يا الله، ما أحلى حكايات الجدات. حتى حين كانت تبدو مخيفة ظلت تملك قدرة غريبة على البقاء. تمر السنوات وتبهت تفاصيل كثيرة لكن الحكاية تظل قادرة على استدعاء نفسها كاملة: نبرة الصوت وتوتّر اللحظة والنهاية التي كنا ننتظرها ونحن نحبس أنفاسنا.
في الصف الأول الابتدائي كان منهجنا يرتكز على حكاية " أمل وعمر". من حياتهما تعلمنا الأرقام والحساب، وتعلمنا اللغة والعلوم؛ كأن المعرفة لا تدخل إلينا إلا وهي تمشي على قدمي حكاية.
وأظن كثيرين يشاركونني هذا: أخذنا بعض معلوماتنا عن الحياة والتاريخ وغيرها عبر الروايات التي قرأناها، وعبر متابعة بطلٍ يتقدم في الطريق، فنشعر به بل نتخيل أنفسنا مكانه ونتوقع ردود أفعاله. الحكاية أجمل وأقوى حين تكون حكاية إنسان يشبهنا: يخاف إذا خافنا، ويضعف إذا وضع في موضع ضعف، ويقاوم، ويفعل الخير، ويرتكب الخطيئة أيضا مثلنا تماما؛ لأن هذا ما يجعل التجربة قابلة للفهم والتذكر.
هذه فطرتنا، وفطرة أي قارئ أو مشاهد: إنه في النهاية إنسان، وقصة إنسان آخر تشده. نحن فضوليون ونعيش القصص ونتفاعل معها. وفي عالمنا نتذكر الحكايات أكثر مما نتذكر الجداول والأرقام.
لذلك، فإن السؤال الذي يواجه صناع القصص ليس: ماذا حدث فقط؟ بل: كيف عاشه الإنسان؟
الإنسان محور السرد
منذ أن بدأت الاشتغال بصناعة الأفلام والقصص، لم تكن الحروب على غزة تتوقف. نحن جيل نشأ في أتون الانتفاضات والحروب، ومارس المهنة مع العدوان على غزة نهاية 2008. ورغم أنني بدأت صحفيا في الصحافة المكتوبة، إلا أنني سرعان ما انتقلت إلى إنتاج الأفلام الوثائقية.
كان زملائي الصحفيون يغطون الأخبار ويعلنون أرقام الضحايا وأعداد الصواريخ وحجم المباني المدمرة، وينشرون تفاصيل الحرب اليومية، أما أنا وفريقي وبحكم تخصصنا فكنا نبحث عن قصص الإنسان الذي يعيش هذا الألم وهذه الحرب ويتفاعل معها. لم يكن الحدث هو المهم بقدر الإنسان الذي يعيش فيه. في البدايات ربما لم نكن نعرف أننا " نؤنسن" القصص بقدر ما كنا نبحث عن شيء مختلف خلف الأرقام ولغة الأخبار السريعة.
وهنا لا أضع الأخبار الصحفية والقصص المؤنسنة في مقارنة أو مفاضلة؛ فلكل واحدة وظيفتها. لكن أنسنة الأرقام وتحويلها إلى حياة يمكن لمسها، كانت دائما سؤالنا الأهم.
فهمت لاحقا أن القاعدة الأولى في أنسنة القصة تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان هو محور السرد، لا الحدث. الحدث حاضر، لكنه لا يتقدم بوصفه "بطلا" بل بوصفه قوة تدفع الإنسان وتضغطه وتكشفه: كيف تفاعل معه؟ كيف تغير بسببه؟ ماذا أخذ منه وماذا ترك فيه؟ حين نراقب السلوك وردود الأفعال وأساليب التكيف والانكسار والنجاة نبدأ فعليا أنسنة القصة: أن نتعامل مع الإنسان بصفته قيمة وفاعلا وحياةً، لا كعنوانٍ أو راوٍ لحدث فقط.
