أنسنة القصة؛ كيف نعيد الإنسان إلى مركز السرد؟

يا الله، ما أحلى حكايات الجدات. حتى حين كانت تبدو مخيفة ظلت تملك قدرة غريبة على البقاء. تمر السنوات وتبهت تفاصيل كثيرة لكن الحكاية تظل قادرة على استدعاء نفسها كاملة: نبرة الصوت وتوتّر اللحظة والنهاية التي كنا ننتظرها ونحن نحبس أنفاسنا.

في الصف الأول الابتدائي كان منهجنا يرتكز على حكاية " أمل وعمر". من حياتهما تعلمنا الأرقام والحساب، وتعلمنا اللغة والعلوم؛ كأن المعرفة لا تدخل إلينا إلا وهي تمشي على قدمي حكاية.

وأظن كثيرين يشاركونني هذا: أخذنا بعض معلوماتنا عن الحياة والتاريخ وغيرها عبر الروايات التي قرأناها، وعبر متابعة بطلٍ يتقدم في الطريق، فنشعر به بل نتخيل أنفسنا مكانه ونتوقع ردود أفعاله. الحكاية أجمل وأقوى حين تكون حكاية إنسان يشبهنا: يخاف إذا خافنا، ويضعف إذا وضع في موضع ضعف، ويقاوم، ويفعل الخير، ويرتكب الخطيئة أيضا مثلنا تماما؛ لأن هذا ما يجعل التجربة قابلة للفهم والتذكر.

هذه فطرتنا، وفطرة أي قارئ أو مشاهد: إنه في النهاية إنسان، وقصة إنسان آخر تشده. نحن فضوليون ونعيش القصص ونتفاعل معها. وفي عالمنا نتذكر الحكايات أكثر مما نتذكر الجداول والأرقام.

لذلك، فإن السؤال الذي يواجه صناع القصص ليس: ماذا حدث فقط؟ بل: كيف عاشه الإنسان؟

 

الإنسان محور السرد

منذ أن بدأت الاشتغال بصناعة الأفلام والقصص، لم تكن الحروب على غزة تتوقف. نحن جيل نشأ في أتون الانتفاضات والحروب، ومارس المهنة مع العدوان على غزة نهاية 2008. ورغم أنني بدأت صحفيا في الصحافة المكتوبة، إلا أنني سرعان ما انتقلت إلى إنتاج الأفلام الوثائقية.

كان زملائي الصحفيون يغطون الأخبار ويعلنون أرقام الضحايا وأعداد الصواريخ وحجم المباني المدمرة، وينشرون تفاصيل الحرب اليومية، أما أنا وفريقي وبحكم تخصصنا فكنا نبحث عن قصص الإنسان الذي يعيش هذا الألم وهذه الحرب ويتفاعل معها. لم يكن الحدث هو المهم بقدر الإنسان الذي يعيش فيه. في البدايات ربما لم نكن نعرف أننا " نؤنسن" القصص بقدر ما كنا نبحث عن شيء مختلف خلف الأرقام ولغة الأخبار السريعة.

 وهنا لا أضع الأخبار الصحفية والقصص المؤنسنة في مقارنة أو مفاضلة؛ فلكل واحدة وظيفتها. لكن أنسنة الأرقام وتحويلها إلى حياة يمكن لمسها، كانت دائما سؤالنا الأهم.

فهمت لاحقا أن القاعدة الأولى في أنسنة القصة تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان هو محور السرد، لا الحدث. الحدث حاضر، لكنه لا يتقدم بوصفه "بطلا" بل بوصفه قوة تدفع الإنسان وتضغطه وتكشفه: كيف تفاعل معه؟ كيف تغير بسببه؟ ماذا أخذ منه وماذا ترك فيه؟ حين نراقب السلوك وردود الأفعال وأساليب التكيف والانكسار والنجاة نبدأ فعليا أنسنة القصة: أن نتعامل مع الإنسان بصفته قيمة وفاعلا وحياةً، لا كعنوانٍ أو راوٍ لحدث فقط.

