عمّن يملك القدرة على تفسيرها وصياغتها وإقناع الجمهور بها.
وبينما تستعد الصحافة الرياضية لكأس العالم 2026، تبدو المعركة الحقيقية أقل ارتباطا بالشاشة المستخدمة وأكثر ارتباطا بمن ينجح في رواية القصة بصورة أفضل وأكثر قربا من جمهور جديد.