كنا نظن أن أنسنة القصص حكر على الألم والمعاناة والحروب – ربما بحكم ظروفنا نحن الفلسطينيين الذين نعيش معاناة دائمة – لكن بعد ذلك فهمت أن الأنسنة يمكن أن تدخل أي موضوع: اقتصاد، بيئة، مجتمع، تكنولجيا؛ لأن الإنسان في النهاية هو أكثر من يتأثر ويتفاعل. من يسمع الأخبار ويشاهدها قد يألف لغة الأرقام، وقد يتبلد أمام تكرارها، بينما القصة الإنسانية تأخذه إلى طبقة أعمق: إلى تفاصيل تلامسه فتجعله يفهم المعنى ويعيش في خلفياته، لا يستهلك "وجبات جافة" سريعة. أما القاعدة الثانية فهي اختبارنا الدائم قبل الدخول في قصة جديدة: هل يجد المشاهد "المشترك الإنساني" في الحكاية: الخوف والحب، الشجاعة والجبن، الخير والشر؛ كي يشعر بالآخر ليس كحالة بعيدة، بل بصفته إنسانا؟
فهمت لاحقا أن القاعدة الأولى في أنسنة القصة تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان هو محور السرد، لا الحدث. الحدث حاضر، لكنه لا يتقدم بوصفه "بطلا" بل بوصفه قوة تدفع الإنسان وتضغطه وتكشفه: كيف تفاعل معه؟ كيف تغير بسببه؟ ماذا أخذ منه وماذا ترك فيه؟
في بداياتي كنت أذهب إلى التصوير بفكرة جاهزة: أريد فيلما عن الحرب، عن الحصار، عن الإبادة. ثم أبحث عن إنسان يملأ هذا الإطار. كنت أظن أنني أؤنسن الموضوع، لكنني في الحقيقة كنت أبحث عن إثبات. الفكرة المسبقة تضيق بالإنسان؛ تطلب منه أن يختصر نفسه كي يخدمها. ومع الوقت تعلمت أن الفكرة التي لا تتغير أثناء التصوير ليست فكرة حية، وأن الإنسان إذا لم يفاجئني فأنا لم أقترب بما يكفي.
في حرب الإبادة الأخيرة، دخلت مشروعا مع مؤسسة صحفية، وكان الطلب يبدو غريبا: نريد أن نتحدث عن كيفيّة تأثير الحرب على التغيّر المناخي. وجدته - أنا والمحررة- موضوعا جافا إلى حد الاستفزاز: التغير المناخي مهمّ، لكن هل يطرح بهذه الطريقة وسط موت لا يتوقف؟ كان سهلا أن أملأ الإطار بلقطات سريعة وخبراء ومعلومات. لكنه لم يكن ما أبحث عنه.
الذي قادني إلى القصة لم يكن الموضوع، بل مشهد حرق البلاستيك والدخان الأسود الخارج من بين الركام: عيون محمّرة، وجوه كأنها خارجة من منجم فحم أو اغتسلت بمازوت، سعال يقطع النفس، وخيام يتسلل إليها السواد، وباعة يجمّعون البلاستيك ليقدموه لهم، وطائرات الدرون الإسرائيلية فوق الرأس تصدر صوتا ثابتا لا يرحل. كان المشهد يبدو كأنه مشهد من فيلم نهاية العالم.
شبان بين آلاف الأطنان من ركام بيوتهم المهدمة يشعلون نارا تحت أفران بدائية، يملؤونها ببقايا البلاستيك الذي جُمع من بيوت مقصوفة، فتخرج أعمدة دخان كثيفة تغطيهم سوادا. ومن تلك النار يخرج ما يشبه مادة بترولية تستخدم بديلا للبنزين والسولار. هنا فقط صار السؤال البيئي مفهوما: الحرب تدفع الناس للمغامرة بأرواحهم وصحتهم؛ إنهم يتنفسون المعادن الثقيلة، ويتطاير كل ذلك في السماء ويغطي خياما في منطقة واسعة. قصة شباب دُمرت حياتهم تحت الطائرات ثم صاروا يمارسون أخطر مهنة - تقتلهم مبكرا وتقتل البيئة معهم - لكنها، بحسب تعبير أحدهم " أخفّ ضررا من الصواريخ الإسرائيلية؛ على الأقل لا تقتلنا مباشرة ". عندها أدركت أن أنسنة القصة لا تعني إلغاء الموضوع الكبير، بل إدخاله في جسد الإنسان.