كنا نظن أن أنسنة القصص حكر على الألم والمعاناة والحروب – ربما بحكم ظروفنا نحن الفلسطينيين الذين نعيش معاناة دائمة – لكن بعد ذلك فهمت أن الأنسنة يمكن أن تدخل أي موضوع: اقتصاد، بيئة، مجتمع، تكنولجيا؛ لأن الإنسان في النهاية هو أكثر من يتأثر ويتفاعل. من يسمع الأخبار ويشاهدها قد يألف لغة الأرقام، وقد يتبلد أمام تكرارها، بينما القصة الإنسانية تأخذه إلى طبقة أعمق: إلى تفاصيل تلامسه فتجعله يفهم المعنى ويعيش في خلفياته، لا يستهلك "وجبات جافة" سريعة. أما القاعدة الثانية فهي اختبارنا الدائم قبل الدخول في قصة جديدة: هل يجد المشاهد "المشترك الإنساني"  في الحكاية: الخوف والحب، الشجاعة والجبن، الخير والشر؛ كي يشعر بالآخر ليس كحالة بعيدة، بل بصفته إنسانا؟

فهمت لاحقا أن القاعدة الأولى في أنسنة القصة تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان هو محور السرد، لا الحدث. الحدث حاضر، لكنه لا يتقدم بوصفه "بطلا" بل بوصفه قوة تدفع الإنسان وتضغطه وتكشفه: كيف تفاعل معه؟ كيف تغير بسببه؟ ماذا أخذ منه وماذا ترك فيه؟ 
 

في بداياتي كنت أذهب إلى التصوير بفكرة جاهزة: أريد فيلما عن الحرب، عن الحصار، عن الإبادة. ثم أبحث عن إنسان يملأ هذا الإطار. كنت أظن أنني أؤنسن الموضوع، لكنني في الحقيقة كنت أبحث عن إثبات. الفكرة المسبقة تضيق بالإنسان؛ تطلب منه أن يختصر نفسه كي يخدمها. ومع الوقت تعلمت أن الفكرة التي لا تتغير أثناء التصوير ليست فكرة حية، وأن الإنسان إذا لم يفاجئني فأنا لم أقترب بما يكفي.

 في حرب الإبادة الأخيرة، دخلت مشروعا مع مؤسسة صحفية، وكان الطلب يبدو غريبا: نريد أن نتحدث عن كيفيّة تأثير الحرب على التغيّر المناخي. وجدته - أنا والمحررة- موضوعا جافا إلى حد الاستفزاز: التغير المناخي مهمّ، لكن هل يطرح بهذه الطريقة وسط موت لا يتوقف؟ كان سهلا أن أملأ الإطار بلقطات سريعة وخبراء ومعلومات. لكنه لم يكن ما أبحث عنه.

الذي قادني إلى القصة لم يكن الموضوع، بل مشهد حرق البلاستيك والدخان الأسود الخارج من بين الركام: عيون محمّرة، وجوه كأنها خارجة من منجم فحم أو اغتسلت بمازوت، سعال يقطع النفس، وخيام يتسلل إليها السواد، وباعة يجمّعون البلاستيك ليقدموه لهم، وطائرات الدرون الإسرائيلية فوق الرأس تصدر صوتا ثابتا لا يرحل. كان المشهد يبدو كأنه مشهد من فيلم نهاية العالم.

شبان بين آلاف الأطنان من ركام بيوتهم المهدمة يشعلون نارا تحت أفران بدائية، يملؤونها ببقايا البلاستيك الذي جُمع من بيوت مقصوفة، فتخرج أعمدة دخان كثيفة تغطيهم سوادا. ومن تلك النار يخرج ما يشبه مادة بترولية تستخدم بديلا للبنزين والسولار. هنا فقط صار السؤال البيئي مفهوما: الحرب تدفع الناس للمغامرة بأرواحهم وصحتهم؛ إنهم يتنفسون المعادن الثقيلة، ويتطاير كل ذلك في السماء ويغطي خياما في منطقة واسعة. قصة شباب دُمرت حياتهم تحت الطائرات ثم صاروا يمارسون أخطر مهنة - تقتلهم مبكرا وتقتل البيئة معهم - لكنها، بحسب تعبير أحدهم " أخفّ ضررا من الصواريخ الإسرائيلية؛ على الأقل لا تقتلنا مباشرة ". عندها أدركت أن أنسنة القصة لا تعني إلغاء الموضوع الكبير، بل إدخاله في جسد الإنسان.

هاجسي لم يكن الاكتفاء بتصدير الأرقام، ولا الإسهام في تغذية ثقافة "استهلاك الألم". كان دوري أن أبحث عن طريقة لا أهون فيها من الألم، وفي الوقت نفسه أقرّب المشاهد من كيفية عيش الغزيّ لهذا الألم.

 

ثقافة "استهلاك الألم"

بصفتنا صناع أفلام تلفزيونية، كان من واجبنا أيضا أن نغطي الحرب بصفتنا صحفيين. لكن هاجسي لم يكن الاكتفاء بتصدير الأرقام، ولا الإسهام في تغذية ثقافة "استهلاك الألم". لم أرد للمشهد أن يصبح مألوفا إلى حد التخمة. كان دوري أن أبحث عن طريقة لا أهون فيها من الألم، وفي الوقت نفسه أقرّب المشاهد من كيفية عيش الغزيّ لهذا الألم. قد يراه من يبحث عن خبر عاجل تفصيلا هامشيا أو ترفا لا يحتمله إيقاع السبق؛ فالخبر لا ينتظر. أما صانع القصة فعليه أن ينظر بعين مختلفة، وبقدر أكبر من الصبر.