هاجسي لم يكن الاكتفاء بتصدير الأرقام، ولا الإسهام في تغذية ثقافة "استهلاك الألم". كان دوري أن أبحث عن طريقة لا أهون فيها من الألم، وفي الوقت نفسه أقرّب المشاهد من كيفية عيش الغزيّ لهذا الألم.
ثقافة "استهلاك الألم"
بصفتنا صناع أفلام تلفزيونية، كان من واجبنا أيضا أن نغطي الحرب بصفتنا صحفيين. لكن هاجسي لم يكن الاكتفاء بتصدير الأرقام، ولا الإسهام في تغذية ثقافة "استهلاك الألم". لم أرد للمشهد أن يصبح مألوفا إلى حد التخمة. كان دوري أن أبحث عن طريقة لا أهون فيها من الألم، وفي الوقت نفسه أقرّب المشاهد من كيفية عيش الغزيّ لهذا الألم. قد يراه من يبحث عن خبر عاجل تفصيلا هامشيا أو ترفا لا يحتمله إيقاع السبق؛ فالخبر لا ينتظر. أما صانع القصة فعليه أن ينظر بعين مختلفة، وبقدر أكبر من الصبر.
كنت أبحث عن قصة تقودني. كان هناك خبر صغير يروج على منصات التواصل الاجتماعي وبين الصحفيين: طفلان رضيعان خرجا من حضانة رُضّع ولا أحد يجد أهلهما. ثم ظهر أقارب لهما، تبين أن الأم والأب في الشمال، والطفلين في الجنوب. شعرت أن القصة في عنوانها ليست "عن الحرب" بل عن سؤال بسيط وقاسٍ: أين الأم؟
كانت امرأة تجلس في غرفة شمالَ غزة، تحاول أن تبقي ظهرها مستقيما، وكأن الاستقامة وحدها يمكن أن تمنع الانهيار. لم تكن تعرف أين توأمها. المسافة بينهما ليست مجرد جغرافيا؛ كانت فراغا حيًّا يسكن صدرها. وصلتُ إليها بعد بحث مفكرا في السؤال المناسب وفي مدخل يبرر وجودي، ثم أدركت أن السؤال سيكسر اللحظة. الصمت كان أوضح من أي إجابة.
هناك تأكدت من شيء لم أتعلمه من قبل: أنسنة القصة لا تبدأ بالكلام بل بالإنصات؛ أن تبقي الكاميرا شاهدة لا محققة، أن تقبل بأن بعض المعاني تظهر حين لا نتدخل، البطل لا يجب أن يسرد طوال الوقت؛ ففي الصمت معنى، وفي التجمّد أمام الكاميرا معنى، وفي الإيماءة معنى. الإنسان في الحياة لا يتكلم طوال حياته، وهو في قصتنا أيضا لا يحتاج أن يتكلم طوال الوقت كي نفهمه.
في فيلم: "توأم غزة، عودا إليَّ" لم أكن أريد أن أقول إن الحرب قاسية؛ هذا اكتشاف قديم. كنت أريد أن أرى كيف تنام أمّ لا تعرف أين طفلاها. كيف تنظر إلى باب مغلق وكأنها تنتظر أن يتحول إلى طريق. لم أحتج أن أطلب منها أن تتحدث عن الشوق؛ كان ظاهرا في نظرتها إلى الفراغ، في جملة تتوقف قبل نهايتها، في الطريقة التي كانت تمسك بها ملابس توأمها الغائبين. العاطفة لا تُنتزع، بل تترك.
وخالتهم نسرين التي رعتهما في جنوب قطاع غزة لم يكن مطلوبا منها أن تلقي خطابا عن الحرب أو تبكي ما حل بها. كان يكفي أن أتابعها وهي تحاول رعاية الطفلين وسط النزوح المتتالي والضغط. الحرب كانت في الهامش، والموت كان في الهامش، ليس لأنهما غير موجودين، بل لأنهما واضحان من السياق. المشاهد لا يحتاج كل مرة أن نضع الموت في مقدمة الإطار كي يفهمه؛ هو يريد أن يعيش قصة. وهذه القصة يمكن أن تبقى حية حتى بعد انتهاء الحرب.