كنت أبحث عن قصة تقودني. كان هناك خبر صغير يروج على منصات التواصل الاجتماعي وبين الصحفيين: طفلان رضيعان خرجا من حضانة رُضّع ولا أحد يجد أهلهما. ثم ظهر أقارب لهما، تبين أن الأم والأب في الشمال، والطفلين في الجنوب. شعرت أن القصة في عنوانها ليست "عن الحرب" بل عن سؤال بسيط وقاسٍ: أين الأم؟

كانت امرأة تجلس في غرفة شمالَ غزة، تحاول أن تبقي ظهرها مستقيما، وكأن الاستقامة وحدها يمكن أن تمنع الانهيار. لم تكن تعرف أين توأمها. المسافة بينهما ليست مجرد جغرافيا؛ كانت فراغا حيًّا يسكن صدرها. وصلتُ إليها بعد بحث مفكرا في السؤال المناسب وفي مدخل يبرر وجودي، ثم أدركت أن السؤال سيكسر اللحظة. الصمت كان أوضح من أي إجابة.

هناك تأكدت من شيء لم أتعلمه من قبل: أنسنة القصة لا تبدأ بالكلام بل بالإنصات؛ أن تبقي الكاميرا شاهدة لا محققة، أن تقبل بأن بعض المعاني تظهر حين لا نتدخل، البطل لا يجب أن يسرد طوال الوقت؛ ففي الصمت معنى، وفي التجمّد أمام الكاميرا معنى، وفي الإيماءة معنى. الإنسان في الحياة لا يتكلم طوال حياته، وهو في قصتنا أيضا لا يحتاج أن يتكلم طوال الوقت كي نفهمه.

في فيلم: "توأم غزة، عودا إليَّ" لم أكن أريد أن أقول إن الحرب قاسية؛ هذا اكتشاف قديم. كنت أريد أن أرى كيف تنام أمّ لا تعرف أين طفلاها. كيف تنظر إلى باب مغلق وكأنها تنتظر أن يتحول إلى طريق. لم أحتج أن أطلب منها أن تتحدث عن الشوق؛ كان ظاهرا في نظرتها إلى الفراغ، في جملة تتوقف قبل نهايتها، في الطريقة التي كانت تمسك بها ملابس توأمها الغائبين. العاطفة لا تُنتزع، بل تترك.

وخالتهم نسرين التي رعتهما في جنوب قطاع غزة لم يكن مطلوبا منها أن تلقي خطابا عن الحرب أو تبكي ما حل بها. كان يكفي أن أتابعها وهي تحاول رعاية الطفلين وسط النزوح المتتالي والضغط. الحرب كانت في الهامش، والموت كان في الهامش، ليس لأنهما غير موجودين، بل لأنهما واضحان من السياق. المشاهد لا يحتاج كل مرة أن نضع الموت في مقدمة الإطار كي يفهمه؛ هو يريد أن يعيش قصة. وهذه القصة يمكن أن تبقى حية حتى بعد انتهاء الحرب.

أنسنة القصة لا تبدأ بالكلام بل بالإنصات؛ أن تبقي الكاميرا شاهدة لا محققة، أن تقبل بأن بعض المعاني تظهر حين لا نتدخل، البطل لا يجب أن يسرد طوال الوقت؛ ففي الصمت معنى، وفي التجمّد أمام الكاميرا معنى، وفي الإيماءة معنى. الإنسان في الحياة لا يتكلم طوال حياته، وهو في قصتنا أيضا لا يحتاج أن يتكلم طوال الوقت كي نفهمه.

 

لا تستدع الألم!

مرت عليَّ فترة كنت أعتقد أن نجاحي يقاس بقدرتي على استخراج الدموع. كنت أظن أن اللحظة الأكثر صدقا هي لحظة الانهيار. ثم بدأ سؤال آخر يتشكّل: هل مهمّتي أن أفتح الجرح كلّ مرة أمام العدسة؟ هل عليّ أن أضغط على الألم حتى يتكلم؟ الألم حين يُستدعَى قسرا يفقد معناه؛ يتحول إلى أداء. وأحيانا يكون القرار الأخلاقي هو أن أطفئ الكاميرا؛ ليس لأن المشهد ضعيف، بل لأن الإنسان يحتاج أن يحتفظ بجزء منه لنفسه. لذلك، لا تستجلب الألم والدموع لتجعل قصتك مؤثرة؛ أنت تقع في معضلتين: واحدة أخلاقية، وأخرى فنية. الصمت قد يكون أبلغ.

وفي تغطية عودة النازحين من جنوب القطاع إلى شماله، لم أكن أبحث عن تقرير. كنت أراقب أباً ينتظر عائلته بعد عام ونصف من الفراق. لم يقف أمام الكاميرا ليحكي عن اشتياقه؛ كان يسأل كل عائد عنهم. لم نسأله عن توتره؛ كان ظاهرا في مكالمته الهاتفية، في صوته الذي يحاول أن يبدو ثابتا، وفي الصمت القصير قبل أن يجيب. الكاميرا هنا ليست محاورا بل شاهدة. أحيانا أنسنة القصة تعني أن تمتنع عن السؤال.

عندما ظننت أنني أكثر نضجا، كنت مقتنعا بأن الكاميرا يجب ألا يشعر بها أبطال القصة، كأنها غير موجودة. كنت ألحّ على الفريق بأن نصور من دون أن يستشعر الأبطال حضورنا، وأطلب من شخصياتي أن تعيش كأن "لا كاميرا في المكان" ظنّاً مني أن ذلك سيمنحني لحظات صدق خالصة.

اكتشفت لاحقا أنني لم أكن ناضجا بما يكفي؛ كنت أبحث عن مثالية مستحيلة. فهذا غير ممكن تماما. نحن موجودون والكاميرا موجودة. أقصى ما يمكن فعله هو تقليل أثر حضورنا، ومنح الشخصية وقتا لتَألَف العدسة وتتصالح مع وجودها، لا أن تنساها كليّاً.

لا تُفرِط في المثالية؛ فالوهم قد يقودك إلى ادّعاء صدقٍ لا يملكه أحد.

 

بناء الثقة!

لكن ما يصنع الفارق الحقيقي هنا ليس مهارة الإخفاء، بل بناء الثقة: أن تشعر القصة - حتى لو لم تصرّح - أنك لا تستخدمها لتثبت فكرتك المسبقة، ولا لتنجز تقريرك أو فيلمك على حسابها، ولا لتضغطها كي تدخل قوالب جاهزة. أن تثق أنك تريد أن تسمعها وترويها كما هي، لا كما تريد أنت، وأن وجودك ليس اقتحاما للحظة، بل مشاركة لها: أنك تقترب من التجربة وتتحمل شيئا من ثقلها، لا لتتاجر بها بل لتفهمها وتمنحها شكلا يمكن أن يُرى ويُسمع بكرامة.

وهنا تظهر خصوصية العمل حين يكون الصحفي أو صانع الأفلام ابن البيئة نفسها، يعيش الظروف ذاتها ويتشارك التجارب مع قصصه خصوصا هنا في فلسطين، أو في أي مكان تكون فيه الحكاية جزءا من حياتك اليومية. هذا القرب قد يساعدك على الفهم، لكنه قد يوقعك في فخ آخر: أن تعكس قصتك أنت، لا قصتها هي. لذلك كان علينا دائما أن نترك مسافة بيننا وبين القصة؛ لا نريد أن نثبت وجهة نظرنا بقدر ما نريد أن نسرد حكاية الإنسان. نحن نقترب كي نفهم، ثم نبتعد قليلا كي لا نبتلع الحكاية باسم " المعرفة" أو "التجربة المشتركة ".

 

نحن لا نصنع دراما!

ومع ذلك، في القصص السريعة ليس من الرفاهية أن نقول إننا سنبقي الكاميرا مفتوحة حتى تكتمل القصة وحدها. أحيانا لا بد من توجيه، لكن توجيه بحد أدنى: لا يغيّر القصة، بل يسرّع روايتها، وكلما قلّ هذا التدخل كانت القصة أصدق وأكثر عفوية. نحن لا نصنع دراما؛ نحن نسرد واقعا، ونحاول أن نتركه يقول ما يستطيع قوله دون أن نُلبسه ما ليس فيه.

وإذا أنسنّا القصة فلا يعني ذلك أن تكون الشخصية ضحية دائما، أو خيّرة دائما، أو إيجابية دائما. الإنسان ليس ضحية باستمرار ولا بطلا باستمرار؛ هو كل ذلك معا. وقدرتنا على أن نعكسه في حالاته المختلفة هي معيار صدقنا. قد يكون في لحظة هاربا من موت إلى مخاطرة أخرى. قد يفعل ما يبدو غير نظيف أو بطولي. إظهار هذا التعقيد مخاطرة لأنه قد يربك التعاطف، لكن الصورة الواضحة ليست دائمًا الصورة الصادقة. الفهم لا يعني التسويغ، لكنه يحتاج سياقا. أن نؤنسن القصة يعني أن نحتمل التناقض.