أنسنة القصة لا تبدأ بالكلام بل بالإنصات؛ أن تبقي الكاميرا شاهدة لا محققة، أن تقبل بأن بعض المعاني تظهر حين لا نتدخل، البطل لا يجب أن يسرد طوال الوقت؛ ففي الصمت معنى، وفي التجمّد أمام الكاميرا معنى، وفي الإيماءة معنى. الإنسان في الحياة لا يتكلم طوال حياته، وهو في قصتنا أيضا لا يحتاج أن يتكلم طوال الوقت كي نفهمه.
لا تستدع الألم!
مرت عليَّ فترة كنت أعتقد أن نجاحي يقاس بقدرتي على استخراج الدموع. كنت أظن أن اللحظة الأكثر صدقا هي لحظة الانهيار. ثم بدأ سؤال آخر يتشكّل: هل مهمّتي أن أفتح الجرح كلّ مرة أمام العدسة؟ هل عليّ أن أضغط على الألم حتى يتكلم؟ الألم حين يُستدعَى قسرا يفقد معناه؛ يتحول إلى أداء. وأحيانا يكون القرار الأخلاقي هو أن أطفئ الكاميرا؛ ليس لأن المشهد ضعيف، بل لأن الإنسان يحتاج أن يحتفظ بجزء منه لنفسه. لذلك، لا تستجلب الألم والدموع لتجعل قصتك مؤثرة؛ أنت تقع في معضلتين: واحدة أخلاقية، وأخرى فنية. الصمت قد يكون أبلغ.
وفي تغطية عودة النازحين من جنوب القطاع إلى شماله، لم أكن أبحث عن تقرير. كنت أراقب أباً ينتظر عائلته بعد عام ونصف من الفراق. لم يقف أمام الكاميرا ليحكي عن اشتياقه؛ كان يسأل كل عائد عنهم. لم نسأله عن توتره؛ كان ظاهرا في مكالمته الهاتفية، في صوته الذي يحاول أن يبدو ثابتا، وفي الصمت القصير قبل أن يجيب. الكاميرا هنا ليست محاورا بل شاهدة. أحيانا أنسنة القصة تعني أن تمتنع عن السؤال.
عندما ظننت أنني أكثر نضجا، كنت مقتنعا بأن الكاميرا يجب ألا يشعر بها أبطال القصة، كأنها غير موجودة. كنت ألحّ على الفريق بأن نصور من دون أن يستشعر الأبطال حضورنا، وأطلب من شخصياتي أن تعيش كأن "لا كاميرا في المكان" ظنّاً مني أن ذلك سيمنحني لحظات صدق خالصة.
اكتشفت لاحقا أنني لم أكن ناضجا بما يكفي؛ كنت أبحث عن مثالية مستحيلة. فهذا غير ممكن تماما. نحن موجودون والكاميرا موجودة. أقصى ما يمكن فعله هو تقليل أثر حضورنا، ومنح الشخصية وقتا لتَألَف العدسة وتتصالح مع وجودها، لا أن تنساها كليّاً.
لا تُفرِط في المثالية؛ فالوهم قد يقودك إلى ادّعاء صدقٍ لا يملكه أحد.
بناء الثقة!
لكن ما يصنع الفارق الحقيقي هنا ليس مهارة الإخفاء، بل بناء الثقة: أن تشعر القصة - حتى لو لم تصرّح - أنك لا تستخدمها لتثبت فكرتك المسبقة، ولا لتنجز تقريرك أو فيلمك على حسابها، ولا لتضغطها كي تدخل قوالب جاهزة. أن تثق أنك تريد أن تسمعها وترويها كما هي، لا كما تريد أنت، وأن وجودك ليس اقتحاما للحظة، بل مشاركة لها: أنك تقترب من التجربة وتتحمل شيئا من ثقلها، لا لتتاجر بها بل لتفهمها وتمنحها شكلا يمكن أن يُرى ويُسمع بكرامة.