أخطر ما يهدّد القصة الإنسانية هو الاستعجال: استعجال الإنتاج، استعجال الذروة، استعجال المعنى. لكن البطء ليس فضيلة بذاته. اللقطة الطويلة التي لا تضيف طبقة جديدة يجب أن تحذف. الإيقاع أخلاق غير مرئية: به نعطي الإنسان زمنه، دون أن ندلّل اللحظة.

الخطر في الاستعجال

أخطر ما يهدّد القصة الإنسانية هو الاستعجال: استعجال الإنتاج، استعجال الذروة، استعجال المعنى. لكن البطء ليس فضيلة بذاته. اللقطة الطويلة التي لا تضيف طبقة جديدة يجب أن تحذف. ليس كل صمت عميقا. الإيقاع أخلاق غير مرئية: به نعطي الإنسان زمنه، دون أن ندلّل اللحظة.

أخاف أن يُنسى كيف كانت الأمّ تنتظر، وكيف كان الأب يسأل العائدين عن عائلته، وكيف كان الشاب يتنفس دخانا ليبقى حيّاً. أخاف أن يتحول التاريخ إلى جدول إحصائي بلا وجوه. إن أنسنة القصة ليست تقنية تصوير، وليست حيلة عاطفية. هي قرار: أن ترى الإنسان قبل الحدث، وأن تترك له مساحة ليظهر كما هو، في كلامه وصمته، في ضعفه وقوته، في تناقضه. أن تقبل أن فيلمك أو قصتك قد يخرجان مختلفين عمّا خططت له؛ لأن القصة حين تترك لتتنفس تصنع شكلها بنفسها.

في النهاية، لا أبحث عن مشهد يُبكي ولا عن حشو معلومات وأرقام يُزينها قصة إنسان مبتورة. أبحث عن لحظة صادقة لا تحتاج إلى شرح: لحظة يبقى فيها الإنسان إنسانا، لا رقما ولا مثالا ولا دليلا على شيء.

مقالات ذات صلة

توظيف البيانات في قصص الزلازل.. ابحث عن الإنسان

ماهي أبرز استخدامات البيانات في قصص الزلازل؟ وكيف يمكن أن تبرِز القصص الإنسانية بعيدا عن الأرقام الجافة؟ ومتى تصبح حيوية لغرف الأخبار لفهم تأثيرات الزلازل على الطبيعة والإنسان؟  الزميلة أروى الكعلي تشرح كيف يمكن توظيف البيانات لفهم أعمق للزلازل.

Arwa Kooli
أروى الكعلي نشرت في: 17 سبتمبر, 2023
القصة الإنسانية في غزة.. الحيرة القاتلة "عمن نحكي"!

في سياق تتسارع فيه وتيرة الإبادة الجماعية، هل يتجاوز "إيقاع" الموت بغزة قدرة الصحفيين على معالجة القصص الإنسانية؟ وكيف يطلب منهم التأني في كتابة القصص في ظروف الجوع والنزوح والموت؟ وإلى أي حد يمكن أن يشكل التوثيق اللاحق للحرب قيمة صحفية في حفظ الذاكرة الجماعية وملاحقة الجناة؟

Mirvat Ouf
ميرفت عوف نشرت في: 28 يوليو, 2025

المزيد من المقالات

الجذور السياسية والرقمية لتغييب حرب السودان

يكشف المقال عن "مسافة صمت" قاسية تجاه حرب السودان، مع التراجع الكبير في التغطية عربياً وعالميًا. يعزو الكاتب هذا التغييب إلى أسباب عدة منها تفضيل الخوارزميات، والتهميش الجيوسياسي، وتدمير الإعلام المحلي.

Mohammed Babiker Al-Awad
محمد بابكر العوض نشرت في: 15 يونيو, 2026
كأس العالم 2026: هل انتهت تغطية الأحداث الرياضية كما نعرفها؟

كيف تحولت بطولات كأس العالم من فضاء تحتكره المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى بيئة رقمية متعددة المنصات، خصوصاً بعد مونديال قطر 2022 الذي شكل نقطة التحول الفاصلة بإنهاء زمن القناة الواحدة والمذيع التقليدي، لتبدأ حقبة يقودها صناع المحتوى، الخوارزميات، والجمهور التفاعلي.

محمد النخالة نشرت في: 7 يونيو, 2026
اليسار واليمين في جبهة واحدة ضد الصحافة في أمريكا الجنوبية

في أمريكا اللاتينية، تبدو الصحافة عالقة في مواجهة مفتوحة مع السلطة، سواء كانت يسارية أو يمينية. فمن المكسيك إلى الأرجنتين و فنزويلا، تتعرض وسائل الإعلام الناقدة للمضايقة والتشهير والملاحقة القضائية، بينما تحظى وسائل الإعلام القريبة من السلطة بالامتيازات. ويكشف هذا الواقع أن الخلاف الأيديولوجي بين اليسار واليمين لا يمنع تقاطعهما في الحساسية تجاه النقد الصحفي.

Noe Zavaleta
نوا زافاليتا نشرت في: 3 يونيو, 2026
من الأدلة إلى العواطف: كيف أعادت "الحقائق البديلة" تشكيل النقاش العام

يحلل كتاب "ما بعد الحقيقة: مصداقية الخطاب العلمي في عصر الحقائق البديلة" تحول النقاش العام، حيث أصبحت العاطفة والهويات السياسية تتقدم على الحقائق الموضوعية في تشكيل الرأي العام. ينطلق الكتاب من صعود الشعبوية والثورة الرقمية اللذان أسهما في انتشار "الحقائق البديلة" عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستفيدين من التحيزات المعرفية و الإغراق المعلوماتي وغرف الصدى.

أحمد نظيف نشرت في: 31 مايو, 2026
"الأنسنة" وتجربة الشعور: حين تتجاوز وظائف القصة الصحفية استعطاف الجمهور

بين أنسنة القصة الإنسانية والاستعطاف المبني على المبالغات حدود فاصلة. من الهجرات والكوارث الطبيعية إلى التفاصيل اليومية لمعيش الناس تتجاوز القصة الصحفية الإنسانية جمود التغطيات الإخبارية بحثا عن المعنى و"تجربة الشعور".

جنى الدهيبي نشرت في: 24 مايو, 2026
كيف نُعد القصة الصحفية الإنسانية في البودكاست؟

هل يختلف إعداد قصة صحفية إنسانية للبودكاست عن باقي القوالب الأخرى؟ وماهي زوايا المعالجة التي تركز عليها؟ وكيف يمكن أن يصبح المستمع شريكا في تجربة السردية؟

وفاء خيري نشرت في: 20 مايو, 2026
عن سوء الفهم بين الإعلام والدبلوماسية

لماذا يتولد الانطباع بأن التغطية الإعلامية للحروب تميل إلى سرديات التصعيد أكثر من إبراز المسارات الدبلوماسية؟ وهل العلاقة بين الإعلام والدبلوماسية تقوم على تعارض فعلي، أم أنها ناتجة عن اختلاف في الوظيفة والإيقاع؟ وكيف تؤثر طبيعة اللغة في كل منهما على فهم الجمهور للأحداث؟

Said Al-Azri
سعيد العزري نشرت في: 21 أبريل, 2026
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح مخرجا للأفلام الوثائقية؟

يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة في صناعة الأفلام الوثائقية، من فرز الأرشيف وتحليل الصور إلى تسريع عمليات الإنتاج. لكن جوهر الفيلم الوثائقي لا يقوم على التقنية وحدها، بل على رؤية المخرج وقدرته الإبداعية على طرح الأسئلة وبناء المعنى. فالتجربة الإنسانية والارتجال والتأمل عناصر يصعب اختزالها في خوارزميات أو قوالب جاهزة. هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مثلا، أن يخرج فيلما مثل "فاشية عادية"؟

Bashar Hamdan, investigative producer and documentary filmmaker at Al Jazeera Media Network
بشار حمدان نشرت في: 5 أبريل, 2026
ملفات إبستين وإستراتيجية الإغراق الإخباري

تكشف ملفات إبستين مفارقة كبرى: وفرة المعلومات لا تعني فهما أعمق للقضايا، فإغراق الجمهور بملايين الوثائق دون تنظيم يزرع الشك في مصداقيتها. هنا يستعيد الصحفي دوره كمنقب عن المعنى، يفرز ويختار، في مواجهة تدفق مقصود قد يُستخدم لإخفاء ما هو أهم.

Ilya إيليا توبر 
إيليا توبر  نشرت في: 1 أبريل, 2026
الصحافة بعد إبادة غزة.. انتهت حرب وبدأت حروب أخرى!

ماهي أولويات الصحفيين بعد حرب الإبادة الجماعية في فلسطين؟ كيف يمكن للصحافة أن تتحول إلى أداة لتوثيق جرائم الحرب ورواية القصص الإنسانية؟ يوسف فارس، الذي وثق مئات القصص الإنسانية خلال الحرب على غزة، يعترف أن حرب الإبادة بنسقها اليومي، كانت أكثر سهولة من التفكير في قصص في اليوم التالي للحرب.