وهنا تظهر خصوصية العمل حين يكون الصحفي أو صانع الأفلام ابن البيئة نفسها، يعيش الظروف ذاتها ويتشارك التجارب مع قصصه خصوصا هنا في فلسطين، أو في أي مكان تكون فيه الحكاية جزءا من حياتك اليومية. هذا القرب قد يساعدك على الفهم، لكنه قد يوقعك في فخ آخر: أن تعكس قصتك أنت، لا قصتها هي. لذلك كان علينا دائما أن نترك مسافة بيننا وبين القصة؛ لا نريد أن نثبت وجهة نظرنا بقدر ما نريد أن نسرد حكاية الإنسان. نحن نقترب كي نفهم، ثم نبتعد قليلا كي لا نبتلع الحكاية باسم " المعرفة" أو "التجربة المشتركة ".
نحن لا نصنع دراما!
ومع ذلك، في القصص السريعة ليس من الرفاهية أن نقول إننا سنبقي الكاميرا مفتوحة حتى تكتمل القصة وحدها. أحيانا لا بد من توجيه، لكن توجيه بحد أدنى: لا يغيّر القصة، بل يسرّع روايتها، وكلما قلّ هذا التدخل كانت القصة أصدق وأكثر عفوية. نحن لا نصنع دراما؛ نحن نسرد واقعا، ونحاول أن نتركه يقول ما يستطيع قوله دون أن نُلبسه ما ليس فيه.
وإذا أنسنّا القصة فلا يعني ذلك أن تكون الشخصية ضحية دائما، أو خيّرة دائما، أو إيجابية دائما. الإنسان ليس ضحية باستمرار ولا بطلا باستمرار؛ هو كل ذلك معا. وقدرتنا على أن نعكسه في حالاته المختلفة هي معيار صدقنا. قد يكون في لحظة هاربا من موت إلى مخاطرة أخرى. قد يفعل ما يبدو غير نظيف أو بطولي. إظهار هذا التعقيد مخاطرة لأنه قد يربك التعاطف، لكن الصورة الواضحة ليست دائمًا الصورة الصادقة. الفهم لا يعني التسويغ، لكنه يحتاج سياقا. أن نؤنسن القصة يعني أن نحتمل التناقض.
أخطر ما يهدّد القصة الإنسانية هو الاستعجال: استعجال الإنتاج، استعجال الذروة، استعجال المعنى. لكن البطء ليس فضيلة بذاته. اللقطة الطويلة التي لا تضيف طبقة جديدة يجب أن تحذف. الإيقاع أخلاق غير مرئية: به نعطي الإنسان زمنه، دون أن ندلّل اللحظة.
الخطر في الاستعجال
أخطر ما يهدّد القصة الإنسانية هو الاستعجال: استعجال الإنتاج، استعجال الذروة، استعجال المعنى. لكن البطء ليس فضيلة بذاته. اللقطة الطويلة التي لا تضيف طبقة جديدة يجب أن تحذف. ليس كل صمت عميقا. الإيقاع أخلاق غير مرئية: به نعطي الإنسان زمنه، دون أن ندلّل اللحظة.
أخاف أن يُنسى كيف كانت الأمّ تنتظر، وكيف كان الأب يسأل العائدين عن عائلته، وكيف كان الشاب يتنفس دخانا ليبقى حيّاً. أخاف أن يتحول التاريخ إلى جدول إحصائي بلا وجوه. إن أنسنة القصة ليست تقنية تصوير، وليست حيلة عاطفية. هي قرار: أن ترى الإنسان قبل الحدث، وأن تترك له مساحة ليظهر كما هو، في كلامه وصمته، في ضعفه وقوته، في تناقضه. أن تقبل أن فيلمك أو قصتك قد يخرجان مختلفين عمّا خططت له؛ لأن القصة حين تترك لتتنفس تصنع شكلها بنفسها.
في النهاية، لا أبحث عن مشهد يُبكي ولا عن حشو معلومات وأرقام يُزينها قصة إنسان مبتورة. أبحث عن لحظة صادقة لا تحتاج إلى شرح: لحظة يبقى فيها الإنسان إنسانا، لا رقما ولا مثالا ولا دليلا على شيء.