Yousef Fares
يوسف فارس نشرت في: 17 مارس, 2026
هل صنعت خطابات نتنياهو وترامب أجندة الإعلام الغربي؟

من خطابَي ترامب ونتنياهو لتبرير الحرب على إيران… إلى غرف الأخبار. هل تصنع الخطابات السياسية أجندة وسائل الإعلام في زمن الحروب؟ وكيف تساهم اللغة الإعلامية في شرعنة الحروب وصياغة "الرواية المقبولة" لدى الجمهور؟ وإلى أي مدى يمكن لخطاب الإعلام أن يؤطر الأحداث، ويعيد إنتاج الرواية الرسمية، ويؤثر في تشكيل الرأي العام؟

Shaimaa Al-Eisai
شيماء العيسائي نشرت في: 6 مارس, 2026
هل استفادت دول الجنوب من الثورة الرقمية؟

كان الأمل كبيرا لدى الباحثين أن تقلص الثورة الرقمية الفجوة بين دول الشمال والجنوب، لكن استفحال الاستبداد السياسي وسلطة الشركات التكنولوجية الكبرى، أشعل أسئلة حارقة عن جهود الكفاءات المحلية في تأسيس بديل منفلت من قمع السلطة ورقابة الشركات الكبرى.

Al-Shafi Abtidon
الشافعي أبتدون نشرت في: 23 فبراير, 2026
الصحافة في غزّة.. سباق ضدّ قطار الإبادة

تستمر مجلة الصحافة في مشروعها التوثيقي لشهادات الصحفيين في فلسطين وفي قطاع غزة الذي تعرض لحرب الإبادة الجماعية، وفي الشهادة التالية لأميرة نصار نعثر على تفاصيل دقيقة، وحوارات شخصية، وصراعات لا تنتهي حول الجدوى من الكتابة في زمن القتل والجوع. إنها شهادة ضد النسيان، وضد قطاع الإبادة.

Amira Nassar
أميرة نصار نشرت في: 15 فبراير, 2026
السرد الصحفي أو إعادة اكتشاف "اليومي المحتقر"

متى أصبح السرد في الصحافة مهما؟ وكيف تحولت التفاصيل اليومية إلى مادة أساسية للعمل الصحفي؟ وماهي الحدود بين الرواية والصحافة؟ الكاتب والروائي عبد الكريم جويطي، يؤصل في هذا المقال الجذور التاريخية لولادة "الحكاية الصحفية".

عبد الكريم جويطي نشرت في: 1 فبراير, 2026
قضايا الهجرة ومأزق التأطير في الصحافة الغربية

كيف تؤثر الصحافة الغربية في تشكيل سردية الهجرة؟ ما الأطر الصحفية الأكثر استخداما في تغطية قضاياها؟ وهل تغطية المظاهرات المناهضة للهجرة محايدة أم مؤدلجة؟ الزميلة سلمى صقر تحلل تغطيات لجانب من الصحافة الغربية تماهت مع خطاب العنصرية الذي يتبناه أقصى اليمين.

Salma Saqr
سلمى صقر نشرت في: 29 يناير, 2026
من الخبر إلى التوثيق.. دروس عملية من تغطية الحرب على غزة

منذ اللحظة الأولى لحرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة، كان هشام زقوت، مراسل الجزيرة، شاهدًا على الجوع والدمار وجرائم الحرب، وعلى اغتيال زملائه في الميدان. إنها معركة من أجل البقاء والتوثيق، تتجاوز مجرد التغطية ومتابعة التفاصيل اليومية.

Hisham Zakkot
هشام زقوت نشرت في: 25 يناير, 2026
في غزة.. شهادات لم تُروَ

في هذا المقال يروي الصحفي محمد أبو قمر عن الكلفة الإنسانية لمهنة الصحافة تحت نار الحرب الإسرائيلية؛ من الاعتقال والتعذيب، إلى مطاردة الصحفيين بالتحريض والقتل، ثم مواصلة التغطية وسط النزوح والجوع وانهيار مقومات الحياة. نشرت الشهادة في كتاب "وحدنا غطينا الحرب" الصادر عن معهد الجزيرة للإعلام.

محمد أبو قمر  نشرت في: 22 يناير, 2026
الصحة شأن سياسي، وعلى الصحافة أن تكون كذلك

يدافع المقال عن أطروحة جوهرية مفادها أن الصحة، باعتبارها قضية مجتمعية مركزية، لا يمكن فصلها عن السياسات العامة والقرارات السياسية التي تحدد مآلاتها. ومن ثم، فإن دور الصحفي لا يقتصر على نقل المعلومات الطبية أو تبسيط المصطلحات للجمهور، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة السياسات الصحية بحس نقدي، وتحليل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بما يعيد النقاش إلى جوهره: الصحة كحق عام ومسؤولية سياسية قبل أن تكون شأنا تقنيا.

أنيس الجرماني نشرت في: 13 يناير, 2026
الفيلم الوثائقي القصير.. الذاكرة المضادة للإبادة

فرضت تغطية حرب الإبادة الجماعية على غرف الأخبار إيقاعا سريعا من المتابعات اليومية همش الكثير من القصص الإنسانية الصحفية. في هذه المساحة، يشتغل الفيلم الوثائقي القصير على البحث عن زوايا إنسانية تمثل امتدادا لعمل غرف الأخبار في التغطية الإخبارية، وترسيخا للذاكرة الجماعية ضد رواية الاحتلال.

Bashar Hamdan, investigative producer and documentary filmmaker at Al Jazeera Media Network
بشار حمدان نشرت في: 4 يناير, 2026
كيف تجعل الصحافة أزمة المناخ قضية الناس؟

بين استيراد منظومة مفاهيم ومصطلحات غربية لا تنسجم مع البيئة العربية، وإنكار الأزمة المناخية أو العجز عن تبسيطها وشرحها للناس، تبرز قيمة الصحافة في تنوير الجمهور وإظهار أن قضايا التغير المناخي تمس جوهر الحياة اليومية للإنسان العربي.

Bana Salama
بانا سلامة نشرت في: 24 ديسمبر, 2025
كيف ولدت حركة الصحافة السرديّة في الصحافة الأمريكية المطبوعة؟

يستعرض المقال السياق الذي نشأت فيه الصحافة السردية في الولايات المتحدة منذ مقالة جون هيرسي "هيروشيما" في أربعينات القرن العشرين، وصولا إلى الصحافة "الجديدة" مع توم وولف وغاي تاليس وجوان ديديون، وكيف أسهم تبني وسائل الإعلام لهذا النمط من الصحافة في صعودها ونضوجها وترسّخ تقاليد معروفة لها في الصنعة الصحفية.

Mohammad Zeidan
محمد زيدان نشرت في: 21 ديسمبر, 2025
أي صورة ستبقى في الذاكرة العالمية عن غزة؟

أي صورة ستبقى في المخيلة العالمية عن غزة؟ هل ستُختصر القصة في بيانات رسمية تضع الفلسطيني في خانة "الخطر"؟ أم في صور الضحايا التي تملأ الفضاء الرقمي؟ وكيف يمكن أن تتحول وسائل الإعلام إلى أداة لترسيخ الذاكرة الجماعية وصراع السرديات؟

Hassan Obeid
حسن عبيد نشرت في: 30 نوفمبر, 2025
ماذا يعني أن تكون صحفيا استقصائيا اليوم؟

قبل أسابيع، ظهرت كارلا بروني، زوجة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وهي تزيل شعار منصة "ميديا بارت". كانت تلك اللحظة رمزا لانتصار كبير للصحافة الاستقصائية، بعدما كشفت المنصة تمويل القذافي لحملة ساركوزي الانتخابية التي انتهت بإدانته بالسجن. في هذا المقال، يجيب إدوي بلينيل، مؤسس "ميديا بارت"، وأحد أبرز وجوه الصحافة الاستقصائية العالمية، عن سؤال: ماذا يعني أن تكون صحفيًا استقصائيًا اليوم؟

Edwy Plenel
إدوي بلينيل نشرت في: 25 نوفمبر, 2025
مذكرة BBC المسربة.. ماذا تكشف الأزمة؟

كيف نقرأ تسريب "مذكرة بي بي سي" حول احترام المعايير التحريرية؟ وهل يمكن تصديق أن الفقرة المتعلقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت وراء موجة الاستقالات في هرم الهيئة البريطانية، أم أن الأمر يتعلق بالسعي إلى الاستحواذ على القرار التحريري؟ وإلى أي حد يمكن القول إن اللوبي الصهيوني كان وراء الضغط على غرف الأخبار؟

 Mohammed Abuarqoub. Journalist, trainer, and researcher specializing in media affairs. He holds a PhD in Communication Philosophy from Regent University in the United States.محمد أبو عرقوب صحفي ومدرّب وباحث متخصص في شؤون الإعلام، حاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة الاتّصال من جامعة ريجينت بالولايات المتحدة الأمريكية.
محمد أبو عرقوب نشرت في: 21 نوفمبر, 2025